إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب التيمم - حديث 141-144

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب التيمم - حديث 141-144للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الفقهاء في عدد ضربات التيمم فقيل: ضربتان، وقيل: ثلاث، وقيل: واحدة وهو الراجح، كما اختلفوا في قدر ما يمسح من اليد، هل الذراع كاملاً، أم إلى المرفقين، أم الكف فقط، وبعد التحقيق ترجح القول الثالث، والتيمم يرفع الحدثين: الأكبر والأصغر، ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء وجب عليه أن يمسه جلده لحدثه الأكبر.

    1.   

    شرح حديث: (التيمم ضربتان ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين....

    هو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين )، ذكره المصنف رحمه الله ونسبه للدارقطني، وبين أن الأئمة صححوا وقفه. أي أنه موقوف على ابن عمر، وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    والحديث رواه الحاكم والبيهقي وغيرهم موقوفاً, وأما المرفوع فإن فيه علي بن ظبيان وهو ضعيف، بل ضعيف جداً, وقد طعن فيه الأئمة كــأبي زرعة، وأبي حاتم، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأبي داود، والنسائي وغيرهم، طعنوا فيه طعناً شديداً، ومع ذلك فإن غيره قد خالفه في ذلك, فقد رواه الثقات موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنه من قوله هو، كما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر من قوله رضي الله عنه أنه قال: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين).

    فالصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عمر وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ورفعه إليه عليه الصلاة والسلام لا يصح، بل هو منكر؛ لتفرد علي بن ظبيان به.

    وقد ورد ذكر الضربتين في التيمم عن جمع من الصحابة غير عبد الله بن عمر، فورد ذلك عن جابر، وأبي أمامة، وعائشة، وعمار، وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين, ولكن جميع الأحاديث الواردة في ذكر الضربتين هي ما بين ضعيف جداً ومنكر وضعيف وشاذ، فلا تقوم بها حجة .

    عدد ضربات التيمم

    وفي الحديث مسألتان لابد من معرفتهما:

    المسألة الأولى: مسألة عدد الضربات في التيمم, أهي ضربة واحدة، أم ضربتان، أم ثلاث ضربات؟

    قال كثير من أهل العلم: إن التيمم ضربة واحدة فقط تكفي للوجه والكفين, وهذا مذهب الإمام أحمد، وإسحاق، ومكحول، والأوزاعي، وداود الظاهري، ونسبه الخطابي رحمه الله لعامة أصحاب الحديث, بل نسبه ابن المنذر إلى جمهور العلماء, واختاره ابن المنذر أيضاً وغيره من الشافعية.

    واستدل أصحاب هذا القول بأدلة أصحها حديث عمار في الصحيحين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ).

    والدليل الثاني: هو حديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، وهو في صحيح مسلم كما سبق, وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب الجدار بيديه ضربة واحدة )، فقالوا: هذا دليل على أن التيمم تكفي فيه ضربة واحدة لا يزيد عليها، ويمسح بها وجهه وكفيه، هذا هو القول الأول.

    أما القول الثاني : فقالوا: إن التيمم ضربتان, ضربة للوجه, وضربة لليدين, وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية والأحناف, ونقل عن جمع من الصحابة كـابن عمر وعلي , وكذلك التابعين كـالحسن والشعبي والثوري وغيرهم.

    واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها حديث ابن عمر هذا.. حديث الباب: ( التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين ).

    ولا شك أن الاستدلال بهذا الحديث فيه نظر باعتباره حديثاً مرفوعاً؛ لأن الصحيح أنه موقوف كما أسلفت، فلا يصح الاستدلال به, وغاية ما فيه الدلالة على أن هذا القول هو مذهب عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وهو صحيح عنه بلا شك, أما رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلا يصح، ولا يصح الاستدلال به.

    ومن أدلتهم على أن التيمم ضربتان : ما رواه الطبراني في الأوسط وغيره عن عمار : ( أن قوماً سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عمن أحدث ولم يجد الماء فقال: ضربة للوجه, وضربة لليدين ) .

    وهذا الحديث أيضا ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم, إضافة إلى أنه مخالف للأحاديث الصحيحة عن عمار رضي الله عنه كما في الصحيحين وغيرهما: من أن التيمم ضربة واحدة.

    وثمة قول ثالث في المسألة: وهو منسوب إلى ابن سيرين وغيره أنه يضرب ثلاث ضربات: ضربة لكفيه, وضربة لوجهه, وضربة ليديه.

    وما دليل أصحاب هذا القول؟ قال الإمام الشوكاني رحمه الله كما في نيل الأوطار :لم أقف لهم على ما يصلح متمسكاً للوجوب, فليس لمن قالوا بالضربات الثلاث دليل يعضد قولهم أو يسنده.

    وبناء على ذلك فإن القول الراجح في هذه المسألة هو أن التيمم ضربة واحدة, وذلك لقوة أدلته، حيث إنها في الصحيحين, وكذلك لأن التيمم كما هو معروف رخصة وتيسير من الله تعالى على عباده عند فقد الماء أو التضرر باستعماله, والذي يتناسب مع الرخصة التخفيف والاكتفاء بضربة واحدة، كما سبق مثله في أمور كثيرة مثل المسح على الخفين, وكذلك مسح الرأس في الوضوء والأذنين, وأن الراجح في ذلك الاكتفاء بمرة واحدة, فكذلك التيمم هو من باب التيسيرات التي يسرها الله تعالى على عباده, فيناسب فيها أن يكتفى بضربة واحدة.

    لكن من ضرب ضربتين، أو من رأى أحداً يضرب ضربتين كما يلاحظ الآن في بعض المتمسكين بمذهب الشافعية أو الأحناف أو غيرهم، فإنه لا ينبغي أن ينكر عليه في ذلك, إن ناسب أن يعلم الأفضل والأصح علم وإلا لا ينكر عليه؛ لأن هذا ثبت عن جمع من الصحابة كما أسلفت, وهو مذهب عدد من الأئمة المتبوعين، فمثل هذا مما لا يسوغ فيه الإنكار والتشديد على المخالفين, هذه مسألة في حديث ابن عمر في قوله: (التيمم ضربتان).

    قدر ما يمسح من أعضاء التيمم

    أما المسألة الثانية: فهي قدر ما يمسح من العضو, هل يمسح الكف؟ يعني يمسح الكف إلى الكوع.

    هل يكتفى بمسح الكف فقط، أم يمسح الذراع إلى المرفق؟ أم يمسح أيضاً إلى العضد.. إلى الأبط أيضاً؟ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أنه يمسح الكفين فقط, وهذا مذهب مكحول، والأوزاعي، وابن المنذر، وإسحاق، وداود، والإمام أحمد، وجمهور أهل الحديث أيضاً: أنه يكتفي بمسح الكف فقط ولا يمسح الذراع.

    واستدلوا لذلك بحديث عمار أيضاً، فإنه ذكر مسح ظاهر كفيه ووجهه, وهو صريح في الاقتصار على مسح ظاهر الكفين دون أن يمسح إلى المرفق.

    ومما استدلوا به أيضا قالوا: إن عماراً رضي الله عنه وهو صاحب القصة, وهو صاحب الشأن, وهو راوي حديث التيمم, كان يفتي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسح الكفين إلى الكوعين فقط دون مسح الذراع, هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: وهو مذهب الطائفة الأخرى من العلماء: الشافعية والأحناف والمالكية, ونسب لجمع من الصحابة والتابعين سبق ذكرهم في المسألة الأولى، قالوا: يمسح يديه إلى المرفقين، كما يغسل في الوضوء يعني, لكن يكتفي بالمسح هاهنا.

    واستدل هؤلاء بأدلة: منها قوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء:43].

    قالوا: المقصود بالأيدي في هذه الآية الأيدي إلى المرافق، وما هي القرينة على أن المقصود الأيدي إلى المرافق؟ قالوا: لا يكتفى بدلالة الإطلاق، بل الأشد من ذلك أنهم قالوا: إنه في أول الآية قال: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، فذكر الغسل، وذكر فيه الأيدي إلى المرافق, قالوا: فقوله في آخر الآية: وأيديكم يعني: إلى المرافق كما سبق في أول الآية.

    وكذلك استدلوا بحديث ابن عمر هذا: ( التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين )، وهو نص في المسألة لولا أنه لا يصح مرفوعاً.

    وكذلك استدلوا ببقية الأحاديث الواردة في مسح اليدين إلى المرفقين, وقد ذكرت أن هذا المعنى ورد عن خمسة من الصحابة، منهم ابن عمر، وعمار، وجابر، وعائشة، وأبي أمامة , ولكن جميع هذه الأحاديث الواردة في المسح إلى المرفقين ضعيفة، فهذه الروايات ما بين شاذ ومنكر وضعيف جداً وضعيف، فلا تقاوم الأحاديث التي في الصحيحين.

    فهذا المعنى ورد عن ابن عمر رضي الله عنه كما في حديث الباب (التيمم ضربتان)، ورد أيضاً عن غيره من الصحابة موقوفاً عليه, ولذلك فإن البيهقي رضي الله عنه ورحمه الله، بعد أن استقصى طرق الأحاديث الواردة في أن التيمم إلى المرفقين, ومنها حديث عن عمار أيضاً, حتى التيمم إلى المرفقين جاء في حديث عن عمار , فلما استقصى البيهقي هذه الطرق بين أنها كلها ضعيفة, ورجع يستدل بحديث ابن عمر .. حديث الباب, فدل على أنه لا يوجد في ذلك شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فهذه أدلة من قالوا بأنه يمسح إلى المرفقين.

    القول الثالث: وقد نسب لبعض السلف أنه يمسح إلى الآباط أو إلى العضدين.. يعني إلى نهاية العضد, وهذا نسبه الماوردي للزهري , وقال الإمام النووي في المجموع : لا أظنه يثبت عنه, وليس ببعيد أن يرد هذا عن الزهري , فإنه قد روى الأئمة النسائي، وابن ماجه، وأبو داود عن الزهري من حديث عمار ذكر التيمم إلى الآباط: ( أن قوماً سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر لهم التيمم إلى الآباط ).

    فقد يكون الزهري -إن صح هذا الحديث عنه.. وصح هذا القول- أخذ بهذه الرواية، فقال بأن التيمم إلى الآباط، وهو قول ضعيف وغريب, حتى إن الخطابي رحمه الله لما ذكر الأقوال في قدر التيمم ذكر القول الأول بأنه للكفين فقط, ثم ذكر القول الثاني بأنه إلى المرفقين, وقال: ولم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يتجاوز بالتيمم المرفقين.

    فكأن الخطابي رضي الله عنه لم يقف على هذا القول للزهري , في أنه يتيمم إلى الآباط.

    و الصحيح من هذه الأقوال الثلاثة أيضا هو القول الأول, وأنه يبتدئ بالتيمم بمسح الكفين دون الوصول إلى المرفقين, وذلك لصحة دليله وثبوته، وكون عمار رضي الله عنه يفتي به بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما سبق, ولأنه أيضاً هو المناسب للرخصة كما أوردته في ترجيح القول الأول.

    ويقال في هذا أيضاً ما يقال في السابق, فإن هذا القول ما دام ثبت عن ابن عمر وجمع من الصحابة من قولهم، لا ينبغي أن يشدد فيه على المخالف, لكن إن أمكن أن يعلم السنة والأصح أخبر بها, فإن أصر على ما تعلمه من شيوخه فله سلف في ذلك كـابن عمر وجابر وغيرهما, فلا ينبغي أن يشدد في الإنكار على هؤلاء.

    هاتان مسألتان في حديث ابن عمر : ( التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين ).

    1.   

    شرح حديثي أبي هريرة وأبي ذر في الضرب على الصعيد عند فقد الماء

    أما الحديث الآخر وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين, فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته ).

    تخريج الحديثين

    وهذا الحديث رواه البزار كما ذكر المصنف وصححه ابن القطان، وقد رواه البزار وزاد في آخره: ( فإن ذلك خير )، يعني: (فليتق الله وليمسه بشرته، فإن ذلك خير ).

    وكذلك رواه الطبراني في معجمه الأوسط بأطول من ذلك, وذكر في أوله قصة لـأبي ذر رضي الله عنه: ( أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فسكت, ثم قال بعد قليل يا رسول الله! فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فسكت, ثم قال مرة ثالثة يا رسول الله! فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فسكت, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا أبا ذر

    ما لك؟!

    قال: إني جنب, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الجارية أن تأتي له بماء فاغتسل, ثم قال له: عليك بالصعيد ) وذكر الحديث.

    وهذا الحديث قال فيه ابن القطان كما ذكره المصنف وغيره: إسناده صحيح, وهو غريب من حديث أبي هريرة، فكأن ابن القطان يصحح الإسناد، لكنه يضعف المتن من طريق أبي هريرة , بل صرح بأن له علة.

    وأما حديث أبي ذر رضي الله عنه فإن المصنف عزاه للترمذي، والترمذي رواه, وقال: حديث حسن صحيح, ولكن رواه أيضا غيره أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، فهو مما يصح أن يقال فيه: رواه الخمسة, رواه أصحاب السنن الأربعة, ورواه الإمام أحمد رحمه الله، فقد رواه الخمسة، وكذلك رواه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم وغيرهم.

    وقد صحح حديث أبي ذر جمع من الأئمة منهم الترمذي كما ذكر المصنف, فإنه قال: هذا حديث حسن صحيح, ومنهم الحاكم فإنه قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين, ومنهم النووي فإنه قال: حديث صحيح، وغيرهم من الأئمة, فحديث أبي ذر بكل حال صحيح, ويشهد له حديث أبي هريرة، ويشهد هو لحديث أبي هريرة، فيقوي أحدهما الآخر أيضاً.

    التيمم يرفع الحدث الأكبر

    وهذان الحديثان؛ حديث أبي ذر وحديث أبي هريرة دليل على أن التيمم رافع للحدث الأكبر كما سبق تقريره, وهو مذهب جماهير العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : ( الصعيد وضوء المؤمن )، وفي رواية: (طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ).

    وظاهر من خلال السبب الذي ورد في حديث أبي هريرة , وورد السبب نفسه أيضا في حديث أبي ذر فإنه قال رضي الله عنه في حديثه: ( اجتويت المدينة، فأمر لي النبي صلى الله عليه وسلم بإبل فخرجت بها فأجنبت, فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فقال: الصعيد طهور المؤمن وإن لم يجد الماء عشر سنين ).

    فظاهر من خلال السبب أن هذا الحديث جاء في مقام التطهر من الجنابة, فهو يدل على أن التيمم يرفع الحدث الأكبر كما يرفع الحدث الأصغر.

    تحديد فقد الماء بعشر سنين ليس له مفهوم

    وهو دليل على أن هذا الأمر وإن طال فإنه يجزئ عن الإنسان، بحيث لو أن الإنسان مثلاً مكث عشر سنين وهو في البرية بعيداً عن الماء فإنه يكتفي بالتيمم من الحدث الأصغر ومن الحدث الأكبر.

    لكن لو مكث أكثر من عشر سنين مثلاً، مكث عشرين سنة مثلاً، أو خمس عشرة أو أقل أو أكثر، فهل يجزئه التيمم؟

    إذاً: قوله صلى الله عليه وسلم (وإن لم يجد الماء عشر سنين) لم يخرج مخرج التحديد، بمعنى أن العدد ههنا ليس له مفهوم كما قال الأصوليون, فلو مكث أكثر من عشر سنين فإنه أيضاً يجزئه التيمم ما دام معذوراً في ذلك.

    حكم استعمال الماء للجنابة التي تيمم لها

    وفي الحديث مسألة أخرى، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته )، فإن هذا دليل على أن الذي رفع حدثه بالتيمم إذا وجد الماء وجب عليه استعمال الماء, وإن لم يتجدد له حدث بعد ذلك, يعني: لو افترضنا أنه جنب ثم رفع حدثه بالتيمم وصلى ما شاء الله له أن يصلي، ثم وجد الماء بعد ذلك، فإنه يقال له: يجب عليك أن تستعمل الماء الآن ما دام وجدته عن جنابتك الأولى التي تيممت منها.

    وهذا القول هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء بما في ذلك الأئمة الأربعة وغيرهم, والأدلة عليه كثيرة, منها: حديث أبي هريرة حديث الباب, ومنها: حديث أبي ذر حديث الباب أيضاً في قوله: ( فليتق الله وليمسه بشرته ) , ومنها: حديث عمران بن حصين في الصحيحين: ( في قصة الرجل الذي كان جنباً لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم, فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: ما لك لم تصل معنا؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: عليك بالصعيد فإنه يكفيك, فتيمم الرجل وصلى, فلما جاء الماء دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أعطاه ماء, وقال له: خذ هذا فأفرغه عليك ).

    وقد حكى الإمام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى في أكثر من موضع: أن وجوب استعمال الماء للمتيمم إذا وجد الماء ثابت بالنص والإجماع, فأما النص فهذه الأحاديث, وأما الإجماع فإن العلماء اتفقوا على أنه يجب عليه أن يستعمل الماء إذا وجده، إلا أنه نقل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -من التابعين- أنه لا يجب عليه أن يستعمل الماء، بمعنى أن حدثه زال بالتيمم فلا يستعمل الماء, لكن هذا قول شاذ خالف فيه أبو سلمة جماهير أهل العلم, بل لعل الإجماع انعقد على ذلك بعد أبي سلمة فلا يكاد يوجد من قال بهذا القول بعده.

    فالصحيح أنه يجب عليه أن يستعمل الماء إذا وجده أو زال المانع, وهذا يؤخذ من قوله: (فليتق الله وليمسه بشرته)، والكلام في الوضوء كالكلام في الغسل, يعني: الكلام في الحدث الأصغر كالكلام في الحدث الأكبر.

    1.   

    شرح حديث أبي سعيد في قصة الرجلين اللذين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء

    الحديث الرابع: هو حديث أبي سعيد رضي الله عنه: ( في قصة الرجلين اللذين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا, ثم وجدا الماء في الوقت, فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء, ولم يعد الآخر, ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له, فقال للذي لم يعد: أصبت السنة, وأجزأتك صلاتك, وقال للآخر: لك الأجر مرتين ).

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    الحديث رواه أيضاً الحاكم والدارمي والدارقطني وغيرهم, وقد اختلف العلماء فيه, فرجح جمع من الأئمة أن الحديث مرسل من مراسيل عطاء بن يسار , وأن ذكر أبي سعيد في الحديث غير محفوظ, وممن رجح هذا كما أشار إليه المصنف الدارقطني، ورجحه أيضاً أبو داود في سننه، والمصنف وغيرهم, وذلك لأن الحديث تفرد بوصله عبد الله بن نافع عن الليث , وخالفه غيره من الأئمة الثقات فلم يذكروا في الحديث أبا سعيد بل ذكروه مرسلاً, ولذلك يترجح المرسل، إلا أن الحديث رواه أبو علي بن السكن موصولاً من طريق أبي الوليد الطيالسي عن الليث , ولذلك يحتمل أن يقال: إن طريق أبي علي بن السكن عن أبي الوليد الطيالسي عن الليث تقوي أن يكون الحديث موصولاً, وسواء ثبت الحديث موصولاً، أو ورد وصح مرسلاً كما هو رأي الأكثرين، فإن له شاهداً من حديث ابن عباس رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم وصلى, فقيل له: الماء منك قريب, فقال صلى الله عليه وسلم: لعلي لا أبلغه )، وكذلك ورد عن ابن عمر وغيره كما سيأتي.

    حكم من وجد الماء في الوقت بعد أن تيمم للفرض وصلى

    المسألة الأولى في الحديث: مسألة من تيمم من حدث سواء كان الحدث أصغر أو أكبر ثم صلى, ثم بعد صلاته وجد الماء, هل عليه أن يعيد ما صلى أم لا يعيد؟

    الجماهير من أهل العلم كالأئمة الأربعة، وغالب فقهاء المدينة السبعة وغيرهم يقولون: لا يعيد وإن وجد الماء في الوقت, يعني: لو مثلاً تيمم لصلاة الظهر وصلى، ثم وجد الماء في وقت صلاة الظهر بعدما انتهى من الصلاة، فإن هؤلاء يقولون: ليس عليه الإعادة.

    إلا أن بعض الفقهاء كالشافعية فرقوا بين الحضر والسفر, فمذهبهم أنه في الحضر يعيد مطلقاً حتى لو وجد الماء بعد الوقت, أما في السفر فإنه لا يعيد عند الجميع, وكذلك في الحضر لا يعيد عند الجمهور.

    واستدل هؤلاء على عدم الإعادة، بأن التيمم يحصل به المقصود، سواء كان ذلك برفع الحدث أو باستباحة الصلاة, فهو يقوم مقام الوضوء للمعذور, وهذا تيمم بحسب اجتهاده ووسعه وصلى، فليس عليه إعادة.

    واستدلوا بحديث الباب أيضا: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للذي لم يعد: ( أصبت السنة, وأجزأتك صلاتك )، ولا شك أن إصابة السنة هي المطلوبة.

    أما قوله للآخر: ( لك الأجر مرتين ), فهذا ليس تزكية لفعله, وإنما هو إشارة إلى أنه أجر مرتين, أجر مرة حين صلى في الوقت, وأجر مرة حين اجتهد فأعاد الصلاة بعد الوضوء, وكان اجتهاده غير مصيب, فأجر على هذا الاجتهاد أجراً واحداً, كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيح : ( ... أجر واحد ), فله أجران: أحدهما: على صلاته الأولى التي صلاها بالتيمم, والثاني: على اجتهاده الثاني الذي لم يحالفه فيه الصواب.

    أما الأول فقال: أجزأتك صلاتك, وقال: أصبت السنة, فدل على أن عمله أولى وأقرب, وهو نص في هذه المسألة, مع أنه صرح بأنهما وجدا الماء في الوقت.

    هذا هو القول الأول: أنه لا يعيد وإن وجد الماء في الوقت, وهو مذهب الجماهير كما ذكرت .

    والقول الثاني: وهو منسوب لبعض السلف كـمكحول والزهري والأوزاعي وغيرهم، قالوا: إذا وجد الماء في الوقت أعاد, واحتجوا بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6]، فقالوا: إن هذا مأمور بالغسل ما دام في وقت الصلاة, ومطالب بأداء الصلاة على أصلها, يعني: باستعمال الماء, فرأوا أنه عليه أن يعيد الصلاة.

    والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه الجمهور من أنه إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فلا إعادة عليه.

    حكم من وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة

    المسألة الثانية: لو وجد الماء قبل أن يصلي, يعني: إنسان تيمم في الوقت, ثم قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام رأى الماء أمامه قد أقبل به صاحب له, فحينئذ فالصحيح الذي لا إشكال فيه ولا شك, ويشبه أن يكون إجماعاً للعلماء أن عليه حينئذ أن يتوضأ بهذا الماء ويصلي, ولا يجزئه تيممه الأول.

    حكم من تيمم ثم وجد الماء أثناء الصلاة

    المسألة الثالثة في الحديث: مسألة ما لو تيمم في الوقت ثم أحرم بالصلاة، ثم وجد الماء في أثناء الصلاة.. بعدما صلى ركعة مثلاً، نفترض أنه مسافر يقصر الصلاة, وصلى ركعة واحدة ثم وجد الماء قد جاء, جاء به أحد أصحابه, فما الحكم حينئذ؟

    وهذه من المسائل التي فيها تردد, لأن المسألة الأولى كونه صلى وانتهى بالتيمم ما فيها إشكال, لأنه انتهى من الصلاة وأداها كما أمر فلا يعيد.

    والمسألة الثانية أيضاً كونه لم يصل بعد ولم يحرم بالصلاة ليس فيها إشكال, أنه ينبغي له أو يجب عليه أن يتوضأ .

    لكن هذه المسألة أنه تيمم ثم أحرم بالصلاة, وأثناء أدائه للصلاة جاء الماء, فما الحكم حينئذ؟

    اختلف في ذلك أهل العلم, فذهب بعضهم إلى أن عليه أن يقطع صلاته، وهذا مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد في رواية عنه, ورجحه ابن حزم في المحلى , وهو مذهب غيره من أهل العلم: أن عليه أن يقطع الصلاة ويتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد.

    وحجتهم في ذلك أنه بطل تيممه بوجود الماء, فوجب عليه أن يستأنف الصلاة.

    أما القول الثاني: وهو مذهب من بقي من الأئمة الأربعة, وهو رواية في المذهب, أنه عليه أن يكمل الصلاة, ولا يقطعها, بل قالوا: يحرم عليه قطعها؛ لأنه أحرم بفريضة, فلا يجوز له أن يقطعها، بل يجب عليه أن يتمها, وهذا هو أيضاً مذهب الشافعية, وقالوا: إنه يجوز دواماً ما لا يجوز ابتداء, يعني: استمراره في هذه الصلاة يجوز، لكن لو كان سيبتدئ الصلاة لم يجز, فقالوا: يجوز دواماً ما لا يجوز ابتداء, فعليه أن يتم صلاته وهي صلاة صحيحة تجزئ عن الفريضة ولا يعيدها.

    الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن القول الأول أقوى من حيث الدليل؛ لأنه إذا قلنا بأن وجود الماء مبطل للتيمم, فلماذا نفرق بين وجوده في الصلاة وفي غيرها, ولا يُعرف شيء ينقض الوضوء خارج الصلاة ولا ينقض الوضوء في أثناء الصلاة، فالناقض للوضوء ناقض، سواء حدث في الصلاة أو خارجها, ويقال في التيمم ما يقال في الوضوء, فما كان ينقض التيمم خارج الصلاة فهو ينقض التيمم داخل الصلاة, وإذا كان وجود الماء مبطلاً للتيمم قبل الصلاة، فهو كذلك مبطل للتيمم في أثناء الصلاة.

    فالذي يظهر لي أن القول الراجح أنه يقطع صلاته, ويتوضأ ثم يستأنف الصلاة من جديد.

    سبحانك اللهم وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت, نستغفرك ونتوب إليك.