إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 163-165-أ

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 163-165-أللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله سبحانه الصلوات الخمس وجعل لها مواقيت محددة لا يجوز مخالفتها إلا في حالات مخصوصة، وأول هذه الفروض صلاة الظهر ووقتها بعد زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله ثم يدخل وقت العصر ويستمر إلى غروب الشمس فيدخل وقت المغرب، فإذا غاب الشفق الأحمر دخل وقت العشاء، ويدخل وقت الفجر بطلوع الفجر الصادق.

    1.   

    مواقيت الصلاة

    تعريف المواقيت

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم.

    ننتقل إلى كتاب المواقيت.

    فأقول المواقيت: جمع ميقات، وهو الوقت المحدد لأداء الفريضة، وقد أجمع أهل العلم على أن الله تبارك وتعالى شرع للصلاة أوقاتاً محددة مخصوصة لا يجوز إيقاعها قبلها بحال من الأحوال، يعنى: لا يجوز إيقاع الصلاة قبل وقتها بحال من الأحوال، كما لا يجوز تأخيرها عنها، وذلك لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، معنى (كتاباً) أي: مكتوباً واجبا مفروضاً، وقوله: (موقوتاً) أي: محدداً في أوقاته، فمعنى (كتاباً موقوتاً) أي: مفروضاً في أوقاته.

    والوقت من آكد شروط الصلاة؛ ولذلك تضاف الصلاة إلى وقتها فيقال: صلاة الظهر، صلاة العصر، صلاة المغرب، وهكذا، فإنما أضيفت الصلاة إلى وقتها لأن الوقت من آكد فروض الصلاة وشروطها، ولا يجوز لأحد أن يؤخر الصلاة عن وقتها لا لعذر ولا لغير عذر، ولكن المعذور يجوز له أمران:

    أولهما: ترك ما عجز عنه من واجبات الصلاة.

    الثاني: جواز الجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. أما تأخيرها عن وقتها فلا يجوز لا لعذر ولا لغير عذر.

    اختلاف الفقهاء في الترتيب بين الأوقات في مصنفاتهم

    والعلماء يبدءون كتاب الصلاة بباب المواقيت؛ لأهمية المواقيت وعظم شأنها، ولذلك بدأ به المصنف في أول كتاب الصلاة، إنما يلاحظ أن الفقهاء حين يدخلون بالتفصيل فيما يتعلق بالمواقيت يتفاوتون، فمنهم من يبدأ بميقات صلاة الفجر، وهذا هو الذي عليه غالب الفقهاء، وذلك لأسباب، منها:

    أنها أول وقت في الصلاة؛ ولذلك صارت الصلاة الوسطى صلاة العصر: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]؛ لأن الفجر والظهر قبلها في النهار والمغرب والعشاء بعدها، فهي الوسطى، فدل على أن أول الصلوات الفجر، وبهذا تكون العصر هي الوسطى، وكونها هي الوسطي ثابت في أحاديث، منها حديث علي في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: ( ملأ الله عليهم قبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر )، وفى صحيح مسلم نحوه عن ابن مسعود رضي الله عنه.

    وكذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر في حديث بريدة وهو الحديث الثامن من أحاديث الباب، وفى حديث أبي موسى وهو الحديث الثالث، كما يبين -إن شاء الله- عند ذكرهما بعد قليل، وهذا المسلك -يعني: البداءة بوقت صلاة الفجر- قال ابن تيمية رحمه الله في الاختيارات وغيرها: وهو أجود، وهو الذي عليه بعض فقهاء الحنابلة كالقاضي في بعض المواضع، وأبي الخطاب وغيرهما.

    أما فقهاء الشافعية وآخرون من الحنابلة فإنهم يبدءون بوقت صلاة الظهر، يبدءون بميقات صلاة الظهر، ولعل مأخذهم في ذلك أولاً: قول الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] فبدأ بوقت الظهر الذي يبدأ بدلوك الشمس، يعنى: زوالها.

    وكذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به، كما في حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وقت الظهر إذا زالت الشمس ) وهو أول حديث في هذا الباب، فبدأ بوقت صلاة الظهر، وكذلك اقتداءً بـجبريل عليه الصلاة والسلام حين أم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك كما في حديث ابن عباس وجابر وأبي هريرة، وسوف تأتي إن شاء الله تعالى بعد قليل. على كل حال الخطب يسير، سواء بدأ بالفجر أم بالظهر.

    1.   

    شرح حديث: (وقت الظهر إذا زالت الشمس...)

    الحديث الأول من أحاديث المواقيت: هو حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس، أو: ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس ).

    تخريج الحديث

    المصنف عزا الحديث إلى مسلم .

    وقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، وزاد في آخره بعد قوله: ( ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان ). والحديث رواه أيضاً أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    في هذا الحديث بعض الكلمات التي تحتاج إلى بيان:

    منها قوله: (إذا زالت الشمس) ومعنى (زالت) ويقال: (زاغت)، ويقال: (دلكت)، ويقال: (دحضت)، كلها بمعنى: زالت وزاغت ودلكت ودحضت معناها واحد، وهو يعنى: انتقال الشمس من كبد السماء ووسطها إلى جهة المغرب، ويعرف ذلك بتحول الظل وزيادته من جهة المشرق.

    و الزوال يقع في الحقيقة قبل أن يجد الناس أثره، يعنى: زيادة الظل من جهة المشرق تأتي متأخرة عن الزوال؛ ولذلك لا عبرة بوجود الزوال حقيقة، إنما العبرة بأثره الذي يعرف بتحول الظل وزيادته، وكيف يعرف الزوال؟ ذكرت أنه يعرف بزيادة الظل وتطاوله من جهة المشرق، وذلك بأن يضع الإنسان عصا أو ينظر إلى ظله هو، فإذا توقف الظل عن النقص عند الزوال فهذه لحظة الزوال، ثم إذا بدأ في الزيادة بعد تناهي قصره فهنا تكون الشمس قد زالت فعلاً ودخل وقت صلاة الظهر، ويمكن معرفته بأن يعرف أن الزوال هو منتصف النهار الفلكي، بمعنى أن وقت الزوال هو أن تقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها إلى قسمين فمنتصفها هو الزوال، فلو كان ما بين طلوع الشمس -مثلاً- إلى غروبها ثنتي عشرة ساعة كان الزوال بعد طلوع الشمس بست ساعات، هذا ما يعرف به الزوال.

    قوله: (وكان ظل الرجل كطوله) هذا القيد فيه إشكال، من جهة أن زوال الشمس يقع قبل أن يكون ظل الرجل كطوله، فقوله: (وكان ظل الرجل كطوله) العطف هاهنا لا يعنى أنهما علامة واحدة، بل هما علامتان، فالزوال هو علامة على بداية وقت الظهر، أما قوله: (وكان ظل الرجل كطوله) فهو علامة على انتهاء وقت الظهر، يعني: كأن معنى الحديث: وقت الظهر إذا زالت الشمس ويستمر الوقت إلى أن يكون ظل الرجل كطوله، فهو ليس عطفاً على ما قبله في الحكم، وإنما هو بيان لنهاية وقت صلاة الظهر.

    و ذكر أهل العلم -النووي وابن قدامة وغيرهما- أن ظل أي إنسان يكون قدر ستة أقدام ونصف بقدم نفسه، كل إنسان إذا أراد أن يعرف طول ظله فهو ستة أقدام ونصف بقدمه هو، والمقصود أن يكون ظل الرجل كطوله، هذا في الفيء، يعني: بعد الزوال وبعد فيء الزوال، فحينئذ ينتهي وقت صلاة الظهر. ‏

    المراد بالشفق

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) الشفق: جمهور أهل العلم على أنه الحمرة التي تكون في الأفق الغربي بعد غياب الشمس، وقد نقل البيهقي هذا -أن الشفق هو الحمرة- عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، كـعمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس، وعن جماعه من التابعين أيضاً كـسفيان وغيره، أنهم يقولون: الشفق هو الحمرة، ونقله ابن المنذر أيضاً عن ابن أبي ليلى وأحمد ومالك وسفيان الثوري وأبي ثور وداود وغيرهم من أهل العلم.

    وذهب علماء آخرون إلى أن المقصود بالشفق: البياض الذي يكون بعد الحمرة، وهذا مذهب أبي حنيفة وزفر، والمزني وابن المنذر وهما من الشافعية، يقولون: الشفق هو البياض، وحين أقول: مذهب أبي حنيفة فإنما هو مذهبه شخصياً، أما بعض الحنفية -كـمحمد بن الحسن وغيره- فإنهم كالأولين يقولون: الشفق: الحمرة.

    والصحيح الأول، أن المقصود بالشفق: الحمرة؛ لأن هذا هو المعروف عند العرب، كما قال الأزهري : الشفق عند العرب الحمرة، وكما نقل الفراء أن بعض العرب رأى رجلاً عليه ثوب أحمر فقال: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق. ونقل هذا عن العرب جماعة من أئمة اللغة العربية، كـالخليل بن أحمد والجوهري وابن جريج والأزهري -كما أسلفت- والزبيدي وغيرهم، فالصحيح عن العرب أن الشفق الحمرة، والنصوص الشرعية تحمل على معناها اللغوي.

    معنى نصف الليل الأوسط

    وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط) (الأوسط): هذه جاءت في بعض الروايات دون بعض، وفيها نوع من الأشكال، إذ إن نصف الليل معروف، فما معنى الأوسط، نقل بعض الشراح أن الأوسط صفة لليل، فعلى هذا يكون وقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط يعني: أننا ننظر لليل المعتدل الذي ليس طويلاً ولا قصيراً بل هو متوسط، وهو اثنتا عشرة ساعة، فنقسمه إلى قسمين: نصفه ست ساعات، فنقول: وقت صلاة العشاء يمتد إلى ست ساعات منذ غروب الشمس، سواء كان ذلك في الصيف أو في الشتاء، هذا على اعتبار أن كلمة الأوسط صفة لليل.

    ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بهذا؛ فلذلك هذا القول مردود، والصحيح أن الأوسط صفة للنصف، وهي صفة مؤكدة، والمعنى: أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى نصف الليل الذي يكون ما قبله مساوياً لما بعده معادلاً له، لا يزيد عليه ولا ينقص منه، فتكون صفة مؤكدة للنصف، يعني: كأن المعنى: نصفه تماماً، هذا هو الصحيح وهو المعتمد عند كافة أهل العلم. هذه الكلمات مشكلة في حديث عبد الله بن عمرو.

    1.   

    شرح حديث بريدة في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم سائلاً مواقيت الصلاة

    أما حديث بريدة الذي ساقه المصنف فقال: وله من حديث بريدة في العصر ( والشمس بيضاء نقية )، فالمعنى أنه في مسلم أيضاً، وقد رواه مسلم في الموضع السابق المشار إليه، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، وهو حديث فصل فيه المواقيت، حيث فيه: ( أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم صل معنا. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن الفجر بغلس، ثم صلى الفجر حين انشق الفجر، ثم أمره فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم أمره فصلى العصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فصلى المغرب حين وجبت الشمس -يعني: غربت-، ثم أمره فصلى العشاء حين سقط الشفق -يعني: غاب-، ثم أمره من الغد فنور بالصبح -يعني: أخر الصلاة حتى أسفر- ثم أمره فأبرد بالظهر، ثم أمره فصلى العصر والشمس بيضاء نقية لم يخالطها صفرة، ثم أمره فصلى المغرب قبل غياب الشفق، ثم أمره فصلى العشاء حين ذهب ثلث الليل أو بعضه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: أين السائل؟ ما بين ما رأيت وقت ). فهذا الحديث بطوله، وقد رواه أيضاً أبو داود والنسائي وأحمد .

    أما الحديث الثالث -وهو حديث أبي موسى وقوله صلى الله عليه وسلم: ( والشمس مرتفعة )- فهو أيضاً من رواية مسلم في الموضع السابق، وفيه قصة، القصة السابقة في حديث بريدة : ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المواقيت، فصلى الفجر في أول وقتها )، إلى أن جاء وقت العصر، فقال في المرة الأولى: ( فصلى العصر والشمس مرتفعة ) وفي المرة الثانية: ( والشمس بيضاء نقية ) إلى آخر الحديث.

    وبذلك نعلم أنه لم يكن لسياق المصنف حديث أبي موسى من فائدة تذكر.

    سؤال: سياق المصنف لحديث أبي موسى ليس فيه فائدة تذكر، فلماذا؟

    لأن اللفظة التي في حديث أبي موسى : ( والشمس مرتفعة ) موجودة في حديث بريدة الذي قبله، وإن كان المصنف لم يسقها، لكنها موجودة، فلو ساقها من حديث بريدة -ما دام ساق حديث بريدة - لكفى ذلك عن ذكر حديث أبي موسى، إلا إن كان المصنف أراد أن يشير إلى أحاديث متعددة في المواقيت، فهذا لا بأس به.

    أسماء صلاة الفجر

    أبدأ بذكر الميقات الأول وهو ميقات صلاة الفجر، موافقة لجمهور الفقهاء كما ذكرت قبل قليل.

    فأولاً: صلاة الفجر لها أسماء، تسمى الفجر، وتسمى الصبح، وتسمى الغداة، فما هو الاسم الذي ورد لها في القرآن الكريم؟ الفجر، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ [النور:58].

    مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ [النور:58]، فنص على صلاة الفجر.

    أما الصبح فقد وردت في السنة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن عمرو هذا: ( وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس ).

    وأما الغداة فقد وردت من كلام الصحابة في السنة، كما في حديث أبي برزة الأسلمي المتفق عليه: ( وكان ينصرف أو ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه )، وسيأتي إن شاء الله، هذه أسماؤها.

    أول وقت صلاة الفجر

    ثانياً: ما يتعلق بدخول وقتها، فقد اتفق المسلمون كافة على أن وقت صلاة الفجر يبدأ بطلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، فما هو الفجر الثاني؟

    الفجر فجران:

    الفجر الأول: الذي يسمى الفجر الكاذب، وهو البياض المستطيل إلى أعلى، وهذا الفجر -كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم- كذنب السرحان، يعني: الذئب، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا هذا المستطيل -باللام- في الأفق حتى يستطير هكذا. وحكاه حماد بيديه، قال: يعني: معترضاً ) وهذا الحديث رواه مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.

    وكذلك في الصحيحين: ( أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الفجر الكاذب: لا يغلبنكم على سحوركم أذان بلال فإنه يؤذن بليل، وليس أن يقول هكذا - وأشار صلى الله عليه وسلم بيديه فرفعهما إلى فوق، وطأطأهما إلى أسفل، يعني: الفجر الذي يكون مرتفعاً إلى جهة السماء- حتى يقول هكذا، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سبابتيه إحداهما على الأخرى )، (حتى يقول هكذا)، والمعنى: أن الفجر الكاذب لا عبرة به.

    ولذلك أجمع أهل العلم على أن الفجر الكاذب لا يتعلق به شيء من الأحكام، وهو الفجر الذي يكون مستطيلاً كما ذكرت، ويكون تحته ظلمة ولا يستمر بل يزول.

    أما الفجر الصادق فهو الفجر المعترض المنتشر في الأفق، وليس معه أو بعده ظلمة، بل يستمر، فهذا هو الفجر الصادق الذي تعلق به الأحكام من الصلاة والصيام وغيرها، هذا أول وقت الفجر بإجماع المسلمين.

    آخر وقت صلاة الفجر

    أما آخر وقت الفجر فقد ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أنه ينتهي بطلوع الشمس، يعني: بطلوع أول قدر من الشمس، وهذا ثبت في أحاديث صحيحة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم هاهنا في ابن عمرو : ( ما لم تطلع الشمس )، وفي حديث أبو موسى الأشعري الذي أشار إليه المصنف ورواه مسلم، قال: ( وصلى الفجر فانصرف منها والرجل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت )، وفي بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه في صحيح مسلم أيضاً في بعض طرق حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صليت الفجر فإنه وقت ما لم يطلع قرن الشمس الأول ).

    فدل على أن وقت الفجر يمتد إلى طلوع الشمس، وهذا مذهب الجماهير، لكن خالف في ذلك الإصطخري من الشافعية فقال: إذا صلى الفجر بعد الإسفار فهي قضاء، يحتج بحديث ابن عباس : ( أن جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى به الفجر حين أسفرت الأرض )، والحديث رواه الترمذي وأبو داود وغيرهم، وهو حديث حسن صححه جماعة من أهل العلم كـالترمذي وكـالحاكم والذهبي وابن العربي وابن عبد البر والنووي وغيرهم .

    وله شاهد من حديث جابر عند النسائي وسنده حسن أيضاً صححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني، وله شاهد أيضاً من حديث أبي هريرة عند النسائي وسنده حسن، وكلها: ( بأن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وفي آخره، ثم قال له: الصلاة بين هذين الوقتين )، فهذه حجة الإصطخري .

    وهي حجة غير سليمة من وجوه عديدة، منها: أنه لا يمنع أن يكون جبريل أم بالنبي صلى الله عليه وسلم في وقت اختيار، ومنها أنه قال: ( صلى الفجر حين أسفرت الأرض ) وهذا يشبه قوله: حين نور بالفجر، وقوله: كادت الشمس تطلع. فالصحيح قول الجمهور أن وقت الفجر إلى طلوع الشمس.

    ذكر ما قيل في كون صلاة الفجر ليلية أو نهارية

    نقطة أخرى فيما يتعلق بصلاة الفجر: هل صلاة الفجر ليلية أم نهارية؟

    الجمهور على أنها صلاة نهارية، وهي أول صلاة النهار، وهذا هو الصحيح، كيف صحيح؟

    أولاً: لأن صلاة العصر هي الوسطى، وقد سبق ذكر دليلين على ذلك، حديث علي في الصحيحين، وحديث ابن مسعود عند مسلم، أن صلاة العصر هي الوسطى، وبناءً عليه لابد أن تكون الفجر هي أول صلاة النهار.

    ومنها أن طلوع الفجر الثاني يبدأ به النهار الشرعي؛ ولذلك اتفق العلماء على وجوب الإمساك بطلوع الفجر الثاني، كما في قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187].

    وخالف في ذلك بعض الصحابة كـحذيفة وأبي موسى، والصحيح قول الجمهور. والله تبارك وتعالى أعلم.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.