إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المساجد - حديث 269-272

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المساجد - حديث 269-272للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الفقهاء في حكم البيع والشراء في المسجد على أقوال: الكراهة، وهو قول الجمهور، والحرمة وهو قول الحنابلة، وجواز اليسير دون الكثير وهو قول الحنفية، والإباحة مطلقاً وهو قول ابن حزم، ومنع الجمهور إقامة الحدود في المسجد لثبوت النهي في السنة، وفرق أبو ثور بين التعزير اليسير فأجازه دون غيره.

    1.   

    شرح حديث أبي هريرة فيما يقال لمن يبيع أو يبتاع في المسجد

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به الله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    عندنا أربعة أحاديث في أبواب المساجد.

    حديث أبي هريرة -أيضاً- رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك).

    تخريج الحديث

    الحديث يقول المصنف: رواه النسائي والترمذي وحسنه.

    الحديث رواه الترمذي في كتاب البيوع، (باب النهي عن البيع في المسجد)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، كرهوا أن يبيع أو يبتاع في المسجد، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وغيرهما، قال: وأرخص فيه بعض أهل العلم، أرخصوا أن يبيع أو يبتاع في المسجد. هذا كلام الترمذي رحمه الله.

    وكذلك الحديث رواه النسائي، والمصنف حين قال: رواه النسائي ينصرف الذهن إلى أنه رواه في السنن، وهذه هي القاعدة المطردة والغالبة عند أهل العلم، أنهم إذا قالوا: (رواه النسائي ) فإنهم يقصدون في السنن، والغالب أنهم يقصدون السنن الصغرى أيضاً، فإن كان في غيرها ذكروه وميزوه، والواقع أن هذا الحديث ما رواه النسائي في سننه الصغرى التي هي المجتبى المطبوعة المتداولة في أيدي الناس، إنما رواه في جزء مستقل اسمه عمل اليوم والليلة، وهو مطبوع في مجلد ضخم، جزء مستقل هو عمل اليوم والليلة، وقد يكون هذا الجزء جزءاً من سننه الكبرى أيضاً؛ لأن النسائي له كتاب السنن الكبرى، وهو مخطوط لم يطبع منه إلا شيء يسير.

    المهم: عمل اليوم والليلة روى فيه النسائي هذا الحديث كما هو موجود في مطبوعته.

    ورواه أيضاً عبد الرزاق في مصنفه، ورواه الدارمي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ورواه البيهقي في سننه والطبراني في معجمه الكبير، وقد نسب بعض أهل العلم هذا الحديث إلى مسلم، والواقع أن هذا اللفظ ليس في مسلم، وإنما روى مسلم طرفاً من الحديث، يعني: الحديث روي مقطعاً؛ فإن في الحديث: ( من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا، ومن سمع رجلاً يبيع أو يبتاع في المسجد فليقل: لا أربح الله تجارتك )، فـمسلم روى الطرف الأول -كما سبق معنا في الدرس الماضي- حديث: ( من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد ) هذا رواه مسلم وهو من نفس الطريق، ولذلك نسب بعضهم حديث: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك) نسبوه إلى مسلم، وهذا وهم، أو لا تصح نسبته إلى مسلم، فإنه لم يخرج هذا اللفظ في صحيحه، وهذا سبب الوهم الذي حدث لهم.

    وقد اختلف أهل العلم في تصحيح الحديث وتضعيفه، فقد حسنه الترمذي كما سمعتم، قال: حديث حسن غريب، وصححه جماعة من أهل العلم ذكرتهم أيضاً، وهم ابن خزيمة وابن حبان، وكذلك الحاكم قال في مستدركه : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وممن صححه أيضاً عبد الحق الإشبيلي.

    والراجح أن الحديث صحيح وليس حسناً فقط، الراجح أن الحديث صحيح كما صححه هؤلاء الأئمة الأعلام الذين ذكرتهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (يبيع أو يبتاع) ما الفرق بين البيع والابتياع؟ ما الفرق بين قوله: يبيع أو يبتاع؟ (يبتاع) معناها: يشتري، إذاً: معناه: يبيع أو يشتري المسجد، يقول أهل اللغة: البيع من أسماء الأضداد، يطلق على البيع ويطلق على الشراء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث حكيم بن حزام وابن عمر -: ( البيعان بالخيار ) من البيعان؟ البائع والمشتري، فإن البيع يطلق على البيع ويطلق على الشراء، وكذلك الشراء قد يكون كذلك، كما قال الله عز وجل: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ [يوسف:20] يعني: باعوه، هذا على أحد الأوجه في الآية، هو أحد الأوجه في الآية: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف:20] يعني: إخوته باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف:20] .

    على كل حال هذا معنى قوله: (يبيع أو يبتاع في المسجد).

    حكم البيع والشراء في المسجد وأقوال العلماء فيه

    في الحديث مسألة فقهية، وهي: مسألة البيع والشراء في المسجد، ما حكمهما؟ وما شابههما من العقود كعقد الإجارة -مثلاً- ونحو ذلك، ففي المسألة أقوال:

    القول الأول: كراهة البيع والشراء في المسجد وأدلته

    الأول: أنه مكروه، فيكره أن يبيع الإنسان أو يشتري أو يؤاجر في المسجد، وهذا القول هو القول الصحيح عند الشافعية كما ذكر ذلك النووي في المجموع، وهو مذهب أحمد وإسحاق والجمهور، وقد أشار الترمذي -فيما ذكرت قبل قليل من كلمته- إلى أنه عليه العمل عند بعض أهل العلم، أنهم كرهوا أن يبيع الرجل أو يبتاع في المسجد، ونسبه إلى أحمد وإسحاق، وكذلك نسبه إليهما ابن قدامة في المغني في آخر كتاب السّلَم فيما أذكر، في آخر كتاب السَّلَم نسبه إلى أحمد وإسحاق .

    وعلى كل حال فهو قول الجمهور، أنه يكره أن يبيع الإنسان أو يشتري في المسجد.

    واستدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها:

    حديث الباب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)، فإنهم قالوا: ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عليه بالخسران إلا لأنه عمل عملاً لا يليق ولا يسوغ في هذا المكان في المسجد، فهذا دليل ظاهر لهم على كراهية البيع والشراء ونحوهما في المسجد.

    ومن أدلتهم أيضاً على النهي عن البيع والشراء ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد )، وهذا الحديث -حديث عمرو بن شعيب - من الذي خرجه؟ لأنه مر معنا، هو نفس الحديث الذي نهى فيه عن تناشد الأشعار في المساجد، نهى فيه عن البيع والشراء في المساجد أيضاً، فمن الذي خرج حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؟ رواه الترمذي، ومن؟ والحاكم وصححه أيضاً. وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد، فهو مما يصح أن يقال فيه: رواه الخمسة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، على حسب اصطلاح المصنف في البلوغ أنه مما يصح أن يقال فيه: رواه الخمسة، وذكرنا عن الترمذي أنه حسنه أو صححه، وكذلك صححه جماعة من أهل العلم، منهم ابن حجر رحمه الله؛ فإنه بعدما ساق الحديث قال: إسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب، فمن يصحح نسخة عمرو بن شعيب فإنه يصححه، ونسخة عمرو بن شعيب درجتها فيما ذكرناه سابقاً حسنة، إذاً: فالحديث حسن، حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد )، وهو أقوى في الدلالة، أقوى من حديث الباب؛ لأن فيه النهي عن البيع والشراء في المسجد، فهذا من أدلتهم التي استدلوا بها على كراهية ذلك.

    على كل حال! الحديث رواه الخمسة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، وابن خزيمة، وصححه الحاكم وابن خزيمة، والترمذي حسنه وابن حجر قال: إسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. طيب.

    ودلالة الحديث ظاهرة، وقد ذكر ابن قدامة في المغني وغيره: (أن عمران القصير رأى رجلاً يبيع في المسجد، فقال له: هذا سوق الآخرة، فإن أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا)، فنهاه عن أن يبيع أو يشتري في المسجد وقال له: هذا السوق -يعني: المسجد- هو سوق الآخرة، سوق لطلب العلم والتعليم والعبادة والذكر والتسبيح وقراءة القرآن وما شابه ذلك، فإن أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا.

    وما هو الصارف الذي استدل به هؤلاء الأئمة على صرف النهي عن البيع من التحريم إلى الكراهة؟ من الصوارف عند من يقول بدلالة الاقتران أن النبي صلى الله عليه وسلم قرنه بتناشد الأشعار في المساجد، وتناشد الأشعار في المساجد ثبت بالدليل أنه ليس بحرام، فكذلك البيع والشراء لا نقول: إنه حرام، لكن نقول: إنه مكروه؛ لأنه ليس هناك ما يدل على جوازه أيضاً، كالشعر حيث ثبت في الشعر أنه أنشد بحضرته عليه الصلاة والسلام، بخلاف البيع لم يثبت أنه بيع بحضرته في المسجد، هذا من القرائن.

    الصارف الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب: ( فقولوا: لا أربح الله تجارتك )، قالوا: ولم يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن البيع فاسد أو باطل، فدل على أنه ليس بحرام، وإنما غاية أمره الكراهة.

    من الأدلة الصارفة: ما نقله جماعة من أهل العلم -كـالعراقي والماوردي والمازري - من اتفاق أهل العلم وإجماعهم على أن البيع الذي عقد في المسجد أنه لا ينقض، يعني: أنه بيع صحيح ليس بفاسد، وقد نقل ثلاثة من أهل العلم الإجماع والاتفاق على ذلك، وهم العراقي والمازري والماوردي، ذكروا الاتفاق على أن البيع الذي عقد في المسجد أنه بيع صحيح ليس بفاسد ولا يجوز نقضه، وإن كان في هذا الإجماع بعض التعكير الذي سوف أذكره بعد قليل، فهذه بعض القرائن التي استدلوا بها على عدم تحريم البيع، على أن النهي هو للكراهة فحسب.

    القول الثاني: حرمة البيع والشراء في المسجد وأدلته

    القول الثاني في المسألة: أنه يحرم البيع والشراء في المسجد.

    ولا شك أنه بالنسبة للقول الأول -أنه يكره- ذكرت لكم أنه مذهب الإمام أحمد كما نقله الترمذي وابن قدامة، لكن القول بالتحريم هو أيضاً رواية عن الإمام أحمد وقواها بعض الحنابلة، هو أيضاً رواية عن الإمام أحمد كما ذكره ابن مفلح في الفروع في كتاب الوقف، وكما ذكره في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف وغيرهم من فقهاء الحنابلة، ذكروه رواية عن الإمام أحمد، حتى قال ابن أبي المجد من الحنابلة: ويحرم البيع والشراء في المسجد للخبر ولا يصحان، فكأنه صرح بعدم صحة البيع والشراء في المسجد، وهذا يعكر -كما ذكرت- على ما قاله العراقي وغيره من إجماعهم على صحة البيع.

    وكذلك قال ابن مفلح في الفروع، قال: (إن قواعد المذهب تقتضي عدم الصحة)، قواعد المذهب الحنبلي تقتضي عدم صحة البيع والشراء في المسجد، وكذلك الوزير ابن هبيرة قال: منع أحمد صحة البيع وجوازه.

    إذاً: الإمام أحمد له في البيع والشراء روايتان:

    إحداهما: القول بالكراهة، وهي التي نقلها الترمذي وابن قدامة وغيرهما.

    والثانية: القول بالتحريم، وهي التي نقلها من ذكرت وغيرهم.

    وكذلك رجحه من المتأخرين الشوكاني، صرح بترجيح هذا القول في نيل الأوطار، والصنعاني صرح أيضاً بترجيحه في سبل السلام أخذاً بظاهر الحديث.

    ومما استدلوا به عدم وجود القرينة؛ لأن الشوكاني يقول: إن النهي هو حقيقة في التحريم، يعني نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر يدل على تحريمه، وهذا هو معناه الحقيقي، أما الكراهية فهي معنىً مجازي، ولا ينتقل من الحقيقة إلى المجاز -يقول الشوكاني - إلا بدليل أو قرينة، ولا قرينة هنا، ولهذا ذهب هو ومن سلف إلى القول بتحريم البيع والشراء في المسجد، وإن كانوا لا يقولون ببطلانه أيضاً كلهم، بل أكثرهم يقولون بجوازه وإن كان حراماً، أكثرهم يقولون بأن البيع يصح، يقولون بصحته وإن كان حراماً، يعني: يحرم البيع، لكن لو باع واشترى نقول: البيع صحيح عند أكثر هؤلاء.

    القول الثالث: جواز البيع والشراء في المسجد بغير كراهة

    القول الثالث: أنه يجوز بلا كراهة، أن البيع والشراء في المسجد يجوز بلا كراهة، وهذا مذهب للشافعي ذكره النووي في المجموع وغيره، وذكروا أنه قول ضعيف عن الإمام الشافعي، وكذلك ذهب إلى هذا القول ابن حزم في المحلى، قال: يجوز البيع والشراء في المسجد، لقول الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275].

    أما حديث عمرو بن شعيب فيقول أبو محمد بن حزم : إنه صحيفته أو من صحيفته، وكأنه يرى أن حديث عمرو بن شعيب لا يحتج به، والواقع أنه حسن عند أكثر أهل العلم، وقد سبق تفصيل ذلك، وكذلك لعل الحديث -حديث الباب- لم يقع لـابن حزم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا سمعتم من يبيع أو يبتاع في المساجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك )، فلهذا ذهب ابن حزم إلى جواز البيع والشراء في المسجد بلا كراهة.

    القول الرابع: التفريق بين البيع اليسير واتخاذ المسجد سوقاً

    المذهب الرابع في المسألة: ونسب إلى أصحاب أبي حنيفة أنهم يقولون بالتفريق بين الكثير والقليل، يقولون: إذا باع بيعاً يسيراً، يعني: واحد بجوار إنسان آخر جالس فقال -مثلاً-: تبيع علي كذا؟ قال: نعم، قال: بكذا؟ قال: نصيبك، يقولون: هذا لا حرج فيه، لكن كون المسجد سوقاً يباع فيه ويشترى وتعرض فيه السلع والبضائع وما شابه هذا يكون هذا عندهم ممنوعاً محرماً.

    على كل حال: جمهور أهل العلم على أن البيع إذا وقع في المسجد فإنه مكروه، وأن البيع صحيح، وكأنهم حملوا النهي أيضاً على كون المسجد يكون سوقاً كما سبق في الشعر، على كون المسجد سوقاً يبيع فيه الناس ويشترون، أما كونه يبيع أو يشتري شيئاً يسيراً فإن هذا مكروه، لكنه لا يصل إلى التحريم، خاصة مع القرائن والصوارف التي استدلوا بها وسبق ذكرها.

    1.   

    شرح حديث: (لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها)

    أما الحديث الثاني فهو حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها ).

    تخريج الحديث

    يقول المصنف رحمه الله: رواه أحمد وأبو داود بسند ضعيف، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده من طريقين عن محمد بن عبد الله الشعيثي، ثم اختلف في الحديث على محمد محمد بن عبد الله الشعيثي في هذا الحديث، فمرة روى الحديث عن العباس بن عبد الرحمن المدني عن حكيم بن حزام مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً: الإسناد الأول عن محمد بن عبد الله الشعيثي عن العباس بن عبد الرحمن المدني عن حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقام الحدود في المساجد... ) إلى آخر الحديث. هذا هو الإسناد الأول.

    الإسناد الثاني -وهو في المسند أيضاً-: عن محمد بن عبد الله الشعيثي نفسه عن زفر بن وثيمة عن حكيم موقوفاً عليه من قوله هو لا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه أبو داود عن زفر وغيرهما، والحديث رواه أيضاً الدارقطني والحاكم -وسكت عنه لم يتكلم فيه بشيء- والبيهقي وغيرهم.

    ابن حجر رحمه الله هنا قال: بسند ضعيف، ووافقه أيضاً عبد الحق الإشبيلي في الأحكام، فإنه ضعف الحديث، لكن ابن حجر رحمه الله خالف اجتهاده هنا حيث قال في التلخيص : إسناده لا بأس به، ووافقه على ذلك ابن السكن.

    والظاهر -والله أعلم- أن سند الحديث ضعيف، فإن فيه اضطراباً ظاهراً على محمد بن عبد الله الشعيثي كما ذكرت، مرة مرفوعاً ومرة موقوفاً، ومرة يرويه عن زفر ومرة يرويه عن العباس، ففيه اضطراب فضلاً عما في الإسنادين في المسند وغيرهما من جهالة بعض رجالهما، فالسند ضعيف.

    شواهد الحديث

    لكن للحديث شواهد يتقوى بها، فمن شواهد الحديث ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ( لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل والد بولده)، والحديث رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.

    حديث ابن عباس : ( لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل والده بولده ) وقد ذكر بعض الذين خرجوه ذكروا له قصة طريفة، وهي: (أن رجلاً كانت عنده جارية يطؤها فولدت له ولداً، فلما كبر هذا الولد كان الرجل يقول لجاريته أم ولده: هاتِ كذا، اذهبي بكذا، أحضري كذا. فقال له الولد: إلى متى تسترق أمي؟ تستأيم أمي، يعني: تجعلها أمة، فغضب أبوه عليه ورماه بالسيف فأصابه، فنزف حتى مات، فجيء به إلى عمر أو غيره، فقال: لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا لقتلتك وأقمت عليك الحد. وأمر بجلده) ذكر بعضهم هذه القصة لهذا الحديث.

    على كل حال حديث ابن عباس صحيح بطرقه، وهو من شواهد حديث الباب.

    ومن شواهد حديث الباب أيضاً ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إقامة الحد في المسجد )، وحديث عمرو بن شعيب رواه ابن ماجه، وفي سنده ابن لهيعة وفيه مقال سبق مراراً، فهو ضعيف بمفرده أيضاً .

    ومن شواهد الحديث ما رواه مكحول -وهو تابعي- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( جنبوا مساجدكم إقامة حدودكم )، والحديث إسناده صحيح لكنه مرسل، رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح لكنه مرسل، وهو يعضد الأحاديث السابقة، فبناءً عليه نقول: إن حديث الباب حسن لغيره، حديث الباب -وإن كان سنده ضعيفاً- إلا أنه حسن لغيره.

    معاني ألفاظ الحديث

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقام الحدود في المساجد ) الحدود: جمع حد، وهي: العقوبات الشرعية المقدرة على جرائم معلومة، كحد الرجم للزاني المحصن وحد الجلد لغير المحصن، وكذلك الجلد للقاذف وشارب الخمر ونحوها، فهذه تسمى حدوداً.

    أما قوله: (ولا يستقاد فيها) يعني: في المساجد. فهو مأخوذ من القود وهو القصاص.

    وأما التعازير فهي جمع تعزير، وهي: عقوبات غير مقدرة شرعاً على ذنوب وجرائم نهى عنها الشارع، وتقدير التعازير إلى السلطان، يقدر فيجلد هذا عشرين سوطاً أو ثلاثين أو أربعين، بل قد يصل التعزير -كما ذكر مالك وغيره- إلى حد القتل أحياناً، مثل ما ورد عن بعض السلف قال: (والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح) يعني: قتلهم؛ لأن المرابي جرمه عظيم، فقال بعض السلف: إذا اجتهد الحاكم إن كان عادلاً عاملاً بشرع الله فإنه يقتل المرابين إذا لم يتوبوا من رباهم.

    المهم: هذا معنى التعازير: عقوبات غير مقدرة، إنما ترك تقديرها إلى السلطان.

    حكم إقامة الحدود في المساجد وأقوال العلماء فيه

    وفي الحديث مسألة إقامة الحدود في المساجد، وفيها قولان مشهوران:

    القول الأول: منع إقامة الحدود في المساجد

    الأول: أنه يمنع من إقامة الحدود في المساجد، المنع من إقامة الحدود في المساجد، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة، قال ابن المنذر : وروينا عن عمر رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه: أنهما أمرا بإخراج من عليه جلد من المسجد، يعني: رجل استحق الجلد فأمروا بإخراجه من المسجد وأن يجلد خارجه. وكذلك هو مذهب عكرمة كما ذكر ابن المنذر ومالك وأحمد وإسحاق وابن أبي ليلى وأكثر أهل العلم، المنع من إقامة الحدود في المساجد، ولا شك أن حجة هؤلاء الآن أصبحت ظاهرة، وهي حديث الباب حديث حكيم بن حزام : ( لا تقام الحدود في المساجد ).

    وأيضاً من أدلتهم الأثر عن عمر، وأيضاً حديث ابن عباس : ( لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل والد بولده ).

    وأيضاً من أدلتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (نهى عن إقامة الحدود في المساجد).

    ومن أدلتهم مرسل مكحول : ( جنبوا مساجدكم إقامة حدودكم )، كل هذه تصلح أدلة لهم ما دام بعضها يعتضد ببعض، تصلح أدلة على منع إقامة الحدود في المساجد.

    ومما يمكن أن يستدل لهم به حديث ما سبق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا )، ونقول أيضاً فيما يتعلق بالحدود: فإن المساجد لم تبن لهذا، وإنما هي لذكر الله والتسبيح وقراءة القرآن وما أشبه ذلك.

    وهذا القول بالنهي والمنع هو الذي رجحه الشوكاني في النيل والصنعاني في السبل، وقال بعض أهل العلم: إن العلة في ذلك هي صيانة المساجد عن مثل هذا الأمر، وهي أيضاً مظنة خروج النجاسة من الإنسان الذي يقام عليه الحد أو يستقاد منه أيضاً، قد يكون في المسألة قطع، قطع ليد -مثلاً- أو نحوها أو رجل، وقد يكون في المسألة أيضاً ضرب ربما لا يؤمن معه خروج النجاسة من الإنسان، وعلى كل حال هذا التعليل إنما هو نظري استنباطي، ولم يكن هناك عليه نص شرعي.

    القول الثاني: جواز الضرب الخفيف دون الحد

    القول الثاني في المسألة: هو التسهيل في ضرب الدرة والدرتين، يعني: الضرب الخفيف في المسجد الذي لا يصل إلى درجة أن يكون حداً، إنما هو تعزير خفيف، مثل خفقات أمير المؤمنين أبي حفص عمر رضي الله عنه لا مانع أن تكون في المسجد، يعني: إنسان أخطأ في المسجد أو ما أشبه ذلك يضرب ضربة أو ضربتين في المسجد دون أن يكون في المسألة إقامة حد.

    وهذا القول هو مذهب أبي ثور وابن عبد الحكم، وقال فيه ابن المنذر : إنه استحسان لا معنى له، يقول ابن المنذر : هو استحسان لا معنى له.

    هناك قول ثالث ذكره بعضهم بالجواز، جواز إقامة الحدود في المساجد، وهو قول مطرح وكأنه خلاف مذهب الأئمة الأربعة فيما ظهر لي.

    فنقول: المسألة بقيت مترددة: إما أن نقول: يجوز أن تضرب ضربة أو ضربتين في المسجد أو لا تضرب مطلقاً.

    والقول -الحقيقة- بأنه لا بأس بالضربة أو الضربتين في المسجد أرى أنه لا يناقض القول الأول، فكأن ابن عبد الحكم وأبا ثور لم يخالفا الجمهور، حتى الجمهور من قال إنهم يمنعون من ضربة أو ضربتين؟! إنما يمنعون إقامة الحدود، الحدود أقلها أربعون حد الخمر، وكذلك القود، يعني: قد يكون قصاصاً في النفس أو فيما دونها، هذا يمنعون منه أيضاً في المسجد، لكن أب يؤدب ولده أو معلم يؤدب تلميذه في المسجد بضربة أو ضربتين، أو الخليفة الإمام يؤدب إنساناً بشيء يسير، الظاهر أن هذا الأمر لا بأس به ولا يعارض ما ذهب إليه الجمهور من منع إقامة الحدود في المساجد؛ لأن هذه لا تسمى حدوداً.

    نعم. (حصبهما عمر رضي الله عنه، وقال: من أين أنتما؟ قالا: من الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً) يعني: كونه حصبهما -يعني: رماهما بالحصباء- قد يستدل من هذا على ما ذكرت أنه لا بأس، يعني: الشيء الخفيف اليسير في المسجد مثل المعلم يؤدب طلابه لا حرج في هذا، ولا يعارض هذا مذهب الجمهور.

    1.   

    شرح حديث عائشة في ضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد لسعد بن معاذ حين أصيب

    حديث عائشة رضي الله عنها -وهو الثالث- قالت رضي الله عنها: ( أصيب سعد رضي الله عنه يوم الخندق، فضرب عليه النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب ).

    تخريج الحديث

    والحديث -كما ذكر المصنف- متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الصلاة، (باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم)، وكذلك رواه مسلم في كتاب الجهاد، (باب جواز قتال من نقض العهد)، والبخاري رواه بأطول مما ذكر المصنف؛ فإن عائشة رضي الله عنها قالت: ( أصيب سعد

    رضي الله عنه يوم الخندق في الأكحل -هكذا- فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخيمة فضربت له في المسجد ليعوده من قريب، وقالت: كان إلى جوارهم خيمة لبني غفار، فلم يرعهم إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فنظروا فإذا سعد

    يغدو جرحه دماً، فمات فيها
    ) هذه رواية البخاري، وقريب منها رواية مسلم، وقد رواه أيضاً أبو داود والنسائي في سننهما.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (سعد ) كما في الحديث، هو سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهو سيد الأنصار، وهو الرجل الفاضل الكبير المقدام الذي يكفي في فضائله -كما في الصحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اهتز لموته عرش الرحمن عز وجل ) .

    وفي الصحيح أيضاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمناديل من حرير فتعجب الناس منها ومن حسنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مناديل سعد

    في الجنة أحسن منها وأطيب ) .

    وكانت وفاة سعد رضي الله عنه في السنة الخامسة للهجرة كما هو مشهور عند أهل السير، وله فضائل سوف تأتي في ضمن سياق هذا الحديث.

    قوله: (في الأكحل) الأكحل هكذا بفتح الهمزة والحاء، هو عرق في اليد أو في الذراع، وكان الذي ضرب سعداً وأصابه رجل من المشركين اسمه حبان بن العرقة، حِبان -بكسر الحاء- ابن العرقة .

    وقوله في صيغة الحديث التي أشرت إليها: (فلم يرعهم) أي: لم يفزعهم إلا الدم، وكأنهم كانوا آمنين مطمئنين، فلما رأوا الدم أصيبوا بالروع والفزع من مرأى الدم الذي جاء إليهم من خيمة سعد رضي الله عنه.

    وقالوا: (أو ما هذا الذي يأتينا من قبلكم) (من قبلكم) بكسر القاف أي: من جهتكم.

    وقوله: (يغذو جرحه دماً) أي: يسيل.

    وفي آخر الحديث قالت: (فمات فيها) يحتمل أنه (مات فيها) يعني: في الخيمة، ويحتمل أنه (مات فيها) يعني: في تلك الجراحة، وهذا أقوى، ولهذا ذكر الكشميهني والمستملي من روايتهما للبخاري : (فمات منها)، يعني: من تلك الجراحة التي كانت به أو من تلك الإصابة التي أصابته.

    والحديث مختصر أيضاً؛ فإن الحديث أطول من ذلك، وفيه: ( أنه لما مرض سعد

    ووضع المسلمون السلاح جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أوضعت السلاح؟ فما وضعته بعد! وأشار إليه أن: اذهب إليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين؟ فأشار جبريل إلى جهة بني قريظة، فذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم على حكمه، فنزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم على حكم سعد

    ، فجيء بـسعد

    رضي الله عنه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، ثم قال سعد

    رضي الله عنه: اللهم إنك تعلم أنه لا أحد أحب إلي أن أجاهده من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه -يعني قريشاً-، اللهم فإني أظن أن قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، اللهم إن كان بقي من قتال قريش شيء فأبقني له وإلا افجرها -يعني جرحه- واجعل ميتتي فيها، ففجرت ومات رضي الله عنه بجرحه شهيداً في سبيل الله
    ) إن شاء الله.

    فوائد الحديث

    وفي حديث سعد فوائد كثيرة، منها:

    جواز نصب الخيمة في المسجد وإن كان موضع الخيمة يمنع الناس من أن يصلوا فيه، وقد جاء نصب الخيمة في أحاديث كثيرة، منها حديث الباب في خيمة سعد، ومنها خيمة بني غفار، وهي أيضاً في حديث الباب، ومنها خباء النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد الاعتكاف، ومنها خباء عائشة وزينب وبقية أمهات المؤمنين حين رأين النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف فنصبن أخبيتهن، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتقويضها وهدمها وقال: ( آلبر أردن؟! آلبر تقولون بهن؟! ) وترك الاعتكاف في رمضان تلك السنة ثم اعتكف من شوال، ففيه جواز نصب الخيمة في المسجد.

    ومن فوائده: جواز تمريض الجرحى في المسجد للحاجة، فإن مكان الجرحى في العادة غير المسجد، لكن يجوز تمريض الجرحى في المسجد للحاجة، ومن أين أخذنا كلمة (للحاجة) في حديث الباب؟ من قولها: (ليعوده من قريب)، فإن هذه حاجة ولا شك.

    ومنها: فضيلة عيادة المريض؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص عليها، ومنها قولها هنا: (ليعوده من قريب).

    وفي الحديث فضيلة ظاهرة جداً لـسعد بن معاذ من وجوه عدة:

    منها: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على زيارته، فهذا إنما كان لفضله رضي الله عنه.

    ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزلهم على حكمه، وهذا من فضله.

    ومنها أيضاً -من فضائله رضي الله عنه-: صرامته في بني قريظة، فإنه حكم فيهم بحكم الله عز وجل أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، مع أنهم كانوا حلفاءه، ومع ذلك قال: آن لـسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، ثم حكم فيهم بهذا الحكم القوي الصارم الموافق لحكم الله عز وجل.

    ومن فضائله: إجابة الله تعالى لدعائه، حيث انفجرت هذه الجراحة وجعلت ميتته فيها.

    ومن فضائله أيضاً: غضبه لغضب الله ورسوله، فإنه كان حريصاً على قتال قريش؛ لأنهم أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوه.

    1.   

    شرح حديث عائشة في ستر النبي صلى الله عليه وسلم لها وهي تنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد

    الحديث الأخير هو حديث عائشة أيضاً -رضي الله عنها- قالت: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ) والحديث أيضاً متفق عليه.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في كتاب الصلاة أيضاً، (باب: أصحاب الحراب في المسجد)، ورواه مسلم في العيدين في كتاب العيدين، (باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه).

    وفي الحديث زيادات كثيرة قد يطول المجال بذكرها، لكن من ضمن هذه الزيادات التي رواها الشيخان أو أحدهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى عائشة

    وقال: تشتهين تنظري إليهم؟ فأشارت برأسها أن: نعم، فقال لهم: دونكم يا بني أرفدة -يعني الحبشة وهم يلعبون في المسجد- دونكم يا بني أرفدة، يعني: أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلعبوا- فلما طال بها المقام قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: حسبك؟ -يعني: يكفيكِ- فأشارت برأسها أن: نعم ).

    وفي الحديث أيضاً: ( أن عمر

    زجرهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لما زجرهم عمر

    : أمناً بني أرفدة
    )، يعني: من الأمن، آمنين، لا عليكم، لا تلتفتوا إلى عمر ولا تعبئوا بزجره لكم.

    وفي رواية عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( إن الحبش كانوا يزفنون في المسجد -يزفنون يعني: يلعبون- قال: فجاء عمر

    فأخذ كفاً من الحصباء يريد أن يحصبهم -يضربهم بالحصباء رضي الله عنه وأرضاه، كان قوياً في الحق، لا يعرف التوقف أو الانتظار- فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: دونكم يا بني أرفدة، ونهاه عن ذلك ).

    ومما جاء في مسند الإمام أحمد في الحديث نفسه: أن النبي صلى الله عليه وسلم علّل ذلك بقوله: ( حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة )، ولعل كون عمر أخذ الحصباء ليضربهم بها وهم في المسجد هذا مما يمكن أن يضاف إلى ما سبق في مسألة إقامة الحدود في المساجد، وأنه لا بأس بالضربة والضربتين وما شابههما، وهذا لا يعني إقامة الحد ولا يعارض ما ورد.

    فوائد الحديث

    في الحديث فوائد كثيرة، منها: جواز اللعب بالدرق والحراب في المسجد، وهذه جاء التنصيص عليهما، والدرَق بفتح الدال والراء: جمع درقة، وهي أنواع من التروس تصنع من جلد، كما ذكر ذلك الأزهري في التهذيب وغيره من أهل اللغة.

    وأما الحراب فهي جمع حربة، وهي آلة قصيرة تصنع من حديد من آلات الحرب، ورأسها مدبب، التي تشبه ما نسميه نحن في العصر الحاضر بالقوس، يعني الرأس مدبب هكذا، ثم فيه عصا في أسفله قصيرة يصنع من الحديد، هذه تسمى الحراب، الجمع حراب، والمفرد حربة.

    من فوائد الحديث أيضاً: إظهار السرور في يوم العيد، جواز إظهار السرور في يوم العيد باللعب الذي لا معصية فيه، كما قال النووي رحمه الله في تبويبه على مسلم .

    ومن فوائده: جواز نظر المرأة إلى الرجال بغير شهوة، بحيث إن عائشة رضي الله عنها لم تكن تنظر إلى أشخاصهم وأعيانهم، إنما كانت تنظر إلى مجملهم وهم يلعبون في المسجد.

    وفيها: ستر المرأة، وجوب سترها، فإنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم يسترها من هؤلاء وهي تنظر إليهم من وراء كتفه عليه الصلاة والسلام.

    ومن فوائد الحديث: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو ظاهر من فعله مع عائشة حتى ملت.

    وفيه فضيلة ظاهرة لـعائشة رضي الله عنها في محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها.

    هذا وأسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلني وإياكم ممن قلوبهم معلقة بالمساجد، وأسأله جل وعلا أن يختم لي ولكم بخاتمة السعادة أجمعين، وأن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يتوب علينا ويهدينا سواء السبيل، وأن يعز دينه وينصر كلمته، إنه على كل شيء قدير.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.