إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 203-205

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 203-205للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل العلم في الأذان والإقامة للفوائت على أقوال ستة، وكان لكل قول دليله أو أدلته، لكن المترجح منها أن يؤذن أذان واحد، ويقام لكل صلاة، وهذا ما دل عليه حديث جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، أما ما ورد خلاف هذا من أحاديث فهي إما ضعيفة أو مؤولة.

    1.   

    شرح حديث جابر في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    عندنا اليوم أربعة أحاديث إن شاء الله تعالى نأخذها بالوفاء والتمام:

    حديث جابر رضي الله عنه يقول المصنف رحمه الله: (وله) فمرجع الضمير في قوله: (وله) يعني: لـمسلم رحمه الله، والحديث رواه مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ضمن حديث جابر الطويل في سياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أتم وأوفى وأحسن من ساق تفاصيل تلك الحجة؛ ولذلك اعتمده أهل العلم وبنى عليه بعضهم كتبهم في سياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ففي حديث جابر رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين).

    والحديث رواه أيضاً أبو داود والنسائي وغيرهما، وهو حديث مشهور معروف.

    شواهد الحديث

    الحديث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع صلى المغرب والعشاء بـالمزدلفة جمعاً، وأذن للأولى وأقام لكل واحدة منهما، فالأذان واحد ولكن بإقامتين، وهذا المعنى الذي دل عليه حديث جابر رضي الله عنه وجد ما يشهد لبعضه: ففي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بـجمع بين المغرب والعشاء كل واحدة بإقامة ولم يسبح بينهما شيئاً )، فـابن عمر أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما، وأثبت الإقامة لكل واحدة من المغرب والعشاء، وأثبت أنه لم يسبح بينهما، وهذا أيضاً ثابت في حديث جابر، فإن مسلماً رواه بلفظ: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً )، وهذا ضمن حديث جابر، فوافقه ابن عمر رضي الله عنه في روايته في صحيح البخاري على الجمع وعلى الإقامتين وعلى أنه لم يسبح بينهما شيئاً.

    وقوله رضي الله عنه: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بـجمع )، ما المقصود بجمع؟

    جمع هي المزدلفة؛ وسميت جمعاً إما لأن الناس يجتمعون فيها، أو لأنهم يجمعون بين الصلاتين المغرب والعشاء فيها، أو لأن آدم اجتمع مع حواء فيها كما تقول بعض الروايات الإسرائيلية.

    و سميت المزدلفة أيضاً إما لأنها تقرب إلى منى، فهي أقرب إلى منى من عرفة، فالناس يقتربون إلى منى حين يدفعون من عرفة إلى المزدلفة، والازدلاف هو القرب، كما قال تعالى: وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [التكوير:13] يعني: قُرِّبت لأهلها ليدخلوها، فقيل: سميت مزدلفة لقربها من منى، وقيل: لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى فيها بالطاعات والقربات، يعني: يتعبَّدون، وقيل: لأن الناس يأتونها زلفاً من الليل، بعضهم في أول الليل وبعضهم في وسطه بحسب ما يتمكنون، وقيل: لأن آدم اقترب إلى حواء ودنا منها بـالمزدلفة فسميت بذلك.

    المهم أن جمعاً هي المزدلفة، فقول ابن عمر رضي الله عنه: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بـجمع -هي المزدلفة - بإقامة لكل واحدة منهما ) لكل واحدة من الصلاتين.

    وقوله في حديث جابر وابن عمر : ( ولم يسبح بينهما شيئاً ).

    أي: لم يصل الراتبة، فالمقصود بنفي التسبيح أنه لم يصل الراتبة، وذلك أنه كان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا كان مسافراً أنه لا يصلي الرواتب إلا راتبة الفجر، أما راتبة الظهر والمغرب والعشاء فإنه كان لا يصليها عليه الصلاة والسلام، بخلاف السنن والنوافل المطلقة كصلاة الضحى وقيام الليل والصلاة بين الأذان والإقامة.. وما أشبه ذلك، فإنه كان يصليها عليه الصلاة والسلام حتى في السفر لا يتركها، إنما السنن والرواتب كان يدعها عليه السلام؛ ولذلك جاء في الصحيح أيضاً -في مسلم وغيره- من حديث ابن عمر: (أنه صلى ثم ذهب إلى خيمته، فنظر حيث صلى فإذا رجال يصلون، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يسبحون -يعني: يتنفلون يصلون الرواتب-، فقال رضي الله عنه: لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي)، فالمقصود بنفي التسبيح في حديث جابر وفي حديث ابن عمر أنه لم يصل الراتبة لا راتبة المغرب ولا راتبة العشاء؛ ولذلك قال: ( لم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما )، يقول ابن عمر -يعني-: لم يسبح سبحة المغرب ولا سبحة العشاء.

    ومما يشهد أيضاً لبعض حديث جابر -حديث الباب-؛ مما يشهد له أيضاً ما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: ( دفع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى أتى الشعب فبال، -نزل عليه الصلاة والسلام فبال- وتوضأ وضوءاً خفيفاً غير مسبغ، فقلت: يا رسول الله! الصلاة، قال: الصلاة أمامك، ثم ركب حتى أتى المزدلفة فتوضأ وضوءاً مسبغاً، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقام فصلى ) يعني: العشاء.

    فحديث أسامة بن زيد وكان رديف النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه ودفعه من عرفة إلى مزدلفة، كان رديفه أسامة ؛ فلذلك كان خبيراً بحاله، فذكر: ( أنه نزل في شعب بين عرفة ومزدلفة فقضى حاجته -تبول عليه الصلاة والسلام- وتوضأ وضوءاً خفيفاً )، كأن يكون استجمر واستنجى بالماء، وربما غسل بعض أعضائه كيديه مثلاً، لكن لم يتوضأ وضوءه الشرعي للصلاة، ( فقلت: الصلاة، قال: الصلاة أمامك، فلما أتى مزدلفة توضأ وضوءاً مسبغاً وأقام وصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقام فصلى العشاء )، فهذا حديث أسامة يشترك مع حديث ابن عمر مع حديث جابر في إثبات إقامتين، فيشهد بعضها لبعض في ثبوت ذلك، ولكن يبقى حديث جابر متفرداً في كونه أثبت الأذان للصلاة المجموعة، هذا ما انفرد به حديث جابر لـمسلم.

    وبناءً على ذلك فإننا نقول: إن مجموع هذه الأحاديث الثلاثة يثبت إقامتين، وحديث جابر يثبت أذاناً، في حين أن ابن عمر وأسامة سكتوا عن الأذان فلم ينفوه ولم يثبتوه.

    حديث ابن عمر في الجمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة

    لكن ينبغي أن نعلم أنه وردت رواية أخرى قد تختلف مع هذه الروايات في حكاية ما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، لكن ما سبق هو الأصح، أصح وأجود وأثبت وأوثق، ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، وقد ورد ما يخالف هذا، فمما ورد ما يخالف هذا؛ ما رواه مسلم والنسائي والترمذي وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة ) فعله ابن عمر، وذكر: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله بـالمزدلفة )، فهذا يخالف ما سبق، وهذه الرواية عن ابن عمر لابد لها من أحد أجوبة:

    إما أن يقال: إن قوله: (بإقامة واحدة) فيه اختصار من بعض الرواة ترتب عليه تغيير المعنى؛ ولذلك جاء في رواية أبي داود التي ساقها المصنف بعد أنه قال: ( بإقامة واحدة لكل صلاة )، وهذه الزيادة (لكل صلاة) تقلب المعنى قلباً تاماً، بدلاً من أن تكون الإقامة واحدة للصلاتين أصبحت إقامة لكل صلاة، فيكون حديث ابن عمر هذا موافقاً لحديثه الآخر في البخاري وموافقاً لحديث أسامة وموافقاً لحديث جابر، إذاً: المحمل الأول أن يقال: إن في الحديث اختصاراً وحذفاً، فقوله: (بإقامة واحدة) أي: لكل صلاة.

    والاحتمال الثاني: أن يكون قوله هذا رضي الله عنه شاذاً، ويقدَّم عليه ما ثبت في الصحيحين من حديثه ومن حديث غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.

    فيُحمل حديث ابن عمر على أحد هذين المحملين: إما أن يقال بالجمع بينهما، والجمع هو أن نقول: إن حديث ابن عمر فيه اختصار ترتب عليه تغيير المعنى، ومما يوضح هذا الاختصار رواية أبي داود، فإنه قال: ( بإقامة واحدة لكل صلاة )، وحينئذ لا إشكال.

    والوجه الثاني: أن يقال بالترجيح، فترجح رواية ابن عمر الأخرى (أنه جمع بينهما بإقامتين) بإقامة لكل واحدة منهما، يعني: بإقامتين، وهذا هو الموافق -كما سلف- لحديث أسامة وحديث جابر وحديث غيرهما. هذا الحديث مخالف لما سبق من حديث جابر، رواية ابن عمر.

    حديث ابن مسعود في أمره بالأذان والإقامة لكل صلاة

    الرواية الثانية التي -أيضاً- تشكل وتنغِّص على رواية جابر ومن معه ومن وافقه هو ما رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: ( أنه لما أتى مزدلفة أمر إنساناً فأذن وأقام فصلى المغرب ثم صلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أمر -أراه قال: رجلاً-، فأذن وأقام وصلى العشاء ركعتين، ثم صلى الفجر. ثم قال في آخر الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله )، والحديث في الصحيحين.

    وحديث ابن مسعود هذا مشكل، من أي جهة يشكل هذا الحديث على ما سبق؟

    من جهة أنه أثبت أذانين: أذاناً للمغرب وأذاناً للعشاء، فهو مشكل من هذا الوجه.

    ويجاب على حديث ابن مسعود رضي الله عنه أيضاً بأجوبة:

    الجواب الأول: أن هذا موقوف عليه، وهذا هو الصحيح، أنه من فعل ابن مسعود واجتهاده وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قوله في آخر الحديث (رفعه -ما فعل- إلى النبي عليه الصلاة والسلام) فليس مقصوده خصوص فعل الأذانين، إنما مقصوده جمع الصلاتين المغرب والعشاء وكذلك التبكير في صلاة الفجر، فإنه صلى الفجر يومئذ لغير ميقاتها، يعني: في أول وقتها أول ما بزغ الفجر.

    إذاً: الوجه الأول من أوجه الجواب على حديث ابن مسعود أن يقال: إنه موقوف من فعل ابن مسعود رضي الله عنه، وإذا كان من فعله فهل يعارض فعل ابن مسعود بفعل الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الأفعال لا تتعارض، خاصة فعل صحابي مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتعارض، فنقول: إن فعل ابن مسعود هذا من اجتهاده هو، وإنما رفعه في آخر الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني به عموم ما جرى في مزدلفة من الجمع بين المغرب والعشاء ومن التبكير بصلاة الفجر، وليس مقصوده خصوص الأذان لكل صلاة؛ لأن هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

    الوجه الثاني من أوجه الجواب على حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن يقال: إن ابن مسعود إنما أذن لأنه تعشى بين المغرب والعشاء، تنفل ثم دعا بالعشاء ثم أمر رجلاً فأذن؛ لأن الناس تفرقوا إلى منازلهم ليتعشوا أيضاً، ويتجه حينئذ أن يقال: إن ابن مسعود رضي الله عنه لم يجمع بين الصلاتين بالصورة المعروفة من تعاقبهما بل فصل بينهما بفاصل، وهو أنه صلى راتبة المغرب بعدها ثم تعشى ثم أذن ثم أقام ثم صلى العشاء ركعتين، فيكون أذن من أجل أن الناس تفرقوا وليس لأن هذا الأمر سنة بخصوصه، ونحن نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام حج بعد بعثته مرة واحدة، أما قبل البعثة فقد حج عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جبير بن مطعم قال: ( أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بـعرفة، فقلت: هذا من الحمس فما باله واقفاً هاهنا )، كانت قريش لا تقف بـعرفة، يقولون: نحن أهل الحرم وأهل بيت الله فلا نخرج إلى الحِل، فالناس يقفون وقريش تقف بـالمزدلفة من باب التميز والامتياز عن البشر، المهم أنه عليه الصلاة والسلام حج قبل البعثة، أما بعد البعثة فلم يحج إلا حجة الوداع.

    فالقصة واحدة لا إشكال في هذا، وما ورد من تعارض فيما رواه ابن عمر وجابر وابن مسعود وغيرهم فإنه لابد فيه من الجمع والتوفيق؛ لأن الحادثة واحدة، فإذا ثبت -مثلاً- أنه قد ثبت فعلاً أن ابن عمر ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أذانين، وذكر عنه أذاناً، وذكر أنه صلى بدون أذان، وذكر أنه صلى بإقامتين، وذكر أنه صلى بإقامة واحدة، هذا كله جاء عن ابن عمر رضي الله عنه، فيقال حينئذ: لابد من التوفيق؛ لأن القصة واحدة والحادثة واحدة، فلابد أن يكون حصل وهم من بعض الرواة.

    أقوال العلماء في الأذان والإقامة للمغرب والعشاء بمزدلفة

    المسألة المتعلقة بحديث جابر رضي الله عنه هي: مسألة الأذان والإقامة للصلاة المجموعة بمزدلفة.

    وفي المسألة عدة أقوال أجمعها وأشير إليها باختصار، وأذكرها تسلسلياً حتى يسهل حفظها:

    القول الأول: أذانان وإقامتان وأدلته

    فالقول الأول: قول الإمام مالك رحمه الله -وهو اختيار البخاري فيما يبدو- أنه يقول: يؤذن أذانين ويقيم إقامتين.

    وقد ذهب الإمام مالك في هذا إلى حديث ابن مسعود، ومثله قال الإمام مالك في عرفة في صلاة الظهر والعصر، فقال: إنه يؤذن أذانين ويقيم إقامتين. قال الإمام مالك : كل شيء إلى الأئمة، فلكل صلاة أذان وإقامة، كل شيء إلى الأئمة، يعني: يترك تنفيذه إلى الإمام إلى السلطان، فلكل صلاة أذان وإقامة، يرى أن الأمر إذا كان متعلقاً بالإمام .. بالحاكم فإنه يؤذن ويقيم للأولى ثم يؤذن ويقيم للثانية.

    ولعل من مأخذ الإمام مالك إضافة إلى ما ثبت عن ابن مسعود : ما نقل عن عمر رضي الله عنه، فقد روى عنه الطحاوي بسند جيد -كما يقول ابن حجر، وإن كان ضعفه ابن عبد البر في التمهيد - روى الطحاوي عن عمر: [ أنه فعل مثل ذلك، فصلى المغرب والعشاء بأذانين وإقامتين ]، فيكون ابن مسعود في هذا متابعاً لـعمر، وابن مسعود كثيراً ما يقتدي بـعمر في مسائل الفقه، ابن مسعود رضي الله عنه كان من التلاميذ الذين استفادوا من فقه الإمام العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو يوافقه في كثير من المسائل ومنها هذه؛ ولذلك ذهب إليها الإمام مالك وإن كان لم يرو هذه الرواية في موطئه.

    وقد رجح بعضهم هذا القول من حيث النظر ومن حيث المعنى، قالوا: لأن الصلاتين المجموعتين في وقت إحداهما كأنهما في حكم صلاة واحدة، وليست إحداهما بأولى بالأذان والإقامة من الأخرى؛ ولذلك يؤذن ويقيم في كل منهما.

    كما أنهم قالوا: إن وقتهما واحد، الصلاتان المجموعتان، والصلاة إذا أُدِّيت في وقتها فلابد فيها من أذان ولابد فيهما من إقامة، فالصلاتان المجموعتان في وقت إحداهما يعتبر الوقت لهما جميعاً.

    هذا المذهب الأول وهو مذهب مالك، فيه أذانان وإقامتان.

    القول الثاني: أذان واحد وإقامتان

    ودون ذلك المذهب الثاني: وهو مذهب الشافعي القديم، ورواية عن الإمام أحمد، ورواية أيضاً عن أبي حنيفة ذكرها الجوزجاني، وهو مذهب ابن حزم الظاهري واختاره ابن الماجشون من فقهاء المالكية، واختاره أيضاً الطحاوي الإمام الحنفي المعروف، وهو مذهب أبي ثور، قالوا: إنه يؤذن أذاناً واحداً ويقيم إقامتين.

    وحجتهم في ذلك ظاهرة، وهي: حديث جابر، حديث الباب حيث أثبت فيه أذاناً وأثبت فيه إقامتين.

    وكذلك يحتجون بأمر آخر: وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم بـعرفة، فإن الرواية لم تختلف: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بـعرفة أذن أذاناً واحداً للظهر والعصر وأقام لكل صلاة منهما إقامة )، ذكر ذلك الطحاوي وابن القيم أن الرواية لم تختلف في صلاته صلى الله عليه وسلم بـنمرة الظهر والعصر، أنها كانت بأذان واحد وإقامتين، فقالوا: لو لم يثبت في مزدلفة شيء، أو قلنا: إن الروايات في مزدلفة متضاربة فترد جميعاً ونرجع إلى عرفة، فنقيس مزدلفة عليها ونقول: يجمع المغرب والعشاء في مزدلفة بأذان واحد وإقامتين كما جمع الظهر والعصر بـنمرة بأذان واحد وإقامتين.

    ومن حججهم في ذلك أيضاً: قالوا: إن الأذان يقصد به دعاء الناس إلى الصلاة والإخبار بحضورها، فإذا كانت الصلاتان ستصليان معاً فإن الأذان يكفي عنهما أذان واحد، أما الإقامة فإن المقصود بها الدعوة إلى القيام لأداء الصلاة، وهذا لا يغني فيه صلاة عن صلاة، فلا بد من إقامة لكل صلاة، فذهبوا من حيث النظر إلى أن المقصود من الأذان النداء والدعاء إلى الصلاة، ويكفي الدعاء الأول؛ لأن الناس سيأتون ويحضرون ليؤدوا الصلاة الأولى صلاة المغرب -مثلاً- ويؤدوا بعدها العشاء مباشرة دون حاجة إلى نداء آخر، وما الداعي لأن يُنادى الناس وهم مجتمعون في المسجد حاضرون.

    هذه بعض أدلتهم من حيث الأثر ومن حيث النظر.

    القول الثالث: أذان واحد وإقامة واحدة

    المذهب الثالث: مذهب أبي حنيفة يقول: إنه يؤذن مرة واحدة ويقيم أيضاً مرة واحدة، لا يقيم للثانية ولا يؤذن لها، وهذا مذهب أبي حنيفة.

    استدلوا بحديث ابن عمرالذي سبق أن ذكرته وأشار إليه المصنف فيما بعد: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة )، فقالوا: حديث ابن عمر لم يذكر الأذان ولم يذكر إلا إقامة واحدة، فالأذان يفهم من نصوص أخرى كحديث جابر وغيره وحديث ابن مسعود أيضاً، وأما الإقامة فنفهم أن ابن عمر نص على أنها واحدة فقط وليست إقامتين؛ ولذلك قالوا: إنه يؤذن مرة واحدة ويقيم مرة واحدة.

    وأما ما ورد عن عمر وابن مسعود من ذلك فإن الأحناف يحملونه على ما سبق أن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما فصلا بين المغرب والعشاء بفاصل طويل، فتحتاج إلى النداء الثاني حتى يدعو الناس إلى الصلاة.

    القول الرابع: إقامتان دون أذان وأدلته

    المذهب الرابع في ذلك هو مذهب الإمام الشافعي في الجديد وهو المذهب المشهور المعتبر، وهو مذهب الثوري أيضاً ورواية عن الإمام أحمد: أنه يجمع بين المغرب والعشاء بإقامتين دون أن يؤذن لشيء منهما.

    واستدلوا بما سبق، مثل حديث أسامة بن زيد في الصحيحين حيث قال: ( أقام فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره ثم أقام فصلى العشاء )، ولم يذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك.

    ومثله رواية عن ابن عمر في حديثه، فمثلاً قوله: ( بإقامة لكل واحدة منهما )، رواية أبي داود : ( بإقامة لكل واحدة منهما أو لكل صلاة )، هذا يدل على أنه جمع بينهما بإقامتين دون أن يذكر الأذان، فقال هؤلاء: لا داعي للأذان إنما يقيم لكل صلاة.

    ومما عزز به هؤلاء قولهم: إنه ورد في رواية عند أبي داود -أشار إليها المصنف وذكرها الشافعي أيضاً- أنه قال: ( ولم يناد في واحدة منهما ) يعني: لم يؤذن لا للمغرب ولا للعشاء، فقالوا: هذا دليل على أنه لا يؤذن لهما وإنما يُقام لكل صلاة.

    القول الخامس: إقامة واحدة دون أذان وأدلته

    المذهب الخامس: أنه قال: يقام إقامة واحدة فقط ولا يؤذن، يعني: يكتفى بإقامة واحدة بدون أذان وبدون إقامة أيضاً للصلاة الثانية.

    وهذا المذهب ذكره ابن عبد البر في التمهيد ولم يعزه لأحد بعينه، ومما يشهد لهذا القول حديث ابن عمر برواية مسلم، فإنه قال: ( جمع بينهما بإقامة واحدة )، قالوا: وظاهر الحديث يدل على أنه أقام مرة واحدة ولم يذكر لا أذاناً ولا إقامة أخرى.

    القول السادس: اعتبار أن الروايات في ذلك من اختلاف التنوع

    المذهب السادس والأخير: أنهم قالوا: إن هذا كله من اختلاف التنوع، ولا بأس أن يفعل هذا أو هذا، فإن أذن مرتين وأقام مرتين فحسن، وإن أذن مرة وأقام مرتين فحسن، وإن أذن مرة وأقام مرة فحسن، وإن أقام مرة بدون أذان فحسن، وكله واسع ولا بأس به، وهذا المذهب يجوز أن ينسب لـابن عمر بشيء من التسامح؛ لأن ابن عمر نقل عنه هذا كله، وهو رواية مشهورة عن الإمام أحمد .

    الراجح في المسألة

    الراجح في ظني ونظري: أن يؤذن أذاناً واحداً ويقيم إقامتين، ولا يغترن بعضكم بالمذهب السادس الذي فيه أن الكل صالح؛ لسبب: وهو ما أسلفت قبل قليل أن الرسول عليه السلام لم يحج إلا حجة واحدة، ومعنى ذلك: أن الذي حدث هو إحدى هذه الروايات لا غير، ولا يصلح أن تكون كلها حصلت؛ لأنه لا يجوز أن يكون الرسول عليه السلام أذن ولم يؤذن وأقام ولم يقم، فنجزم ونقطع بأن الذي حدث هو إحدى هذه الروايات.

    والأصح ما جاء في حديث جابر، نرجحه من وجوه عديدة:

    أولها: أن جابراً هو أضبط من روى صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد سرد وساق هذه الحجة أحسن وأتم من ساق كما قال ابن عبد البر، حتى إن جابراً رضي الله عنه ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ثم تفاصيل حجته حتى رجوعه إلى المدينة في حديث طويل، فهذا يدل على ضبط جابر رضي الله عنه لحجة النبي صلى الله عليه وسلم.

    المرجح الثاني: أنه أيد جابراً في ذكر الإقامتين روايتان عن ابن عمر وأسامة بن زيد رضي الله عنهما.

    المرجح الثالث: أن الرواية لم تضطرب عن جابر في ذلك، على أن رواية الباقين قد اضطربت، فـابن عمر -مثلاً- اضطربت عنه الرواية رضي الله عنه ما بين إثبات الأذان ونفيه وإثبات الإقامتين ونفي إحداهما، نقل عنه وجوه عديدة وكلها صحيحة، مما دل على الاضطراب في ذلك.

    المرجح الرابع: أن حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أثبت الإقامتين، ومن المعلوم أن أسامة كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- من عرفة إلى مزدلفة، وما دام أنه رديفه على دابته على بعيره أو على ناقته فمعنى ذلك: أنه كان من أكثر الناس معرفة ودراية بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بـمزدلفة .

    إضافة إلى المرجحات المعنوية التي سبق ذكرها ضمن أدلة القول الثاني الذي يقول بأذان واحد وإقامتين.

    ولذلك فالراجح -والله تبارك وتعالى أعلم- أنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين.

    1.   

    شرح حديث: (جمع النبي بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة)

    الحديث الثاني في حصة هذه الليلة هو حديث ابن عمر رضي الله عنه: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة ).

    تخريج الحديث

    الحديث يقول: (وله) يعني: لـمسلم، فالحديث رواه مسلم رحمه الله في كتاب الحج أو المناسك، باب الإفاضة من عرفة، حديث ابن عمر رواه مسلم في كتاب المناسك باب الإفاضة من عرفة بألفاظ عديدة منها اللفظ الذي ساقه المصنف، وفيه: ( أن ابن عمر

    رضي الله عنه جمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعله
    ).

    أبو داود روى الحديث وزاد: ( بإقامة واحدة لكل صلاة )، وهذه الزيادة -كما أسلفت- تغير المعنى وتبين أنه لكل صلاة إقامة، فمعنى ذلك: أنه جمع بينهما بإقامتين وليس بإقامة واحدة.

    وفي رواية أخرى له -يعني: لـأبي داود أيضاً- ( ولم يناد في واحدة منهما )، وهذه الرواية -رواية أبي داود- ظاهر إسنادها الصحة والسلامة، وأشار العلماء إلى تصحيحها كـابن القيم وغيره، لكن هذه الرواية لابد من القول بأنها رواية شاذة مخالفة للمحفوظ عن ابن عمر، ومخالفة للثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أما بالنسبة للمحفوظ عن ابن عمر فقد ثبت معنا حديثه في الصحيح أنه ذكر: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بإقامة لكل واحدة منهما )، وأما الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد سبق أيضاً حديث جابر، وفيه: أنه بأذان وإقامتين، فهذه الرواية يحكم بشذوذها لمخالفتها للثابت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ومخالفتها أيضاً للنقل الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه، إلا أنه فيما يتعلق بالإقامة لا إشكال، يعني: رواية مسلم : (بإقامة) لا إشكال؛ لأنه سبق أن ذكرت أن رواية أبي داود ترفع الإشكال: ( بإقامة لكل واحدة منهما )، لكن تصريحه بنفي الأذان في قوله: ( ولم يناد في واحدة منهما ) هذا لابد من القول بشذوذه.

    وأما معنى قوله: ( ولم يناد في واحدة منهما ) فهو ظاهر، أي: أنه لم يناد للمغرب ولم يناد للعشاء، يعني: لم يناد في شيء من هاتين الصلاتين، هذا هو المعنى لا غير، وليس المعنى أنه نادى في إحداهما ولم يناد في الأخرى؛ لأنه لو كان هذا مراد ابن عمر رضي الله عنه لما كان هناك داع لأن يبهم ابن عمر الصلاة التي نادى بها والصلاة التي لم يناد بها، إذا قال: ولم يناد بالعشاء مثلاً، أو نادى في المغرب ولم يناد في العشاء، فقال: ( ولم يناد في واحدة منهما ) ظاهره نفي النداء في كل واحدة منهما على انفراد، وليس في حديث ابن عمر شيء جديد إلا ما سبق في الحديث السابق حديث جابر.

    1.   

    شرح حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا ...)

    أما الحديث الثالث فهو حديث ابن عمر أيضاً وعائشة وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحت أصبحت )، يقول المصنف رحمه الله: متفق عليه وفي آخره إدراج.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الأذان، باب أذان الأعمى؛ وذلك لأن ابن أم مكتوم كان رجلاً أعمى كما ذكرت الرواية.

    ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام، باب أن الصيام يدخل بطلوع الفجر.

    ورواه أبو داود وغيره.

    شواهد الحديث

    وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك، الآن عندنا حديثان في الواقع وليس حديثاً واحداً، حديث ابن عمر وحديث عائشة، ولا تظنوا أن البخاري ومسلماً رويا الحديث عن ابن عمر وعائشة بمتن واحد كما هو ظاهر صنيع المصنف، كلا، فالحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر، ورواه البخاري ومسلم عن عائشة أيضاً، فهما حديثان وليسا حديثاً واحداً، فعندنا في هذا الباب حديث عائشة واحد وحديث ابن عمر الآخر، ولهما شواهد هي حديث أنس بن مالك وحديث أنيسة وحديث سهل بن سعد الساعدي وحديث سلمان الفارسي، وكلها تذكر ما ذكر الحديث من أن: ( بلالاً

    يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم

    ).

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله عليه الصلاة والسلام: ( إن بلالاً

    يؤذن بليل
    )، أي: أنه يؤذن قبل طلوع الفجر، وهذا دليل على أن الأصل في الأذان لا يجوز أن يوقع إلا بعد دخول وقت الصلاة؛ ولذلك احتاج أذان بلال إلى البيان؛ لأنه قبل الوقت، فهو دليل على أن الأذان لا يجوز أن يكون إلا بعد دخول الوقت؛ ولذلك احتاج أذان بلال إلى البيان فقال: ( إن بلالاً

    يؤذن بليل
    ).

    والحكمة من هذا الأذان بينتها الرواية الأخرى في صحيح البخاري، أنه قال: ( إن بلالاً

    يؤذن بليل ليرجع قائمكم وينبه نائمكم )، أما قوله: (ليرجع قائمكم) فالمقصود بالقائم المصلي المتهجد، يعني: إذا سمع أذان بلال خفف الصلاة حتى ينتهي منها، من أجل ماذا؟

    إن كان يريد الصيام من أجل أن يتسحَّر، وإن لم يكن يريد الصيام فمن أجل أن يكمل وتره قبل الفجر، وكذلك من أجل أن يرتاح قليلاً قبل صلاة الفجر كما كانت عادة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ( كان يضطجع قليلاً حتى يأتي بلال

    ليؤذنه لصلاة الفجر )، هذا قوله: (ليرجع قائمكم).

    (وينبه نائمكم) يعني: ليوقظ النائم حتى يستعد للصلاة إن كان يحتاج إلى غسل أو وضوء أو ما أشبه ذلك فإنه يستعد له. فهذه الحكمة من مشروعية أذان بلال .

    ( فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم

    ابن أم مكتوم قيل: اسمه عبد الله وهذا هو المشهور، وقيل عمرو، وهو عامري قرشي قديم الإسلام، وهو الذي نزلت فيه سورة: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2]، وقد قُتل في معركة القادسية، خاض معركة القادسية وحمل الراية ضمن قصة عجيبة ظريفة وقتل فيها رضي الله عنه وأرضاه، وقيل: إنه عمي بعد معركة بدر، قيل: عمي بعد بدر، وهذا هو المشهور عند أهل التراجم والسير كما ذكره الحافظ ابن حجر، وقد استدرك وتعقب سماحة الإمام شيخنا عبد العزيز بن باز حفظه الله على هذا تعقباً جيد جداً، فقال: إن هذا فيه نظر، بل ظاهر القرآن يدل على أنه كان أعمى قبل ذلك؛ لأن سورة عبس نزلت في مكة قبل الهجرة بل في أول الإسلام، وفيها وصفه بأنه الأعمى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2]، فما هو مشهور عند أهل التراجم من أنه عمي بعد ذلك بزمن بعد الهجرة فهذا لا يصح، بل قيل: إنه كان أعمى منذ صغره وربما كان هذا هو السبب في تسميته بـابن أم مكتوم ؛ لأن بصره مكتوم لا يرى.

    ( وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت )، هذا القدر من الحديث قوله: (وكان رجلاً أعمى) مدرج، يعني: مدخل في الحديث وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لا شك في هذا ولا ريب، لكن من الذي أدرجه؟

    يحتمل أن يكون مدرجاً من كلام ابن عمر رضي الله عنه، وهذا الذي جزم به الإمام ابن قدامة صاحب المغني، وفي صحيح البخاري في الصيام المعنى نفسه عن ابن عمر، فيحتمل أن يكون الكلام مدرجاً من ابن عمر .

    وفي سنن البيهقي ما يدل على أنه مدرج من كلام سالم بن عبد الله .

    وروى جماعة من الأئمة المصنفين -كـالإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي والدارقطني وغيرهم- ما يدل على أنه مدرج من كلام الزهري.

    ولا مانع من هذه الاحتمالات، يعني: كل الأمر فيها واسع؛ لأن المقصود أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فاحتمال أنه من ابن عمر احتمال -في نظري- قوي، واحتمال أن يكون من سالم أو من الزهري وارد أيضاً، المهم أنه مدرج، وقد سبق بيان معنى المدرج.

    قوله: (أصبحت أصبحت) يعني: يحتمل: دخلت في الصباح، ويحتمل قاربت الصباح.

    وقد أطال العلماء في ذكر مشكلة هنا، وهي: أنه إذا كان أصبح فكيف يؤذن بعدما طلع الوقت، ومعنى ذلك: أن الناس يأكلون بعد طلوع الوقت، لكن نقول: إن الأذان لإعلام الناس بدخول الوقت، فلا يكون إلا إذا دخل الوقت، فيكون الأذان مقارناً لأول الوقت، فإذا حصل وحدث الصباح، (كان رجلاً لا يخطئ الوقت) كما ورد في بعض الروايات، يعني: كان يؤذن بمجرد طلوع الفجر، فيرقب الناس له الفجر فإذا بزغ الفجر قالوا له: (أصبحت أصبحت)، يعني: كلهم حريصون فهذا يقول له: أصبحت، وهذا يقول له: أصبحت، فيقوم رضي الله عنه فيؤذن.

    والإدراج الذي في آخره بينته وذكرته.

    فوائد الحديث

    في حديث ابن عمر وعائشة فوائد كثيرة جداً:

    منها: جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد، وهذا سبق مراراً.

    ومنها: جواز أذان الأعمى، وقد قال ابن الزبير وابن مسعود بالكراهية، والصحيح أن هذا يجوز بلا كراهة متى كان الأعمى حافظاً ضابطاً للوقت، أو كان هناك من يخبره.

    ومن فوائد الحديث: جواز الشهادة على الصوت إذا كان معروفاً، مثل أن يشهد على أنه صوت فلان؛ لأن الناس كيف يعرفون أن هذا الأذان أذان بلال أو أذان ابن أم مكتوم ؟ إنما يعرفونه بتميز الصوت، وإن كان الاستدلال بهذا الحديث بالذات فيه بعض النظر لسبب، وهو أن الناس يعرفون أن القسمة منحصرة، يعني: ما هناك أحد يؤذن إلا بلال أو ابن أم مكتوم والالتباس هنا منتف، يعني: لا يمكن أن يلتبس عندهم أذان بلال بأذان ابن أم مكتوم ؛ فلذلك لا يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث بالذات دليل واضح صريح على جواز الشهادة على الصوت، وإن كان الصوت إذا كان معروفاً فهو كغيره من الأشياء الحسية التي يشهد عليها، فكما أشهد أنني رأيت فلاناً يفعل كذا أشهد أنني سمعته يقول كذا ولو لم أره إذا كنت أعرف صوته معرفة يقينية كالشمس.

    ومن فوائد الحديث: أن الصائم يأكل إذا شك في طلوع الفجر؛ وذلك لأن الأصل بقاء الليل، فما لم يتيقن أن الفجر قد خرج فإن له أن يأكل.

    ومن فوائده: قبول خبر الواحد، فإن بلالاً واحد وكذلك عبد الله بن أم مكتوم واحد، ومع ذلك يعتمد ويتعبَّد بقبول خبرهما في تحديد الأذان.

    ومن الفوائد: أنه لا يجوز الأذان قبل الوقت، وهذه بينتها؛ ولذلك احتاج أذان بلال إلى أن يبين.

    ومنها: جواز ذكر الإنسان بالعاهة التي فيه، كما قال: (وكان رجلاً أعمى)، وسماه الله تعالى في القرآن الأعمى، وهذا سيأتي إن شاء الله في الحديث الخاص عن الكنى؛ لأنه مشهور عند المحدثين، يقول: فلان أعمى.. فلان أعور.. فلان أعرج.. فلان الطويل.. فلان القصير.. فلان البطين.. وما أشبه ذلك من الألقاب التي اشتهروا وعرفوا بها وكانوا لا يمانعون من إطلاقها عليهم، وإلا فلو منعوا من ذلك لم يكن ذلك جائزاً.

    ومن الفوائد أيضاً: أنه يجوز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك، كما أطلق على ابن أم مكتوم أنه ابن أم مكتوم، وقد اختلف في اسم أبيه، ومن أشهر ما قيل أنه قيس .

    ومن فوائد الحديث -وهي فائدة عزيزة مهمة-: أن الأذان الأول والثاني في صلاة الفجر متقاربان ليس بينهما فرق كبير؛ ولذلك جاء في رواية في الصحيحين: ( ولم يكن بينهما إلا أن ينزل ذا ويصعد ذا ) يعني: ينزل بلال ويصعد ابن أم مكتوم، فليس بينهما إلا وقت يسير، ربما نقدره بنحو ربع ساعة أو ربما دون ذلك بقليل أو أكثر منه أو أزيد منه بقليل، ومما يدل على ذلك قول النبي عليه السلام: ( ليرجع قائمكم وينبه نائمكم )، معناه: أنه لابد من تنبيه الناس للصلاة بأنها قربت، وكذلك لابد من تنبيه القائم إلى أن ينهي صلاته ليتسحر على عجلة أو ليرتاح قليلاً، فهذا يدل على أنه لم يكن بين الأذان الأول والأذان الثاني فرق كبير، خلافاً لما يفعله الناس عندنا هنا خاصة في رمضان، فإن بعض المؤذنين يجعلون بين الأذان الأول والثاني أحياناً ساعتين وأحياناً أكثر من ذلك، وهذا -في نظري- مخالف للسنة، والأولى أن يكون الأذان الأول لصلاة الفجر قبل الوقت بنحو ربع أو ثلث ساعة أو قريباً من ذلك، أما أن يكون بساعة ونصف أو ساعتين أو ساعتين ونصف أو -ربما- ثلاث ساعات، فهذا -والله تعالى أعلم- ليس هو المعروف من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه.