إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 175-179-ب

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 175-179-بللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الفقهاء في ابتداء وقت النهي عن الصلاة بعد الفجر فذهب بعضهم إلى أن النهي يبدأ من طلوع الفجر، وذهب آخرون إلى أنه يبدأ بعد الصلاة، أما بعد العصر فالجمهور على أن النهي يبدأ بعد الصلاة وقيل غير ذلك، والراجح أن الصلوات ذوات الأسباب كتحية المسجد وفوائت الفرائض والنوافل يجوز أداؤها في أوقات النهي دون النوافل المطلقة.

    1.   

    تخريج حديث: ( يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    في هذا اليوم الثلاثاء الثامن من شهر ربيع الثاني لعام (1410) للهجرة في ليلة الأربعاء، ينعقد المجلس الثامن والستون من مجالس شرح بلوغ المرام .

    في الأسبوع الماضي كنا كلفنا أحد الإخوة أن يخرج لنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة )، وقد أحضر هذا التخريج فأقرأ عليكم مختصره:

    متن الحديث: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه الله، فالتمسوها آخر ساعة من العصر )، هذا لفظ النسائي، وقوله: (فالتمسوها) يعني: ساعة الإجابة.

    وقد قام الأخ بتخريج الحديث، لكن خلاصة الكلام فيه: أنه رواه النسائي وأبو داود والحاكم، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال المنذري : هو كما قال، ورواه البيهقي أيضاً، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : إسناده حسن. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب : مدار الحديث على الجلاح أبي كثير وهو صدوق. ومعنى ذلك: أن الحديث حسن، وقد رواه أيضاً عبد الرزاق في مصنفه .

    و الجلاح قال عنه الحافظ أيضاً: صدوق. وقال عنه الذهبي في الكاشف : روى عن حنش وأبي سلمة، وروى عنه الليث وابن لهيعة . هذه خلاصة الكلام في هذا الحديث، وبذلك يعلم أنه حديث صحيح.

    1.   

    ابتداء وقت النهي في الفجر وأقوال العلماء فيه

    سوف أكمل الكلام على أوقات النهي، وذلك حتى يكون الموضوع متصلاً بعضه ببعض، ففي الأسبوع الماضي ذكرت أوقات النهي.

    المسألة الثانية التي سنبدأ بها الآن -إن شاء الله- هي مسألة: متى يبدأ وقت النهي في الفجر والعصر؟

    الرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث أبي سعيد : ( لا صلاة بعد الفجر ).

    فهل المقصود بـ(الفجر) الصلاة أم المقصود طلوع الفجر؟ وقل مثل ذلك في العصر، هل المقصود دخول وقت العصر، أم المقصود صلاة العصر؟

    القول الأول: ابتداء النهي بطلوع الفجر وأدلته

    أولاً فيما يتعلق بالفجر: ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن وقت النهي يبدأ بطلوع الفجر، فيقولون: إذا طلع الفجر بدأ وقت النهي، فلا يجوز للإنسان أن يصلي إلا ركعتي الفجر، يعني: الراتبة، والفريضة معلوم أنه سيصليها، وليس له أن يتنفل غير ذلك، فقالوا: إن النهي يبدأ من طلوع الفجر، فإذا برق الفجر بدأ وقت النهي.

    وهذا القول هو مذهب أهل الرأي: أبي حنيفة وأصحابه، وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد في مذهبه، وهو منسوب إلى جماعة من الصحابة، نقل عن جماعة من الصحابة كـعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وجماعة -أيضاً- من التابعين كـالنخعي والحسن البصري .. وغيرهم.

    واستدل هؤلاء بأدلة:

    منها: ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصلي هذه الصلاة )، يعني: يتنفلون قبل صلاة الفجر وبعد طلوع الفجر، فقال: ( ليبلغ شاهدكم غائبكم: ألا لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين ).

    والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وقال فيه الترمذي : حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى، فأشار الترمذي رحمه الله إلى ضعف هذا الحديث، وكذلك شيخ قدامة بن موسى في هذا الحديث واسمه أيوب بن حصين أو محمد بن حصين -اختلف في اسمه- مجهول، ولذلك هذا الحديث إسناده ضعيف.

    لكن له شواهد، منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى كل لا أريد أن أدخل في الحديث لأنه سيأتي، فحديث عبد الله بن عمر : ( لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين ) هو من أحاديث بلوغ المرام، وسيأتي -إن شاء الله- في الأسبوع القادم.

    المهم: هذا دليل من قالوا: إن وقت النهي يبدأ بطلوع الفجر.

    الغريب في الأمر: أن الإمام الترمذي رحمه الله بعدما ساق هذا الحديث وضعفه قال: وهذا ما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا سجدتين. فكأن الترمذي رحمه الله تعالى حكى الإجماع على أنه إذا طلع الفجر لا يصلي الإنسان إلا السنة الراتبة فقط، ولا يجوز له أن يتنفل نفلاً مطلقاً، وهذا النقل للإجماع غريب جداً؛ لأن المسألة فيها خلاف مشهور، هذا هو القول الأول في المسألة.

    القول الثاني: ابتداء وقت النهي بعد صلاة الفجر وأدلته

    القول الثاني: أن وقت النهي يبدأ بصلاة الفجر، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم، كالشافعية والمالكية وقول لبعض فقهاء الحنابلة، وهو مشهور جداً عند الصحابة والتابعين، كانوا يصلون بعد طلوع الفجر، إذا فات الواحد منهم الوتر -مثلاً- لم يصله من الليل صلاه بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة.

    وقد أطنب الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه قيام الليل في سرد النصوص والآثار في ذلك، وكتابه طبع مختصره، يمكنكم مراجعة المختصر الذي هو مختصر قيام الليل لـمحمد بن نصر المروزي .

    للاطلاع على آثار ونصوص كثيرة: أن جماعة كبيرة من الصحابة والتابعين كانوا يصلون بعد طلوع الفجر، واستدل هؤلاء بأدلة قوية على أن النهي لا يبدأ إلا بعد الصلاة.

    منها: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري -وهو من أحاديث الباب- في بعض الروايات عند مسلم قال: ( لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس )، فحدد أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر، ومثل رواية أبي سعيد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة بعد صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس )، فنص على أن النهي يبدأ بعد الصلاة.

    ومثل حديث عمرو بن عبسة في صحيح مسلم أيضاً، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ( صلّ الفجر ثم أقصر عن الصلاة ) يعني: أمسك عن الصلاة، فدل على أنه لا يمسك عن الصلاة إلا بعدما يصلي الفجر.

    وفي رواية عند أبي داود من حديث عمرو بن عبسة أنه قال: ( يا رسول الله! أيّ الليل أسمع؟ ) يعني: أي الليل أقرب إلى الإجابة من الله تعالى؟ ( فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: جوف الليل الآخر؛ فصلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي الفجر، ثم أمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس )، وهذا صريح في أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر.

    وقد جاء عن عمر رضي الله عنه عند أبي داود : ( لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ).

    ومن الأدلة على أن وقت النهي يبدأ بعد صلاة الفجر: أن وقت صلاة العصر يبدأ النهي فيه بعد الصلاة، بلا خلاف يعرف عند القائلين بالنهي، أن النهي في المساء يبدأ بعد صلاة العصر وليس قبلها، فكذلك الفجر ينبغي أن يكون مثله، خاصة وأن النصوص كلها مساقها واحد.

    من الأدلة التي ترجح -أيضاً- أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر: أن من المتفق عليه عند الأمة كافة أنه يستحب للإنسان أن يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين نافلة، فيبعد أن يكون الوقت وقت نهي، ويشرع للإنسان أن يصلي فيه ركعتين نافلة، وهو وقتها المخصوص وليس وقت قضاء، بل هو وقتها المحدد لها شرعاً.

    فهذه خمسة أوجه أو أدلة ترجح أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر، وحينئذٍ أقول: إن الذي يترجح عندي -والله أعلم- القول الثاني: أن النهي بالنسبة لصلاة الفجر يبدأ بعد الصلاة وليس بعد طلوع الفجر.

    حكم التنفل بين طلوع الفجر وصلاة الفجر

    لكن قد يقول قائل: ما بين طلوع الفجر وصلاة الفجر ما حكمه؟

    فأقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت من هديه في نصوص كثيرة جداً أنه كان لا يصلي في هذا الوقت، كان يوتر قبل طلوع الفجر ثم يرتاح، إما أن يحدث عائشة أو يضطجع على شقه الأيمن صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي ركعتي الفجر، ثم يخرج إلى المسجد.

    فنقول: إن هذا الوقت لا يشرع للإنسان فيه أن يكثر من التنفل، ويجعل التنفل له ديدناً وعادة، إلا أن تفوته صلاة الليل والوتر فلا يصليها حتى يطلع عليه الفجر، فحينئذٍ يقال له: صلها ولو طلع الفجر، وقد جاء في ذلك نصوص كثيرة عن جماعة من الصحابة والتابعين كما أسلفت، هذا فيما يتعلق بصلاة الفجر.

    1.   

    ابتداء وقت النهي في العصر

    أما فيما يتعلق بصلاة العصر: فإن النهي يبدأ فيها بعد الصلاة، قال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافاً بين القائلين بالنهي، يعني: أن جميع القائلين بالنهي يرون أن وقت النهي يبدأ بعد الصلاة، وهذا الكلام الذي قاله ابن قدامة رحمه الله يحتاج إلى إيضاح وتفصيل في قوله: (لا أعلم خلافاً):

    فإن كان رحمه الله يقصد أن النهي لا يبدأ بدخول وقت صلاة العصر إنما يبدأ بعد الصلاة، بحيث نقول مثلاً: لو إن إنساناً صلى العصر أصبح وقت النهي بالنسبة له قائماً، لكن آخر ما صلى هل يجوز له أن يتنفل قبل الصلاة؟ يجوز، يعني: الأمر مرتبط بصلاة كل واحد، فإذا صلى أهل هذا المسجد لم يشرع لهم أن يتنفلوا بعد الصلاة، لكن لو أن مسجداً آخر تأخر فلم يصلّ إلا بعدهم بربع ساعة -مثلاً- لجاز لهم أن يتنفلوا قبل صلاتهم ولو كان بعد صلاة مسجد آخر.

    أقول: إن كان مقصود ابن قدامة رحمه الله أن النهي لا يبدأ بدخول وقت صلاة العصر فهذا صحيح، لا يعلم أحد من أهل العلم يقول: إن النهي يبدأ بدخول وقت صلاة العصر أبداً، ولذلك يستحب عندهم أن تصلي قبل العصر ركعتين أو أربعاً؛ لقوله عليه السلام: ( بين كل أذانين صلاة )، بعد الأذان وقبل الإقامة يشرع أن تصلي ركعتين أو تزيد على ذلك، عند غالب أهل العلم أو جميعهم.

    أما إن كان مقصوده -رحمه الله- أنهم يقولون: إن النهي يبدأ بعد الصلاة مباشرة؛ فهذا فيه نظر، والصحيح: أن في المسِألة خلافاً قوياً؛ إذ كثير من أهل العلم يقولون: إن النهي لا يبدأ بعد صلاة العصر مباشرة، بل يبدأ إذا اصفرت الشمس، ويستدلون لذلك بأدلة، من أصرحها: حديث علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصلوا بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة ).

    والحديث رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم وسنده صحيح.

    قال فيه ابن المنذر : حديث ثابت بإسناد جيد، وقال ابن حجر : إسناده صحيح، وفي موضع آخر من فتح الباري قال: إسناده حسن، وكذلك صححه ابن خزيمة .

    وقال ابن حزم في المحلى : رجاله أشهر من أن يسأل عنهم، فهو حديث ثابت: ( لا تصلوا بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة ).

    وظاهر الحديث يدل على أن الصلاة بعد العصر مباشرة ما لم تكن الشمس مرتفعة جائز، وبهذا قال طائفة من السلف والعلماء كما سيأتي، وليس مقصودي الآن أن أقول: إن هذا القول صحيح، لا، لكن مقصودي أن أقول: إن ما ذكره ابن قدامة من الإجماع إن كان يقصد أنهم أجمعوا على أن النهي يبدأ بعد الصلاة؛ فهذا فيه نظر؛ لأن بعضهم يقول: لا يبدأ النهي بعد الصلاة، إنما يبدأ النهي حين تصفر الشمس، هذا المقصود.

    ويستدلون أيضاً بأدلة أخرى على ما ذكروا، سيمر بعض هذه الأدلة، المهم أن الراجح: أن وقت النهي يبدأ بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر وليس قبلهما، هذه هي المسألة الثانية في أوقات النهي.

    هناك مسألة ثالثة في أوقات النهي: وهي أن بعض أهل العلم خصوا النهي بما بعد صلاة الفجر، فقالوا: المنهي عنه هو ما بعد صلاة الفجر فقط، أما ما بعد صلاة العصر فليس وقت نهي حتى تقارب الشمس الغروب.

    وهذا المذهب منسوب لـابن عمر وابن حزم رحمهما الله، وأرجئ الحديث عنه؛ لأنه سيأتي في آخر حديث في باب المواقيت، وهو حديث أم سلمة آخر حديث في الباب، ورقمه: (188).

    1.   

    أوقات النهي

    القول الأول: أنها ثلاثة أوقات وأدلته

    انتقل إلى المسألة الرابعة في موضوع أوقات النهي، وهي: أن بعض أهل العلم خصوا النهي بالأوقات الثلاثة، ومن يستطيع أن يذكر لنا هذه الأوقات الثلاثة ما هي؟ بعض أهل العلم خصوا النهي بالأوقات الثلاثة فقط، أما ما بعد العصر وبعد الفجر فقالوا: للإنسان أن يتنفل فيها كيف شاء، نفلاً مطلقاً أو قضاءً أو غير ذلك.

    يعني: قرب الغروب، عند غروب الشمس، وهذا المذهب هو مذهب عبد الله بن عمر رضي الله عنه، كما صح عنه في البخاري أنه قال: (أما أنا فلا أمنع أحداً صلى من ليل أو نهار غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها).

    وهذا قد يدل أيضاً على أن ابن عمر لا يمنع من الصلاة عند الزوال؛ لأنه نص على هذين الوقتين فقط، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها، وهو في ذلك مخالف لمذهب أبيه رضي الله عنه، فإن عمر كان شديداً في أوقات النهي، كان يضرب الناس عليها بالدرة في المسجد، إذا رأى أحداً يصلي بعد الفجر أو بعد العصر علاه بالدرة كما سيأتي، فمذهب ابن عمر في هذا مخالف لمذهب أبيه رضي الله عنهم أجمعين.

    ومذهب ابن عمر هذا هو مذهب عائشة، فإنها لما سمعت أن عمر يضرب الناس على الصلاة بعد العصر قالت -كما في صحيح مسلم -: ( أوهم عمر -يعني: أخطأ- إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى الإنسان بصلاته طلوع الشمس أو غروبها ).

    فـعائشة مثل ابن عمر يرون أن المنهي عنه: هو وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، وممن يوافقهم في هذا القول ابن حزم كما في المحلى، فإن ظاهر قوله أنه لا يرى بأساً بالنفل ... خاصة بعد صلاة العصر.

    ويستدل هؤلاء بأدلة، منها: حديث ابن عمر المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها )، ومنها: حديث عقبة بن عامر : ( ثلاثة أوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا )، ومنها: حديث علي بن أبي طالب السابق: ( لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة )، وهو ثابت كما سبق.

    فقالوا: إن هذه الأدلة تدل على أن المنهي عنه هو تحري هذه الأوقات، قالوا: وإنما ورد النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، باعتبار أن ما بعد العصر وبعد الفجر أشبه ما يكون بالاحتياط والحمى والحريم الذي يحفظ به وقت الغروب ووقت الطلوع؛ لأن الإنسان لو صلى بعد الفجر قد يتمادى ويستمر حتى طلوع الشمس، ولو صلى بعد العصر قد يتمادى ويستمر حتى عند غروب الشمس، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك لئلا يتمادى الإنسان بصلاته.

    واستدلوا بالنصوص الأخرى التي ورد فيها أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صلوا بعد الفجر وبعد العصر، وسوف يأتي طائفة غير قليلة من هذه النصوص إن شاء الله تعالى، هذا هو المذهب الأول.

    القول الثاني: أنها خمسة أوقات وأدلته

    والمذهب الثاني: هو مذهب الجمهور، جمهور الصحابة والتابعين، مذهب عمر رضي الله عنه وابن عباس وأكثر الصحابة، وأكثر الأئمة أيضاً، ومذهب الأئمة المعروفين: أن ما بعد صلاة العصر وما بعد صلاة الفجر ينهى عن الصلاة فيها، واستدلوا بأحاديث كثيرة، منها: حديث أبي سعيد : ( لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ) وهو متفق عليه كما سبق.

    ومنها: حديث أبي هريرة المتفق عليه: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس ).

    ومنها: حديث ابن عباس يقول: ( شهد عندي رجال مرضيون -وأرضاهم عندي عمر - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ).

    وهناك أحاديث كثيرة جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر؛ ولذلك فإن القول الثاني بأن النهي شامل لما بعد الصلاة أرجح، أن النهي شامل لما بعد صلاة الفجر ولما بعد صلاة العصر.

    وبناءً على ذلك ألخص ما سبق فأقول: إن الثابت من مجموع النصوص أن أوقات النهي خمسة أوقات: بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع قيد -أو قدر- رمح، وهو يتم بنحو عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة، وعند الزوال نحو خمس إلى عشر دقائق، اللحظة التي يتوقف فيها الظل لا يزيد ولا ينقص، وبعد صلاة العصر حتى تتضيف الشمس للغروب، وعند غروبها حتى يغيب القرص تماماً.

    فهذه خمسة أوقات ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم النهي عن تحري الصلاة فيها.

    هل من الممكن أن تكون الخمسة ثلاثة، فنقول: ما بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس قدر رمح، وما بعد العصر إلى أن يستتم غروب الشمس، يعني: بدل خمسة نقول: ثلاثة: من صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس قدر رمح؛ لأن الوقت متصل، ومن صلاة العصر إلى أن يتم غروب الشمس، هل يمكن هذا؟ يمكن هذا، لكن أنا أفضل أن تبقى خمسة؛ لأن الأوقات الثلاثة هذه آكد في النهي، التي هي عند الطلوع وعند الزوال وعند الغروب، آكد في النهي، فيتسامح في الوقتين الباقيين ما لا يتسامح في الأوقات الثلاثة الصغيرة هذه التي عند زوال الشمس وعند طلوعها وعند غروبها، ولذلك فالأفضل أن تبقى خمسة حتى يمكن أن يفرق الإنسان بينها.

    إذاً: هذا فيما يتعلق بالخلاف في أوقات النهي، وقد أخذنا فيه عدة خلافات، الخلاف في وقت الزوال، والخلاف فيما قبل صلاة الفجر، والخلاف في وقتي ما بعد الفجر وما بعد العصر، وذكرت الخلاف فيما بعد صلاة العصر وأنني سوف أرجئه تفصيلاً إلى الحديث الآتي.

    فهذه أربع مسائل في موضوع أوقات النهي، وخلصنا منها بنتيجة، يمكن بعض الإخوة الحضور -مثلاً- يقول: أنا -مثلاً- عامي ما عندي وقت أني آخذ الأقوال والراجح والمرجوح، نقول: خذها، خذ النتيجة والخلاصة: أنه ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام خمسة أوقات نهى عن الصلاة فيها، وهي ما سبق بيانه.

    1.   

    الجمع بين أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة وأحاديث الأمر بها

    ننتقل إلى نقطة أخرى مهمة جداً في أوقات النهي، وإذا انتهينا منها نكون -إن شاء الله- حققنا شيئاً كبيراً.

    المسألة الثانية: ما دام ثبت النهي عن الصلاة في هذه الأوقات: كيف نجمع بين هذا النهي وبين أمره صلى الله عليه وسلم بأنواع من الصلوات، فمثلاً: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. ثم تلا قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] )، والحديث أصله متفق عليه كما سبق مراراً، فأمر من ذكر الصلاة أو استيقظ أن يصليها متى ذكر، من دون أن يحدد وقت نهي أو غير وقت نهي.

    يقول صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )، وهذا أيضاً متفق عليه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

    وهذا أمر لم يحدد وقت نهي أو غير وقت نهي: ( من دخل المسجد لا يجلس حتى يصلي ركعتين )، ويقول عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالشمس والقمر: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عبادة، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم )، وهذا الحديث أيضاً متفق عليه، وفيه قوله: ( فإذا رأيتم ذلك ) يعني: الكسوف أو الخسوف ( فصلوا وادعوا )، هل خص وقت النهي من غيره؟ ما خص وقت النهي من غيره.

    هناك أحاديث كثيرة جداً أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها ببعض الصلوات، منها أيضاً:

    ركعتا الطواف.

    وقضاء راتبة الظهر.. أنواع من الصلوات، أيضاً سيأتي شيء منها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالصلاة، فأيهما نقدم. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة، أم نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات؟

    مثلاً: لو أنك دخلت المسجد بعد العصر، هناك حديث يقول لك: (لا تجلس حتى تصلي ركعتين)، ويأتي حديث آخر يقول لك: (لا صلاة بعد العصر)، أيهما تتبع؟

    وأذكر بهذه المناسبة طرفة قرأتها في ترجمة ابن حزم أظن أوردها ياقوت الحموي، يقول: إن ابن حزم كان في أول عهده جاهلاً غبياً لا يعرف شيئاً من علوم الشريعة، فدخل المسجد في إحدى المرات فكبر ليصلي، فكلّه أحد الحاضرين بثوبه وقال له: اجلس يا جاهل، هذا وقت نهي لا صلاة فيه، فجلس الإمام ابن حزم على استحياء وهو يوبخ نفسه على جهله: كيف لا تعرف وقت النهي، وصار إذا جاء بعد الصلاة جلس، في إحدى المرات كان هناك رجل جالس في المسجد، فلما جلس ابن حزم إلى جواره لكزه بيده وقال له: قم يا جاهل، قم فاركع ركعتين، أما سمعت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )؟!

    فتحير ابن حزم وقال: إنني سوف أطلب العلم حتى أحل هذه المعضلات التي جعلتني ألعوبة في يد الناس، هذا يأمرني وهذا ينهاني، فطلب العلم حتى صار إماماً فحلاً جهبذاً يشار إليه بالبنان، وهو صاحب المصنفات الشهيرة والتي من أهمها كتاب المحلى وهو كتاب نفيس.

    المهم: أيهما يقدم الإنسان: الأوامر أو النواهي في هذا الباب؟ لا بأس أن أعرض لكم أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ثم نذكر القول الذي يبدو أنه الراجح. ‏

    القول الأول: النهي عن الصلاة منسوخ

    من العلماء من قال: النهي أصلاً منسوخ، فيجوز للإنسان أن يصلي متى شاء، وهؤلاء ليس عندهم شيء اسمه وقت نهي، وهذا نسبه جماعة من المصنفين لبعض السلف، وأصرح من رأيت نسبة القول إليه داود الظاهري، نسب إليه القول بالنسخ، نسبه إليه ابن حزم وابن حجر وغيرهما من أهل العلم.

    فيقول: النهي منسوخ، صلّ ما شئت متى شئت، هذا نستطيع أن نقول: قول في طرف.

    وقبل أن أنتقل إلى الطرف الثاني، الطرف الأول أيضاً الذين يقولون بأن النهي منسوخ هذا القول نسبه بعضهم لـابن حزم أيضاً، ابن حجر في فتح الباري قال: وممن جزم بذلك ابن حزم، يعني: ابن حجر قال هكذا، قال: وممن قال بالنسخ: داود الظاهري، وجزم بذلك ابن حزم،

    كلام ابن حجر يحتمل أمرين:

    الأول: أنه جزم بنسبة القول إلى داود وهذا صحيح، في المحلى صرح ابن حزم بأن داود الظاهري يقول بالنسخ.

    لكن الاحتمال الثاني -وهو الذي تبادر إلى ذهني-: أن ابن حجر رحمه الله يقول: جزم بالنسخ ابن حزم، ولكن مما يبعد هذا الاحتمال أن ابن حزم ما قال بالنسخ في المحلى، بل له رأي أسلفته قبل قليل تقريباً يشبه رأي ابن عمر في أن النهي عند الأوقات المغلظة وبعد صلاة الفجر.

    وأيضاً مما يبعد هذا الاحتمال: أن ابن حجر نفسه بعد صفحتين أو ثلاث من كتاب فتح الباري نقل قول ابن عمر في أنه لا نهي بعد صلاة العصر، وقال: وهذا مذهب ابن حزم .

    إذاً: القول الأول -ونعتبره في طرف- يقول: النهي منسوخ، فصلّ ما شئت من الصلوات في أي وقت شئت.

    القول الثاني: المنع مطلقاً

    يقابل هذا القول قول آخر في الطرف الثاني، وهو مذهب أبي بكرة رضي الله عنه، وكعب بن عجرة من الصحابة، حيث لا يرون حتى قضاء الفوائت في أوقات النهي.

    أبو بكرة رضي الله عنه نام في دالية له فلم يستيقظ إلا عند غروب الشمس، فانتظر حتى إذا غربت الشمس صلى العصر، وهذا رواه عنه ابن أبي شيبة وابن المنذر في الأوسط وابن حزم وغيره.

    وكذلك كعب بن عجرة كان له ولد نام عن صلاة الفجر فلم يستيقظ إلا عند طلوع الشمس فذهب ليتوضأ، فدعاه أبوه كعب فأجلسه إلى جنبه، فلما ارتفعت الشمس ضربه وقال: قم الآن فصلّ.

    إذاً: كأنه يفهم من مذهب كعب بن عجرة وأبي بكرة رضي الله عنهما أنهما لا يريان حتى قضاء الفوائت، أو قضاء الصلوات في وقت النهي، وخاصة النهي المغلظ، وهذا يشبه رأي الأحناف، وقد سبق رأي الأحناف معنا في قضاء الفوائت أكثر من مرة.

    الأحناف يرون: أنه لو صلى ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس عليه أن يقطع الصلاة ثم يستأنفها إذا ارتفعت الشمس، أما العصر فعندهم فيها وجهان: وجه يقول: تقضي صلاة العصر -عصر اليوم- ولو عند غروب الشمس، والوجه الثاني: لا تقضيها إلا بعد الغروب.

    إذاً: مذهب الأحناف قريب من مذهب أبي بكرة وكعب بن عجرة، وهذا نستطيع أن نعتبره في الطرف الثاني، ولذلك تلاحظون أن الأحناف -غفر الله لنا ولهم- شددوا في موضوع أوقات النهي تشديداً لا لزوم له؛ لأنه طبعاً إذا كانوا يقولون: لا تقضوا الفوائت؛ فمن باب أولى أن الصلوات التي لها سبب لا تقضى، مثل تحية المسجد، ومثل ركعتي الطواف، ومثل صلاة الجنازة .. وغيرها، إذا كانت صلاة الفريضة لا تقضى فيها فالنافلة من باب الأولى.

    هذا هو المذهب الثاني، وهو يكون في الطرف الآخر.

    القول الثالث: جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي دون غيرها وأدلته

    المذهب الثالث في الوسط: وهو يقول: لا يبتدئ الإنسان نافلة ليس لها سبب في وقت النهي، لكن له فعل الصلاة التي لها سبب، فيصلي تحية المسجد لأن لها سبباً، ويصلي ركعتي الوضوء لأن لها سبباً، ويصلي ركعتي الطواف لأن لها سبباً، ويصلي الجنازة لأن لها سبباً، ويصلي الكسوف لأن لها سبباً .. وهكذا كل صلاة لها سبب، سجدة التلاوة -على القول بأنها صلاة- تصليها لأن لها سبباً، سجدة الشكر يصليها لأنها لها سبب.

    كل شيء له سبب يصليه حتى في وقت النهي، لكن الممنوع عندهم أن يبتدئ صلاة ليس لها سبب، يعني: إنسان -مثلاً- قال: والله إني الآن نشيط وأريد أن أتنفل بعد صلاة العصر، أصلي خمس تسليمات، نقول له: لا، صلاتك هاهنا لا سبب لها فتمنع.

    لكن إنسان توضأ وقال: أنا توضأت، لم يتوضأ بقصد الاحتيال على النهي، لكنه أحدث وتوضأ فقال: أريد أن أصلي ركعتين، نقول: صلّ، طاف.. صلّ، كسفت الشمس.. صلّ.. وهكذا.

    هذا مذهب الشافعي رحمه الله، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد اختارها جماعة كثيرة من العلماء المحققين القدماء والمعاصرين: ابن تيمية، ابن القيم، الشيخ ابن سعدي، الشيخ ابن باز، ابن عثيمين، ابن قاسم .. وغيرهم من العلماء المحققين.

    يرون أن الإنسان يصلي في وقت النهي الصلوات التي لها سبب.

    وأدلة هؤلاء كثيرة جداً، ما أعتقد أنني أستطع أن أستحضرها، لكنني أذكر منها ما حضرني.

    فمن أدلتهم: قوله صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها )، ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة؛ لأنه قال: (يصلها إذا ذكرها)، وفي بعض طرق الحديث: ( فإن ذلك وقتها )، وهذا دليل على أنه يصلي الفائتة في أي وقت.

    الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة )، فمعناه: أنه من أدرك من الفجر قبل طلوع الشمس أو من العصر قبل غروب الشمس ركعة فقد أدرك الصلاة فيتمها.

    الدليل الثالث: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة وأم سلمة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر ركعتين )، يحافظ عليهما في بيته، ( فسألته عنهما أم سلمة ) لأنه لم يكن يصليهما ثم أحدث صلاتهما بعد، ( فسألته عنهما أم سلمة فقال: هما الركعتان بعد الظهر، شغلني عنهما وفد عبد القيس )، قدم عليه وفد عبد القيس -وهم قبيلة من الأحساء - بالإسلام، أصحاب الجارود، أصحاب الأشج، قدموا فانشغل النبي صلى الله عليه وسلم باستقبالهم عن الراتبة بعد الظهر، فلم يقضها إلا بعد صلاة العصر، ثم حافظ عليها بعد ذلك؛ لأنه إذا عمل عملاً أثبته عليه الصلاة والسلام، وسيأتي مزيد تفصيل لهذه المسألة؛ لأن لها حديثاً يتعلق بها.

    ومن أدلتهم رابعاً: ما ثبت عند أبي داود والترمذي وغيرهما عن يزيد بن الأسود، قال: ( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في مسجد الخيف بـمنى في حجة الوداع، فلما سلم إذا برجلين في أخريات القوم لم يصليا، فقال: عليّ بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما ) يعني: يضطربون وينتفضون من الخوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً قد ألقيت عليه المهابة، وما هي الفرائص؟ جمع فريصة، فما هي الفريصة؟ هذه مثل الكوع والكرسوع، إذا أراد العرب يقولون عن إنسان لا يفقه شيئاً، قالوا: فلان لا يعرف كوعه من كرسوعه، فما هي الفريصة؟

    الذي أذكر أنه أقوى أقوال أهل العلم: أن الفريصة هي اللحمة التي تكون عند الأبط، وهي عادة ترعد إذا أصاب الإنسان شيء من الخوف أو الذعر، وقال بعضهم: هي الركبة.

    المهم: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة )، والحديث صححه الترمذي وابن السكن، وهو وراد في صلاة الفجر، فأمرهم بأن يعيدوا صلاة الفجر نافلة بعد الفجر، فلو كان لا يجوز ذلك لما أذن لهم به النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن أدلتهم على فعل ذوات السبب: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث جبير بن مطعم : ( لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار )، (أية ساعة شاء) فيدخل في ذلك وقت النهي، والحديث رواه الخمسة وسبق.

    من الأدلة: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـبلال : ( يا بلال ! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك أمامي في الجنة ) سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت وخشف نعلي بلال في الجنة: ( فقال بلال رضي الله عنه: ما عملت في الإسلام عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً قط في ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما شاء الله )، فدل على أنه يصلي ركعتي الوضوء في أي وقت، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأدلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( انتهى من الصلاة -صلاة الفجر- يوماً فرأى رجلاً من الصحابة اسمه قيس بن فهد يصلي، فقال له: يا قيس ! أصلاتان معاً؟! تصلي الصلاتين، صلاة الفجر تصليها مرتين! فلما سلم قال: يا رسول الله! إني لم أكن سجدت سجدتي الفجر -يعني: الراتبة قبل الفجر- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا إذاً ) وفي رواية: ( فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ).

    فرخص النبي صلى الله عليه وسلم لـقيس بن فهد أن يصلي ركعتي الفجر إذا فاتته بعد الصلاة.

    وروى ابن حزم أيضاً في المحلى عن رجل من الأنصار: أنه صلى ركعتي الفجر بعد الصلاة، فحدث له كما حدث لـقيس بن فهد، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية قال العراقي : إسنادها حسن.

    ومن الأدلة على الصلاة التي لها سبب: أنه صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على ركعتين بعد العصر كما أسلفت لكم، وقد ثبت هذا في الصحيحين في البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.

    ومن الأدلة: أن العلماء أجمعوا على صلاة الجنازة بعد الفجر وبعد العصر، وقد نقل هذا الإجماع عدد غير قليل من أهل العلم، نقله الشافعي في الأم، ونقله ابن المنذر في الأوسط وغيره، ونقله البغوي وابن تيمية والنووي، نقلوا إجماع أهل العلم على أنه يصلى على الجنازة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر ما لم يكن ذلك في الأوقات المغلظة.

    فإذا كان الإجماع حادثاً على الجنازة لأن لها سبباً؛ فغيرها من ذوات الأسباب مثلها، وإن كان هذا الإجماع ليس مطرداً ثابتاً، بل في المسألة خلاف يسير.

    هذه بعض أدلة القائلين بفعل ذوات الأسباب في وقت النهي، وهذا القول بفعل ذوات الأسباب في وقت النهي في نظري هو الراجح، بقي أشياء في المسألة -إن شاء الله- لعلنا نضيفها في بداية الدرس القادم.

    نقاط متعلقة بأوقات النهي

    إنما أريد أن أؤكد على نقطة، وهي: أن أوقات النهي الثلاثة مغلظة؛ ولذلك ذهب من ذهب من السلف إلى أن النهي محصور في الأوقات الثلاثة كـعائشة وابن عمر وغيرهما؛ وذلك لتغليظ النهي فيهما، وكذلك هي أوقات قصيرة ما بين خمس دقائق إلى عشر دقائق إلى ربع ساعة، أعني: الأوقات المغلظة عند طلوع الشمس وعند الزوال وعند الغروب.

    أمر ثالث: لا أعلم أنه ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يعكر على النهي عن هذه الأوقات، يعني: لم يرد نص يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام أو أحداً من أصحابه صلوا في أوقات النهي هذه، خاصة عند طلوع الشمس وعند غروبها، اللهم قد يقال: عند الزوال ورد أن الصحابة كانوا يتنفلون حتى يخرج عمر كما سبق، وإن كان هذا ورد النهي عنه، والجواب عليه.

    أما عند طلوع الشمس وعند غروبها فلا أعلم أنه ثبت ما يعكر على هذا النهي، ولذلك أرى أن أي صلاة يمكن تأجيلها عند طلوع الشمس وعند غروبها حتى ترتفع قدر رمح، وحتى تغيب، فإن الأجدر بالإنسان أن يؤجلها ولا يصليها في هذا الوقت المغلظ.

    في الأسبوع القادم -إن شاء الله- نستكمل أحاديث النهي إلى نهاية المواقيت.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.