إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المساجد - حديث 273-276

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المساجد - حديث 273-276للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المسجد مكان للعبادة والدعوة والتعليم والقيادة ولهذا اختص بجملة أحكام منها: كراهة النوم فيه لمن لديه مسكن أو يجد مكاناً آخر للنوم فيه، وكراهة البصاق في المسجد ودفنها بل ذهب البعض إلى حرمة البصق مطلقاً، وكراهة المباهاة بالمساجد وتزيينها وزخرفتها.

    1.   

    شرح حديث عائشة في الوليدة السوداء التي كان لها خباء في المسجد

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حمل الرسالة وأداها، وجاهد في الله تعالى حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا نجوماً يهتدى بها في ظلمات البر والبحر.

    أما بعد: أيها الإخوة! عندنا حديث عائشة رضي الله عنها: ( أن وليدة سوداء كان لها خباء في المسجد، فكانت تأتيني تتحدث عندي ).

    يقول المصنف: متفق عليه.

    تخريج الحديث

    هذا الحديث رواه البخاري رحمه الله في صحيحه، كتاب الصلاة، باب نوم المرأة في المسجد.

    وفيه قصة طويلة: أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها، فكانت معهم. قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، فإما وضعته وإما سقط منها، فجاءت حدياة فحسبته لحماً فخطفته، فبحثوا عن الوشاح فلم يجدوه، فاتهموني به، ففتشوا كل شيء، قالت: حتى فتشوا قبلها؛ يبحثون عن الوشاح. قالت: فبينا أنا قائمة معهم إذ جاءت الحدياة فألقت بالوشاح، فقلت: هذا الذي اتهمتموني به -زعمتم- وأنا منه بريئة وهو ذا هو. ثم انطلقت منهم، وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت، فكان لها بيت حفش أو خباء في المسجد، فكانت تأتي عائشة تتحدث عندها، فلا تقعد مقعداً إلا قالت:

    ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني

    قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين مقعداً إلا قلت هكذا؟! فأخبرتها بالخبر.

    أما مسلم فلم أقف على الحديث في مسلم، لم أهتد إلى موضعه مع البحث عنه، وقد وجدته في تحفة الأشراف للمزي نسبه للبخاري في ترجمة أبي أسامة حماد بن أسامة عن هشام عن عروة عن عائشة رضي الله عنها. نسبه إلى البخاري فحسب، وقد يكون في مسلم في موضع لم يتهيأ لي الوقوف عليه على كل حال.

    معاني ألفاظ الحديث

    قولها رضي الله عنها في هذه القصة: (أن وليدة): الوليدة في الأصل هي البنت أول ما تولد، تسمى وليدة، ولكن المقصود بها هاهنا: الأمة، المقصود الأمة، فإن الأمة تسمى وليدة حتى وإن كانت كبيرة السن.

    وقولها: (وليدة) هذا باعتبار ما كان أيضاً؛ لأنها صرحت في الحديث بأنهم أعتقوها، فكانت معهم، فهي وليدة -يعني أمة- باعتبار أنها كانت أمة، وإلا فهي حالة حدوث القصة كانت حرة معتقة، ولم تكن أمة.

    وقولها: (الوشاح): الوشاح هو بكسر الواو غالباً، وقد تفتح، وقد تبدل همزة، وهو عبارة عن خيطين من اللؤلؤ يخالف بينهما، وتلبسهما المرأة على كشحها، ويسمى وشاحاً، وقد يكون أبيض أو أحمر .

    وقولها في بعض روايات البخاري : (وشاح ذي سيور)، فالسيور: هو الجلد، يعني: أن هذا الوشاح من الجلد، من سيور مصنوعة أو مقدودة من الجلد، وعليها حبات اللؤلؤ، تلبسها تلك الصبية التي ورد في بعض الروايات: أنها كانت عروساً فوضعته ثم أخذته الحدياة.

    والحدياة: هي بضم الحاء تصغير حدأة بوزن: عنبة، وقد يقال: حدأة أيضاً، وكلاهما صحيح، وهي الطائر المعروف الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الفواسق التي تقتل في الحل والحرم، قال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين-: ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ).

    والحدياة معروفة بغرمها وحبها للحم، حتى إنها تخطفه من على الأرض أحياناً كما في هذه القصة.

    وقولها: (كان لها خباء) الخباء: هو الخيمة الصغيرة من جلد وغيره .

    أو (حفش)، تقول: (خباء أو حفش)، فالحفش أيضاً: هو البيت الصغير القصير الذي سقفه قصير، يسمى حفشاً .

    حكم النوم في المسجد للرجل والمرأة

    وفي الحديث: جواز النوم في المسجد، ولذلك بوب البخاري رحمة الله عليه: (باب نوم المرأة في المسجد)، ثم ساق بعده حديثاً آخر وقال: (نوم الرجل في المسجد).

    ولا شك أن نوم المرأة في المسجد مقيد عند جميع الأمة بما إذا أمنت الفتنة كما كان الأمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن تلك المرأة كان لها خباء أو حفش -وهو بيت صغير كما ذكرت لكم- وكان بجوار أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسجد يتردد عليه الناس طيلة الليل والنهار في صلاة أو ذكر أو قراءة، فهو مأمون محروس، ونوم المرأة المنفردة التي ليس لها أهل في خيمة صغيرة في المسجد بلا شك أنه أكثر أماناً لها مما لو نامت في خيمة صغيرة خارج المسجد.

    القول الأول: جواز النوم في المسجد وأدلته

    ومسألة النوم في المسجد فيها أقوال عديدة:

    الأول: مذهب الجمهور: جواز النوم في المسجد هذا مذهب الجمهور، نص عليه الشافعي وغيره، وهو منسوب إلى جماعة من الصحابة كـعبد الله بن عمر رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب وغيرهما، ونقل عن جماعة من التابعين كـعمرو بن دينار وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء وابن سيرين وغيرهم، نقل عنهم: أنهم قالوا بجواز النوم في المسجد، ولعل البخاري أيضاً ممن يذهب إلى هذا كما ذكرت في تراجمه.

    واستدلوا لذلك بأدلة، منها: حديث الباب، حيث إن هذه المرأة كانت تنام في المسجد، وكان بيتها هذا الحفش الصغير أو هذا الخباء الصغير.

    ومن أدلتهم على جواز النوم في المسجد: ما رواه الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد رضي الله عنه: في قصة علي حين ( جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت علي فلم يجده، ووجد فاطمة فسألها: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه مغاضبة -غضب عليها فخرج ولم يقل عندها، ما نام في القيلولة عندها- فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه فأخبر أنه في المسجد، فجاء إليه وقد نام وانحسر الرداء عن جنبه فأصابه التراب، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يحركه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب )، ولذلك كانت كنية علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه، فالمهم أن علياً رضي الله عنه كان في تلك القيلولة في المسجد.

    ومن الأدلة على جواز النوم في المسجد قصة أصحاب الصفة، وهي في الصحيح عن أبي هريرة وغيره، وقصتهم معروفة: أنهم كانوا سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ليس لهم إلا المسجد، فكانوا فيه ينامون ويجلسون يأكلون ويشربون، ليس لهم مكان سواه.

    ومن الأدلة أيضاً على جواز النوم في المسجد حديث ابن عمر رضي الله عنه -وهو في الصحيح- وهو حديث طويل: ( أنه كان شاباً عزباً، فكان ينام في المسجد )، هذا هو الشاهد في الحديث، وفي آخره قصة في بعض المصادر: ( أنه نام في المسجد فرأى رؤيا أنه أتاه رجلان فأخذا بيديه وقالا له: هلم. فذهبا به حتى وقفا به على النار، فإذا بها مطوية كطي البئر، قال: وإذا فيها رجال ونساء قد عرفتهم، فقلت: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فقالا لي: لن تراع، لن تراع، ثم رأى أن معه قطعة من حرير لا يشير بها في شيء إلا طارت به، فاستيقظ وأخبر أخته حفصة وأمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الرؤيا، فسألته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل )، فكان عبد الله بن عمر بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً، والشاهد من الحديث هو أنه رضي الله عنه كان ينام في المسجد وكان شاباً عزباً قبل الزواج.

    هذا القول الأول، وهو مذهب الجمهور.

    القول الثاني: كراهية النوم في المسجد

    القول الثاني: القول بالكراهة، أن النوم في المسجد مكروه مطلقاً، وهذا منقول عن ابن مسعود رضي الله عنه، ونقله ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً عن جماعة من التابعين كـعطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم.

    وقد جاء في الباب أحاديث عن أبي ذر وغيره، ولكنها ضعيفة ولا توجد في كتب ودواوين السنة المعتمدة.

    القول الثالث: كراهية النوم في المسجد لغير مريد الصلاة

    وفي المسألة قول ثالث، وهو منسوب ومنقول عن ابن عباس رضي الله عنه: وهو القول بالكراهة إلا لمن يريد الصلاة، يعني: من أراد الصلاة فلا يكره له أن ينام في المسجد، أما من لا يريد الصلاة فإنه يكره.

    ولعل مما يمكن أن يستدل به لهذا القول ما نقل وثبت في السنن وغيرها: أن الصحابة رضي الله عنهم (كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ويضعون جنوبهم -كما سبق- ثم يصلون ولا يتوضئون).

    وقال بعض أهل العلم: إن رأي ابن عباس رضي الله عنه ليس كذلك، وإنما رأيه: أن المسجد لا ينبغي أن يتخذ مرقداً، يعني: لا يمنع أن ينام فيه الإنسان حيناً أو وقتاً أو لحاجة أو ما شابه، لكن أن يتخذ عادة أن الإنسان إذا أراد أن ينام جاء إلى المسجد فإن هذا ينهى عنه ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه.

    القول الرابع: كراهية نوم ذي السكن دون الغريب

    وفي المسألة قول رابع عن الإمام مالك رحمه الله، وهو أيضاً قول للإمام أحمد وإسحاق بن راهويه : أنهم قالوا بالتفريق والتفصيل بين من له مسكن ومن ليس له مسكن، يعني: بين الغريب وغيره، فقالوا: من له مسكن فإن الأولى والأفضل أن ينام في مسكنه، ويكره له أن ينام في المسجد، أما من ليس له مسكن فإنه لا بأس أن ينام في المسجد، كما هو الحال بالنسبة لهذه الجارية الوليدة السوداء التي ذكرتها عائشة، وكذلك أصحاب الصفة ونحوهم.

    وعلى كل حال لا شيء في جواز النوم في المسجد، ولا أظن أن هناك قولاً بالتحريم فيما أعلم، لم أقف على قول بالتحريم، ولكن يبقى الأمر متردداً بين الجواز وبين الكراهية، ولا شك أن المسجد كما سبق ( إن المساجد لم تبن لهذا )، فإن اتخاذ المسجد مرقداً -كما أشار ابن عباس رضي الله عنه- لغير حاجة مما لا يسوغ، لكن إن كان لذلك حاجة فلا حرج.

    الحاجة مثل ماذا؟

    مثل: أن يكون الإنسان غريباً ليس له مأوى، ما نقول: بالضرورة تذهب للفندق، لا بأس أن ينام في المسجد، مثل الحاجة أيضاً أنه قد يكون المسجد فيه شيء من البرودة المناسبة في بعض الأوقات والظروف، لكن البيت قد لا يكون كذلك، وهذا قد يوجد في كثير من البلاد، بمعنى: قد لا يملك الإنسان مكيفاً في بيته -مثلاً- فيكون محتاجاً إلى أن ينام جماعة في المسجد، فلا بأس بذلك.

    مثال أيضاً: أن يكون في البيت إزعاج؛ لصراخ الأطفال، أو أصوات أو ما شابه ذلك، فلا يستطيع الإنسان أن ينام في البيت، فيكون محتاجاً إلى أن ينام في المسجد في أوقات معينة، فهذا -إن شاء الله- لا حرج فيه؛ لأنه ليس هناك أدلة صحيحة على كراهية ذلك فضلاً عن تحريمه.

    فوائد الحديث

    ومن فوائد حديث عائشة رضي الله عنها: جواز نصب الخيمة في المسجد إذا لم يترتب على ذلك ضرر مثل التضييق على المصلين، وقد سبق ذلك.

    ومن فوائده: هجرة الإنسان عن البلد الذي امتحن فيه؛ فإن هذه المرأة لما حصلت لها هذه القصة، واتهمت بالسرقة غادرت ذلك البلد وهاجرت عنه، فكان ذلك عين الخير لها، حيث جاءت إلى المدينة وأسلمت وصارت من جلساء عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فكان انتقالها وكانت هجرتها خيراً لها في عاجل أمرها وآجله، ولذلك كان العلماء يوصون بالسفر والمغادرة لكل مكان يضيق بالإنسان أو يؤذى فيه أو يضيّق عليه فيه.

    ومن فوائد الحديث: إجابة دعوة المظلوم ولو كان كافراً، فقد جاء في بعض روايات هذا الحديث -في صحيح البخاري -: أنها رضي الله عنها قالت: (فدعوت الله عز وجل أن يبرئني، فجاءت الحدياة وهم واقفون فألقته بين أيديهم)، فكأن هذا الأمر الذي أجراه الله عز وجل كان بسبب إجابة دعائها؛ لأنها اتهمت وهي بريئة فكانت مظلومة، ولذلك أجاب الله عز وجل دعاءها.

    ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد أحاديث عدة لا بأس بأسانيدها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اتق دعوة المظلوم ولو كان فاجراً )، وفي رواية: ( ولو كان كافراً )، ففجوره على نفسه، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لـمعاذ في حديث ابن عباس -كما في الصحيحين- حين بعثه إلى اليمن، قال له في آخر الحديث مع أنه قال له: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب )، قال له: ( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ).

    وأني لأدعو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانع

    1.   

    شرح حديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)

    الحديث الثاني: حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها ).

    والحديث -أيضاً- متفق عليه كما ذكر المصنف.

    تخريج الحديث

    فقد رواه البخاري في كتاب الصلاة، ( باب كفارة البزاق في المسجد)، ورواه مسلم أيضاً في كتاب المساجد، (باب النهي عن البصاق أو البزاق في المسجد)، ورواه أيضاً أبو داود والترمذي، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، ورواه النسائي وأحمد، فهو مما يصح أن يقال فيه: رواه السبعة إلا ابن ماجه، رواه السبعة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، إلا ابن ماجه .

    حكم البصاق في المسجد

    وفي الحديث مسألة: البصاق في المسجد، وقد سبق الكلام عنها بما خلاصته أن من أهل العلم من منع ذلك مطلقاً كـالنووي، صرح بتحريم ذلك والنهي عنه مطلقاً.

    ومنهم من قيد ذلك وقال: إن أراد دفنها جاز له ذلك، وإلا لم يجز، وهذا مؤدى كلام القاضي عياض والقرطبي وجماعة من الفقهاء، وتوسط في ذلك جماعة آخرون فحملوا الجواز على ما إذا كان محتاجاً إلى ذلك، أو كان معذوراً، مثل: من لم يستطع الخروج من المسجد، أو لم يستطع أن يبصق في منديله مثلاً، وحملوا النهي على ما سوى ذلك مما لا يكون محتاجاً إليه.

    ولا شك أن هذا مما ينبغي أن يتنزه عنه الناس، وأن ينزهوا عنه المسجد؛ فإن العبد لا يعمل الخطيئة ليكفر عنها كما هو معروف، فمجرد كونها خطيئة هو إشعار بأن الحزم يقتضي بالمؤمن الغيور على حرمة المساجد وحرمة المصلين أيضاً أن يبتعد عن هذا العمل، لا يعمل الخطيئة ويقول: أريد أن أكفرها بعد ذلك.

    1.   

    شرح حديث: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)

    الحديث الثالث: وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد )، يقول المصنف رحمه الله: أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة .

    تخريج الحديث

    قوله: (وعنه) يعني: عن أنس رضي الله عنه. والحديث رواه أبو داود في كتاب الصلاة، (باب بناء المساجد) باللفظ الذي ساقه به المصنف، ورواه النسائي في سننه بلفظ: ( من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد )، هذه رواية النسائي : ( من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد )، وكذلك رواه ابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم.

    والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والألباني، وهو كما قالوا: سنده صحيح .

    معاني ألفاظ الحديث

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (حتى يتباهى الناس في المساجد) أي: يتفاخروا. والتفاخر قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل.

    فأما التفاخر بالقول: فكأن يقول أحدهم: مسجدي أعظم من مسجدك، أو أكبر أو أفخم بناءً، أو ما أشبه ذلك.

    وأما التفاخر بالفعل فأن يتسابقوا ويتنافسوا في تزيين المساجد وعمارتها وزخرفتها ورفعها وتشييدها من باب المباهاة والمفاخرة، فالمباهاة قد تكون بالقول، وقد تكون بالفعل .

    فوائد الحديث

    وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن رسلان

    في شرحه لسنن أبي داود

    ، فإنه قال: إن هذا الحديث علامة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم؛ فإنه أخبر بأمر غيبي فوقع الأمر كما أخبر عليه الصلاة والسلام. قال ابن رسلان

    : فإن الأمراء في بلاد الشام وبيت المقدس ومصر والحجاز وغيرها يأخذون أموال الناس اغتصاباً ونهباً ثم يبنون بها المدارس والمساجد ويزخرفونها ويزينونها، نسأل الله السلامة والعافية. ففي الحديث آية وعلامة على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه الصلاة والسلام كان مسجده مبنياً بناءً متواضعاً، كان سقفه من جريد النخل وجوانبه كانت فيها النخل أيضاً، وكان بناء متواضعاً، وهكذا بعدما فتح الله على المسلمين الفتوح في عهد عمر

    رضي الله عنه ما غيروا هذا المسجد تغييراً كما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم أزالوا بعض الأشياء؛ المباني والمتداعية، وجددوها، ثم في عهد عثمان

    رضي الله عنه بني المسجد بناءً آخر، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة رضي الله عنهم على عثمان

    بناءه وتشييده للمسجد، فاحتج واعتذر بحديث: ( من بنى لله مسجداً بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة ). وفي الحديث أيضاً كراهة التباهي في زخرفة المساجد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم جرت عادته عليه الصلاة والسلام أنه إذا ذكر أمراً أنه يقرب من الساعة كان هذا دليلاً على أنه أمر مذموم، فإن الأمور الفاضلة كانت في الأولين أغلب، والأمور الرديئة كانت في المتأخرين أغلب، فإذا ربط النبي أمراً بقرب الساعة: (لا تقوم الساعة حتى يحدث كذا وحتى يحدث كذا وحتى يحدث كذا)؛ فالغالب أن هذه الأمور من الأمور التي يكرهها الشرع، أو يحرمها، وقلما يربط ذلك بأمر محمود ممدوح، هذه هي القاعدة العامة الأغلبية على أن التباهي في المسجد وزخرفتها بالقول أو بالفعل أنه من الأمور المكروهة . ومن فوائد الحديث: أن العمارة الحقيقية للمساجد إنما تكون بذكر الله وقراءة القرآن وطلب العلم، وإحياء الخطب والدروس وما شابه ذلك، وكيف نأخذ هذه الفائدة من الحديث؟ نأخذ هذه الفائدة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ضمنه ذم التباهي بالمساجد، مع أننا علمنا يقيناً أن الشرع يحث على التنافس في الأعمال الصالحة، كما في قول الله عز وجل: (( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ))[المطففين:26]، وكما في قوله تعالى: (( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ))[الحديد:21]، وكما في قوله: (( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ))[الواقعة:10-11]، إلى غير ذلك، فالشارع يحث على المنافسة والمسابقة في الخيرات، ومع ذلك ذم المسابقة والمنافسة في عمارة المساجد وبنائها وزخرفتها بما يفوق الحد المطلوب المشروع، فدل على أن هذا ليس من العمارة الحقيقية للمسجد.

    1.   

    شرح حديث: (ما أمرت بتشييد المساجد)

    أما الحديث الرابع والأخير من أحاديث هذه الليلة؛ فهو حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أمرت بتشييد المساجد ).

    يقول المصنف: أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان .

    تخريج الحديث

    وهذا الحديث رواه أبو داود -كما ذكر المصنف- في كتاب الصلاة، (باب بناء المساجد)، بعد الحديث السابق أو قبله في موضع واحد، وزاد أبو داود بعد ذلك من قول ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (والذي نفسي بيده لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى)، هذا من قول ابن عباس موقوفاً عليه رضي الله عنه أنه قال: (والذي نفسي بيده لتزخرفنها -أو قال: لتزخرفنها- كما زخرفت اليهود والنصارى)، وهذا موقوف على ابن عباس رضي الله عنه.

    والحديث رواه البيهقي في سننه أيضاً، وقد رواه ابن حبان وصححه، وكذلك صححه الشوكاني حيث قال في نيل الأوطار : رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في مواضع كـصحيح الجامع وتعليقه على المشكاة وصحيح سنن أبي داود وغيرها.

    وقد جاء الحديث عند ابن ماجه بلفظ آخر عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها )، ولكن الحديث بهذا اللفظ أشبه بالموضوع؛ فإن في سنده عند ابن ماجه جبارة بن المغلس، وهو شيخ ابن ماجه، وهو رمي بالكذب، قال جماعة من أهل العلم: كذاب .

    فهذا الحديث بهذا اللفظ لا يصح، بل هو ضعيف جداً أو موضوع أيضاً.

    وقد جاء في الباب أيضاً أحاديث أخرى، منها ما رواه البزار في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: ( نهينا أن نصلي في مسجد مشرف )، وهذا الحديث في سنده ليث بن أبي سليم وهو ثقة مدلس، وقد جاء الحديث عن ليث أيضاً من طريق ليث عن ابن عمر رضي الله عنه عن الطبراني، كما ذكر ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أمرت) أي: ما أمرني الله عز وجل، وهذا إيماء إلى أنه ليس من الأمور المحمودة؛ لأنه لو كان خيراً لأمره الله عز وجل به، كما في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( ما تركت شيئاً يقربكم من الجنة إلا أمرتكم به، ولا تركت شيئاً يقربكم من النار إلا نهيتكم عنه )، فلو كان هذا الأمر خيراً لأمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأمر الرسول صلى الله عليه وسلم به أمته، فقوله: (ما أمرت)، إشارة إلى أن هذا ليس بمحمود ولا مشروع.

    وقوله: (ما أمرت بتشييد المساجد)، التشييد يحتمل معنيين:

    المعنى الأول: أي التجصيص، بمعنى: زخرفتها أو طليها بالجص، وغيره، فإنه يسمى: الشيد، فالتشييد: هو أن تطلى بالجص وغيره.

    والمعنى الثاني من معاني التشييد: هو أن يرفع بناؤها، أن يرتفع بناؤها، كما قال الله عز وجل: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45]، وكما قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، يعني: محصنة مرتفعة .

    والمعنى -على كل حال- أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن المبالغة في زخرفة المساجد ورفعها وبنائها، وهذا الأمر لا شك أنه يختلف من وقت إلى وقت، ولذلك صرح بعض أهل العلم بأن الأمر يتفاوت من عصر إلى آخر.

    ولكن هناك صفات أو شروط ينبغي أن توجد في كل عصر، منها: أن لا يتعدى ذلك إلى حد المبالغة والإسراف وتعدي الحدود المشروعة.

    الثاني: ألا يكون ذلك رياءً وسمعة ومن باب المفاخرة والمباهاة، أنه هذا مسجد فلان، وهذا مسجد فلان.

    الأمر الثالث: ألا يكون في المساجد ما يلهي المصلي، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لمن أمره ببناء المسجد، قال: (إياك أن تحمّر أو تصفّر فتفتن الناس)، كما ذكره البخاري تعليقاً: (إياك أن تحمّر أو تصفّر فتفتن الناس)، يعني: تلهيهم عن صلاتهم بهذه الأشياء التي وضعتها.

    1.   

    الأسئلة

    حق المساجد على طلبة العلم

    السؤال: هذا يسأل عن إقفال المسجد؟

    الجواب: المساجد إنما بنيت لعمارتها بذكر الله وحلقات العلم والتدريس، وأن الحق على طلبة العلم أن يكونوا في المساجد دائماً ويحيوها بالحلقات والدروس حتى لا يندرس ذلك وتصبح المساجد مغلقة.

    تعليق على وقف حديث: (لا تقام الحدود في المساجد) ورفعه

    السؤال: وهذا يقول: حديث حكيم بن حزام، وذكرت راوي الحديث محمد بن عبد الله الشعيثي أن سنده موقوف من كلامه، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهو موقوف على الراوي وليس من مشكاة النبوة؟

    الجواب: ذكرت فيما سبق في الدرس الماضي أن الحديث جاء مرفوعاً وموقوفاً، وله شواهد تدل على ثبوته مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    استدراك في قراءة آية

    السؤال: هذا يقول: كأنك قرأت الآية هكذا: (وسابقوا إلى مغفرة من ربكم) والذي أعرفه: سابقوا ؟

    الجواب: أظن أن هناك آيتين، هناك آية: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21]، وهذه في سورة الحديد، وفي الآية الأخرى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، وهذه في سورة آل عمران.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.