إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب سترة المصلي - حديث 242-246

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب سترة المصلي - حديث 242-246للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اتفق العلماء على مشروعية السترة، واختلفوا في وجوبها واستحبابها على قولين، واتفقوا على تحريم المرور بين يدي المصلي، حيث ورد في ذلك وعيد شديد، وقد جاءت بعض الأحاديث في تحديد السترة، والأمر في ذلك واسع، لكن يستحب أن تكون مرتفعة.

    1.   

    باب سترة المصلي

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، والذين كانوا نجوم الدجى، هدى الله بهم من الضلالة، وبصر بهم من العمى، وفتح بهم أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعلنا ممن سار على نهجهم واقتفى أثرهم واتبع هداهم، إنه على كل شيء قدير.

    أيها الإخوة الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وعندنا في هذه الليلة أربعة أحاديث أو خمسة.

    قال المصنف رحمه الله: [باب سترة المصلي].

    تعريف السترة

    هي بضم السين: سُترة، والمقصود بالسترة: هو ما يستتر به الإنسان، والمراد بها هنا: هو ما يجعله المصلي بينه وبين القبلة.

    وقد ضبطت بضم السين في كتب اللغة، ككتاب التهذيب للأزهري والقاموس للفيروزآبادي والمعجم لـابن فارس وغيرهم، فهي بضم السين: (سُترة المصلي).

    مشروعية السترة

    والسترة للمصلي مشروعة بإجماع أهل العلم، أجمع أهل العلم على أنه يستحب للمصلي أن يجعل بينه وبين القبلة سترة يستتر بها من قوس أو سهم أو عصا أو جدار أو غيره، ذكر الإجماع على ذلك الإمام ابن رشد في بداية المجتهد، وذكره ابن عبد البر، وذكره ابن حامد من الشافعية، وقال ابن قدامة في المغني : (لا نعلم في استحباب ذلك خلافاً بين أهل العلم). يعني: أجمع هؤلاء العلماء على أنها مشروعة، وقد سبق أن بينت لكم أن معنى (مشروع) يعني: مطلوب شرعاً، لكن من غير تحديد هل هو مطلوب على سبيل الإيجاب أو على سبيل الاستحباب؟ فهو مشروع عند جميع العلماء، إلا أن فئة قليلة منهم -وخاصة من المالكية- خصوا الاستحباب بما إذا خشي أن تقطع صلاته، فكأنه على هذا قالوا: يستتر في الحضر، لكن في السفر إذا كان في البرية وليس عنده أحد قالوا: لا يستحب له أن يضع سترة، هذا كلام بعض المالكية وليس له وجه، وليس لهذا التفصيل بين الحضر والسفر وجه، أو بين خشيته أن يمر أو عدم خشيته، بل السترة مشروعة عند كافة أهل العلم في جميع الأحوال.

    فوائد السترة

    وفائدة السترة أولاً: أنها تقطع نظر المصلي عما أمامه، فتجعل بصره محصوراً في موضع سجوده، فلا يذهب بصره يمنة ويسرة، وتذكره دائماً بأنه في صلاة، وأنه ينبغي ألا يتعدى هذا الحد الذي حده لنفسه.

    كما أن من فائدتها: أنها تمنع المرور بين يدي المصلي وتمنع قطع صلاته؛ لأن المصلي إذا وضع لنفسه سترة كأنه جعل لنفسه حريماً، يعني: منطقة محرمة لا يجوز المرور منها، لا يمر منها الشيطان ولا يمر منها غيره، يمنع من المرور، لكن إذا لم يضع لنفسه سترة فقد يمر الشيطان وقد يمر غيره من شياطين الإنس، وقد لا يستطيع الإنسان أن يمنعهم من ذلك؛ لأنه قصر وفرط في وضع السترة.

    1.   

    شرح حديث: (لو يعلم المار بين يدي المصلي...)

    الحديث الأول من أحاديث الباب هو حديث أبي جهيم بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو يعلم المار بين يدي المصلي... ) إلى آخر الحديث.

    ترجمة راوي الحديث

    راوي الحديث: هو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله عنه، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: اسمه الحارث، وقيل غير ذلك. ولـأبي جهيم هذا أحاديث ثلاثة: أولها حديث الباب، والحديث الثاني لـأبي جهيم.

    رواه البخاري في صحيحه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر جمل -وهذا موضع بـالمدينة - فسلم عليه رجل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الجدار فتيمم ثم رد عليه السلام )، والحديث رواه البخاري وذكره مسلم تعليقاً.

    أما حديثه الثالث فقد رواه البغوي، وهو في نزول القرآن على سبعة أحرف: ( أن رجلين من المسلمين اختلفا في آية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف )، فهذه أحاديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه.

    تخريج الحديث

    والحديث يقول المصنف: [متفق عليه]، رواه البخاري رحمه الله في كتاب الصلاة، (باب: إثم المار بين يدي المصلي)، ورواه مسلم أيضاً في كتاب الصلاة، (باب: منع المار بين يدي المصلي)، ورواه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، فهو مما يصح أن يقال فيه: رواه السبعة، وكذلك رواه مالك في موطئه وغيرهم.

    المسافة الممنوع المرور فيها بين يدي المصلي

    قوله صلى الله عليه وسلم: ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ) معنى (بين يدي المصلي). أي: أمامه قريباً منه، وإنما عبر باليدين؛ لأن غالب الشغل إنما يكون باليدين، فما أمام الإنسان قريباً منه يقال: بين يديه، والمقصود: قريباً منه، وما مقدار القرب؟ حدده بعض الفقهاء -بل كثير من الفقهاء الشافعية والحنابلة- بثلاثة أذرع، ولعل مما يستدل لهم به ما في الصحيح : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة وبينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع ) .

    وذهب آخرون إلى أن ما بين يدي المصلي هو ما بين وقوفه وبين موضع سجوده.

    وقالت فئة ثالثة: بل هو ما أمامه بقدر رمية بحجر. وهذا بعيد جداً، ولعل القول الأوسط هو الأنسب، فيقال: الممنوع هو أن تمر بين المصلي وبين آخر مكان يسجد عليه.

    أما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في داخل الكعبة إلى الجدار وبينه وبينه نحو ثلاثة أذرع فإن هذا غالباً هو المناسب للسترة، أن الإنسان يجعلها في قدر ثلاثة أذرع أو قريباً من ذلك، بحيث يكون بين السترة وبين موضع السجود قدر ممر شاة.

    الكلام على زيادة (من الإثم) في الحديث

    ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم )، كلمة (من الإثم) هاهنا ذكرها المصنف كما تلاحظون في هذا الموضع، وفي الواقع أنها ليست في البخاري ولا في مسلم هذه اللفظة، انفرد بروايتها في صحيح البخاري راو اسمه الكشمَيهَني أو الكُشمِيهني، وهذا الراوي ليس من الرواة الأئمة العلماء الحفاظ، وإنما هو راوية فقط، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وذكر أنه تفرد بهذه اللفظة بزيادة: (من الإثم) عن جميع رواة الصحيح .

    والكشميهني هذا -كما ذكر السمعاني في الأنساب، وكما ذكر ياقوت في معجم البلدان - اسمه: أبو الهيثم محمد بن مكي بن محمد بن زراع الكشميهني، وتضبط كلمة الكشميهني هكذا؛ لأن عدداً من طلبة العلم سألوني: كيف تضبط هذه الكلمة؟ لأن كل إنسان يقرؤها بطريقة، بعضهم يقول الكشمهينني، وبعضهم يقول: الكشميهني، وبعضهم: الكشميهني، وبعضهم يكسر الكاف أو يفتحها، فضبط هذه الكلمة كما يلي: تضبط بضم الكاف وسكون الشين المعجمة: الكُش، أما الميم فتنطق بالكسر أو بالفتح، يجوز أن تقول: الكُشْمِي أو الكُشْمَي، وأما الياء فهي ساكنة، وأما الهاء فهي مفتوحة. إذاً: ضبطه: الكُشْمَيْهَني، أو الكُشْمِيْهَني، هكذا ضبطه السمعاني في الأنساب وياقوت الحموي في معجم البلدان، فليقيد وليعلم ذلك.

    و الكشميهني لم يكن من العلماء، ولذلك تفرد بكلمة (من الإثم)، وهذه زيادة من عنده ليست في شيء من الروايات، ليست في البخاري ولا مسلم ولا في السنن ولا في المسانيد ولا في المستخرجات ولا في غيرها، ولذلك فإن الحديث رواه مالك في الموطأ بدون هذه الزيادة، والبخاري رواه عن مالك أيضاً، البخاري رواه من طريق مالك .

    قال ابن عبد البر : لم يختلف على مالك في شيء من ألفاظ هذا الحديث، فكل الرواة رووه عن مالك بهذا دون زيادة (من الإثم)، وقد أنكر هذه الزيادة الحافظ ابن حجر، وأنكر على المحب الطبري أنه ذكر الحديث في كتاب الأحكام ونسبه للبخاري بهذه الزيادة، وكذلك أنكر ابن حجر على صاحب العمدة أنه ذكر الحديث بهذه الزيادة فأوهم أنها في الصحيحين وليست كذلك، وكذلك أنكر ابن الصلاح هذه الزيادة وقال: ليست في شيء من الروايات، وكذلك النووي ذكر الحديث في المجموع بدون الزيادة: ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين ) بدون كلمة: (من الإثم)، ثم قال: وقد روينا الحديث في الأربعين للإمام الرهاوي بزيادة: (ماذا عليه من الإثم)، فدل على أن زيادة (من الإثم) لا توجد إلا في كتاب الأربعين للإمام الرهاوي .

    وكذلك في مصنف ابن أبي شيبة جاء الحديث: ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ) يعني: من الإثم، فكأنها زيادة من بعض الشراح لبيان المبهم، فظنها بعضهم من المتن فأدخلوها في صحيح البخاري .

    والعجب كله من المصنف -رحمه الله- ابن حجر، فإنه قد أنكر على المحب الطبري كيف ذكر الرواية ونسبها للبخاري، وأنكر على صاحب العمدة كيف ذكر الزيادة ونسبها للشيخين، ثم وقع هو في الأمرين معاً الذي أنكره عليهما، فإنه ساق الحديث هنا بهذه الزيادة، بزيادة: (من الإثم) وقال: متفق عليه، فدل على أن اللفظ هذا على حسب كلام المصنف موجود في الصحيحين، ثم قال: واللفظ للبخاري، فدل على أن هذا اللفظ موجود في البخاري أيضاً، وكلاهما غير صحيح، وبهذا يعلم ما تقرر وعلم: فإن الإنسان بشر لا يسلم من النقص والزلة، وقد يقع هو فيما استدركه على غيره، والكمال لله عز وجل والعصمة لرسله عليهم الصلاة والسلام.

    وقد رجعت لأتثبت وأتأكد إلى مخطوطاتي -مخطوطات عندي لكتاب بلوغ المرام إحداهما صورت لي من المكتبة المحمودية والأخرى صورت من مكتبة عارف حكمت كلاهما بـالمدينة المنورة - فوجدت هذه الزيادة فيهما، معنى ذلك، أن المصنف -فعلاً- وقع في الوهم، فنسب زيادة (من الإثم) إلى البخاري أو إلى المتفق عليه، وهذا خطأ؛ فإنها ليست في البخاري ولا مسلم، ولا تثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وإن كان معناها صحيح، (ماذا عليه) يعني: من الإثم، لكن لم ترد هذه، ليست من كلام المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    المراد بالأربعين في الحديث

    ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين ) أربعين: هكذا جاءت مبهمة غير مميزة، أربعين يوماً أو شهراً أو سنة؟ الله أعلم، ولذلك قال أبو النضر فيما رواه أبو داود وابن ماجه قال: [ لا أدري: أربعين سنة أو شهراً أو يوماً ]؛ لأنها مبهمة، ويحتمل أن يكون الإبهام من الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لكان أن يقف أربعين ) ولم يحدد، ويحتمل أن يكون من بعض الرواة.

    فإن كان الإبهام من الرسول عليه الصلاة والسلام فهو على سبيل التفخيم والتعظيم للأمر.

    ويحتمل أن يكون من بعض الرواة، فإن كان الإبهام من بعض الرواة فهو للشك والتردد، يعني: شك الراوي هل قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أربعين يوماً، أو قال: أربعين شهراً، أو قال: أربعين سنة؟ فآثر الراوي أن يترك التمييز بيوم أو شهر أو سنة لئلا يقع في القول على الرسول صلى الله عليه وسلم بغير علم.

    أما رواية البزار التي أشار إليها المصنف في آخر الحديث قال: [ووقع في البزار من وجه آخر: أربعين خريفاً] فهذه مميزة، بدلاً من قوله هنا: (لكان أن يقف أربعين) بين لنا أن المقصود بالأربعين أربعين خريفاً، فيحتمل أن يكون المقصود بالخريف السنة، فإن هذا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، هو معروف عند أهل اللغة كما ذكره الفيروزآبادي وغيره، ويحتمل أن يكون المراد بالخريف جزءاً من السنة، وهو الفصل المعروف بين الشتاء وبين القيض، فإنه يسمى الخريف وقدره ثلاثة أشهر.

    إذاً: يحتمل هذا وهذا، والأقرب أن يكون المقصود بالخريف السنة؛ لأنه لا معنى لتحديد الفصل والله أعلم، لكن أيضاً هذه الزيادة -أربعين خريفاً- التي ذكرها المصنف عن البزار، شاذة، فإنه قد تفرد بها سفيان بن عيينة عن بقية الرواة الثقات، كـمالك وسفيان الثوري وغيرهما، وهي زيادةٌ حَكَم جماعة من أهل العلم بأنها زيادة شاذة لا تصح.

    وقد جاء في رواية أخرى عند الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لكان أن يقف أربعين عاماً خيراً له من تلك الخطوة التي خطاها )، وهذا دليل -أولاً- على أن قوله: (لكان أن يقف أربعين) يعني: أربعين سنة أو عاماً، وهو دليل -ثانياً- على أن التحديد بالأربعين ليس على سبيل التخصيص بالأربعين، مثلما تكلف بعضهم: لماذا خصص الأربعين؟ قالوا: لأن الإنسان يتكامل في أربعين .. إلى آخره، وأتوا بتأويلات وتعديلات لا دليل عليها، وفيها من التكلف شيء ظاهر، فحديث أبي هريرة : (لكان أن يقف مائة عام) دليل على أن ذكر الأربعين ليس للتحديد والتخصيص وإنما هو للتكثير، فهو كقول الله عز وجل: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، ليس معناه: أنه لو استغفر النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وسبعين مرة لغفر الله لهم، لكن المقصود: مهما استغفرت لهم فلن يغفر الله لهم؛ لأنهم مشركون كافرون لا يغفر لهم.

    إذاً: قوله: (أربعين) ليس المقصود التحديد بأربعين، لكن المقصود التكثير وتعظيم الإثم المترتب على مرور الإنسان بين يدي المصلي.

    قوله عليه الصلاة والسلام: ( لكان أن يقف أربعين خيراً له ) هكذا هو في الرواية في الصحيحين: (خيراً) بالنصب، وإعرابها حينئذ خبر (كان)، والتقدير: لكان وقوفه أربعين سنة خيراً له من المرور. وقد جاء في رواية الترمذي بالرفع: (خير له)، وعلى هذا أعربها ابن العربي بأنها اسم (كان) والخبر هو (أن يقف)، أي: لكان خيرٌ له أن يقف، وقد يشكل على هذا أنه نكرة، ولا يجوز الابتداء بالنكرة كما قال ابن مالك، ولكن يمكن أن يقال: إنها نكرة موصوفة.

    فوائد الحديث

    في الحديث فوائد:

    أولها: تحريم المرور بين يدي المصلي.

    وقد ذكر بعض المالكية للمرور بين يدي المصلي أربع صور:

    الصورة الأولى: أن يكون المصلي تعمد التعرض للمار والمار كان له مندوحة ومساغ ألا يمر بين يديه، مثال: إنسان جاء ووقف يصلي في الطريق وهو يعرف أن الناس سيمرون بين يديه، فتعمد أن يؤذيهم ويقف يصلي في طريقهم، فجاء إنسان وكان له مساغ أن يأتي من وراء المصلي، لكنه مع ذلك تعمد أن يمر من أمام المصلي، ففي هذه الحالة من الآثم منهما؟ كلاهما، كلاهما يبحث عن الشر في هذه الحالة: المصلي يصلي في الطريق ليعترض الناس، والمار كان يستطيع أن يأتي من وراء المصلي لكنه لم يفعل، ففي هذه الحالة كلاهما آثم.

    الصورة الثانية: ألا يتعمد المصلي التعرض للمارة والمار لا يجد مساغاً، مثلاً: مصل أتى وصلى إلى سترة واقترب منها بعيداً عن الناس، فجاء مار بعدما ازدحم الناس وتكاثروا ولم يجد له مساغاً إلا أن يمر بين يدي المصلي وهو مضطر إلى ذلك لا يستطيع أن يقف وينتظر، فمر بين يديه، ففي هذه الحالة على من الإثم؟ ليس على أحد منهما إثم، كلاهما معذور، المصلي ما قصر فاتخذ الحيطة الواجبة أو المستحبة، وكذلك المار اضطر إلى ذلك، فلا إثم عليهما.

    الحالة الثالثة: أن يتعمد المصلي التعرض للمارة ولا يجد المار مساغاً، مثل طريق ضيق وقف فيه إنسان وصلى، فجاء إنسان ما يستطيع أن يمر إلا من أمام المصلي فمر من أمامه، ففي هذه الحالة الإثم على المصلي؛ لأنه هو الذي تعمد الوقوف للصلاة في الطريق.

    الصورة الرابعة: هي ألا يتعمد المصلي التعرض للمارة ويجد المار مساغاً، مثل: إنسان يصلي إلى سترة فجاء رجل فمر بين يديه وكان يستطيع أن يمر من ورائه، ففي هذه الحالة الإثم على المار؛ لأنه كان يستطيع أن يأتي من وراء المصلي ولا يقطع عليه صلاته.

    أما بالنسبة للحرم هناك بعض أهل العلم قالوا: إن الحرم مستثنى من ذلك، واحتجوا بـ حديث المطلب : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي والطوف يمرون بين يديه )، ولكنه حديث ضعيف فيه انقطاع.

    وممن يذهب إلى هذا القول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، فإنه يرى أنه لا حرج في المرور بين يدي المصلي.

    والأقرب أن الحرم كغيره في الأحوال العادية، لكنه يتسامح فيه للحاجة والضرورة إذا كثر الناس وكثر الزحام، لما في ذلك من الحرج والمشقة العظيمة في تجنب المرور بين يدي المصلي، وكل زحام فإنه يكون كذلك، سواء كان في الحرم المكي أو المدني أو غيرهما.

    وذكر بعض أهل العلم من فوائد الحديث: أن المرور بين يدي المصلي من كبائر الذنوب، واحتجوا على ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توعده بهذا الإثم العظيم، وهذا يحتاج إلى تأمل.

    ومن فوائد الحديث -وهي فائدة وإن كانت ظاهرة إلا أنها نفيسة تستحق التقييد-: أن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا، ولكن الناس لغفلتهم وقلة فقههم وضعف يقينهم يتحملون عذاب الآخرة ولا يتحملون عذاب الدنيا، مع أن القاعدة التي يقر بها جميع العقلاء: أنه تدفع المفسدة الأعظم بالمفسدة الأخف، يرتكب أخف الضررين لدفع أشدهما، ولكن الناس لا يرون الآخرة ولا يشاهدونها عياناً وتغفل قلوبهم فيؤثرون العاجلة، ولذلك يذكّرون بهذا كثيراً، كما قال الله عز وجل: وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [التوبة:81] .

    وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في قصة الملاعنة (الرجل الذي رمى امرأته بالزنا فتلاعنا) فكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الرجل والمرأة بأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهكذا هنا عذاب الدنيا ما هو؟ هو أن تقف خمس دقائق تنتظر حتى يسلم المصلي، هذا عذاب الدنيا، قد تقف في الشمس أو قد لا تكون شمساً، لكن المهم أنك واقف أو قاعد، وقد يكون فيه بعض القطيعة للإنسان عن عمل يريده، فلو تصورنا أن في هذا عناء على الإنسان وتعباً؛ فهل يقاس هذا بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن الإنسان لو تصور حجم العذاب الذي سينزل به لكان انتظاره ليس خمس دقائق فقط بل أربعين سنة، وفي حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه مائة سنة، فما بال الإنسان يرتكب هذه المعصية وينسى العذاب الشديد الذي توعد الله تعالى به من يفعل ذلك؟! مع أنه لو فعل هذا لم يكن عليه فيه مشقة تذكر.

    فهذا دليل على ضعف اليقين وقلة الفقه، وإلا فإن الإنسان مجبول مفطور على تحمل المفسدة الأخف في دفع الأشد، وهذا معروف عند جميع العقلاء وفي جميع الملل والأديان.

    الفائدة الرابعة: أن المنهي عنه هو المرور قريباً من المصلي بينه وبين سترته، أو بينه وبين موضع سجوده، أما لو مر وراء ذلك فإنه لا حرج عليه.

    1.   

    شرح حديث عائشة في تقدير سترة المصلي

    الحديث الثاني هو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن سترة المصلي؟ فقال: مثل مؤخرة الرحل ) أخرجه مسلم .

    تخريج الحديث وذكر شواهده

    والحديث رواه مسلم في كتاب الصلاة، (باب: سترة المصلي)، ورواه النسائي أيضاً في كتاب القبلة، (باب: سترة المصلي)، أيضاً.

    وللحديث شاهد رواه مسلم وغيره عن طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ثم لا يبالي من مر وراء ذلك)، وحديث طلحة هذا رواه مسلم -كما ذكرت- وأحمد والترمذي وابن خزيمة وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: ( مثل مؤخرة الرحل ) (مؤخرة) في ضبط هذه الكلمة أربعة وجوه:

    الوجه الأول الموجود عندكم في الكتاب: بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء: مُؤْخِرة.

    الوجه الثاني مثله لكن بفتح الخاء: مُؤخَرة.

    الوجه الثالث بفتح الهمزة وتشديد الخاء المكسورة: مُؤَخِّرة الرحل.

    ويجوز وجه رابع مثله أيضاً بفتح الخاء: مُؤخَّرَة الرحل.

    والوجه الخامس: آخرة الرحل. وهي العصا التي تكون في آخر الرحل خلف الراكب، يعتمد عليه الراكب إذا ركب على رجله.

    والرحل: هو ما يوضع على ظهر البعير مثل السرج للفرس، وهو معروف عند العامة، والناس يسمونه أشداداً، فهذا هو الرحل، ومؤخرته هي عصا تكون وراءه يعتمد عليها الراكب إذا ركب، هذه هي مؤخرة الرحل.

    وما هو مقدار مؤخرة الرحل؟

    ذكر النووي وغيره من أهل العلم: أن مؤخرة الرحل قدر ثلثي ذراع.

    وروى أبو داود بسند صحيح عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: [ السترة ذراع فما فوقه ]، وهذا يقوله عطاء كما عند أبي داود.

    والظاهر أن هذا يختلف، فما يمكن تحديده بثلثي ذراع أو ذراع، يبدو أنه يختلف بحسب الصنعة، فقد تكون مؤخرة الرحل قدر ثلثي ذراع أو أكثر من ذلك أو دونه، يتفاوت ذلك فيما يبدو والله أعلم.

    فوائد الحديث

    الفائدة الأولى: استحباب الصلاة إلى سترة؛ لأن هذا كان مستقراً عند الصحابة، إنما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقدار السترة، أما فعلها ووضعها فكأنه كان متقرراً عندهم مفروغاً منه.

    الفائدة الثانية: استحباب أن تكون السترة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل فما زاد على ذلك، وإنما لم نقل بأنه يجب أن تكون السترة مرتفعة لأسباب:

    أولها: أن السترة نفسها ليست واجبة على القول الصحيح كما سوف أذكره بعد قليل، فإذا لم تكن السترة نفسها واجبة فمن باب الأولى ألا تكون هيئتها طولها أو عرضها واجباً.

    ومنها: أنه قد سبق أن مؤخرة الرحل تختلف وتتفاوت طولاً وقصراً، فلا يمكن تحديد ذلك بشيء.

    ومن الأدلة على أنه لا يتعين ويجب التحديد أنه قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديداً بغير مؤخرة الرحل، فورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً الصلاة إلى العنزة، والصلاة إلى الحربة، والصلاة إلى العصا، والصلاة إلى السهم، والصلاة إلى السرير، بل ورد الصلاة إلى شجرة كما رواه أحمد والنسائي بسند صحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى شجرة )، وورد عنه صلى الله عليه وسلم ( أنه كان يعرض راحلته ويصلي إليها )، كما في صحيح البخاري . يعني: يجعلها معترضة بينه وبين القبلة ويصلي إليها، وورد من ذلك شيء كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما السلف فقد ورد عنهم من ذلك شيء كثير أيضاً، فمما ورد عنهم: أن منهم من كان يصلي إلى الحجر في البرية، إذا كان في البر وأراد أن يصلي فلم يجد شيئاً وضع حصاة -حجراً كبر أو صغر- وصلى إليها، ومنهم من كان إذا أراد أن يصلي خلع قلنسوته، (يعني: الطاقية) ووضعها أمامه وصلى إليها.

    إذاً: ليست السترة تتحدد بطول معين وهو قدر مؤخرة الرحل، إنما يستحب أن تكون قدر مؤخرة الرحل فما زاد، لكن لو نقصت عن ذلك فإن هذا لا يضير ما دامت شاخصاً، بل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الاستتار ولو بخط، كما في حديث أبي هريرة وسوف يأتي في الدرس القادم إن شاء الله: (فإن لم يجد خط خطاً)، وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن المصنف قال: (لم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حديث حسن) فالإنسان إذا لم يجد شيئاً خط خطاً وصلى إليه، ولذلك قال كثير من الفقهاء: يجزئه من السترة الخط أو أن يفرش السجادة فيصلي إليها أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك ورد، ولكن موضوع الخط -كما ذكرت لكم- فيه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى.

    من فوائد حديث عائشة رضي الله عنها -وهي أيضاً من الفوائد التي تقيد وتسجل-: أنه لا تعارض بين الاشتغال بالدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح وقيادة الناس في هذا السبيل، وبين الاهتمام بفروع الأحكام وجزئياتها مما يحتاج إليه الإنسان؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة وهم كانوا في غزوة تبوك، مع أن تبوك كانت غزوة فيها عسرة ومشقة -كما هو معروف- وفيها حر شديد، ومع ذلك لم يَلْه الصحابة بهذا كله عن السؤال عن قضية جزئية تتعلق بصفة السترة وكيف تكون وما طولها، فهكذا طالب العلم لا يلهيه الاشتغال بالعلم عن الدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح شئون الناس، كما أنه لا يلهيه الاشتغال بالدعوة والجهاد عن البحث في فروع المسائل، فكل ذلك من الدين، ولا فرق بين هذا وذاك. فهذه من الفوائد.

    1.   

    شرح حديث: (ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم)

    الحديث الثالث: هو حديث سبرة بن معبد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم )، يقول المصنف: [ أخرجه الحاكم ].

    تخريج الحديث

    والحديث أخرجه الحاكم -كما ذكر المصنف- في مستدركه وسكت عنه، وكذلك سكت عنه الذهبي في تلخيصه للمستدرك، والعجيب أن الإمام الشوكاني في نيل الأوطار نقل عن الحاكم أنه صححه على شرط مسلم، وكأن الشيخ محمد حامد الفقي الذي علق على هذه النسخة -وأراها موجودة مع جماعة منكم- تابع الشوكاني على ذلك، فقال في التعليق في هذه الصفحة -صفحة ست وأربعين، تعليق رقم واحد- قال: (وقال -يعني الحاكم -: رجال إسناده على شرط مسلم ). وكأن محمد بن حامد الفقي رحمه الله نقل هذا عن الشوكاني، لكن الذي رأيته في مستدرك الحاكم أنه لم يذكر شيئاً عن هذا الحديث، ذكره بروايتين وبلفظين، ولم يذكر أنه على شرط مسلم، وكذلك الذهبي سكت عنه فلم يذكر فيه شيئاً. هذا الذي وقفت عليه عند الحاكم .

    والحديث رواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه وابن خزيمة والبيهقي، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ونسبه لـأبي يعلى والطبراني وأحمد، وقال: (رجال أحمد رجال الصحيح). والهيثمي -كما هو معروف- متسامح رحمه الله وغفر له، متساهل، فإن في سند هذا الحديث رجلاً يقال له: عبد الملك بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، وعبد الملك هذا فيه مقال، فقد وثقه العجلي كما ذكر الحافظ في التقريب، وكذلك وثقه الذهبي في الكاشف، وضعفه آخرون، ونُقل عن يحيى بن معين تضعيفه، وقال أبو الحسن بن القطان : لم تثبت عدالته. وذكر ابن القطان أن الإمام مسلماً أخرج له حديثاً واحداً في المتعة متابعة، يعني: لم ينفرد به بل تابعه عليه غيره، ولذلك فإن عبد الملك بن الربيع هذا يصلح حديثه أن يكون حسناً إن شاء الله تعالى، وبناءً عليه نقول: حديث: ( ليستتر أحدكم من الصلاة ولو بسهم ) هو حديث حسن إن شاء الله تعالى ؛ وذلك لأن فيه عبد الملك بن الربيع وفيه مقال يسير ينزل بحديثه عن درجة الصحة إلى درجة الحسن.

    أقوال العلماء في حكم اتخاذ السترة

    هذا الحديث فيه مسألة، وهي: حكم السترة، حكم اتخاذ السترة، هل هي واجبة أم مستحبة؟

    سبق أن ذكرت لكم إجماع أهل العلم -إن شاء الله تعالى- على أن السترة مشروعة إجمالاً، أما هل هي واجبة أم مستحبة ففيه قولان:

    القول الأول: أنها سنة وأدلته

    الأول -وهو مذهب الجماهير من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو المشهور عن الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأبي حنيفة، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد وأصحاب المذاهب كلهم-: أن السترة مستحبة وليست بواجبة، واستدلوا لذلك بأدلة:

    أولها: حديث ابن عباس رضي الله عنه المتفق عليه قال: ( أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بـمنى إلى غير جدار، فأرسلت الأتان ترتع حتى دخلت بين يدي بعض الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد ).

    الشاهد من الحديث قوله: (ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بـمنى إلى غير جدار)، فقد قال طائفة من أهل العلم: إن قوله: (إلى غير جدار) يعني: إلى غير سترة، وممن قال بذلك الإمام الشافعي رحمه الله، فإنه فسر -فيما نقله وذكره عنه البيهقي - قوله: (إلى غير جدار) قال: (إلى غير سترة). وأيده على ذلك البيهقي ثم ابن حجر وغيرهما من أهل العلم، وأذكر من علمائنا المعاصرين ممن أيد هذا القول الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رحمه الله، فإنه سئل عن ذلك فقال: (إن المقصود: إلى غير سترة).

    ولعل مما يرجح به ذلك أن المعروف أن منى لم يكن فيها جدار، حتى يحتاج ابن عباس إلى نفي الصلاة فيها إلى جدار، وأنه لم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه البراري أن يصلي إلى جدار، فإنه كان يصلي أصلاً إلى عنزة أو حربة أو سهم يوضع بين يديه، فقالوا: صلاته إلى غير جدار -أي: إلى غير سترة- دليل على أن السترة ليست بواجبة.

    ومما يقوي هذا أنه جاء عند البزار بسند صحيح -كما يقول العراقي في طرح التثريب، وكذلك نقله ابن حجر في الفتح محتجاً به مقوياً له- أنه قال: ( ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه ) . فدل على أنه لم يكن هناك شيء يستره.

    وذهب آخرون إلى أن المقصود نفي الجدار وليس المقصود نفي السترة، فقالوا: إنه كان يصلي إلى حربه أو عنزة لا إلى جدار. ونفوا ذلك، فعلى هذا لا دلالة في الحديث، لكن على الوجه الأول فإن استدلال الجمهور به ظاهر.

    ومن أدلة الجمهور على عدم وجوب السترة: أن في القول بوجوبها مشقة وحرجاً عظيماً؛ فإن الإنسان يذهب ليصلي في البرية أحياناً، وقد يصلي وهو على ظهر راحلته أو في غير ذلك، ومن الصعوبة والمشقة بمكان أن يطلب من الإنسان أن يكون معه دائماً وأبداً سترة يصلي إليها، ولو كان هذا مطلوباً في كل حال لكان الصحابة يحترزون ويحفزون ذلك ويستعدون دائماً بالسترة، وهذا لم يكن مشتهراً عنهم.

    ومن الأدلة على عدم الوجوب ما رواه ابن عباس رضي الله عنه وأخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما -أن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضاء ليس بين يديه شيء )، فهذا الحديث -إن صح- حجة ظاهرة في الباب تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرة أو مرات وليس بين يديه شيء يستره، وهذا لاشك يقتضي صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب.

    ومن الأدلة على عدم الوجوب أن بعضهم قد يحتج بما يشبه الإجماع على عدم الوجوب؛ فإن القول بالوجوب قول اشتهر عند المتأخرين كما سوف أذكره بعد قليل.

    إذاً: هذا هو القول الأول: أن السترة مستحبة وليست بواجبة.

    القول الثاني: وجوب اتخاذ المصلي السترة

    القول الثاني: أن السترة واجبة للمصلي، وهذا القول نُسِب رواية إلى الإمام أحمد كما نقله المرداوي في الإنصاف، وكذلك نقله ابن العربي عن الإمام أحمد، وهو غير مشهور في المذهب، وكذلك ذهب بعضهم إلى أن ظاهر كلام ابن حزم يدل عليه، وليس نصاً صريحاً في الموضوع في المحلى.

    وقال به من المتأخرين الإمام الشوكاني، وانتصر له انتصاراً كبيراً في كتاب نيل الأوطار، وكذلك في السيل الجرار وقال به، وكذلك قال به من المعاصرين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فصل في السترة ووجوبها، وأصرح وأوضح وأقوى من ذلك كلامه في كتاب تمام المنة في التعليق على فقه السنة، فإنه عقد فصلاً طويلاً لوجوب السترة، وسرد الأحاديث الدالة على الوجوب ورد على القائلين بعدم الوجوب، وأطال في ذلك النفس بما لم أقف عليه في موضع آخر.

    ولاشك أن قول الجمهور أجدر وأولى بالقبول، وإن كان للقائلين بالوجوب أدلة، منها: الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: ( ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم )، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكد يترك ذلك إلا قليلاً، هم لم يقولوا: لم يترك ذلك.

    الراجح في حكم السترة

    لكن نحن نرجح أنه تركه على قلة وتركه لبيان الجواز، وأن الأمر ليس حتماً واجباً لابد منه، وفي القول بوجوبه مشقة عظيمة على الأمة المعهود على الشارع أنه يدفعها، والأحاديث الواردة في أمور كثيرة أكثر من الأحاديث الواردة في السترة، كالأحاديث الواردة في السواك وغيره.

    فعلى أي حال! الأظهر والأرجح والأقوى عندي أن السترة مستحبة، وكذلك رأيت كتيباً لأحد الشباب في السترة صغيراً عنوانه: ثلاثة عشر سؤالاً في السترة، قال بوجوبها، وهذا الكتاب ينتشر ويتداول بين الناس، ولم يصنع مؤلفه شيئاً، إنما تابع الشيخ الألباني فيما قاله، ومثل هذه الآراء الغريبة ينبغي لطالب العلم ألا يكون سريعاً إليها، بل أن يحذر من التسرع إلى القول بها إلا إذا كانت أدلتها واضحة ساطعة كالشمس، ويبعد جداً أن تكون أدلة مسألة واضحة ساطعة كالشمس ثم تخفى على كثير من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين كالأئمة الأربعة وغيرهم، فلا يقول بها إلا أفراد، هؤلاء الأفراد معذورون حين قالوا بهذا باجتهادهم، لكن طالب العلم ينبغي أن يتقي هذه الآراء الغريبة.

    فالراجح -بل الصحيح إن شاء الله- أن السترة مستحبة وليست بواجبة.

    1.   

    شرح حديث أبي ذر وأبي هريرة في قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود

    الحديث الرابع: عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقطع صلاة الرجل المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود... ) الحديث، وفيه: ( الكلب الأسود شيطان) أخرجه مسلم .

    هذا الحديث رواه مسلم في كتاب الصلاة، (باب: قدر ما يستر المصلي)، ورواه كذلك الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

    قوله: (يقطع صلاة الرجل) معنى القطع يحتمل أمرين:

    الأول: أنه يبطل الصلاة ويفسدها، وهذا نقل عن بعض السلف.

    الثاني: أنه ينقص أجرها ويقلله، وهذا هو المشهور عند الجماهير ونص عليه ابن مسعود وغيره كما سيأتي تفصيله في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. هذا معنى قوله: (يقطع صلاة الرجل).

    وقوله: (إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل) ليس المقصود بالضرورة أن يكون مثل مؤخرة الرحل، فقد سبق البيان أن السترة قد تكون أقل من ذلك أو أدق من ذلك، لكن المقصود: إذا لم يكن بين يديه سترة، سواء كانت مثل مؤخرة الرحل أو دون ذلك أو أعلى من ذلك.

    قوله: (الحديث) يعني: إلى آخر الحديث، وتمام الحديث أن الراوي قال: قلت -والقائل هو عبد الله بن الصامت الراوي عن أبي ذر - قلت -يعني لـأبي ذر لما قال: والكلب الأسود، ما شأن الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر من الكلب الأبيض؟! فقال أبو ذر : (يا ابن أخي! سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني عنه، فقال: الكلب الأسود شيطان ).

    والحديث الذي بعده هو حديث أبي هريرة، يقول المصنف: (وله عن أبي هريرة نحوه دون الكلب)، ظاهر كلام المصنف يقتضي أن حديث أبي هريرة : ( يقطع صلاة الرجل المسلم: المرأة والحمار ) لأنه قال دون الكلب، لكن الموجود في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل ) .

    إذاً: حديث أبي هريرة فيه ذكر الكلب، لكن ليس فيه ذكر الأسود، فكلمة الأسود ليست موجودة في حديث أبي هريرة، وإلا فالكلب مذكور في حديث أبي هريرة، وظاهره أن الكلب يقطع الصلاة مطلقاً، سواء كان أسود أم أحمر أم أبيض أم غير ذلك.

    هذا ظاهر حديث أبي هريرة، وسوف يأتي بحث ما يقطع الصلاة في آخر حديث في باب سترة المصلي، وهو حديث أبي سعيد الخدري : ( لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم )، وسيأتي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، فأرجئ الكلام عن هذين الحديثين من حيث الحكم إلى الحلقة القادمة.

    وأسأل الله عز وجل لي ولكم الثبات والتوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.