إسلام ويب

المخدرات والمسكرات آفة العصرللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العقل هو ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، والجناية عليه بالحجب المؤقت (السكر) يوقع في مخاطر لا تخفى على ذي لب. والعقل من الضروريات التي جاء الإسلام للحفاظ عليها.

    ولقد مهّد الشيخ لحديثه عن جرائم الإدمان بكلام عن الصراع بين الإسلام وأعدائه، واستغلال هؤلاء الأعداء للمخدرات كسلاح ضد أبناء الإسلام.

    كما أورد بعضاً من أضرار المخدرات على الفرد والمجتمع، وأسباب تفشيها، وطرقاً مقترحة للوقاية منها.

    وختم بذكر أضرار البدعة على الدين، وبعض المزالق والأخطاء في العقيدة.

    1.   

    رحلة الصراع بين الحق والباطل

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونستلهمه الرشد والتوفيق لخيري الدنيا والآخرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله؛ سيد الأنام، وبدر التمام، حطَّم الله به الأصنام، وأظهر به الشريعة وأبان الأحكام، وحرَّم الخبائث والآثام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله السادة الأعلام، وأصحابه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها المسلمون! اتقوا الله -تبارك وتعالى- فإن تقواه سبحانه العروة التي ليس لها انفصام، والجذوة التي تستضيء بها القلوب والأفهام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحديد:28].

    أمة الإسلام! إنه منذ أن بزغ فجر الإسلام المشرق، وانبثق نور الإيمان المتلألئ الوضَّاء، وهو يلقى من أعداء الإسلام صنوفاً من التحديات، وألواناً من الهجمات، تمثل الصراع بين الحق والباطل في معركة دائمة، متنوعة الصور والأساليب، ترمي إلى الظهور حيناً، وإلى الخفاءِ أحياناً أخرى وتتنوع، ساخنة تارة، وباردة أخرى، عسكرية مرة، وفكرية وخلقية مرات شتى ، بمكر وتآمر ، وحقد وعداء سافر ، يريدون القضاء على الإسلام وأهله، وتمزيق وحدتهم، واستئصال شأفتهم، وتدمير قوتهم، وإزالة دولتهم، وإلغاء هويتهم، والإستيلاء على مُقَدراتهم.

    ولن يهدأ لهم بالٌ، ولن يقر لهم قرار، ولن تلين لهم قناة، مادام للإسلام كيان، وما دامت للمسلمين صولة وجولة، حتى يُطفئون هذا النور ويقضوا على أهله، وكل ما يمت له بصلة قضاء مبرماً، اسمعوا إلى قول الحق تبارك وتعالى: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]، وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    إخوة العقيدة! لقد ملئ الإسلام عبر تأريخه المجيد، بما لا يُعد ولا يحصى من الدسائس والمؤامرات، على اختلاف الطرق والشعارات، وتباين الأقطار والنزعات، وفي هذا العصر نرى ونسمع دروباً من الغزو العسكري والفكري والأخلاقي، وصنوفاً من الحروب النفسية، والعدوان المادي، فالأعداء لم يكفوا ولن يكفوا ولا يزالون ماضين إلى أهدافهم الخبيثة بوسائل جديدة، وأنواعٍ من التحديات، وضروبٍ من نشر الشهوات والشبهات، وألوانٍ من المفتريات، ولم يكتفوا بالكلام، بل انتقلوا إلى التحدي السافر، والهجوم الشرس،والتدخل القذر، والعمل السافل، وكان أن تسربوا عبر الحصون، وتسللوا إلى عددٍ من الثغور، ولم يكتفوا بالعمل خلف الستور في حذفٍ للمؤامرات، وإحكامٍ للتحديات، وتخطيطٍ رهيبٍ، وتنسيقٍ عجيب، ولكن: يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة:32]، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] وليس ما قامت وتقوم به الصهيونية العالمية الماكرة، والصليبية الحاقدة، بخافٍ على كل ذي لبٍ من المسلمين: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64].

    1.   

    نبتة الشر المسكرات والمخدرات

    إخوة الإيمان! ولما فشل الأعداء في السيطرة العسكرية على بلاد الإسلام، عملوا جاهدين بالحروب الأخلاقية، وشنها على بلاد المسلمين، وكان من أخطر وسائلهم، وأشرس تحدياتهم، قيامهم بشن حرب المسكرات والمخدرات وتصديرها لبلاد المسلمين، لتدمير شبابهم ، وقتل رجولتهم، واغتيال طموحاتهم، حتى تتم السيطرة عليهم، فكان لابد من التصدي لهذا الخطر العظيم، والشر الفادح الجسيم، بالتذكير والتوجيه، حتى تسلم الأمة من شرور هذه الآفات الخبيثة والأدواء الخطيرة.

    إخوة الإسلام! لما كانت المسكرات والمخدرات تقضي على العقل، بل تقضي على الفرد في أعز ما يملك وهو عقله، وبالتالي تقضي على دينه وصحته وسلوكه، وتقضي على المجتمعات بالإخلال بأمنها، وجلب الفساد والفوضى إليها، وتدهور اقتصادها، وإعاقة تنميتها، وتفكك أسرها، وتفاقم الجرائم فيها، وانتشار العنف والإرهاب بين أبنائها، فهم بين سِكِّير عربيد، وثملٍ مجرمٍ عنيف عنيد، لا يعرف لله حقاً، ولا لمجتمعه وزناً، ولا للفضائل والقيم طريقاً.

    لذلك كله ولما للمسكرات والمخدرات من سيئات كثيرة، وأضرار خطيرة، وشرور مستطيرة على الأفراد والمجتمعات، على الدين والصحة والعقل والمال والسلوك، جاء تحريمها في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].

    وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ).

    فهي -يا عباد الله- أم الخبائث، ورأس الشرور، وكبيرة من كبائر الذنوب، متعاطيها معرض نفسه لوعيد الله ولعنته وغضبه، المدمن مفسدٌ لدينه وبدنه، جانٍ على نفسه وأسرته ومجتمعه، عابثٌ بكرامته وجوهر إنسانيته، ساعٍ إلى الإثم والعدوان، صائلٌ متمردٌ على الأخلاق والقيم، وهو عضو مسمومٌ في المجتمع، إذا استفحل أمره وتطاير شرره، أصابه بالخراب والدمار، ومتى غاب عقل المدمن؟ نسي ربه، فترك الصلاة! وقد يقتل! وقد يزني! ويقع على محارمه -والعياذ بالله- بل قد يسب الدين! وكم أحدثت من بغضاء! وكم زرعت من عداوة! وكم فرَّقت من اجتماع! وكم ضيعت من أمة! وكم أهاجت من حروب! وكم شتتت من أسر! وكم فرقت بين رجلٍ وزوجته! وأبٍ وبنيه! ومحبٍ ومحبيه!

    وجماع القول: المسكرات والمخدرات داء المجتمعات، وسرطان الأمم، فأمرٌ هذه آثاره الخطيرة، وهذا جزاء متعاطيه عند الله، وتلك حاله في الدنيا والآخرة، كيف تطيب نفس عاقلٍ فضلاً عن مسلم بتناوله؟! بل بوجوده في مجتمعات المسلمين؟!

    إنه لعجيب! حال من يسمع هذه الآثار، ويعلم أحوال من يتعاطى المسكرات والمخدرات، وما يقعون فيه من القبائح التي هي مسخ للدين والعقل والصحة، وما صار إلى أهله من أخس حالة، وأقذر صفة، وأفظع مصاب لا يتأهلون لخطاب، ولا يميلون إلى صواب، ولا يهتدون إلا إلى خوارم المروءات، وهوادم الكمالات، وفواحش الخطيئات والضلالات.

    ثم مع هذه العظائم... وتلك القواصم! يُصر بعض الجهلة على أن يندرج في زمرتهم الخاسرة، وفرقتهم الحائرة، متعامياً عما على وجوههم من الغبرة، وما يعتريها من القترة، ولكن يا سبحان الله! كيف يسعى في جنونٍ من عقل؟! نعوذ بالله من زيغ القلوب.

    المخدرات سلاح قوي لأعداء الإسلام

    أمة الإسلام! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فنحن في هذا العصر أمام مؤامراتٍ خطيرة، وشبكات وعصابات إجرامية، وهجمات شرسة, ومخططات عدوانية حاقدة، يشنها أعداء الإسلام على أبناء المسلمين وبلادهم، فلجأوا بشتى الوسائل إلى محاربة المسلمين، وقد استخدموا طرقاً ماكرةً، وأسلحة فتَّاكةً خفيةً هي في الحقيقة أخطر من المدافع والصواريخ؛ لأنها تقضي على الأمة في أعز ما تملك... تقضي على العقول، وتلوث الأفكار، وتغزو المبادئ، وتهدم المعنويات، إنها معولٌ لهدم أخلاق عدة الأمة، وقلبها النابغ، وشريانها المتدفق من شبابها، سواعد بنائها، وعدة مستقبلها، ورجال غَدِهَا، وبناة حضارتها، فالوعي الوعي -يا شباب المسلمين- أمام ما يُحاك ضدكم من مؤامرات، وما يُجلب إليكم من تحديات.

    لقد أجلب أعداء الإسلام وأشياعهم من ضعاف النفوس ، وعديمي المروءة، ومشيعي الفساد في الأرض، المحاربين لله ورسوله، المؤذين لعباده وأوليائه، بالترويج لآفة المخدرات المدمرة، تلك الجريمة الخطيرة التي تمثل مشكلة العصر الحاضر وكفى؛ لأن من ورائها دعاة الجريمة، والمفسدين في الأرض، الذين أشاعوا هذا السم الزعاف، والوباء الفتاك، وسقوه أبناء المسلمين بملئ أفواههم.

    لقد فشت هذه الجريمة في المجتمعات فشواً عظيماً، وبلغت مبلغاً عظيماً، وحطَّمت الأرقام القياسية، والإحصاءات المذهلة من المدمنين، وتطالعنا الإحصاءات أن نصف شباب المجتمع في بعض البلاد يتعاطون الخمور والمخدرات، وقد دعت هذه الإحصاءات المذهلة دول العالم بأسرها لمنع التعامل بالمخدرات تعاطياً وبيعاً، تناولاً وترويجاً، زراعةً وإنتاجاً، ووضعت لذلك العقوبات الرادعة؛ لحماية مجتمعاتها من هذا الوباء الفتَّاك، وهذا البلاء المدمر.

    وقد تفنن أعداء الإسلام بتصدير هذا الوباء إلى مجتمعات المسلمين، فألبسوه شتَّى الألبسة، وسموه الأسماء البراقة، ونوعوه أنواعاً مختلفة جذابة، ومهما كان الأمر! فالطريق والهدف واحد، الكل له آثاره وعواقبه السيئة على الفرد والمجتمعات.

    أضرار المخدرات على الصحة والأخلاق

    وكم كانت المسكرات والمخدرات سبباً لأمراض القلب، وتصلب الشرايين، واعتلال الجهاز الهضمي، والتنفسي والتناسلي، وإتلاف خلايا المخ، وتدمير المراكز العصيبة لدى الإنسان، فيصبح شخصاً معتلاً شبحاً مخيفاً، مرتبك التفكير، قلقاً غير متوازن، وتقل قواه العقلية، فيهذي بما لا يدري، ويهرف بما لا يعرف، ويصاب بالهلوسة والهستيريا، فتسوء علاقته مع أسرته ومجتمعه.

    ولقد أثبتت الدراسات أنه كلما زادت ظاهرة استعمال المخدرات في مجتمع من المجتمعات ارتفعت معدلات أخطر الجرائم الأمنية والأخلاقية وسواها، كما ثبت أن نسبة أكثر من (50%) من حوادث السيارات التي يذهب بسببها الأبرياء، وتخلف ورائها العديد من المآسي، يرجع السبب في وقوعها إلى استعمال السائقين للمخدرات والمسكرات، حيث تسبب لهم الرعونة والتهور، وعلى الذين يظنون أن ذلك ضربٌ من المبالغة، عليهم أن يتعرفوا على من يملئون السجون، ومن يعرض في المحاكم، ومن يعالج في المستشفيات النفسية، وعليهم أن يراجعوا الجهات المعنية، ويقرءوا الإحصاءات التي تهدد البشرية، فكم من ملايين الحبوب والمخدرات تجلب يومياً للفتك بأجيال المسلمين!؟

    الأمر خطير يا عباد الله! ولا يسع مسلماً التغاضي عنه والسكوت عليه، وكيف يسكت المسلمون وهم يُقادون عن طريق هذا الوباء إلى هوة سحيقة لا يعلم مداها إلا الله؟!

    أسباب تفشي هذه الجريمة

    أمة الإسلام! وحينما نبحث عن أسباب تفشَّي هذه الجريمة -ولا سيما في صفوف الشباب- نجد أن أولها:

    ضعف الوازع الديني، وتدني مستوى التربية الإسلامية لدى كثيرٍ من الأجيال.

    ومنها: الخواء الروحي، والفراغ الكبير، والتقليد الأعمى، وجلساء السوء... وغير ذلك كثير، مما يجسد المسئولية -أولاً- وقبل كل شيء على الأسرة، وعلى ولي الأمر فيها، لذلك فإني أذكر الآباء والأمهات بضرورة رعاية الأبناء، وحسن تربيتهم، ومتابعتهم ومراقبة تحركاتهم، وإبعادهم عن قرناء السوء، وشغل أوقات فراغهم بما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، وأحذرهم من مغبة إهمال ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6].

    وإنني أناشد كل مسلم! أن يتحمل مسئوليته تجاه دينه ومجتمعه وبلاده، وأن يكون عيناً ساهرة على جلب المصالح لمجتمعه، ودرء المفاسد عن بلاده، وأن يسود بين المسلمين أفراداً وهيئات، شعوباً وحكومات، التعاون للقضاء على هذا الوباء العضال، والتبيلغ عن أهله، وأخص بالذكر: الأعيان، والوجهاء، والدعاة، والعلماء، وحملة القلم، والمعنيين بشئون توجيه الشباب وتربيتهم وتعليمهم، ليُسخروا كل طاقاتهم، ويبذلوا كافة إمكاناتهم؛ لمحاصرة هذا الشبح المخيف، والأخطبوط المرعب.

    كما أن على وسائل الإعلان مرئيها ومسموعها ومقروئها النصيب الأكبر من تبصير الأجيال بمخططات الأعداء، للفتك بهم، واغتيال أخلاقهم عن طريق هذا الوباء وغيره.

    أما الذين تورطوا وساروا في طريق الانتحار البطيء، فإننا نناديهم نداء المودة والإشفاق، أن يكفوا عن هذا البلاء، فكفاهم شروراً على أنفسهم، ومجتمعاهم وأسرهم وأولادهم وبلادهم، ومن تاب تاب الله عليه.

    طرق الوقاية والعلاج

    ألا وإن من أهم طرق الوقاية والعلاج من داء المخدرات:

    تثبيت العقيدة وتقوية الإيمان في القلوب، حتى تشعر بالطمأنينة والأمان، وتحصين الشباب بالتربية الإسلامية القوية في الأسرة والمدرسة والمجتمع، والعناية بالتوعية المكثفة، والتعاون البنَّاء بين أفراد المجتمع وهيئاته.

    كذلك لا بد من وضع العقوبات الرادعة لمن يُجلبون الضرر لمجتمعات المسلمين، من المهربين والمروجين بالتشهير بهم، وإظهار سوء صنيعهم، وإقامة حكم الله فيهم.

    وإننا لنحمد الله عز وجل، أن وفق هذه البلاد المباركة باتخاذ الجزاء الرادع، وعمل الدواء الناجع، المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، للقضاء على هذا الشر، ومعاقبة أهله، وإننا لندعو كل البلاد الإسلامية بل كل البلاد أن تحذو حذوها في محاربة هذا الوباء، فلقد أخذت بالبلسم الشافي، والحل الحازم، وجنت ثماره، وتذوقت آثاره الطيبة، أمنا وأماناً بحمد الله وتوفيقه.

    اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    البدعة صورة أخرى لحرب الإسلام

    الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وشرَّفنا باتباع سيد المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الصادق الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

    عباد الله! وصفحة أخرى من صفحات الكيد للإسلام، تتمثل في تشكيك المسلمين في ثوابتهم، ودخول النقص عليهم في عقيدتهم، وبُعد كثيرٍ منهم عن مشكاة النبوة، ومنهج السلف الصالح رحمهم الله.

    ومن ذلك: ما يعتقده بعض الناس من أن لبعض الشهور والأيام خصوصيةً على غيرها، من غير دليلٍ من كتابٍ ولا سنة رسول الله، ومن هذا ما يعتقده بعض الناس في شهر رجب من أن له خاصيةً على غيره من الشهور، فيفعلون فيه أموراً محدثة، ويعتقدون فيه اعتقاداتٍ خاطئة، ويخصصونه بأنواعٍ من العبادة، لم يكن عليها دليلٌ من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا سار على ذلك السلف الصالح رحمهم الله.

    وتخصيص شهر رجب، أو بعض أيامه ولياليه بصيام أو قيام أو نحوهما أمر محدث ليس له أصل في شريعة الإسلام، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله: "لم يرد في فضل شهر رجب ولا صيامه ولا في صيام شيء معين منه، ولا في قيام ليلة مخصوصة حديثٌ صحيحٌ يصلح للحجة" وله -رحمه الله- رسالة قيمة في ذلك، ونحو قوله هذا قال علماء الإسلام المحققون، كشيخ الإسلام ابن تيمية ، والعلامة ابن القيم ، والحافظ ابن رجب ، والإمام النووي ، والشوكاني وغيرهم رحمهم الله جميعاً، فبأي دليل بعد ذلك يحتج من يفعل هذه المحدثات، ألا فاتقوا الله -أيها المسلمون- وتمسكوا بدينكم، واتبعوا هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، واحذروا الوقوع في كل ما يخالف السنة.

    فخير الأمور السالفات على الهدى     وشر الأمور المحدثات البدائع

    أيها المسلمون! ألا وإن مما ينبغي التحدث به من نعم الله عز وجل، ما مَنَّ الله به علينا في هذه الأيام من نزول الغيث، وتلك نعمة الله عظيمة، نسأل الله أن يوزعنا شكرها قولاً وعملاً واعتقاداً، بأن الله وحده هو المتكفل -جل وعلا- بإنزال الغيث، وما يعتقده بعض العامة من أن للأنواء والكواكب تأثيراً في ذلك، فهذا مما يخدش العقيدة.

    وقد ورد في الحديث الصحيح أن الله سبحانه وتعالى يقول: (أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته! فذلك مؤمنٌ بي، كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا! فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب ).

    ألا فاتقوا الله عباد الله! واشكروه على عموم نعمه وآلائه، واستعينوا بها على ما يُحبه ويرضاه، لا بما يسخطه ويأباه، ثم صلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله؛ كما أمركم ربكم جلَّ في علاه، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، والأئمة المهديين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق أمامنا لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للخير والبر والتقوى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم أصلح له بطانته وسريرته يا ذا الجلال والإكرام، ووفقه لما تحب وترضى يا حي يا قيوم، اللهم وفق جميع المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم يا سميع الدعاء.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم.

    اللهم وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم، على الدين كله ولو كره الكافرون، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغث بلادنا بالخيرات والأمطار، وقلوبنا بالإيمان واليقين يا حي يا قيوم، اللهم اجعل ما أنزلته قوتاً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق، اللهم إنا نشكرك على نعمة الغيث، اللهم فعم بالغيث أرجاء بلادنا، وأرجاء بلاد المسلمين يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم بارك لنا في رجبٍ وشعبان وبلغنا رمضان، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.