إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 190-191

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 190-191للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأذان من شعائر الإسلام، وقد شرع في المدينة في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة، والذي رأى رؤيا الأذان اثنان: عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب وقد زاد أحمد في المسند في آخر حديث عبد الله بن زيد قول بلال في أذان الفجر: (الصلاة خير من النوم) وهو ما سمي في بعض الأحاديث بالتثويب، وهو مشروع في أذان الفجر الثاني.

    1.   

    شرح حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في الأذان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    الحديث الأول عندنا هو حديث عبد الله بن زيد، ثم الزيادة التي رواها الإمام أحمد في آخره، ثم حديث ابن خزيمة عن أنس.

    تخريج الحديث وكلام العلماء فيه

    والحديث عزاه المصنف رحمه الله لـأحمد وأبي داود، والحديث رواه أيضاً الترمذي كما يدل عليه قول المؤلف: وصححه الترمذي، أي: أنه أخرجه وقال: حديث حسن صحيح. وكذلك أخرجه ابن خزيمة وصححه، وأخرجه الدارمي في سننه وابن الجارود في المنتقى وابن ماجه، وزاد ابن ماجه في آخره رواية مرسلة عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه أنه كان يقول بعد ذلك شعراً:

    أحمد الله ذا الجلال وذا الإكرام حمداً على الأذان كثيرا

    إذ أتاني به البشير من الله فأكرم به لدي بشيرا

    في ليال وافى بهن ثلاث كلما جاءت زادني توقيرا

    وهي رواية مرسلة ساقها ابن ماجه في آخر الحديث ولا تصح، ليست على شرط الحديث من حيث الصحة، والحديث رواه أيضاً ابن خزيمة -كما أشار المصنف- وقال عقب روايته: سمعت محمد بن يحيى يقول: ليس في أخبار عبد الله بن زيد بن عبد ربه في الأذان خبر أصح من هذا. وهذا -يعني: تصحيح محمد بن يحيى لهذا الحديث- وإن كان لا يدل ضرورة على أنه يصححه، فهو يقول: ليس هناك خبر أصح منه، ولا يلزم من ذلك قطعاً أن يكون صحيحاً، لكنه يومئ إلى ذلك، وقد صح الحديث، صححه جماعة من أهل العلم كما سيأتي.

    وممن خرج الحديث أيضاً ابن حبان في صحيحه والبيهقي.

    وإذا أردنا أن نعرف من صحح الحديث، فممن صححه -كما سبق- الترمذي، قال: (حسن صحيح) عقب روايته.

    وكذلك نقل الترمذي تصحيح الحديث عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، يقول -كما في كتاب العلل الكبير للترمذي، وهو مطبوع منفرد العلل الكبير للترمذي - قال: سألت محمد بن إسماعيل عن حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في الأذان، فقال: هو عندي صحيح. يعني البخاري قال: هو عندي صحيح. وكذلك ابن خزيمة قال: هو حديث صحيح من جهة النقل، وأخرجه في صحيحه، ونقل كلمة محمد بن يحيى كما أسلفت قبل قليل، وهي قوله: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في الأذان خبر أصح من هذا.

    وممن صححه أيضاً ابن حبان، فإنه أخرجه في صحيحه، وهذا يعني تصحيحه له، وكذلك صححه الإمام الدارقطني والشوكاني في السيل الجرار وغيرهم من أهل العلم.

    والحديث رجاله ثقات، إلا أن في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السير والمغازي، وقد سبق معنا مراراً أنه صدوق مدلس، فحديثه حسن، وقد صرح بالتحديث ابن إسحاق في هذا الحديث، فحديثه حسن لذاته ولكنه صحيح لشواهده، فإنه جاء لحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في الأذان شواهد عديدة، أحسنها وأصحها حديث أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من الأنصار، وفيه ذكر القصة، قصة الحديث بتمامها تقريباً، وفيه: [ أن عبد الله بن زيد ذهب إلى بيته وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأري الأذان في المنام ]، وفيه أيضاً: ( أن عمر لما سمع الأذان في بيته جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أري الأذان أيضاً فكتمه عشرين يوماً ).

    وحديث أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار رواه أبو داود والبيهقي، وقال ابن حجر في فتح الباري : إسناده صحيح. وهو كما قال؛ فإن رجال الإسناد ثقات لا مطعن في أحد منهم، وبه يرتقي حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه -حديث الباب- من كونه حسناً لذاته لحال محمد بن إسحاق إلى كونه صحيحاً لغيره.

    كما أن من شواهد حديث الباب مرسل عن سعيد بن المسيب رواه عبد الرزاق والبيهقي، وشاهده الثالث أيضاً مرسل عن الشعبي، رواه إسحاق بن راهويه في مسنده كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في كتاب المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، وفي النسخة المسندة من كتاب المطالب العالية -وهي نسخة لا تزال مخطوطة ذكرت فيها تلك الأحاديث بالأسانيد- قال ابن حجر : وهذا مرسل صحيح، وهو شاهد جيد لحديث محمد بن إسحاق الذي في السنن.

    إذاً: الحديث حسن لذاته صحيح لغيره باختصار.

    الحديث طويل في بعض المصادر كما في سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد، وفيه: ( أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تشاوروا فيما ينادون به إلى الصلاة، فقال بعضهم: نتخذ قرناً أو بوقاً مثل بوق اليهود، وقال آخرون: بل ناقوساً مثل ناقوس النصارى، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم اختار الناقوس على كره منه، قال: ثم انصرفنا، فبينا أنا نائم إذ مر بي رجل يحمل معه ناقوساً، فقلت: يا عبد الله! أتبيع هذا؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ننادي به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ قلت: بلى. قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر -وذكر الأذان المعروف إلى آخره- قال: ثم استأخر عني قليلاً -رجع إلى الوراء- ثم قال: وتقول في الإقامة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله -وذكر الإقامة المعروفة أيضاً-. قال: فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: إنها لرؤيا حق ) .

    ( إنها لرؤيا حق، قم فألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً. قال: فقمت فألقيته على بلال فأذن به، فلما سمعه عمر وهو في بيته أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه، ويقول: يا رسول الله! والله لقد رأيت الذي رأى -وكأن عمر علم بخبر الرؤيا- فقال: والله -يا رسول الله- لقد رأيت الذي رأى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله، الحمد لله ).

    معاني ألفاظ الحديث

    هذا سياق الحديث، وفيه كلمات -سواء في أصل سياقه أو في اللفظ الذي ساقه المصنف مختصراً- تحتاج إلى شرح، منها: ذكر الناقوس، فإن الناقوس هو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، فالخشبة الطويلة تسمى الناقوس، والخشبة الصغيرة التي تضرب بها تسمى الوبيل كما ذكر ذلك الأزهري في تهذيب اللغة وغيره من علماء اللغة، هذا هو الناقوس، وكانت النصارى تستخدمه في النداء إلى صلواتها وعباداتها.

    أما البوق فهو القرن، وهو شيء مجوف مثل القمع ينفخ فيه فيحدث زمراً وصوتاً، وكانت اليهود أيضاً تستخدمه في الدعاء إلى عباداتها وصلواتها.

    هذا معنى ذكر الناقوس وذكر القمع، فهي أشياء يدعو بها أهل الكتاب إلى صلواتهم بدون ذكر معها، ليسوا يذكرون الله فيها أو ما أشبه ذلك كما يتوهم بعض الجهلة، كلا، وإنما يضربون بهذه الخشبة على الأخرى للنداء إلى الصلاة.

    أما بالنسبة لليهود فهم ينفخون مثل الصفير -مثلاً- أو مثل نوع من الموسيقى، ينفخون ينادون به إلى صلواتهم، وقد وجد في المسلمين من يضاهيهم، كما رأينا في بعض بلاد الإسلام في المساجد طبولاً عظيمة، فسألنا: لماذا هذه؟! قالوا: ينادى بها إلى الصلاة؛ فإن المؤذن إذا أراد أن يؤذن أتى وبدأ يضرب هذا الطبل العظيم ضرباً شديداً يسمع على مسافة بعيدة، فقلنا: ولماذا؟ قالوا: لأن المؤذن لا يرى الأذان بالميكروفون؛ لأنه بدعة الميكروفون! هذا في أندونيسيا، فيضطر إلى هذا الطبل حتى يبلغ من لم يبلغه الأذان. وهذا من الانتكاس في المفاهيم، وأحياناً تقول العرب: شر البلية ما يضحك.

    أما قوله: (طاف بي وأنا نائم رجل) فمعنى الطواف: طاف يطيف، أي: إشارة إلى الخيال الذي يلم به عند النوم.

    وأما الدوران فيقال: طاف يطوف، كما تقول: طاف بالكعبة يطوف بها، أي: يدور حولها.

    أما الإحاطة إذا كان هناك شيء محيط بشيء مثل جدار أو غيره فإنك تقول: أطاف يطيف.

    إذاً: هناك فرق بين طاف يطيف هذا يستخدم للطيف الذي يلم بالإنسان عند النوم أو السِنة، أما طاف يطوف فيستخدم للدوران، أما أطاف بهمزة التعدية -أطاف يطيف- فهذا يستخدم في الشيء المحيط بشيء آخر.

    [(فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر). فذكر الأذان بتربيع التكبير] هذا من كلام المصنف رحمه الله: (بتربيع التكبير) أي: أنه يقول في أول الأذان التكبير أربع مرات: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.

    بغير ترجيع، والترجيع مأخوذ في اللغة من الرجوع إلى الشيء بعد تعديه وتجاوزه.

    والترجيع في الأذان: هو أن المؤذن يقول الشهادتين بصوت منخفض ثم يعود مرة أخرى فيصوت بهما، فيقول -مثلاً-: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. ثم يقول بصوت منخفض يسمعه من حوله فقط: أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله .. أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يعود مرة أخرى فيصوت بصوت مرتفع: أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن لا إله إلا الله، وهكذا شهادة أن محمداً رسول الله. هذا هو المقصود بالترجيع في الأذان، وقد ثبت ذكر الترجيع في الأذان وأنه مشروع في حديث أبي محذورة في صحيح مسلم، وسيأتي خبره إن شاء الله تعالى. هذا معنى الترجيع.

    قول المصنف رحمه الله: [والإقامة فرادى] يعني: أن ألفاظ الإقامة فردية، وليس هذا على إطلاقه، فإنه يحتمل أحد أمرين: إما أن يكون المقصود بقوله: (والإقامة فرادى) أي: في غالب ألفاظها بأنه يقول الشهادتين كل واحدة منهما على انفراد، وكذلك: (حي على الصلاة .. حي على الفلاح) يقولها كل واحدة منها على انفراد، والتكبير في الأخير يقوله على انفراد، فيحتمل أن قوله: (والإقامة فرادى) أي: في غالب ألفاظها.

    ويحتمل معنى آخر، وهو أن قوله: (والإقامة فرادى) أي: بالنسبة للأذان، فكأنه جعل قول المؤذن -مثلاً- في أول الأذان: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) جعل كل تكبيرتين كأنهما شيء واحد، فالمقيم أخذ واحدة منهما، وإن كانت تكبيرتين مكونة من لفظين، لكنها واحدة بالقياس إلى الأذان، ولذلك قال النووي -رحمه الله- في المجموع : ولهذا قال أصحابنا: يستحب أن يجمع التكبيرتين بنفس واحد، هكذا قال النووي عن فقهاء الشافعية، قال: يستحب أن يجمع التكبيرتين بنفس واحد، فيقول: الله أكبر الله أكبر، يعني في الأذان، وكأنهما جملة واحدة، فيكون قوله: (والإقامة فرادى) أي: بالنسبة إلى الأذان، وإلا فلفظ التكبير مثنى.

    وكذلك قوله: (قد قامت الصلاة) فإنه مثنى، ولكنه قد استثناه في هذا الحديث كما استثناه في حديث أنس بن مالك في الصحيح: ( أُمر بلال

    أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة )، يعني: إلا قوله: (قد قامت الصلاة) فإنه يكرر مرتين، فيقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة؛ وذلك لأنه هو المقصود بالإقامة، يعني: هو لب الإقامة كما سيأتي.

    قال: ( فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها لرؤيا حق... ) إلى آخر الحديث. هذه أهم الألفاظ التي تحتاج إلى بيان في هذا الحديث.

    ترجمة راوي الحديث

    بالنسبة لصحابي الحديث هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدراً، فهو عقبي بدري، وشهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى خبر الأذان، وله أحاديث أخرى، لكن لا يصح له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خبر الأذان، كما قال البخاري عنه: لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خبر الأذان. ومقصود البخاري : أنه لم يثبت، وإلا فقد روي عنه أحاديث لكن لا تصح، ولهذا قال -أيضاً- ابن عدي : لم يثبت له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خبر الأذان. أو: لا نعرف له شيئاً يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خبر الأذان.

    وقد جمع الحافظ ابن حجر -كما ذكر- في تهذيب التهذيب جمع مجموع روايات ذكرت عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه غير خبر الأذان في جزء منفرد، وأشار ابن حجر إلى أنه لا يصح منها شيء.

    إذاً: الخبر الوحيد الذي صح عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خبر الأذان، أما بقية الأخبار فإنها لا تصح، وقد روى الإمام أحمد وغيره شيئاً من هذه الأخبار، يراجع في المسند .

    وقد تأخرت وفاة عبد الله بن زيد بن عبد ربه، فتوفي عام (32) للهجرة كما ذكر ذلك يونس بن بكير وخليفة بن خياط وغيرهما من المؤرخين، وهذا هو الراجح أنه توفي سنة (32) للهجرة وتأخرت وفاته. وهو غير عبد الله بن زيد الذي سبق معنا في حديث صفة الوضوء، فصاحب صفة الوضوء هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وكلاهما أنصاري، هو وصاحب الأذان كلاهما من الأنصار، لكن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني صاحب صفة الوضوء ذكر الواقدي أنه هو الذي قتله مسيلمة الكذاب في قصة معروفة عند أهل السير.

    هذا فيما يتعلق براوي الحديث.

    فوائد الحديث

    الحديث فيه فوائد عديدة: الفائدة الأولى منها: بيان أين شرع الأذان؛ فإن الحديث صريح في أن الأذان شرع بـالمدينة المنورة، وقد جاءت روايات أخرى: أن الأذان شرع بـمكة ولا يصح منها شيء، كما ذكر الحافظ ابن حجر

    في فتح الباري . الفائدة الثانية: بيان متى شرع الأذان، فإن الصحيح أنه شرع وأن هذه القصة -قصة الرؤيا- حدثت في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: بل إن الأذان كان في أول الإسلام وأول ما فرضت الصلاة، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأذان من جبريل ليلة المعراج، وأيضاً قال الحافظ ابن حجر

    : والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأخبار، وقد جزم ابن المنذر

    -والكلام لا يزال لـابن حجر

    - قال: وقد جزم ابن المنذر

    بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينادي للصلاة منذ أن بعث إلى أن هاجر إلى المدينة . إذاً: فالصحيح أن الأذان شرع في المدينة في السنة الأولى من الهجرة. والفائدة الثالثة: بيان من رأى رؤيا الأذان، فإن الحديث في رواياته صريح في أن الذي رأى رؤيا الأذان هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه

    ، والثاني الذي رأى الرؤيا عمر بن الخطاب

    ، ولا يصح غير هذا، فقد ذكر بعضهم: أن أبا بكر رأى الرؤيا، وذكر آخرون أن بلالاً

    رآها، بل ذكر الغزالي أبو حامد

    وغيره من الفقهاء: أن من رأوا هذه الرؤيا -رؤيا الأذان- سبعة من الصحابة، بل أوصلهم بعضهم إلى أربعة عشر صحابياً، وهذا كله لا يصح، أنكره النووي

    وابن الصلاح

    وابن حجر

    وغيرهم من أهل العلم، لا يثبت أن أحداً من الصحابة رأى رؤيا الأذان إلا عبد الله بن زيد بن عبد ربه

    وعمر بن الخطاب

    رضي الله عنهم أجمعين. ومن فوائد الحديث: بيان صفة الأذان، وهي الصفة المذكورة في الحديث، وهي صفة الأذان الموجودة في بلادنا هذه، وكذلك للأذان صفات أخرى سيأتي الإشارة إلى بعضها. ومن فوائده: بيان صفة الإقامة، وهي -أيضاً- إحدى صفات الإقامة، وهي الإقامة المعروفة في هذه الديار ثابتة في السنة، وقد جاءت الإشارة إلى صفات أخرى ثبتت أيضاً في السنة غير تلك الصفات. ومن فوائد الحديث: بيان الرؤيا الصالحة، وذلك فيما رآه عمر

    ثم عبد الله بن زيد

    . وهل يدل الحديث على أن الرؤيا الصالحة قد يثبت بها شرع؟ هذا سؤال. الحديث دليل على فضل الرؤيا الصالحة، حتى قال الرسول عليه السلام: ( إنها لرؤيا حق ) وهي الموافقة، لكن هل يدل الحديث على أنه يثبت بالرؤيا شرع؟ لا يدل الحديث على أن الرؤيا يثبت بها شرع، لا يثبت الشرع إلا بالكتاب أو السنة، أما الرؤيا فلا يثبت بها شرع، وإنما ثبوت الأذان هنا بإقرار الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكفي أنه قال: ( إنها لرؤيا حق ) وأمر بالتأذين، وأما الرؤيا فلها كلام آخر، مر شيء منه، وسيمر في درس ليلة الإثنين إن شاء الله تعالى، والكلام في الرؤيا وهل يثبت بها تشريع مر شيء منه. كما أن في الحديث من الفوائد: بيان أن من دلالات صدق الرؤيا أن تتواطأ، يعني: أن يتفق اثنان أو أكثر على أن يروا شيئاً معيناً في المنام، فهنا رآه ابن زيد

    ورآه عمر

    ، ونظير ذلك ما ثبت في الصحيح في خبر ليلة القدر، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أرى رؤياكم قد تواطأت، فمن كان متحريها -أي: ليلة القدر- فليتحرها في السبع الأواخر ) . ومن فوائد الحديث: أنه يختار للأذان الأندى صوتاً؛ لأن الرسول عليه السلام قال لـعبد الله بن زيد

    : ( قم مع بلال

    فألقه عليه؛ فإنه أندى منك صوتاً ). ومن فوائد الحديث: جواز اجتهاد الرسول عليه الصلاة والسلام فيما لم ينزل عليه فيه نص ولا وحي ولا تشريع؛ فإنه صلى الله عليه وسلم اجتهد في أول الأمر في اختيار الناقوس، وهو له كاره كما جاء في بعض الروايات، ثم بعد ذلك أقر هذه الرؤيا وأمر بالتأذين، فهو دليل على ما ذهب إليه كثير من الأصوليين من جواز وقوع الاجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه فيه. ومن فوائد الحديث: جواز التلقين في الأذان، يعني: يجوز أن يؤذن إنسان قد يكون نسي الأذان أو حديث عهد بإسلام فلا يحفظه، فيلقن الأذان كلمة كلمة، فهذا الحديث دليل على جواز ذلك. ومن فوائده أيضاً: كراهية الإسلام للتشبه بالمشركين، وأن التشبه بهم فيما هو من خصائصهم حرام؛ وذلك لأن الله تعالى عوض المسلمين عن بوق اليهود وناقوس النصارى بهذه الكلمات المشروعات.

    1.   

    شرح حديث أذان بلال بـ (الصلاة خير من النوم)

    اللفظ الآخر في الحديث: يقول المصنف رحمه الله: وزاد أحمد في آخره قصة قول بلال في أذان الفجر: ( الصلاة خير من النوم ). ‏

    تخريج الحديث

    في هذا اللفظ الذي ذكره المصنف رحمه الله استدرك عليه الإمام الصنعاني في كتاب سبل السلام، فإن الصنعاني في سبل السلام لما ذكر زيادة أحمد هاهنا قال: إن ظاهر كلام المصنف يدل على أنها من حديث عبد الله بن زيد، وإنما رواها الإمام أحمد وغيره من حديث بلال وبإسناد ضعيف منقطع، فكان على المصنف أن يبين ذلك -والكلام لا يزال للصنعاني - وليست الرواية من حديث عبد الله بن زيد، وإنما هي من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى كما سلف عن بلال .

    إذاً: الصنعاني في سبل السلام تعقب المصنف من وجهين:

    الوجه الأول: أن قوله: وزاد أحمد في آخره قصة قول بلال، يقول: هذا ليس من الحديث، وإنما هو حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال . هذا استدراك.

    الاستدراك الثاني: أن الصنعاني يقول: إن هذا الحديث -الذي هو حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال - ضعيف ومنقطع، وكان على المصنف أن يبين ضعفه وانقطاعه كما هي عادته.

    وهذا الذي ذكره الصنعاني رحمه الله ليس مسلماً ولا جيداً؛ فإن الصواب مع المصنف فيما ذكر، فإن الإمام أحمد وغيره رووا قصة قول بلال من نفس حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه ؛ فإنهم ذكروا في الحديث السابق نفسه -حديث عبد الله بن زيد - قال: ( فذهب بلال

    يؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ذات غداة لصلاة الفجر، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم، فصرخ بلال

    : الصلاة خير من النوم، الصلاة خير النوم. قال سعيد بن المسيب

    : فاستحسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيدت في أذان الفجر
    ) .

    إذاً: الزيادة هي من حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وليست من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال كما توهمه الصنعاني فيما ظهر لي من كلامه.

    لكن هذه الزيادة ضعيفة، فهي من رواية محمد بن إسحاق وقد عنعنها ولم تثبت -فيما أعلم- متصلة، كما أنه خالف محمد بن إسحاق غيره كـيونس ومعمر، فرويا الحديث مرسلاً وبدون هذه الزيادة.

    إذاً: فالزيادة هاهنا لا تصح؛ لأنه تفرد بها ابن إسحاق كما سلف، تفرد بها ابن إسحاق عن الزهري، وخالفه فيها غيره فرووه مرسلاً، يعني: لم يذكروا فيه عبد الله بن زيد ولم يذكروا تلك الزيادة.

    فالزيادة -على كل حال- لا تصح متصلة إلى عبد الله بن زيد، وهذا الذي رجحه جماعة من أهل العلم كـالبيهقي في سننه والحافظ ابن حجر كما في الفتح، قال: الرواية المرسلة أرجح.

    شواهد الحديث

    للحديث شاهد، يعني: الزيادة التي ذكرها المصنف وأشار إليها: ( أن بلالاً

    جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فصرخ: الصلاة خير من النوم
    ) له شاهد رواه ابن ماجه في سننه عن سعيد بن المسيب عن بلال، وهذا الشاهد فيه علتان:

    العلة الأولى: الانقطاع؛ فإن سعيد بن المسيب لم يلق بلالاً ولم يرو عنه، فالرواية الصحيح أنها مرسلة، وبذلك تكون رجعت إلى الرواية الأولى، فهي الأولى وليست شاهداً لها، إنما قد يظن أنها شاهد.

    العلة الثانية: أن هذا شاهد وفيه علة الإرسال كما ذكرت، فيه علة الإرسال، فيعود إلى الأول، فلا يزيده قوة وإنما هو هو.

    أما حديث بلال الذي أشار إليه الصنعاني فهو يشير إلى قوله رضي الله عنه: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أثوب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر ).

    هذا حديث بلال الذي توهمه الصنعاني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال: ( نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في شيء من الصلوات إلا صلاة الفجر ) .

    وهذا الحديث أيضاً لا يصح، حديث نهي بلال عن التثويب إلا في صلاة الفجر أيضاً لا يصح؛ لانقطاعه بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وبلال أولاً، فهو مرسل على الصحيح، ولأن فيه أبو إسرائيل الملائي بضم الميم، الملائي نسبة إلى بيع الملاء وهي العباءة أو نوع من الثياب أو نحوها، وأبو إسرائيل الملائي هذا ضعيف عند جمهور المحدثين ومنحرف عن عثمان رضي الله عنه، ففيه بدعة، ولذلك قال الإمام أمير المؤمنين في الحديث عبد الله بن المبارك، قال: إن من نعمة الله على المسلمين ضعف حفظ أبي إسرائيل الملائي . يعني: لأنه صاحب بدعة لئلا يغتر الناس به، فهو كما قال الجوزجاني : ضعيف زائغ. مشيراً إلى أنه صاحب بدعة، نقل عنه أنه يسب عثمان رضي الله عنه.

    إذاً: حديث أن بلالاً نهى أن يثوب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر لا يصح.

    معاني التثويب

    قوله: ( أن يثوب ) ما المقصود بالتثويب؟ التثويب في أصل لغة العرب يطلق على الرجوع إلى الشيء، فتقول: ثاب، أي: رجع، ثاب فلان إلى رشده أي: رجع، ومنه الثواب، فلان له ثواب -مثلاً- على فعله، أو من فعل كذا فله ثواب أي: أنه عائد عمله الصالح، هذا معنى التثويب في الأصل.

    ويطلق التثويب في الأذان على ثلاثة معان:

    المعنى الأول: أن يقصد بالتثويب أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وهذا الذي فسره به الإمام أحمد، كما ذكر ذلك الترمذي، وهو التثويب المشروع، أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، هذا التعريف الأول أو النوع الأول من التثويب، وهو مشروع.

    النوع الثاني: هو أن يقول بين الأذان والإقامة بعض ألفاظ الأذان، فإذا انتهى المؤذن من الأذان وانتظر قليلاً قام مرة أخرى وقال: حي على الصلاة حي على الفلاح وما أشبه ذلك، يعني: تنبيهاً للناس كأنه يقول: أسرعوا إلى الصلاة تأخرتم أسرعوا. هذا المعنى الثاني للتثويب وبه فسره إسحاق، وهذا التثويب بدعة لم يرد في شيء من السنن، ولذلك نقل: (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه دخل مسجداً فقام المؤذن يثوب للصلاة -يعني: ينادي لها مرة أخرى بعد الأذان-. فخرج عبد الله بن عمر وقال: (أخرجتني البدعة من هذا المسجد) رضي الله عنه، كانوا شديدي الحساسية من البدع وشديدي الغيرة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا التثويب المبتدع قال بعض الحنفية بأنه مشروع في كل الصلوات أو بعضها، أو للأمير خاصة إذا تباطأه المؤذن فإنه يقول: السلام عليك -أيها الأمير- ورحمة الله وبركاته، الصلاة، الصلاة، حي على الصلاة حي على الفلاح، وهذا لا أصل له في الدين كما سلف، وإن قاله بعض الفقهاء وأثبتوه في مصنفاتهم.

    المعنى الثالث للتثويب: هو الإقامة، الإقامة تسمى تثويباً؛ لأنها رجوع مرة أخرى إلى النداء للصلاة بعد الأذان، وقد سميت تثويباً كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، فإذا قضي التأذين رجع، فإذا ثوب بالصلاة أدبر )، ما معنى (فإذا ثوب بالصلاة)؟

    أقيمت الصلاة، ( أدبر، فإذا قضى التثويب رجع حتى يخطر بين الإنسان وبين نفسه ).

    حكم التثويب في صلاة الفجر

    والحديث يدل على مشروعية: (الصلاة خير من النوم)، وسيأتي في الحديث الذي بعده وهو ما رواه ابن خزيمة عن أنس رضي الله عنه قال: (من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي علي الفلاح قال: الصلاة خير من النوم).

    والحديث رواه ابن خزيمة -كما ذكر المصنف- في صحيحه، ورواه البيهقي أيضاً في سننه وزاد: ( الصلاة خير من النوم مرتين )، وقال البيهقي : إسناده صحيح. ورواه أيضاً الدارقطني وابن السكن وغيرهم، وقد صحح الحديث جماعة من أهل العلم منهم البيهقي كما أسلفت، قال: إسناده صحيح، ومنهم ابن السكن أيضاً كما أسلفت، رواه في صحيحه، ومنهم ابن سيد الناس في شرحه للترمذي وغيرهم من أهل العلم، والحديث سنده جيد.

    وقد صح التثويب في صلاة الفجر عن جماعة من الصحابة كـعمر وابن عمر وأنس بن مالك وبلال وأبي محذورة، وجماعة من التابعين كـالحسن البصري وابن سيرين، وكثير من أهل العلم كالإمام أحمد ومالك والشعبي والثوري وغيرهم، وهو مذهب الجماهير، وقد نقل الإمام النووي في المجموع أنه خالف في ذلك أبو حنيفة فقال: لا يشرع التثويب في الصلاة. وأنا في شك من هذا النقل ويحتاج إلى تثبت ما نقله النووي عن أبي حنيفة أنه خالف في مشروعية التثويب، وأعني بالتثويب الذي هو قول: (الصلاة خير من النوم) في أذان الفجر، فالمشهور عند الحنفية أنه مشروع، فهم في ذلك كغيرهم من المذاهب.

    وممن قال بمشروعية التثويب أيضاً داود الظاهري والظاهرية عموماً وإسحاق بن راهويه وفقهاء الحديث وغيرهم من أهل العلم.

    حكم التثويب في غير صلاة الفجر

    هل يستحب التثويب في غير صلاة الفجر؟ كلا، لا يستحب التثويب في غير صلاة الفجر عند الجماهير وهو الصحيح، خلافاً لمن قال: إنه يستحب في جميع الأوقات كـالنخعي، فإن النخعي قال: يشرع التثويب في جميع الأوقات، فالله أعلم إن كان النخعي يقصد بالتثويب النداء مرة أخرى بين الأذان والإقامة، وليس يقصد (الصلاة خير من النوم)؛ لأنه لا يناسب أن يقال في صلاة الظهر -مثلاً-: الصلاة خير من النوم أو في صلاة المغرب، فالناس ليسوا بنوم حتى يقال لهم ذلك، فالأقرب أن مقصوده بالتثويب يعني: النداء بين الأذان والإقامة، وهو مشهور عند بعض الفقهاء فقهاء الكوفة، مشهور عند بعضهم أنه يشرع النداء مرة أخرى كما شرحت سابقاً.

    وكذلك نقل عن الحسن بن صالح أنه قال: يشرع التثويب أيضاً في صلاة العشاء؛ لأن بعض الناس قد ينام عنها، وهذا الذي نقل عن الحسن بن صالح يحتمل -والله أعلم- أنه يقصد النداء بقوله: الصلاة خير من النوم، بدليل أنه ذكر النوم عن صلاة العشاء.

    على كل حال الصحيح الذي لا إشكال فيه أنه لا يشرع التثويب بـ(الصلاة خير من النوم) إلا في أذان الفجر.

    الأقوال فيما يشرع فيه التثويب من أذاني الفجر

    في أي الأذانين يشرع التثويب (الصلاة خير من النوم)؟ هل في أذان الفجر الأول أم في أذان الفجر الثاني؟

    اختلف أهل العلم في النداء بـ (الصلاة خير من النوم) هل يكون في أذان الفجر الأول الذي قبل الوقت ( إن بلالاً يؤذن بليل )، أم يكون في أذان الفجر الثاني الذي هو النداء للصلاة بعد دخول الوقت ( فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت ).

    القول الأول: أنه في الأذان الأول وأدلته

    اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن النداء بـ (الصلاة خير من النوم) إنما هو في أذان الفجر الأول الذي يكون قبل الوقت، أي: أن الذي كان ينادي بذلك من مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال؛ لأنه هو الذي يؤذن الأذان الأول، واستدل هؤلاء على أنه يشرع، وهذا القول في كتاب الطحاوي شرح معاني الآثار ما يدل أو يلمح إلى أنه هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ؛ لأنه نقل الحديث الذي فيه أن التثويب في الأذان الأول، وقال: هذا رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وهذا أيضاً الذي جعلني أشك فيما نقل عن أبي حنيفة من إنكار التثويب في صلاة الفجر؛ أن نقل الطحاوي عنهم أنهم يرون مشروعية التثويب، ولكن على أن يكون في الأذان الأول ولم يصرح الطحاوي بهذا، وكذلك نقل الصنعاني عن ابن رسلان شارح سنن أبي داود وأيده الصنعاني : أنه يشرع التثويب في الأذان الأول، ورجح هذا القول الشيخ الألباني من المعاصرين، كما في كتاب تمام المنة في التعليق على فقه السنة، رجحه بصورة حاسمة وجازمة، وإن كان الأمر لا يحتمل ذلك الحسم وذاك الجزم.

    واستدل هؤلاء على أنه يشرع في الأذان الأول من صلاة الفجر بأدلة، منها:

    أولاً: حديث ابن عمر رضي لله عنه أنه قال: ( كان في الأذان الأول بعد الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين )، والحديث رواه البيهقي والطحاوي وسنده حسن، حسنه جماعة من أهل العلم كـابن حجر والشوكاني، وصححه آخرون كـابن سيد الناس وغيره.

    حديث ابن عمر عند البيهقي : ( كان في الأذان الأول بعد الفلاح والصلاة خير من النوم ) فهذا ليس نصاً، لكن ظاهره أن المقصود الأذان الأول من الفجر الذي يكون قبل الوقت.

    ومن أدلتهم أيضاً حديث أبي محذورة عند أبي داود والنسائي وغيرهما قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه الأذان وأمره أن يقول: الصلاة خير من النوم في الأذان الأول من الصبح ) . وحديث أبي محذورة هذا عند أبي داود والنسائي في سنده ضعف، فيه مجاهيل، فهو لا يصح، وبالتالي لا يصح الاستدلال به. هذا القول الأول وهذه أدلته، وتبقى لهم من الأدلة حديث ابن عمر عند البيهقي والطحاوي كما أسلفت.

    القول الثاني: مشروعية التثويب في أذاني الفجر

    والقول الثاني: أن النداء بـ (الصلاة خير من النوم) يشرع في الأذانين كليهما، وهذا ظاهر إطلاق كثير من الفقهاء، كعامة الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم، يقولون: يشرع التثويب في أذان الصبح، ولا يحددون هل هو الأول أم الأخير، ويحتمل أنه يشرع في كليهما التثويب.

    وقريب من هذا القول من قال: يشرع في أحدهما لا على التعيين، يعني: يجوز له أن يثوب بالأذان الأول ويجوز له أن يثوب بالأذان الثاني، وهذا -كما ذكرت- هو ظاهر إطلاق كثير من الفقهاء، وعلى مدى القرون الأولى لم يكن كثير من الناس يميز أين يوضع هذا النداء، هل يوضع في الأذان الأول أم يوضع في الأذان الثاني، وإنما ظهرت هذه القضية عند المتأخرين أكثر من المتقدمين، وقد اختار هذا القول في التخيير من فقهاء نجد المتأخرين الشيخ علي بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد الدعوة السلفية في الجزيرة العربية، كما في مجموعة الرسائل النجدية الجزء الأول، حيث قال في فتوى له: إن الأمر عندنا على السعة، فإن نادى بها في الأذان الأول فحسن، وإن نادى بها في الأذان الثاني فحسن، والأولى لمن أراد الاقتصار على أحدهما أن يجعلها في الأذان الأول، الأولى لمن أراد الاقتصار على أحدهما -يعني: على أحد الأذانين- أن يجعلها في الأذان الأول، ثم بين اختياره أنها تقال في الأذانين كليهما، قال: وأحسن من ذلك أن تجمع في الأذانين كليهما فينادى في الأذان الأول وفي الأذان الثاني أيضاً: الصلاة خير من النوم. هذا اختياره جمعاً بين الأدلة وتوفيقاً بين النصوص.

    القول الثالث: مشروعية التثويب في الأذان الثاني وأدلته

    والقول الثالث في المسألة: هو أن النداء بـ (الصلاة خير من النوم) إنما يكون في الأذان الأخير، وهذا هو المعمول به في سائر الأمصار، وهو القول المشهور، وهو الأقرب -أيضاً- للصواب للأدلة التالية:

    أولاً: لأن إطلاقهم أنه يكون في أذان الصبح فإن المقصود بالأصل في الأذان النداء إلى الصلاة كما سبق، والأذان الأول ليس للنداء إلى الصلاة، وإنما بين الرسول صلى الله عليه وسلم حكمته بقوله: ( إن بلالاً يؤذن بليل ليرجع قائمكم وينبه نائمكم )، فهو أذان لغرض آخر غير الدعوة إلى الصلاة، فإذا قيل: أذان الصبح فالأولى حمله على الأذان الحقيقي الذي هو الأذان الثاني الذي هو بعد دخول الوقت، هذا دليل.

    الدليل الثاني: ما رواه البيهقي في سننه بسند صحيح عن نعيم بن النحام قال: ( كنت في لحاف امرأتي أو في مرط امرأتي في غداة باردة -الرجل رضي الله عنه متلفلف مع زوجته في لحافها في غداة باردة- قال: فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر، قال: فقلت: لو قال: ومن قعد فلا حرج )، يعني: تمنى أن يعطى الناس رخصة في عدم الخروج؛ لأن الجو بارد وهو في الحال الذي ذكر رضي الله عنه، قال: ( فلما قال: الصلاة خير من النوم قال: ومن قعد فلا حرج، ومن قعد فلا حرج )، وهذا الحديث -كما أسلفت- صححه الحافظ ابن حجر، سنده صحيح وصححه الحافظ في فتح الباري .

    الحديث يدل من وجوه عديدة على أن (الصلاة خير من النوم) تكون في الأذان الثاني:

    أولاً: قوله: (في غداة) لأن الغداة تطلق على ما بعد طلوع الفجر وقبل الزوال، في الغداة والعشي، فالغداة ما بعد الفجر إلى الزوال، والعشي هو ما بعد الزوال، هذا دليل.

    ثم قوله: (نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر) دليل على أن ذلك النداء كان دعاء إلى الصلاة، وهذا إنما يصدق على الأذان الثاني لا على الأذان الأول.

    الوجه الثالث في الحديث قوله: (لو قال: ومن قعد فلا حرج، ثم قال المؤذن: ومن قعد فلا حرج) فإن المناسب لهذه الكلمة هو الأذان الثاني؛ لأنه هو الذي يخرج الناس بعده إلى المسجد، فيقال لهم: من قعد منكم في بيته وصلى في بيته لشدة البرد فلا حرج عليه في ذلك.

    وربما يستدل أيضاً أصحاب هذا القول بحديث الباب الذي ذكره الإمام أحمد في آخر حديث عبد الله بن زيد وفيه: ( أن بلالاً لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجده نائماً فصرخ: الصلاة خير من النوم )، وإن كان في الحديث ضعف كما أسلفت، والصواب أنه مرسل، ولكن يستدل به على ذلك بأن من المجزوم به -بلا شك- أن بلالاً كان يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعوه إلى صلاة الفجر بعد الأذان الثاني، وكان صلى الله عليه وسلم يضطجع أحياناً في ذلك الوقت، وهذا معروف في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما. فهذا هو القول الأقوى.

    الجواب عن حديث ابن عمر في التثويب في الأذان الأول

    وأما ما ورد في حديث ابن عمر أنه في الأذان الأول، ( يقول في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم )؛ فهذا يحمل على محامل، أحسنها: أن المقصود بالأذان الأول هو الأذان الذي بعد الوقت، فهو أول في القياس بالنسبة إلى الإقامة؛ لأن الإقامة أذان كما هو معروف: ( بين كل أذانين صلاة ) كما في الصحيحين، يعني: بين كل أذان وإقامة صلاة. فقوله: (في الأذان الأول) يعني: في الأذان الذي بعد الوقت ولكنه أول بالنسبة إلى الإقامة، هذا هو الأقوى.

    والرأي الغريب في الأمر أن الشيخ الألباني -غفر الله لنا وله- في تمام المنة قال: إن هذا من البدع المخالفة للسنة، كون (الصلاة خير من النوم) في الأذان الثاني، وهذه في الواقع مجازفة لا تنبغي من مثل الشيخ في جلالة قدره وعظيم منزلته، لكن لكل جواد كبوة.

    والله تبارك وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.