إسلام ويب

ولا تفرقواللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حث الله سبحانه وتعالى في كتابه على التآلف والاعتصام ونبذ الفرقة والاختلاف، والأحاديث أيضاً في هذا الباب كثيرة، فأول ما بدأ به صلى الله عليه وسلم بعد دعوة الناس لعبادة الله هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج، والفرقة من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى هزيمة الأمة أمام أعدائها.

    1.   

    الوحدة والتآلف أهم ما تتميز به أمة محمد صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله، وبحمده يستفتح الكلام، والحمد لله حمده من أفضل ما تحركت به الألسن وجرت الأقلام، أحمده تعالى على الدوام، وأشكره على ما هدانا للإسلام، وأبان لنا الحلال والحرام، وشرع لنا الشرائع وأحكم الأحكام، وأمرنا بالبر والاجتماع على الحق والاعتصام، ونهانا عن الجفاء وسائر الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القدوس السلام، ولي كل إنعام، ذو الآلاء الجسام، والمنن العظام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، هو للأمة بدر التمام، وللأنبياء مسك الختام، المصطفى من الرسل والمجتبى من الأنام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.

    أما بعــد:

    فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تبارك وتعالى حق التقوى، فتقوى الله عروة ليس لها انفصام، وقدوة يأتم بها الكرام، وجذوة تضيء القلوب والأفهام، من تمسك بها سلم من محذور العواقب، ومن تحقق بحملها وقي من شرور النوائب.

    فاتقوا الله عباد الله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1].

    أيها الإخوة المسلمون: من أهم ما يميز هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنها أمة متوادة متراحمة متكاتفة متلائمة متحابة، تبني أفرادها، وتقيم مجتمعاتها على أسس التعاون المشترك والتقدير المشاع، وتؤسسها على قواعد الحب المتبادل، والتعامل الرفيق، والسلوك الرقيق، لا مكان في المجتمع الإسلامي للأثرة الممقوتة، والأنانية البغيضة، والفردية المتسلطة، قلوب أفراده مفعمة بالمحبة لإخوانهم، وألسنتهم ثرة بذكر محاسنهم، وعد فضائلهم، حذرة من الوقيعة في أعراضهم، والنيل من كرامتهم، لا يحملون الحقد الدفين، ولا ينشرون الكذب المبين، فهذا مسلك أهل اللؤم والوضاعة، والخسة وقلة المروءة.

    لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب     ولا ينال العلا من طبعه الغضب

    ولقد أحاط الإسلام المجتمع المسلم بسياج منيع، وحصن حصين ينبع من الداخل يحول دون تصدع بنيانه وتزعزع أركانه، ويعلي أعلام المحبة خفاقة على أرجائه، ورايات الإخاء مخيمة على جنباته، وأقام الضمانات الواقية، والحصانات الكافية التي تحول دون معاول الهدم والتخريب أن تتسلل إلى جبهته الداخلية، فتعمل عملها فرقة وتأليباً، وهدماً وتخريباً.

    وعلى أهل الإسلام أن يعيشوا بالمحبة في الله، ورعاية إخاء الإسلام، ورباط الأخوة الإسلامية بعيداً عن النعرات والعرقيات، وفي منأى عن الحزبيات والحزازات، وأن يسعوا لإصلاح ذات البين، وحفظ الألسنة من الوقيعة في الأعراض، وسلامة القلوب من الغل والشحناء والحقد والبغضاء، وأن يقفوا سداً منيعاً أمام الجرائم الأخلاقية، والأمراض الاجتماعية، وغوائل الشرور، وبوائق القطيعة، وأدواء القلوب والصدور حتى يسلم المجتمع من التفكك الاجتماعي، والتمزق الأسري، بل والخلاف العقدي والسياسي والفكري، وغيرها مما يأتي على بنيان المجتمع من القواعد، ويحوله إلى مجتمع صراع دائم، وتفكك مستمر ومحن متكاثرة، وفئات متناحرة، فيصبح مجتمع الأخوة والوحدة مجتمع أشتات متناثرة وأفراد متناثرة وآحاد متناثرة وأحزاب متناكرة، وويل للمجتمع يومئذٍ من أعدائه المتربصين حيث سيكون لقمة سائغة لهم.

    الإسلام يحث على الاجتماع والتآلف

    أيها الإخوة في الله: ولما للوحدة والتضامن والاجتماع والإخاء من منـزلة عظيمة، وآثار فريدة، ولما للفرقة والخلاف والتنازع والشقاق من آفات وأمراض كثيرة، وشرور مستطيرة، فقد جاء ديننا الحنيف بالحث على التآلف والمودة واجتماع الكلمة ووحدة الصفوف، والتحذير الشديد من التنافر والفرقة والشقاق والتنازع، فكان من أهم ما جاء به الإسلام بعد عقيدة التوحيد، وكلمة التوحيد توحيد الكلمة ولم الشعث وجمع الشمل؛ لأن في ذلك سر بقاء أهل الإسلام، وضمانة انتصارهم على أعدائهم، وصلاح أمورهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، يقول عز وجل: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].

    وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم } وقد ضُمنِت لهم العصمة من الخطأ عند اجتماعهم، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقت، وستفترق على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية إلى الجنة، ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين كانوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    يقول الله عز وجل أيضاً: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، ويقول سبحانه وتعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]، ويقول جل وعلا: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13]، ويقول جل وعلا: الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159]، ويقول سبحانه وتعالى: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، ويقول جل وعلا: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:31-32].

    أيها المسلمون: وما شرع الإسلام صلاة الجمعة والجماعة والعيدين، وما شرع الزكاة والحج ونحوها إلا لمواساة المسلمين بعضهم بعضاً، وليحصل الوئام والتآلف، وما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وقضى على ما كان بين الأوس والخزرج إلا طلباً لمصلحة الاتحاد والإخاء، وما ظهر أمر المسلمين وقويت شوكتهم، وانتصروا على أعدائهم، وفتحوا البلاد، وقادوا العباد، وصاروا أئمة هدى، ومصابيح هدى ودجى، ودعاة خير وتقى إلا باتحادهم، وبقراءة التاريخ الإسلامي يتجلى ذلك بحمد الله، وما للضعاف المتفرقين الذين استحكمت فيهم الأثرة والبغضاء، وسرت فيهم الخلافات والتفكك إلا أن يدفعوا عن أنفسهم غوائل الأعداء، ومكر الألداء.

    عاقبة التفكك والفرقة في الأمة

    أمة الإسلام: لقد مرت على هذه الأمة فترات من تاريخها اتحدت فيها صفوفها واجتمعت كلمتها، فعاشت عزيزة كريمة مرهوبة الجانب، ولما دب إليها داء الفرقة والخلاف، انقسمت الأمة الواحدة إلى أحزاب متناثرة، وأمم متناثرة، ولا يزال هذا الداء العضال والمصاب الجلل جاثماً في جسد هذه الأمة، ومستحوذاً على قلوب الشعوب، وأعظم محنة وأشد فتنة أصيبت بها هذه الأمة اليوم هي محنة الفرقة المستحكمة والخلاف المستمر على كل صعيد، وفي كل مستوى، حتى في أبناء الأسرة الواحدة يذكيه الشيطان ويُغليه الهوى، فغلب الشقاق على حياة كثير من الناس إلا من عصم الله، وسادت القطيعة، وعم الجفاء والشحناء، وتنافرت القلوب، وسادت الوحشة والظنون السيئة، وراجت سوق الغيبة والنميمة والبهتان وتناول أعراض الناس، والسعي في الفساد بينهم، فتعمقت الفجوة، واتسعت الهوة، فأصبحت حالة كثير من الناس محزنةً للصديق مفرحةً للعدو، والله المستعان.

    فيا أمة الإسلام: لماذا الاختلاف والدين واحد؟

    لماذا الفرقة والأصل واحد، والقبلة واحدة، والأمة واحدة؟

    إلى متى الفرقة وأنتم تدركون ما فيها من الضرر والفساد؟

    وهل يختل نظام المجتمع، وتنتشر الفوضى والاضطرابات، وتتصدع أركان الأمة، وتتهدد عروشها، وتنهد حضاراتها إلا بتفرق أهلها وتنازعهم.

    وهل تتعطل مصالح البلاد ومنافع العباد إلا بالتفكك والاستبداد للآراء واتباع الأهواء.

    وهل يتسلط الأعداء ويتمكنون في رقاب الناس إلا بتضارب الآراء وتحكيم العقول والأهواء، وانتشار الأحقاد والحزازات الشخصية والنزعات الفردية، ففيمَ الاختلاف -يا عباد الله- والإسلام هو الجامع؟

    وإلى متى التفرق يا أمة الوحدة والألفة والإخاء؟

    إنه لعجيب أمر المسلمين! كيف يرضون لأنفسهم هذه الحالة مع أن الشرائع قد أجمعت والعقول قد أطبقت على ضرر الفرقة وسوء أثرها في الأمة، فما أصابت أمةً إلا أهلكتها، وقضت على وجودها.

    نعم أيها المسلمون: إن اختلاف الأفهام، وتباين الآراء ليس بمنكر، ولا مستغرب، بل هو من طبع البشر، ولكن الشأن كل الشأن ألا يكون ذلك سبباً للتقاطع والشقاق والتنافر والحسد والحقد والبغضاء، وإنه مما يؤسف له أن كثيراً من الناس قد ابتلوا بهذا الداء، ودأبوا على إحياء بذور الشقاق وغوائل الشرور بين المسلمين، فيتخاصمون ويتقاطعون ويتدابرون لأسباب شخصية وأمور مادية، وقد يكونون أقارب، أو جيران، وبعض الناس يجعلون من الخلاف فيما فيه سعة ومندوحة طريقاً للتناحر والتشاجر والقطيعة، وأخطر ذلك حينما يكون من يفعل ذلك من المنتسبين إلى العلم، أو الإصلاح، أو الدعوة.

    نداء للتضامن والتآلف

    فيا قادة المسلمين! ويا أهل الرأي والفكر! ويا رجال العلم والدعوة والإصلاح! اتقوا الله في أنفسكم وأمتكم، احملوا رايات التضامن والتآلف بين المسلمين قادةً وشعوباً، رعاةً ورعيةً على عقيدة التوحيد ومنهج السلف الصالح رحمهم الله، واحرصوا على رأب الصدع وجمع الكلمة ووحدة الصف وتضييق مجاري الخلاف، والقضاء على أسباب النـزاع والخصومات.

    يا عباد الله! أعداؤكم يقيمون أحلافاً واتحادات وتكتلات للقضاء على الإسلام واحتلال دياره والكيد لأبنائه، والمسلمون أولى أن يقوموا بذلك، وإن لم يجمعهم الحق، فرقتهم الأهواء بالباطل، فوصيتي إلى المسلمين جميعاً من منبع الوحدة والإخاء أن يصلحوا ذات بينهم، ويبتعدوا عن التحريش والخصومات، وأن يعملوا على حب الخير والولاء للمسلمين جميعاً، ويحرصوا على سلامة الصدور وطهارة القلوب من الأحقاد، وسل الضغائن من النفوس، ليكونوا يداً واحدةً على أعدائهم، وإن بوادر التآلف وبذور الاجتماع والوحدة لتبشر بالخير في الأمة الإسلامية، فالأمة بخير، ولا زالت بخير بحمد الله، ونسأل الله أن يزيدها من الخير والتوفيق لتعود إلى سالف مجدها وغابر عزها وقوتها، وما ذلك على الله بعزيز.

    1.   

    بعض مظاهر الفرقة بين المسلمين

    أيها المسلمون: إن هناك مظاهر غريبة، وأحداثاً خطيرةً، ووقائع كثيرةً تبين مدى تقهقر وتوتر العلاقات الاجتماعية بين الناس حتى بين أبناء الأسرة الواحدة والرحم والقرابة، ولعلها من إفرازات ضعف الإخاء الإسلامي بين أهل الإسلام، بل بين ذوي القربى وأهل الأسرة الواحدة، فيؤلمك ما آل إليه أمر كثير من الناس من التفكك الاجتماعي الرهيب حتى حصلت النـزاعات، ونشبت الخصومات، ورفعت الدعاوى، وكثرت الشكاوى من أجل خلافات يسيرة حول شيء حقير من حطام هذه الدنيا الفانية، ولربما تضخمت المشكلة، وتعقدت القضية، وتدخل أهل الإصلاح، فيأبى المتخاصمون إلا التشفي والانتقام والثأر وتحكيم حظوظ النفس والهوى، لماذا كل هذا أيها المسلمون؟

    ويتملكك العجب من بيوت وأسر عصفت بها الخلافات، فتقاطع الأبناء والآباء، قاطع الأبناء آباءهم، وأهمل الآباء أبناءهم، وهجر الأخ أخاه، وطلق الرجل زوجته، وتقاطعا؛ بل وتقاتل أبناء العمومة والخئولة، عياذاً بالله!

    إن الأمر خطير جد خطيرٍ -أيها المسلمون- لا سيما إذا كان بين القرابة والأرحام، والله عز وجل يقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    لقد وصل الحال ببعض الناس أن تمر الأشهر والسنوات وهو لا يعرف عن أقاربه شيئاً، بل ولا يسأل عنهم، ولا يكلف نفسه، ولو برفع سماعة الهاتف ليصلهم ويسلم عليهم ويتفقد أحوالهم.

    نعوذ بالله من قسوة القلوب وتبلد المشاعر، وضمور الضمائر، وموت الأحاسيس، واستحكام الدنيا في النفوس، فلأجل حفنة من المال، أو شبر من الأرض، أو مشادة كلامية، أو وشاية نقلها مغرٍ، أو شائعة، أو سوء فهم، تنقطع الأواصر، وتنحل الوشائج، وتنفصم عرى المحبة، وتتحول إلى ضغائن وأحقاد، وتشهير بالمجالس، وظنون سيئة، بل وإلى قطيعة مستديمة، وفرقة مستحكمة، والعياذ بالله.

    وكذلك حال الجيران بعضهم مع بعض، فالواقع أن هناك تقاطعاً كبيراً وتدابراً واضحاً بين كثير من الجيران -هداهم الله- جارك الذي تربطك به علاقة الجوار، وفرض له الإسلام حقوقاً كثيرةً، قد تمر على بعض الناس أشهر، بل أكثر وهو لا يعرف عن جاره شيئاً، قد يمرض ويعافى، ويسافر ويرجع، بل قد يموت ويدفن، وهو يهز كتفيه، وكأن الأمر لا يعنيه في قليل، ولا كثير، الله المستعان!

    وكذلك ما يحصل بين الأخوة في الله والأصدقاء والزملاء، يجب أن تراعى بينهم حقوق الأخوة في الله، وآداب الصحبة، فلا ولاء إلا لله، ولا بغض إلا في الله، في بعد عن الانتماءات الحزبية.

    1.   

    السبيل إلى الوحدة والتآلف

    يجب أن تتسع الصدور للخلاف في وجهات النظر والتباين في الفروع والوسائل ما دام أن الاعتقاد صحيح، وإنك لترى في ذلك عجباً لما أسيء مفهوم الولاء والبراء، وأخذ على الميل والهوى، فحصل البراء من أجل خلاف يسير، والجفاء من أجل أمر صغير، وذلك يتطلب فقهاً وخوفاً من الله.

    وإن أولى الناس بتحقيق الوحدة هم قادة المسلمين وولاة الأمر فيهم، فيجمعون قلوبهم على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحكيم شريعة الله في أرض الله على عباد الله، ويكونوا صفاً واحداً أمام أعداء الأمة الإسلامية، ولقد تطلعت أنظار الأمة في هذه الأيام إلى مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد خلال هذا الأسبوع، فأمِلَ الغيورون على أوضاع أمتهم وأحوال مجتمعاتهم أن يكون فيها تحقيق للآمال، وتخفيف للآلام، ووحدة للصف على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والدفاع عن قضايا المسلمين، لا سيما قضية القدس الشريف، والمسجد الأقصى المبارك، ليكون حراً طليقاً تقر به أعين المسلمين، وتنشنأ به نفوس الأعداء المتربصين والغاصبين الغاشمين المعتدين.

    وكذلك قضية البوسنة والهرسك ، والضغط على الصرب الظالمين لرفع الحصار عن إخواننا هناك، وكذلك قضية كشمير وغيرها من قضايا الأمة الإسلامية، وإلى مزيد من دعم القضايا العادلة، ودعاء الأمة جميعاً مرفوع إلى الله سبحانه وتعالى بأن يكلأ قادة المسلمين وشعوبهم بالتوفيق إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجمع قلوبهم على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إنه جواد كريم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الحث على الترابط ونبذ الفرقة

    الحمد لله أولاً وآخراً، والشكر له باطناً وظاهراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فاتقوا الله عباد الله، واذكوا روابط الإخاء الإسلامي بينكم، وغذوا وشائج الصدق والمحبة في مجتمعاتكم، واعلموا أنه لا علاج لداء الفرقة والخلاف والتفكك الاجتماعي إلا بتتبع أسبابه وأعراضه، والجد في القضاء عليها يصحب ذلك نية صالحة، وعزيمة صادقة، ورغبة وقناعة واحتساب فيما عند الله من الأجر والثواب، وتذكر الله والدار الآخرة، وتحكيم للشرع الحق والعقل الفذ والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليكن كل واحد منكم -أيها المسلمون- جاداً في علاج هذا الداء العضال، ويكون مفتاحاً للخير والفضيلة مغلاقاً للشر والفتنة والقطيعة والرذيلة.

    وقد جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث ليال، كما نهى عن التدابر والتقاطع، والتحاسد والتباغض، وأن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، فعمل على التحريش بينهم وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53] وإنه حينما ترفع الأعمال إلى الله في كل يوم إثنين وخميس، يغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: (أنظروا هذين حتى يصطلحا ).

    إن حقاً على كل متشاحنين لا سيما من القرابة والأرحام والأخوة في الله أن يصطلحوا، وأن يجمعوا قلوبهم، وأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يستعيذوا بالله من نزغات الشيطان الرجيم.

    فيا أيها المتشاحنون! اصطلحوا فيما بينكم، فإن متاع الدنيا قليل.

    ويا أيها المتخاصمون! سطروا على صفحات مجتمعاتكم أحرف الوفاء والإخاء والمحبة والوئام، أريحوا المحاكم ودور الشرطة عن الرفع بالخصومات والمشكلات، وعاهدوا ربكم أن تكونوا إخوة متحابين كما أراد الله لكم، وكما كان سلفكم الصالح رحمهم الله، فحققوا الخير لأنفسكم ومجتمعاتكم.

    ألا وإن من أهم أوجه الوحدة والبعد عن الخلاف وحدة العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله وائتلاف قلوبهم والتزامهم بالجماعة، وتفويت الفرص على الأعداء المتربصين، وفقه الخلاف، وضوابط الحوار، والتعقل والحكمة، وسلامة الصدور، ليتحقق لهم الخير الذي يريدون، والأمة جميعها مطالبة قادتها وشعوبها، علماؤها وعامتها، شبابها وشيبها، رجالها ونساؤها، صغارها وكبارها أن تجتمع على عقيدة التوحيد الصافية السليمة من لوثات الشرك والبدع، وتخصيص بعض الأزمنة، لا هذا الشهر ولا غيره بعبادات لم يشرعها الله عز وجل، ولم يأت بها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، ولم يسر عليها سلف هذه الأمة.

    جمع الله القلوب، ووحد الصفوف، وأغاض الأعداء بتضامن المسلمين بمنه وكرمه، ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على البشير النذير، والسراج المنير كما أمركم بذلك اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم برحمتك ألف بين قلوب المسلمين، اللهم أصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منا وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا وإمامنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم وأعنه على أمور دينه ودنياه، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين، واجعله رائداً لتضامن المسلمين يا ذا الجلال والإكرام، وارزقه البطانة الصالحة يا حي يا قيوم.

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان والاجتماع على الحق والاعتصام بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وأغث بلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحِيمٌ.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3038897708

    عدد مرات الحفظ

    729338990