إسلام ويب

المداومة على الطاعاتللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت نصوص الشرع المطهر بالأمر بعبادة الله، والاستقامة على شرعه، التي ليس لها غاية ولا نهاية إلا عند الموت.

    ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على المداومة على الطاعات، وكان هذا دأبه صلى الله عليه وسلم ودأب صحابته من بعده وسلف هذه الأمة.

    1.   

    الحث على المداومة على الأعمال الصالحة

    الحمد لله الذي برحمته يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، أحمده تعالى وأشكره على جزيل العطايا والهبات.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مبدع الخلق وبارئ النسمات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى كل البريات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم العرض على رب الأرض والسماوات، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعـد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره والبعد عن زواجره مدة مقامكم، وطيلة وجودكم في هذه الحياة، واشكروه -جلَّ وعلا- أن هداكم للإسلام، ووفقكم لإتمام عدة الصيام، وعلى ما تنعمون به هذه الأيام من أيام عيد الفطر المبارك.

    عباد الله: لقد جاءت نصوص الشرع المطهر بالأمر بعبادة الله، والاستقامة على شرعه، وليس لها غاية إلا الموت.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: [[ لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت وقرأ قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ]].

    ولما سأل بعض السلف عن أناس يتعبدون في رمضان ويجتهدون فإذا انسلخ رمضان تركوا، قال: [[ بئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان ]].

    أمة الإسلام: إنه حين ودَّع المسلمون شهر رمضان المبارك بعد إقبالهم على الله، وإكثارهم من العمل الصالح، ينبغي ألا يودعوا الأعمال الصالحة بعد رمضان، بل يجب أن تبقى آثار الصيام شعاراً متمثلاً في حياة الفرد والمجتمع والأمة، وما أعطاه الصيام من دروس في الصبر والتضحية، والإذعان لأمر الله، والوحدة والتضامن، والألفة والمودة بين المسلمين، يجب أن يستمر عليها المسلمون، وتراها متجسدة في حياتهم العملية بعد شهر رمضان.

    1.   

    أسباب ذل الأمة الإسلامية وتدنيها

    ما تدنَّى واقع الأمة، وأصيب المسلمون بالوهن في أنفسهم، والضعف أمام أعدائهم؛ إلا لما تخلوا عن أعز مقومات النصر وهو الدين الإسلامي الحق، وأساء أبناء المسلمين فهم الإسلام؛ فجعلوا لطاعة الله وقتاً، ولمعصيته أوقاتاً، وللخير والإقبال على الله زمناً، وللشر والإدبار أزمنة متعددة، عند ذاك لم تعمل مناسبات الخير والرحمة، ومواسم البر والمغفرة عملها في قلوب الناس، ولم تؤثر في سلوكهم، ولم تجدِ في حل مشكلاتهم.

    1.   

    أحوال الناس بعد رمضان

    أيها المسلمون: إن من شكر العبد لنعمة الله -عز وجل- بعد أن وفقه للصيام والقيام: أن يستمر على طاعة الله عز وجل في حياته كلها، فالإله الذي يُعبد ويصام له في رمضان هو الإله في جميع الأزمان، ومن علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، وإن من كفر النعمة وعلامات رد العمل العودة إلى المعاصي بعد رمضان.

    إن الناظر في حياة كثير من المسلمين اليوم بعد شهر رمضان؛ يأسف أشد الأسف لما عليه كثير من الناس بعد شهر الصيام!! مِنْ هجرٍ للمساجد، وتركٍ للجمع والجماعات، وتساهل في الصلوات، واعتزال للطاعات؛ من قراءة للقرآن، والذكر والدعاء، والإحسان والصدقات، والإقبال على ألوان المعاصي والمنكرات، والمداومة على الفواحش والمحرمات، وما ذلك -أيها الإخوة المسلمون- إلا من قلة البصيرة، وسوء الفهم لشعائر الإسلام، وإغواء عدو الله الشيطان، وأعوانه من الإنس والجن، الذين أخذوا بثأرهم بعد رمضان؛ فأضلوا كثيراً من الناس، وما إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والبحث عنها عن طريق التجمعات والسهرات، والمزيد من السفريات إلى بقاع لا تدين بدين، ولا تعترف بخُلق، ولا ترعى فضيلة، إلا من إضلال الشيطان وحزبه عياذاً بالله.

    فاتقوا الله عباد الله! ولا تهدموا ما بنيتم من الأعمال الصالحة في شهر رمضان.

    اتقوا الله يا من عزمتم على معصية الله بعد رمضان! فرب الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيب مشاهد، واعلموا أن الموت يأتي بغتة، وما مرور الأعوام بعد الأعوام، وتكرار الليالي والأيام، إلا مذكر بتصرم الأعمار، وانتهاء الآجال، والقدوم على الكبير المتعال.

    ماذا بعد رمضان

    يا أمة الإسلام: ماذا بعد شهر رمضان؟ ماذا عن آثار الصيام التي عملها في نفوس الصائمين؟

    لننظر في حالنا، ولنتأمل في واقع أنفسنا وأمتنا، ونقارن بين وضعنا أفراداً ومجتمعات في شهر رمضان، وحالتنا بعد شهر رمضان، هل ملأت التقوى قلوبنا؟! هل صلحت أعمالنا وتحسنت أخلاقنا؟! هل استقام سلوكنا؟! هل اجتمعت كلمتنا؟!

    هل توحدت صفوفنا ضد أعدائنا وزالت الضغائن والأحقاد من نفوسنا؟! هل تلاشت المنكرات والمحرمات عن مجتمعاتنا؟!

    يا أيها المسلمون: يا من استجبتم لربكم في شهر رمضان استجيبوا له في سائر الأعمال والأيام.

    أما آن أن تخشع القلوب، وتتوحد الدروب، وتنتهي الحروب، فتجتمع القلوب، وينتهي عصر الفتن والخطوب.

    يا عباد الله: اتقوا الله في أمتكم.. واتقوا الله في أنفسكم، سلام الله على شهر الصيام والقيام، لقد مر كلمحة برق أو غمضة عين، كان مضماراً للتنافس والتسابق إلى الخيرات.

    الإلحاح على الله أن يتقبل الأعمال

    عباد الله: ألحوا على ربكم أن يقبل صيامكم كما كان يفعل سلفكم، فقد كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم.

    وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [[كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] ]].

    تذكر أحوال المسلمين في العالم

    وتذكروا -رحمكم الله- وأنتم تعيشون فرحة العيد وسروره، أن لكم إخواناً في العقيدة يمر عليهم العيد وهم يعانون الحروب الطاحنة، والأمراض الفتَّاكة، والمجاعات القاتلة، وما يمر بإخوانكم المجاهدين الأفغان، الذين يمر عليهم العيد وهم يحملون السلاح، ويقاتلون أعدى أعداء المسلمين، فيستعذبون فرحة العيد مع أصوات المدافع، وأزيز المقاتلات، وطلقات القنابل، ويستمرون أياماً مع حياة التشرد، والجوع والمرض، والتيتم والترمل، والملاجئ، وكذلك من يعانون المجاعات في بعض دول أفريقيا وغيرها.

    فاشكروا الله -عباد الله- وليتحرك فيكم شعور الأخوة الإسلامية لمساعدة إخوانكم، ولزوم طاعة ربكم في هذه الأيام، والحذر من جعلها أيام غفلة واسترسال في اللهو، ولتكن فرصة لمحاسبة النفس، وعمل البر والصلة والمودة، وصفاء القلوب، وتهذيبها من الضغائن والأحقاد.

    1.   

    همسات في أذهان الشباب

    وأهمس همسة في أذهان الشباب المسلم أن يتقي الله ربه ويقبل عليه، ويحفظ أوقاته بعد رمضان، ويُشغلها بطاعة الله، ولا يغتر بعمل المفتونين بمعصية الله.

    أما الأخت المسلمة: فعليها أن تتقي الله عز وجل، وتستمر على طاعة ربها بعد رمضان، وتلتزم ما ألزمها به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعمل نساء المسلمات من العفاف والحشمة والحجاب، وعليها الحذر من دعاة الضلال والفتنة.

    اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، اللهم اجعل عيدنا سعيداً، اللهم أعده على الأمة الإسلامية، وهي تركل بثوب العزة والقوة والنصر على الأعداء يا رب العالمين.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، وأجرنا بمنه ولطفه من العذاب الأليم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ فهو خير الغافرين.

    1.   

    المحافظة على صيام ست من شوال

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه.

    أما بعـد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واشكروه أن والى عليكم العبادات، وتابع عليكم الطاعات؛ من الفرائض والمستحبات، فإنه إن انتهى شهر الفريضة في شهر رمضان فصوم التطوع بابه مفتوح؛ كصيام ستة أيام من شوال، فقد روى الإمام مسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر ).

    وذلك: لأن صيام شهر رمضان عن صيام عشرة أشهر في الأجر، وستة أيام من شوال عن صيام شهرين فبذلك يحصل لمن صامها أجر صيام الدهر كله، ويجوز لمن أراد صيامها أن يتابعها ويفرقها في الشهر، كما يجوز أن يصوم سنة ويترك أخرى، فلا تُفوِّتوا -رحمكم الله- على أنفسكم هذه الفضائل، واذكروا الله سبحانه على إنعامه، وأتموا أعمالكم الصالحة، واستمروا عليها بعد رمضان إلى أن يتوفاكم الله عز وجل، ولا تبطلوا -رحمكم الله- أعمالكم الصالحة التي بنيتموها في شهر رمضان، فإن أحدنا لا يدري هل يدرك رمضان مرة أخرى أو لا يدركه؟ وكلنا بحاجة إلى التوبة إلى الله سبحانه، والاستغفار إليه، وتتابع الأعمال الصالحة.

    ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عنعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً ).

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد.

    وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ووفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيأ لهم البطانة الصالحة.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى يا ذا الجلال والإكرام! ووفق قادتهم بالعمل بشريعتك يا حي يا قيوم.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم قوِ شوكتهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم انصرهم على القوم الكافرين يا قوي يا عزيز.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.