إسلام ويب

إخلاص العبادة لله وحدهللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن التوحيد أوجب الواجبات على العبد، وما من رسول إلا ودعا قومه إلى التوحيد الخالص، فلا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وقد دلت على ذلك الكثير من الأدلة في الكتاب والسنة.

    1.   

    التوحيد أوجب الواجبات على العبد

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أَمَرَنا بإخلاص التوحيد له، وأوجب علينا طاعته وعبادته، وحذرنا من الإشراك به والوقوع في معاصيه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، وحبيبه وخليله المجتبى، أرسله بالحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ودعا إلى الدين الحق عقيدةً وشريعةً، عبادةً وأخلاقاً ومنهجَ حياة، دعا عليه الصلاة والسلام لتثبيت العقيدة ثلاثة عشر عاماً في مكة ، وواصل ذلك في المدينة ، وما ذاك -أيها المسلمون- إلا لأن العقيدة هي القاعدة والأساس والأصل لدين الإسلام، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته وتمسك بسنته إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    أيها المسلمون في هذه البقعة المباركة: أيها المسلمون في أرجاء العالم الإسلامي بأسره! اتقوا الله عز وجل واشكروه على ما مَنَّ به عليكم مِن نعمة الإسلام.

    عباد الله: اعلموا -رحمكم الله- علمَ يقينٍ يتبعه عمل أن أوجب الواجبات على العبد معرفة توحيد الله عز وجل وما يضاده ويناقضه من الشرك، ولاسيما في هذا الزمن الذي طغت فيه موجات الفتن والشهوات والشبهات، وفي هذا العصر الذي قامت فيه أعاصير الفسق والفساد، وانتشر فيه الجهل واتباع الأهواء، وكثرت الفرق والطرق الضالة والمذاهب والأحزاب المنحرفة كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53] وثارت فيه براكين الإلحاد والكفر والزندقة والمنكرات والبدع والمعاصي والخرافات، وتكتَّل فيه أعداء الإسلام والمسلمين -على اختلاف مللهم- على الأمة الإسلامية حتى كبرت المحنة وعظمت المصيبة وعاد الإسلام غريباً بين أهله، ومِن هنا زادت الأهمية وعظم الواجب على العباد في تحقيق التوحيد بأنواعه -توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات- وإخلاص العبادة لله وحده، والبُعد عن الشرك ووسائله وأسبابه، والحرص على سد الذرائع والطرق الموصلة إليه.

    أدلة وجوب صرف العبادة لله وحده

    أيها المسلمون! لقد امتلأت الأدلة السمعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالحث على وجوب صرف العبادة لله وحده لا شريك له يقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] ويقول عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ويقول سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36] ويقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:23] وبين تبارك وتعالى أن توحيد الله في العبادة هو أول ما دعا إليه الرسل أقوامَهم قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] وقال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] وكل نبي من أنبياء الله يدعو قومه بادئاً بقولـه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] وهذا خاتم الأنبياء وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم أمره الله بقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي [الزمر:11-14] .

    فالعبادة -يا عبد الله- بجميع أنواعها لا بد أن تُصرَف لله وحده ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله كائناً مَن كان قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] فلا نَذْر إلا لله، ولا دعاء إلا له، ولا ذبح إلا له، ولا استغاثة ولا استعاذة ولا استعانة ولا حلف إلا به، ولا توكل إلا عليه، سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علواً كبيراً.

    تلازم التوحيد الخالص مع النصر والتمكين

    تلك أهم مقومات عقيدة المسلمين التي بها قوام أمرهم وصلاح حالهم، وبها قوتهم وعزتهم وانتصاراتهم وأمنهم الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    وما انتصر المسلمون السابقون على أعدائهم وفتحوا البلاد في مشارق الأرض ومغاربها إلا بهذه العقيدة الصحيحة الصافية من شوائب الشرك والخرافات، ولا خلاص ولا مناص مما يعيشه المسلمون اليوم من فتن وتناحر وتدهور وذلة، ولا حل لمشكلاتهم كلها إلا بالعودة الصحيحة الصادقة إلى العقيدة الإسلامية وتحكيم شرع الله عز وجل في كل كبير وصغير من أمورهم، وإننا لنحمد الله عز وجل أن وفقنا في هذه البلاد المباركة للسير على هذا الطريق الذي جدده وأعلى كيانه الإمامان العظيمان: محمد بن سعود ، ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة ونفع بذراريهم، فسارا بهذه البلاد على طريق العقيدة الصحيح السلفي النقي من الشوائب، ولا تزال بلادنا والحمد لله وستزال بمشيئة الله وعونه تنعم بذلك قادةً وعلماءَ وشعباً إلا أننا نلمس قصوراً ظاهراً من بعض أبناء المسلمين وتساهلاً بيِّناً من آخرين في أمر هذه العقيدة، وهي مسئوليتنا جميعاً لإعادة ما اندرس من أمرها وإبعاد ما عَلِق بها وران عليها من مُحدثات، وتتجسد هذه المسئولية على العلماء وطلبة العلم الذين يملكون سلطان البيان والبلاغ.

    إصلاح التوحيد يا حجاج بيت الله الحرام

    أيها المسلمون حجاج بيت الله الحرام: تنبهوا جيداً لأمر العقيدة، واعلموا أن أول المهمات على الحاج: إصلاح عقيدته، والبُعد عن الشرك ووسائله، ومن تأمل حال الحجيج اليوم في هذا الأمر عظُم أساه واشتد أسفه؛ وذلك لأن الكثير منهم يقع في الشرك بالله عز وجل شَعَرَ أو لَمْ يشعر، فكثيراً ما نسمع دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله من الأشخاص الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم بل ربما يكونون من الأموات، وهذا من أعظم أبواب الشرك بالله، وكثيراً ما نسمع الحلف بغير الله وكثيراً ما نشاهد البدع والخرافات القولية والعملية.

    فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله يا حجاج بيت الله الحرام، أصلحوا عقيدتكم ما دمتم في زمن الإمهال، ووالله لا ينجو من أهوال يوم القيامة وتضاربه إلا صاحبُ القلب السليم المفعم بنور العقيدة الصافية.

    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم احفظ على هذه البلاد عقيدتها، اللهم احفظ عليها أمنها وإيمانها، اللهم قِها شر أعدائها، اللهم أصلح قادتها ووفقهم لتأييد الحق وأهله ودحر الباطل ومروجيه.

    اللهم من أرادنا وأراد عقيدتنا بسوء فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره، اللهم اجعل كيده في نحره يا رب العالمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه كان غفاراً.

    1.   

    القرآن والسنة يحذران من الشرك بالله

    الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافة فأشاد صرح التوحيد وأعلى مناره، وطمس الشرك ومحا آثاره، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وأطيعوه وأنيبوا إليه وأسلموا له، واحذروا من الشرك فإن الشرك محبطٌ للأعمال مفسدٌ للأحوال، وأهله أشطن وأشر وأظل مَن على وجه الأرض، قال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] وقد كثرت الأدلة الشرعية على التحذير من الشرك وما يجره على العباد من خزي وعذاب يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء:48] وفي الآية الأخرى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:116] ويقول عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] ويقول سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] ويقول: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] ويقول سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] .

    وفي الحديث الصحيح في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات: ... وذَكَرَ أولها وأكثرها وأشيعها، وهو: الشرك بالله عز وجل ) والموبقات: هي المهلكات.

    وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ) .

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار ) رواه البخاري .

    وإن مما يَحُزُّ في النفس -مع عظيم هذا الوعيد- ما نشاهده ونلمسه في كثير من البقاع من انتشار الشرك بالله وعبادة غير الله من مثل القبور والتواصي بها وسؤالها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وشفاء المرضى، وإدرار الرزق وغير ذلك من الأمور التي لا يملكها إلا الله عز وجل.

    فاتقوا الله -عباد الله- وحققوا توحيده قولاً وعملاً واعتقاداً، واحذروا الشرك أكبره وأصغره؛ تُقْبَلُ أعمالُكم، وتُغفَر زلاتكم، وتصلح أحوالكم في الدنيا والآخرة.

    عباد الله: صلوا وسلموا على محمد بن عبد الله أكمل الخلق توحيداً كما أمركم الله بذلك بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وسائر الصحابة والتابعين، اللهم ارضَ عنا معهم برحتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.

    اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل -اللهم- ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم أيد بالحق إمامنا وعلماءنا وولاة أمرنا، اللهم أعزهم بالإسلام، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرِّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين، اللهم اجعلهم صالحين مصلحين هادين مهتدين يا رب العالمين!

    اللهم عليك بأعداء الدين أينما وُجِدوا وحيثما حلوا، اللهم عليك بهم عاجلاً غير آجل، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم مُنَّ على المسلمين بصلاح قاداتهم وعلمائهم وشبابهم ونسائهم يا رب العالمين!

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللهم وَلِّ علينا خيارنا، وارزق ولاة أمرنا البطانة الصالحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر يا رب العالمين!

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.