إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة - حديث 220-221

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة - حديث 220-221للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصلاة جملة شروط وفرائض لا تصح بدونهما، والفرق بين الشرط والفرض أن الشرط خارج ماهية العبادة كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، أما الفرض فهو جزء من ماهية العبادة كالتكبير وقراءة الفاتحة، وشروط الصلاة قسمان: شروط وجوب كالبلوغ والعقل، وشروط صحة كستر العورة، والإجماع قائم على اعتبار ستر العورة شرطاً لصحة الصلاة، وقد وقعت جملة خلافات في بعض تفريعات هذه المسألة.

    1.   

    شروط الصلاة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعندنا في هذه الليلة الحصة الأولى في شروط الصلاة خمسة أحاديث، نبدأ أولاً بالكلام عن عنوان الباب، وهو باب شروط الصلاة:

    تعريف الشرط لغة واصطلاحاً

    الشروط: جمع شرط، وهو في اللغة: العلامة، ومنه أشراط الساعة، يعني: علاماتها الدالة على قربها، كما قال الله عز وجل: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18] يعني: علاماتها.

    ويجمع الشرط على شروط وعلى أشراط، أما شرائط: فهي جمع شريطة.

    وأما الشرط في اصطلاح الفقهاء: فهو ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط ولا عدمه.

    فمثلاً: إذا قلنا: إن الطهارة شرط للصلاة؛ فإنه يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، يعني: يلزم من عدم الطهارة عدم الصلاة، فلا توجد صلاة شرعية بغير طهارة، فيلزم من عدم الشرط عدم المشروط، يلزم من عدم الطهارة عدم الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، فهل من توضأ يصلي ضرورة؟ قد يتوضأ ولا يصلي، وقد تتوافر فيه جميع شروط الصلاة -كما ستأتي الإشارة إليها- ولا يصلي، فلا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط.

    فإذا قلنا: إن الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر شرط للصلاة لا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، ولكن يلزم من فقدها فقد الصلاة، فلا يتصور أن يصلي المرء صلاة شرعية وهو غير متطهر من الحدث الأكبر والأصغر.

    الفرق بين الشرط والفرض

    وهناك فروق بين الشرط والفرض:

    فمن الفروق: أن الشرط خارج عن الصلاة، والفرض داخل الصلاة ومن ضمنها، فمثلاً: حين نقول: إن من شروط الصلاة الطهارة، فهل الطهارة تحدث في أثناء الصلاة أم تحدث خارجها؟ خارجها، لكن إذا قلنا: إن من واجبات الصلاة -مثلاً- أو من فروضها الجلسة للتشهد الأول؛ فهذا الفرض يوجد في صلب الصلاة أم خارجها؟ في صلبها، فهذا هو الفرق الأول بين الفرض وبين الشرط، أن الشرط خارج الصلاة والفرض داخل الصلاة.

    الفرق الثاني: أن الشرط لابد من استصحابه في جميع الصلاة، أما الفرض فإنه يعمل ثم ينتهي ليأتي غيره.

    فمثلاً: حين نقول مثلاً: إن استقبال القبلة من شروط الصلاة، فهل يسوغ للإنسان أن يستقبل القبلة في بعض الصلاة ثم ينحرف عنها في بقية الصلاة؟ لا، لا يجوز ذلك، لكن إذا قلنا مثلاً: إن التشهد الأول فرض في الصلاة؛ فهل معنى ذلك أن الإنسان طيلة الصلاة وهو جالس للتشهد الأول؟ كلا، بل هو يجلس ثم يقوم ليتم الصلاة، ثلاثية كانت أم رباعية.

    إذاً: الفرق الثاني: أن الشرط يستصحب في جميع الصلاة، أما الفرض فإنه لا يستصحب في جميع الصلاة، بل يفعل ثم ينتهى منه وينتقل إلى غيره.

    الفرق الثالث: أن الشرط يلزم من عدمه العدم مطلقاً، أما الفرض فلا يلزم من عدمه العدم، بل قد لا يوجد ومع ذلك تكون الصلاة صحيحة لكنها ناقصة، وقد لا تكون ناقصة أيضاً، كما إذا نسي الإنسان مثلاً أن يقول: سبحان ربي الأعلى في السجود، أو سبحان ربي العظيم في الركوع، فهل تبطل الصلاة بذلك؟ لا تبطل، ويجبره سجود السهو مع أن ذلك فرض، فلم يلزم من فقد الفرض فقد الصلاة وبطلانها، بخلاف الشرط فإنه يلزم من عدمه عدم المشروط كما سبق، فإذا أخل الإنسان بشرط من شروط الصلاة التي ثبتت شرطيتها فإنه لا يتصور وجود الصلاة الشرعية مع عدمه.

    فهذه ثلاثة فروق بين الشرط وبين الفرض، ويتفق الشرط والفرض في أن كلاً منهما لابد منه لوجود المشروط، بمعنى أن الصلاة يتوقف وجودها على وجود شروطها وعلى وجود فروضها من أركان وواجبات، فصحة الصلاة تتوقف على وجود الشروط وعلى وجود الفروض الموجودة في صلبها، فكلاهما يتوقف عليه وجود الصلاة من الناحية الشرعية.

    الشرطية حكم وضعي

    والشروط -سواء كانت شروط الصلاة أو غيرها- هي عند الأصوليين يسمونها بالأحكام الوضعية، والأحكام الوضعية هي خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بجعل الشيء سبباً للشيء أو مانعاً منه أو شرطاً له أو علة فيه، والمتعلق بالصحة والفساد والبطلان إلى غير ذلك، فهذه هي الأحكام الوضعية المتعلقة بجعل الشيء سبباً لشيء أو علة فيه أو شرطاً أو مانعاً.

    وإنما سميت أحكاماً وضعية -بخلاف الأحكام التكليفية- لأن الشارع وضع -يعني: جعل- وشرع هذه الأشياء علامات على ما وضعت له، فمثلاً: قول الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] هذه الآية جعل الله تعالى فيها دلوك الشمس سبباً لإيجاب الصلاة.

    فالوجوب المفهوم من قوله تعالى: (أقم الصلاة) متى يحق ويجب؟ إذا دلكت الشمس، إذا وجد السبب (أقم الصلاة لدلوك الشمس)، ولذلك نقول: إن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة.

    ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )، فقد جعل الرؤية سبباً للصوم وسبباً للفطر.

    ومثله قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة:6] (إذا) هاهنا ماذا تسمى عند النحاة؟

    (إذا) شرطية، (إذا قمتم فاغسلوا)، فدلت الآية على أن الطهارة بشكل عام شرط لصحة الصلاة.

    ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس لقاتل ميراث )، دل الحديث على أن القتل -وهو صفة- مانع من حصول الإرث لمن كان يستحقه لو لم يوجد هذا المانع.

    المهم أن الأحكام الوضعية هي خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سبباً أو علةً أو شرطاً أو مانعاً أو علامةً على الصحة أو الفساد أو البطلان، أو كون الشيء أداءً أو قضاءً وما أشبه ذلك، هذه يسميها الأصوليون الأحكام الوضعية،ويعقدون لها مباحث مستقلة في كتبهم.

    أقسام شروط الصلاة

    وفيما يتعلق بشروط الصلاة فإن شروط الصلاة تنقسم إلى قسمين: شروط وجوب، وشروط صحة.

    أولاً: شروط الوجوب

    الأول: شروط لوجوب الصلاة، بحيث لا تجب الصلاة إلا على من توافرت فيه تلك الشروط، مثل البلوغ، فإنه شرط لوجوب الصلاة، بمعنى أنه لا يقال بأن الصلاة واجبة إلا على البالغ، أما من كان صبياً فقد دلت النصوص على أنه يؤمر بالصلاة لكن لا تجب عليه.

    فالبلوغ شرط لوجوب الصلاة.

    ومثل العقل، فقد دلت النصوص أيضاً على أن المجنون قد رفع عنه قلم التكليف، فهو لا يجب عليه شيء من العبادات البدنية كالصلاة مثلاً، لا تجب عليه، وإنما تجب على الإنسان العاقل الذي يفهم أمر الله تعالى ونهيه، فيجب عليه أن يصلي، فالعقل أيضاً شرط لوجوب الصلاة.

    وقد يقال: إن العلم أيضاً شرط للوجوب، فإن الإنسان الجاهل لا يقال بأنه مؤاخذ بذلك، مثلما إذا كان حديث عهد بإسلام أو نشأ في بادية بعيدة فلم يعلم بوجوب الصلاة، فإنه في مثل هذه الحالة لا، وإن كانت الصلاة في حقيقة الأمر واجبة مطلقاً، لكن عليه عينياً لا يقال بأنه إن تركها يعذب بذلك ما دام لم يعلم بوجوبها.

    ومما يستدل به على ذلك حديث حذيفة رضي الله عنه عند ابن ماجه والحاكم -وسنده صحيح، والحديث سبق أن ذكرته- قال: ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صلاة ولا صدقة ولا نسك، ويبقى الشيخ الكبير والعجوز يقولون: لا إله إلا الله أدركنا آباءنا يقولونها فنحن نقولها، فقال صلة بن زفر لـحذيفة : ما تنفعهم لا إله إلا الله، فسكت، فأعادها عليه حتى قال حذيفة في الأخير: تنجيهم من النار ).

    فيحمل هذا على من كان جاهلاً ومثله يجهل، كإنسان نشأ في بادية بعيدة أو في زمان غلبة الجهل وقلة العلماء أو عدم العلماء أو ما أشبه ذلك.

    أما الإسلام فهل يصلح أن يكون شرطاً للوجوب أم لا يصلح؟ هل يصلح أن نقول: أن الإسلام شرط لوجوب الصلاة أم لا يصلح؟

    قلنا: إنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، لكن الإسلام بذاته يصلح اعتباره شرطاً، وهو مذكور عند كثير من الفقهاء، يذكرون الإسلام على أنه من شروط الصلاة، ولكن في هذا الشرط نظرات الذي هو الإسلام:

    الأولى: أن كثيراً من الأصوليين يقولون: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فتكون الصلاة واجبة عليه حتى لو كان غير مسلم، لكن لا تصح منه إلا بعد الإسلام، ومما يستدلون به على ذلك قول الله عز وجل: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:39-48].

    فبينوا أن من أسباب تعذيبهم أنهم كانوا لا يصلون، فدل على أن الصلاة كانت واجبة عليهم ولذلك عوقبوا وعذبوا بتركها، ولو لم تكن واجبة لما عذبوا بتركها، أنا هنا أسوق طريقة استدلالهم بالآية، وقد يكون في هذا الاستدلال نظر لا مجال للإطالة فيه، فالمسألة مبحث أصولي، ولا نريد أن نستغرق المباحث الأصولية في هذا الموضوع.

    المهم أن النظر الأول في اعتبار الإسلام شرطاً لوجوب الصلاة أن كثيراً من الأصوليين يقولون: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ويعاقبون على ترك واجباتها، ويعاقبون على فعل محرماتها، وإن كانت لا تصح منهم العبادات والواجبات إلا بالإسلام.

    النظر الثاني: على مذهب من يقول: إن ترك الصلاة كفر أكبر مخرج من الملة، وهو الذي سبق أن رجحته في موضعه في أول كتاب الصلاة، أن ترك الصلاة بالكلية مخرج من الملة، فعلى هذا هل يتصور وجود إسلام بدون وجود الصلاة؟ لا يتصور ذلك، لا يتصور وجود الإسلام بدون وجود الصلاة.

    ولذلك فإن في عد الإسلام شرطاً بعض النظر، المهم أن القسم الأول من شروط الصلاة هو شروط الوجوب، وذلك كالعقل والبلوغ.

    ثانياً: شروط الصحة

    القسم الثاني من شروط وجوب الصلاة: شروط الصحة التي لابد منها في تصحيح الصلاة، وذلك مثل:

    النية.

    أما الوقت ففي اعتباره شرطاً نظر؛ لأنه قد يكون سبباً كما أسلفنا، والطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، واستقبال القبلة، وستر العورة، فهذه من شروط صحة الصلاة، مثلاً: النية، استقبال القبلة، ستر العورة، الطهارة.

    ومما يصلح أن يعد من شروط صحة الصلاة إباحة البقعة، يعني: قد يكون عبر عنها أحد الإخوة بقضية الطهارة، يعني: إزالة النجاسة، يعني: نقول: إباحة البقعة بحيث تكون البقعة غير نجسة وتكون تباح الصلاة فيها، على تفصيل سيأتي.

    المهم أن القسم الثاني من شروط الصلاة شروط صحة الصلاة كما سبق، وأما الوقت فقد عده بعض الفقهاء من شروط الصلاة، ولكن ذهب آخرون إلى أنه لا يعد من الشروط بل هو سبب كما سبق؛ لأنه تجب الصلاة بدخوله.

    1.   

    شرح حديث: (إذا فسى أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ ..)

    أما أحاديث الليلة فسنأخذ منها -إن شاء الله- ما تيسر ونكمل الباقي في الأسبوع القادم.

    الحديث الأول هو حديث علي بن طلق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة )، والحديث يقول المصنف: رواه الخمسة وصححه ابن حبان.

    ترجمة الراوي

    أولاً: صحابي الحديث علي بن طلق رضي الله عنه، وقد سبق معنا في نواقض الوضوء طلق بن علي، فهل هما واحد أم اثنان؟ الموضوع فيه شيء من الغموض، فذهب بعضهم إلى أنهما واحد، طلق بن علي هو علي بن طلق، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله.

    وذهب بعضهم إلى أنهما اثنان، وأن هذا أبو هذا، فيكون اسم ذاك طلق بن علي بن طلق كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة وابن عبد البر في الاستيعاب، وممن ذهب إلى أن هذا أبو هذا الإمام أبو عبيد .

    وعلى كل فإنه لا يعرف لـعلي بن طلق هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث الواحد، كما ذكره الترمذي عن الإمام البخاري، قال: ولا أعرف لـعلي بن طلق هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث الواحد.

    وأما طلق بن علي ذاك فله أحاديث عدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما سبق في مسألة نواقض الوضوء، وهو طلق بن علي السحيمي اليمامي، وله قصص سبق أن ذكرت بعضها في موضوع مس الذكر، وهل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء، وأظن أنني ترجمت له هناك.

    تخريج الحديث

    وأما حديث الباب فقد رواه أبو داود في سننه في كتاب الطهارة، باب من يحدث في الصلاة، ورواه الإمام الترمذي في سننه في كتاب الرضاع، باب كراهية إتيان النساء في أدبارهن.

    ولفظه عند الترمذي قال: ( إن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يكون في البرية فتكون منه الرويحة )، والرويحة تصغير الرائحة، ويقصد بها الحدث، ( تكون منه الرويحة على قلة الماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا فسى أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته، ولا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحي من الحق )، (ولا تأتوا النساء في أعجازهن) يعني: في أدبارهن، ( فإن الله لا يستحي من الحق ).

    وقال الترمذي : حديث علي بن طلق حديث حسن، وقد سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: لا أعلم لـعلي بن طلق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث الواحد، ولا أعرف -ما زال الكلام للبخاري - ولا أعرف هذا الحديث لـطلق بن علي السحيمي، قال: وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وكأنه -يعني: البخاري - رأى أن هذا -يعني: علي بن طلق - رجل آخر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبناءً على ذلك يمكن أن نقول: إن البخاري أيضاً ممن يرى أن علي بن طلق غير طلق بن علي، فمذهبه في ذلك قريب من مذهب أبي عبيد وغيره، ولكنه لم يذكر أنه أبوه أو ليس بأبيه.

    قال الإمام الترمذي : وفي الباب عن عمر وخزيمة بن ثابت وابن عباس وغيرهم. انتهى كلام الإمام الترمذي .

    وممن روى الحديث أيضاً النسائي وذلك في سننه الكبرى، لم يروه فيما أعلم في المجتبى المطبوع المتداول الذي هو سنن النسائي، وإنما رواه في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف .

    وعادة المصنف رحمه الله أنه يعزو للنسائي في الصغرى، لكنه هاهنا نسبه للنسائي فقال: (رواه الخمسة) والنسائي من ضمنهم، والنسائي إنما رواه في سننه الكبرى، أما ابن ماجه فلا أعلم أنه روى الحديث.

    وبناءً على ذلك فإن قول المصنف رحمه الله: (رواه الخمسة) لا يخلو من ملاحظة؛ لأن النسائي إنما رواه في الكبرى، وهذا يمكن أن يحتمل، أما ابن ماجه فلا أعلم -في حدود اطلاعي- أنه روى الحديث، وممن روى الحديث الإمام أحمد كما ذكره المصنف؛ لأنه أحد الخمسة، وكذلك الدارقطني وابن حبان .

    الكلام على سند الحديث ومتنه

    والحديث في سنده عند جميع هؤلاء رجل اسمه مسلم بن سلام الحنفي، ومسلم بن سلام الحنفي هذا قال ابن القطان : إنه لا يعرف، ولذلك أعل الحديث به، ابن القطان أعل الحديث لأن في سنده مسلم بن سلام الحنفي وهو لا يعرف، وبناءً على ذلك يكون الحديث ضعيفاً.

    وكذلك قال الحافظ ابن حجر في التقريب، قال عن مسلم بن سلام الحنفي : مقبول، ومن المعروف أن المقبول حديثه ضعيف إذا لم يتابع، مقبول أي: حيث يتابع، وإلا فهو لين الحديث.

    وأما الذهبي فقال في الكاشف : وثق، والذهبي غالباً يطلق كلمة (وثق) في الكاشف على من وثقه ابن حبان، وهكذا هاهنا، فإن ابن حبان وثق مسلم بن سلام، ذكره في كتابه الثقات، وابن حبان رحمه الله متساهل في التوثيق، فقد وثق خلقاً من المجهولين، وانفرد بتوثيق مسلم بن سلام هاهنا فيما أعلم.

    إذاً فـالحديث ضعيف لأن مسلم بن سلام لم يوثقه غير ابن حبان .

    ولكن معنى الحديث صحيح بلا إشكال، فقد أجمع أهل العلم على أن الحدث ناقض للوضوء وأن من أحدث وجب عليه أن يتوضأ لصلاته، وهذا الإجماع مبني على أحاديث كثيرة:

    منها: حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أخرج منه شيء أم لا فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) .

    ومنها حديث عبد الله بن زيد الذي رواه الجماعة إلا الترمذي : ( أن رجلاً شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) .

    ومنها حديث ابن عباس عند البزار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يأتي الشيطان أحدكم وهو في الصلاة فينفخ في مقعدته فيظن أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )، وقد سبق ذكر هذه الأحاديث في باب نواقض الوضوء.

    وفي الباب أحاديث أخرى كثيرة، على كل حال الموضوع ليس فيه خلاف، أجمع العلماء على أن الحدث ناقض للوضوء، سواء كان ريحاً فقط أو كان ريحاً ومعها صوت، فالكل ناقض للوضوء، وهذا ما دل عليه حديث علي بن طلق رضي الله عنه.

    البناء والاستئناف لمن انصرف من صلاته لحدث

    أما مسألة أنه ينصرف من صلاته، فهذا أيضاً هو الصحيح الذي عليه جماهير أهل العلم، أن من أحدث وهو في الصلاة فإنه ينصرف ويعيد الصلاة، يعني: يستأنفها من أولها.

    وأما من قال: إنه يبني على ما مضى من صلاته فهذا مذهب ضعيف، واستدلالهم بحديث سبق في باب نواقض الوضوء، وهو حديث عائشة عند ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أصابه قيء أو قلس أو رعاف أو مذي فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم )، والحديث رواه ابن ماجه وهو ضعيف ؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهي ضعيفة، روى هذا الحديث عن ابن جريج .

    فالصحيح أنها تبطل الصلاة إذا أحدث ويلزمه أن يتوضأ ويستأنفها من جديد، وليس في الحديث مباحث كثيرة غير هذه.

    1.   

    شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)

    أما الحديث الثاني فهو حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) . ‏

    تخريج الحديث

    الحديث نسبه المصنف رحمه الله للخمسة، وصححه ابن خزيمة، وهذا الحديث رواه أيضاً -إضافة إلى الخمسة- ابن أبي شيبة وابن خزيمة والحاكم والبيهقي في سننه، وقد اختلف في الحديث اختلافاً كبيراً على أكثر من أربعة أوجه:

    وذلك أنه رواه قتادة على أوجه عديدة، فمرة يرويه قتادة عن ابن سيرين عن صفية بنت شيبة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه، وهذا ينبغي أن يكتفى في الإسناد، فهو هنا إسناد متصل مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومرة يأتي عن قتادة، عن محمد بن سيرين عن صفية عن عائشة موقوفاً عليها من كلامها هي، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه آخر.

    ومرة يأتي الإسناد عن قتادة عن ابن سيرين عن عائشة، من الذي سقط هاهنا من الإسناد؟ سقطت صفية، ومحمد بن سيرين لم يرو عن عائشة، فالإسناد حينئذ يكون منقطعاً، فهذه ثلاثة أوجه.

    كما أن الحديث روي عن الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.

    وروي أيضاً عن أيوب السختياني وهشام بن حسان عن عائشة رضي الله عنها.

    الحديث روي بأكثر من أربعة أوجه مختلفة؛ ولذلك أعله بعض أهل العلم كـالدارقطني، ولكن أكثر أهل العلم بالحديث على أن الحديث متصل مرفوع، أكثر أهل العلم بالحديث على صحة إسناد الحديث واتصاله، وأنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وممن ذهب إلى ذلك الترمذي، حيث قال عن إسناد الحديث: إنه حسن، حين أخرجه قال: هذا حديث حسن.

    وكذلك ابن خزيمة أخرجه في صحيحه، ومثله الحاكم في مستدركه حيث قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. الحاكم قال: هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال: وأظنه -يعني: أظن عدم إخراجهما له- للاختلاف فيه على قتادة . هذا كلام الحاكم في المستدرك، قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأظنهما تركاه للاختلاف فيه على قتادة .

    وممن صحح الحديث أيضاً الذهبي، فإنه وافق الحاكم على تصحيحه، وكذلك صححه من المتأخرين من المعاصرين الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد، وفي تعليقه على كتاب المحلى لـابن حزم، والشيخ الألباني .

    إذاً: أكثر أهل العلم على أن الحديث متصل مرفوع، ومما يعزز هذا القول أن الحديث ليس في متنه ما يستغرب، وإنما متنه نظيف صحيح تدل عليه الأدلة الأخرى الكثيرة.

    شواهد الحديث

    أما فيما يتعلق بشواهد الحديث فإن له شاهداً من حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رواه الطبراني في الأوسط والصغير بلفظ: ( لا يقبل الله صلاة امرأة إلا أن تستر زينتها، ولا جارية بلغت المحيض إلا بخمار ) .

    وحديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: في إسناده إسماعيل بن إسحاق : ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله موثقون، فالشاهد أيضاً ضعيف، الشاهد ضعيف لا يصح.

    حكم ستر العورة في الصلاة

    أما فيما يتعلق بمباحث الحديث الفقهية والعلمية:

    أولاً: أول ما يستفاد من الحديث أن ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة، وهذا أجمع عليه أهل العلم كما قال ابن عبد البر في التمهيد فيما نقله ابن قدامة في المغني، قال: أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو قادر على الاستتار، يقول: أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو قادر على الاستتار.

    إذاً: ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة بإجماع أهل العلم، كما نقل ذلك ابن عبد البر ونقله ابن قدامة عنه.

    وقال الله عز وجل في كتابه: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31].

    وهذا أمر من الله تعالى بأخذ الزينة، وأقل ما يتحقق به أخذ الزينة ستر العورة، بل إن الآية فيها أمر زائد على مجرد ستر العورة وهو أخذ الزينة , يعني: أن يلبس الإنسان أزين ما يجد من الثياب وأجمل ما يجد.

    ففيها أمر وقدر زائد على مجرد ستر العورة، وبذلك يعلم خطأ من يصلون في ثياب غير لائقة، كمن يخرج إلى الصلاة بثياب النوم، وبعضهم يخرجون بالقمصان التي جرت عادة الناس أنها لا تلبس إلا للنوم فيصلون فيها، وهذا لا يتناسب مع كرامة المسجد وحرمة الصلاة، والله تعالى يأمر بأخذ الزينة عند المسجد، يعني عند الصلاة، ولو كان الإنسان خارجاً إلى لقاء عظيم أو صديق ما استجاز أن يخرج للقائه بهذا القميص المبتذل.

    عورة المرأة في الصلاة

    المسألة الثانية في الحديث هي مسألة عورة المرأة في الصلاة، وما هو الذي يجب عليها أن تستره، وفي هذه المسألة هناك أمور مجمع عليها.

    فالأمر الأول المجمع عليه: أنه يجب على المرأة أن تستر شعر رأسها في الصلاة، وهذا نقله ابن قدامة إجماعاً أنه يجب على المرأة أن تستر رأسها في الصلاة، وأنه لو ظهر جميع شعر رأسها في الصلاة أن عليها أن تعيد صلاتها، فلو صلت المرأة وهي حاسرة حتى انتهت من الصلاة لم تستر شعرها أن عليها أن تعيد الصلاة، هذه مسألة لا كلام فيها: وجوب ستر المرأة رأسها وكذلك رقبتها وبقية جسمها إلا ما سيرد استثناؤه.

    المسألة الثانية: مسألة الوجه في الصلاة، وجه المرأة، فقد أجمع أهل العلم أيضاً على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، وهذا متى يكون؟

    عند عدم وجود الأجانب، يعني: لو صلت بمفردها أو عندها محارم لها فإنها تكشف وجهها في الصلاة، وهذا أيضاً نقله ابن عبد البر في التمهيد وابن تيمية في الفتاوى إجماعاً من أهل العلم، أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، بل نص بعض الفقهاء على أنه يكره أن تغطي المرأة وجهها في الصلاة.

    أي نعم، الإجماع على أنه مباح، يعني: ليس بمطلوب منها، أما ما عدا ذلك فإن العلماء اختلفوا فيما تستره المرأة في صلاتها على ثلاثة أقوال.

    إذاً: الآن الإجماع قائم على تغطية الرأس وعلى كشف الوجه.

    ما يجوز للمرأة إظهاره من بدنها وأقوال العلماء فيه

    ثم اختلفوا في مواضع من جسد المرأة على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: وجوب ستر كل البدن عدا الوجه وأدلته

    القول الأول يقول: يجب على المرأة أن تستر من بدنها كل شيء، فلا يرى منها ولا مقدار ظفر، وهذا مذهب الإمام أحمد، ويقول أبو داود في مسائله للإمام أحمد : إنه سأل الإمام أحمد : يا إمام! ماذا يظهر من المرأة في الصلاة؟ فقال الإمام أحمد : لا يظهر منها ولا موضع ظفر، وكلام الإمام أحمد هذا محمول على ماذا؟

    محمول على ما عدا الوجه، وكأن الإمام أحمد قال: ما يرى منها ولا موضع ظفر، يعني: إلا وجهها، فإن وجهها مفروغ من أنه يكشف في الصلاة، ولذلك قال ابن قدامة في المغني : لا يختلف المذهب في أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، يعني: ليس في المذهب اختلاف في أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، وكما أن المذهب لم يختلف لن تختلف المذاهب الأخرى أيضاً في أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة.

    إذاً: كلام الإمام أحمد محمول على أنها لا يرى منها موضع ظفر ما عدا وجهها، بل تغطي كفيها وتغطي قدميها وتغطي جميع بدنها، هذا المذهب الأول.

    ولعل من حججهم في ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المرأة عورة )، رواه الترمذي وحسنه، قال: ( المرأة عورة ) .

    وهذا لفظ عام تدخل فيه جميع أعضاء المرأة، وإذا كانت عورة وجب سترها.

    وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر؛ فإن الذي أعلمه أن الحديث فيه زيادة عند ابن خزيمة ... ( المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ).

    وفي الواقع أنني بحثت عن الحديث -هذا من حفظي- بحثت عن الحديث في ابن خزيمة فلم يتيسر لي الوقوف عليه، وكنت على عجل، ولكن الذي أحفظ أن الحديث رواه ابن خزيمة أيضاً بهذا اللفظ: ( المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ) .

    وبناءً على ذلك يكون اعتبار المرأة عورة يعني: ليست في الصلاة، عورة في الخروج عورة للأجانب، ولا تلازم بين العورة في الصلاة والعورة خارج الصلاة؛ فإنه قد يكون الشيء مأموراً بستره في الصلاة ولا يؤمر بستره خارج الصلاة، وقد يكون العكس، إذاً: لا تلازم ولا تناسب طردياً ولا عكسياً بين ما يجب ستره في الصلاة وما يجب ستره خارج الصلاة.

    فمثلاً: الوجه ما حكم ستره خارج الصلاة من الأجانب؟ واجب فهو عورة بالنسبة للأجانب، لكن في داخل الصلاة الإجماع على أن المرأة لا تستر وجهها كما سبق.

    والعكس: المرأة -مثلاً- لو كانت تصلي في قعر بيتها في غرفتها الخاصة وليس عندها أحد أو عندها زوجها فقط هل يجوز لها أن تكشف شعر رأسها؟

    لا يجوز، لكن في خارج الصلاة يجوز أن تكشفه، إذاً: لا تلازم بين العورة في الصلاة وبين العورة خارج الصلاة، فإذا كان الحديث -حديث ( المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان )- دليلاً على العورة خارج الصلاة؛ فلا يلزم أن يكون ذلك مطرداً في داخل الصلاة.

    القول الثاني: جواز إظهار الكفين مع الوجه

    القول الثاني في المسألة: أن المرأة يجوز لها في الصلاة أن تبدي مع وجهها كفيها، وهذا هو مذهب الجمهور، فهو مذهب مالك والشافعي، وهو رواية عن أحمد ورواية عن أبي حنيفة : أنه يجوز أن تكشف المرأة عن كفيها في الصلاة.

    واستدل هؤلاء بالآية، بقوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31] على القول بأن المقصود بما ظهر منها الوجه والكفان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.

    وللسلف في المسألة قول آخر -وهو قول ابن مسعود وغيره- أن ما ظهر منها يعني الثياب ونحوها.

    فعلى القول الأول بأن المقصود بـ(ما ظهر): الوجه والكفان، قالوا: هذا دليل على أنه يجوز كشف الكفين في الصلاة، ولا شك أيضاً أن الاستدلال بهذه الآيه في هذا الموضع فيه نظر؛ لما سبق من أنه لا تلازم بين العورة في الصلاة وبين العورة خارج الصلاة.

    هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تفسير ابن عباس للآية ليس حجة، خاصة وقد خالفه غيره، فتفسير ابن عباس رضي الله عنه للآيه ليس حجة في إيجاب الأحكام الشرعية.

    ومما يستدلون به على جواز كشف اليدين في الصلاة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين )، فقالوا: لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم المحرمة عن لبس القفازين دل على أن الكفين ليسا بعورة، فلا يجب سترهما.

    القول الثالث: جواز إظهار الكفين والقدمين مع الوجه

    وأما القول الثالث: فهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، قال: يجوز للمرأة في الصلاة أن تبدي مع وجهها كفيها وقدميها، هذا مذهب أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في الفتاوى، وكما في رسالة له مطبوعة مستقلة في حجاب المرأة المسلمة ولباسها في الصلاة.

    واستدل هؤلاء بأدلة منها:

    هذه الأشياء كلها مما يشق سترها؛ فإنه من المشقة بمكان أن تستر المرأة وهي في بيتها يديها وقدميها، ومن المعلوم أنه لم يكن عندهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم توافر للخفاف التي تلبس على الأقدام، ولا للقفازات التي تلبس على الأيدي، ولم تكن المرأة تلبس في بيتها ثوباً طويلاً فضفاضاً ساتراً تجره وراءها حتى يستر قدميها، إنما كانت تفعل ذلك إذا خرجت من منزلها كما سيأتي في حديث أم سلمة، فهذا دليل على عدم وجوب ستر الكفين والقدمين.

    ومما استدلوا به على ذلك أيضاً عدم الدليل؛ فإنه لم يخص دليل صحيح على وجوب تغطية كفي المرأة أو قدميها في الصلاة، ولا شك أن الأصل أن هذه الأشياء قد تظهر عادة من المرأة في منزلها خاصة، الأصل أن هذه الأشياء تظهر عادة في منزلها، فلو كان الشارع أمر بتغطيتها وسترها وتعمد ذلك حال الصلاة لشاع هذا الأمر واستفاض ونقل، فلما لم ينقل دليل على وجوب ستر القدمين والكفين دل على أن ذلك ليس بواجب.

    وهذا القول الأخير فيما ظهر لي أنه هو الأقوى؛ لأنه ليس في المسألة أدلة صريحة على وجوب ستر الكفين ولا على وجوب ستر القدمين، فنقول: يجوز للمرأة أن تكشف كفيها وقدميها في الصلاة، لكن لا شك أنها إن سترت ذلك فهذا هو أستر وأحوط، وهي إن سترت كفيها وقدميها محمودة عند جميع أهل العلم لا يلومها في ذلك أحد، لكن إن كشفت كفيها أو قدميها لامها بعض أهل العلم وقالوا لها: خالفت الأمر الواجب، فالاحتياط أن تستر كفيها وقدميها، لكن لو ظهر الكفان منها والقدمان في الصلاة فلا يظهر أن هناك ما يدل على تحريم ذلك عليها أو على وجوب سترهما، هذا الذي ظهر لي.

    الإجابة عن أدلة وجوب ستر المرأة قدميها في الصلاة

    هناك أدلة قد يستدل بها البعض على وجوب ستر القدمين، فأذكرها:

    أولها: حديث أم سلمة رضي الله عنها، -وهو الذي ساقه المصنف رحمه الله بعد حديثين- أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان الدرع ساتراً يغطي ظهور قدميها ).

    والحديث رواه أبو داود كما ذكر المصنف، ورواه أيضاً البيهقي في سننه , والحاكم في مستدركه، وفي سند الحديث رجل اسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار اختلف فيه، فوثقه بعضهم وضعفه آخرون، والواقع أن البخاري أخرج له كما ذكر ذلك بعض الأئمة، وهو رجل صدوق إلا أنه أخطأ في هذا الحديث، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والواقع أنه من كلام أم سلمة.

    وقد خالفه في رفع هذا الحديث جماعة كثيرة من الأئمة العلماء الثقاة على رأسهم الإمام مالك رحمه الله، ومثله حفص بن غياث ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، وإسماعيل بن جعفر وغيرهم؛ فإنهم جميعاً رووا الحديث من كلام أم سلمة وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، رووا الحديث عن محمد بن زيد عن أمه أنها سألت أم سلمة [ أتصلي المرأة في الثوب الواحد؟ فقالت: إذا كان ساتراً يغطي ظهور قدميها ].

    فالواقع أن الحديث من رواية محمد بن زيد عن أمه أنها سألت أم سلمة : [ أتصلي المرأة في الثوب الواحد؟ فقالت أم سلمة : نعم، إذا كان الثوب ساتراً يغطي ظهور قدميها ].

    فالصحيح أن الحديث موقوف على أم سلمة، وهذا الذي صححه الأئمة كـالدارقطني وعبد الحق الإشبيلي، والمصنف نفسه كما قال هاهنا: وصحح الأئمة وقفه، والإمام ابن عبد البر في التمهيد وغيرهم، فالأئمة صححوا أن الحديث موقوف على أم سلمة .

    وكذلك في الحديث علة أخرى، وهي أن أم محمد بن زيد هذه لا تعرف، محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ هذا ثقة، لكن أمه لا تعرف، فهي مجهولة، وبناءً عليه يكون الإسناد ضعيفاً حتى إلى أم سلمة، فالحديث -إذاً- لا يصح مرفوعاً ولا موقوفاً، لكن الموقوف أصح، أما المرفوع ففيه علتان:

    العلة الأولى أن عبد الرحمن بن دينار أخطأ في رفعه.

    العلة الثانية هي أم محمد بن زيد، فهي مجهولة كما ذكرت، وبناءً على ذلك فإن هذا الحديث ضعيف، ولو صح الحديث لكان دليلاً على أن المرأة تستر قدميها في الصلاة أو تستر ظهور قدميها في الصلاة، لكنه لا يصح، ولو صح أيضاً لا يدل على وجوب ستر القدمين كليهما.

    أما الحديث الثاني الذي الذي قد يستدل به البعض على وجوب ستر القدمين في الصلاة؛ فهو حديث أم سلمة أيضاً -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الإسبال والنهي عنه، فقالت أم سلمة : ( يا رسول الله فالنساء؟ ) تسأله عن النساء، فقال عليه الصلاة والسلام: ( يرخين شبراً )، يرخين الثوب شبراً، قالت: ( يا رسول الله! إذاً: تنكشف أقدامهن! )، إذا أرخته شبراً مع المشي ينكشف قدمها، قالت: ( يا رسول الله! إذاً: تنكشف أقدامهن، قال عليه الصلاة والسلام: يرخين ذراعاً ولا يزدن على ذلك )، وهذا الحديث رواه الإمام مالك في موطئه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي وغيرهم.

    الحديث مرة أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ذكر الإسبال فقالت أم سلمة : يا رسول الله! فالنساء؟ قال: يرخين شبراً، قالت: إذاً: تنكشف أقدامهن، قال: يرخين ذراعاً ولا يزدن على ذلك ).

    وهذا الحديث -وإن كان صحيحاً- إلا أنه لا دلالة فيه على ستر القدمين في الصلاة، وذلك لأن الحديث ليس في موضوع الصلاة، إنما هو في موضوع الخروج كما سبق أن أم سلمة لما قالت: ( تنكشف أقدامهن ) يعني: مع المشي، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يتكلم عن تحريم الإسبال في الإزار وليس عن الستر في الصلاة، فهو مثل الحديث الآخر الذي سبق معنا في حديث أم سلمة .

    وحديث امرأة من بني عبد الأشهل، أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ( إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ )، والرواية الأخرى قالت: ( أني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقال: يطهره ما بعده ).

    فهذا دليل على أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت المرأة منهن إذا أرادت الخروج إلى السوق من البيت لبست ثوباً ساتراً يكون أمامها بمقدار شبر أو أكثر بحيث يغطي ظهور قدميها، وكذلك يكون وراءها بحيث لا يظهر شيء من قدميها مع المشي والحركة، وربما أرخته إلى ذراع، والذراع يحسب من أي من الكعبين، والشبر كذلك.

    إذاً: الحديث ليس في الصلاة، ولا يستدل به على وجوب ستر القدمين في الصلاة، وإنما يستدل به على سترهما خارج الصلاة، يعني: على عدم ظهور القدمين من المرأة للرجال الأجانب ليس في الصلاة، وبالمناسبة هذه -بين قوسين- فائدة لا تتعلق بالباب، لكنني أقيدها خشية نسيانها، أقول:

    في الحديث دليل على تحريم ما يسمونه في العصر الحاضر بالتشريعة إذا كانت طويلة جداً؛ فإن النساء في ليلة العرس يلبسن الآن ثوباً طويلاً يكون خلفها ربما متر أحياناً أو أكثر من ذلك، ويحمله مجموعة من الأطفال الصغار يحملونه مع العروس وراءها.

    فنقول: الحديث دليل على تحريم هذا العمل ؛ لأن المرأة ترخي ثوبها حينئذ ليس شبراً ولا ذراعاً بل أكثر من ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال: ( يرخينه ذراعاً ولا يزدن على ذلك )، واعتبر الذراع رخصة فقط، وإلا فالأصل أن ترخيه شبراً فقط، فهذه فائدة تقيد.

    عورة الأمة في الصلاة وأقوال العلماء فيه

    ننتقل إلى نقطة جديدة، نكمل لأن الوقت طال علينا، الآن ننتقل إلى نقطة جديدة في حديث عائشة رضي الله عنها: ( لا يقبل الله صلاة حائض بغير بخمار ) .

    وهو موضوع الأمة، الأمة هل عورتها في الصلاة كعورة الحرة أم تختلف عنها؟ ‏

    القول الأول: أن عورتها ما بين السرة والركبة

    الجماهير من أهل العلم -بما في ذلك جماهير الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة- على أن عورة الأمة في الصلاة ما بين السرة والركبة فحسب، وأن للأمة أن تكشف عن شعرها ونحرها وحلقها ورقبتها وكتفيها، عورتها في الصلاة ما بين السرة والركبة.

    ويستدل الجمهور لهذا القول بأدلة:

    أولها: الإجماع، فقد نقله النووي عن أبي حامد وغيره أنهم نقلوا الإجماع على ذلك، وكذلك نقله ابن قدامة في المغني، قال: لم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري، فهذا الدليل الأول: إجماع الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين على ذلك.

    الدليل الثاني: ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما بسند حسن, عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر منه إلى ما بين السرة والركبة، فإن ذلك عورة ) .

    فقالوا: دل على أن عورة الأمة هي ما بين السرة والركبة.

    ومما يستدلون به آثار كثيرة جداً نقلت عن الصحابة، ممكن أن تراجع -مثلاً- مصنف ابن أبي شيبة أو مصنف عبد الرزاق، ففيهما آثار، منها آثار عن عمر -وأسانيدها صحيحة- [ أنه رضي الله عنه رأى أمةً قد لبست الجلباب وتحجبت -يعني: غطت شعرها- فقال لها: أعتقت؟ قالت: لا، قال: فاخلعي جلبابك، فكأنها تلكأت، فقام إليها أبو حفص رضي الله عنه بالدرة حتى أزالت جلبابها عن رأسها ] ؛ وذلك لأنها تتشبه بالحرائر، وهذا مشهور جداً عند السلف.

    والآثار في ذلك كثيرة، فالجمهور على أن عورة الأمة ما بين السرة والركبة.

    القول الثاني: وجوب ستر الأمة شعر رأسها إذا تزوجت

    وذهب الحسن البصري إلى أن الأمة إذا زوجت وصارت في بيت فإنها تستر كما تستر الحرة، أو قال: تستر رأسها، وقد خالف الحسن البصري في ذلك الجماهير، ثم جاء الإمام ابن حزم رحمه الله في المحلى فذهب إلى أن عورة الحرة والأمة على حد سواء، ذهب إلى أن عورة الأمة والحرة سواء من غير فرق؛ لأن الدين واحد، يقول أبو محمد رحمه الله: الدين واحد والطبيعة واحدة والخلقه واحدة، وإذا تنازع السلف وجب أن نعود الى النصوص، ولا يوجد في النصوص فرق بين عورة الأمة وعورة الحرة، ونحن نقول لمن يفرقون: أنتم لا تفرقون بين عورة العبد وعورة الحر، بل هما عندكم سواء، فكذلك يجب أن تكون عورة الأمة وعورة الحرة عندكم سواء.

    الراجح في عورة الأمة في الصلاة

    والصحيح ما ذهب اليه الجمهور أن عورة الأمة في الصلاة ما بين السرة والركبة؛ للإجماع القائم على ذلك، وابن حزم رحمه الله لا ينقض هذا الإجماع الذي استقر قبله، وبين رأي ابن حزم ورأي الحسن البصري اختلاف أيضاً: فإن الحسن البصري يقيد ذلك بما إذا وضع الأمة في بيته أو في داره، وابن حزم لا يشترط ذلك، وكذلك الحسن البصري لم يصرح بوجوب ستر بدنها كله كالحرة، وإنما قال: تستر شعرها.

    وقد يستغرب البعض هذا الحكم فنقول: إن هذا الكلام في الصلاة، وأما خروج الأمة في الأسواق وغيرها، فإذا كانت الفتنة مأمونة فكذلك، ينبغي أن تستر ما بين السرة والركبة كما كان في العصر الأول في عصر الصحابة النفوس سليمة والدين قوي والشهوة غير ظاهرة والإيمان حاصل، والنظر غير مطلق.

    أما إذا زال ذلك وكثرت الفتن وانتشرت الشهوات وعم البلاء, ووجد مثل الإماء الجميلات -كما قال ابن تيمية رحمه الله عن نساء الترك الحسناوات الجميلات-, فإن ظهور مثل هؤلاء النساء في الأسواق حاسرات الرءوس كاشفات الوجوه والصدور والنحور هذا فيه من البلاء والفتنة الشيء العظيم، فتؤمر -بلا شك- حينئذ بالاستتار دفعاً للفتنة.

    تقريباً هذه المسائل الموجودة في حديث عائشة، وبذلك نكون أنهينا ثلاثة أحاديث في الواقع من حيث تشعرون أو لا تشعرون، ثالثها حديث أم سلمة هو رقم (224)، فقد أتينا عليه وعلى ما فيه، لم يبق فيه شيء إن شاء الله.

    ففي الأسبوع القادم نكمل أربعة أحاديث، حديث عامر بن ربيعة وحديث أبي هريرة وحديث عامر الثاني، وحديث أنس عند أبي داود : ( كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه ).