إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة - حديث 105-108

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة - حديث 105-108للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت في السنة وجوب الاستنجاء، ويجب التثليث إذا كان بالأحجار بشرط الإنقاء فإذا لم ينق وجب الزيادة على الثلاث ويستحب الإيتار، ويجزئ غير الحجر مما هو طاهر قالع غير محترم، فلا يجوز الاستنجاء بالروث والعظم والطعام.

    1.   

    شرح حديث أبي هريرة: (... ومن أتى الغائط فليستتر ...)

    الحمد لله ونستغفره ونتوب إليه، ونصلي ونسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    أما اليوم فعندنا أربعة أحاديث، أخذنا في الدرس الماضي حديث جابر رضي الله عنه: ( إذا تغوط الرجلان ).. إلى أخره.

    وذكرنا أن فيه اضطراباً حيث جاء بعدة روايات، أما رواية جابر التي ذكرها المصنف، فإن صح أنها موجودة في الكتب فتكون وجهاً ثالثاً يدل على اضطراب الإسناد فعلاً، إن صح أنها موجودة في الكتب.

    وهكذا نقول في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى الغائط فليستتر ).

    تخريج الحديث ودرجته

    يقول المصنف: رواه أبو داود، فإن الموجود في سنن أبي داود المطبوعة، والذي عزاه إليه أهل العلم كـالمجد بن تيمية في المنتقى، وابن الأثير في جامع الأصول، والمصنف نفسه في تلخيص الحبير، والزيلعي في نصب الراية، والشوكاني وغيرهم، أنهم عزوا هذا الحديث لـأبي داود وغيره من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وليس من رواية عائشة .

    وهو حديث طويل فيه: أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج )، فهذا الحديث بطوله هو من رواية أبي هريرة لا من رواية عائشة، وقد رواه أبو داود في سننه، رواه أيضاً ابن ماجه في سننه في كتاب الطب مختصراً، مقتصراً فيه على ذكر الاكتحال فحسب، ورواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم.

    ومدار الحديث على الحصين الحبرانيعن أبي سعيد عن أبي هريرة، مدار الحديث على الحصين الحبراني -بضم الحاء- عن أبي سعيد عن أبي هريرة، والحديث له علل منها:

    الحصين هذا فإنه مجهول.

    ومنها أبو سعيد الراوي عن أبي هريرة، فإنه أيضاً مجهول أيضاً.

    وغلط بعضهم فظنوا أن أبا سعيد هذا صحابي، الراوي عن أبي هريرة، وسموه أبا سعيد الخير، أو أبا سعد الخير، حتى أبو داود قال في سننه عقب سياق هذا الحديث، قال: أبو سعد الخير صحابي، والصواب: التفريق بين أبي سعد الخير فإنه صحابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أحاديث، ونص على صحبته العلماء، كـالبخاري، وأبي حاتم، والبغوى، وابن قانع، وابن حبان، وابن حجر، وجماعة من أهل العلم، هذا أبو سعد الخير .

    أما الرجل الذي في إسناد هذا الحديث فهو أبو سعيد الحبراني وهو مجهول، ولا يثبت له صحبة، كما نص عليه العلماء، منهم ابن حجر في التلخيص، وأيضاً في التهذيب وغيرهم.

    وقد غلط بعضهم فأدخلوا هذا في هذا، وهذا غير صحيح، ولعله تحرف ونقص الاسم، فبدلاً من كونه الحبراني سقطت الألف والنون في آخره، وظن بعضهم أن فوق الحاء نقطة فقرأها الخير، والواقع الحبراني.

    العلة الثالثة: أن في إسناد الحديث احتمال الاضطراب، أي أن الحديث يحتمل أن يكون مضطرباً كما أشار إليه أبو داود والدارقطني وغيرهما.

    إذاً: هذا الحديث ليس موجوداً -والله أعلم- في أبي داود عن عائشة، وإنما هو عن أبي هريرة، ومع ذلك فإن فيه عللاً منها: جهالة الحصين، وجهالة أبي سعيد، ومنها احتمال الاضطراب؛ ولذلك ضعفه بعض أهل العلم كـابن حزم والبيهقي وغيرهما.

    وصححه أو حسنه آخرون منهم: ابن حبان، والحاكم، والشوكاني في مواضع، وابن حجر، فإنه وإن سكت عنه في هذا الموضع إلا أنه حسنه كما في فتح الباري .

    والحديث فيه من المقال ما سبق، أما من حيث الموضوع المتعلق بالحديث فهو موضوع الاستتار عند الغائط، وقد سبق الكلام عليه في غير موضع.

    هذا حديث عائشة الأول.

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)

    أما حديثها الثاني فهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)، والمصنف عزا هذا الحديث للخمسة، وهم أصحاب السنن وأحمد، وقد رواه أيضاً غيرهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وابن السني، وابن الجارود، والدارمي، وسواهم.

    وأشار المصنف إلى أنه صححه أبو حاتم والحاكم، ويضاف إليهم ابن حبان أيضاً، وابن الجارود، وابن خزيمة، والنووي، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم.

    فالحديث صحيح لا إشكال في صحته، وفيه أدب أن الإنسان إذا خرج من البيت المعد للخلاء، فإنه يقول: غفرانك، ويدخل في ذلك ما إذا قام عن المكان الذي قضى فيه حاجته، كما لو كان في صحراء أو غيرها، وسبقت الإشارة إلى هذا.

    مناسبة قول: (غفرانك) عند الخروج من الخلاء

    وما هي مناسبة قول: (غفرانك) عند الخروج من الخلاء؟ ذكر أهل العلم لذلك مناسبتين:

    الأولى: أنه في حال قضاء الحاجة لا يذكر الله عز وجل، لتلبسه بهذه الحال التي لا يذكر اسم الله عليها وفي أثنائها؛ ولذلك فإنه يستغفر من تقصيره في الذكر حيث لا يذكر الله على تلك الحال.

    العلة الثانية: هي الإشارة إلى تقصير الإنسان في القيام بشكر نعم الله عز وجل، من تهيئة الطعام والشراب، وتيسيره له وأكله وهضمه وانتفاع الجسم به، ثم خروج ما لا ينفع منه بيسر وسهولة دون كلفة أو مشقة، فيحمد الإنسان ربه على ذلك، ثم يعترف بتقصيره في القيام بحمد هذه النعمة، فيقول: غفرانك، يعني: على التقصير في الحمد.

    ولا مانع من إرادة العلتين معاً وإرادة غيرهما مما يصلح لمثل هذا، وقوله: (غفرانك) مصدر منصوب، فإما أن يكون مفعولاً به، يعني: يا ربي أطلب غفرانك، فيكون مفعولاً به لفعل محذوف، وإما أن يكون مفعولاً مطلقاً، يعني: أغفر غفرانك، وهذا أدب فيما يتعلق بالخروج.

    1.   

    شرح حديث أنس فيما يقال عند الخروج من الخلاء

    وقد ورد غير ما في الحديث السابق من الآداب أو من الأدعية، من ذلك:

    حديث أنس مرفوعاً أنه كان يقول إذا خرج: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ).

    تخريج الحديث

    وهذا الحديث رواه ابن ماجه، يعني: انفرد به ابن ماجه، فهو من أفراد ابن ماجه، وقد أشار ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد إلى أن غالب ما انفرد به ابن ماجه ضعيف، وهذا سيأتي إن شاء الله ضمن الفوائد في زاد المعاد في موضعه، وإن كان غير مسلم على إطلاقه، إنما هو أشار إلى أنه الغالب، وقد يكون ذلك وقد لا يكون الغالب، لكن كثير مما انفرد به ابن ماجه ضعيف.

    وإذا أردنا أن نعرف شيئاً عن هذا الحديث وهو من أفراد ابن ماجه، فهل تعرفون كتاباً يمكن أن نستفيد منه في هذا؟ ما أريد أحداً يذكر كتباً معاصرة، ككتاب صحيح ابن ماجه وضعيف ابن ماجه للألباني، لكن من الكتب القديمة، يعني الكتب المعاصرة طيبة ومفيدة، لكن قصدي أن الجميع يعرفونها لأنها متداولة، فهل هناك كتاب آخر يستفاد منه غير كتابي الشيخ الألباني؟

    معرفة الحديث هذا، ما دام عرفنا أنه انفرد به ابن ماجه، هل هناك كتاب يعيننا على معرفة حكمه؟

    يوجد كتاب للإمام البوصيري اسمه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، جمع فيه الأحاديث التي انفرد بها ابن ماجه عن بقية الكتب الستة، وهذا منها؛ لأنه انفرد به؛ ولذلك قال البوصيري عقب روايته لهذا الحديث أعني حديث أنس عقب سياقه له، ذكر أن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، هكذا يقول: في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، ولا يصح بهذا اللفظ شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    هذا كلام البوصيري عن حديث أنس الذي فيه: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ).

    والحديث وإن كان ضعفه البوصيري وأشار إلى علته، وهي علة صحيحة، إلا أن بعض أهل العلم حسنه أو صححه، فقد حسنه الحافظ ابن حجر كما في نتائج الأفكار، وصححه الشوكاني كما في السيل الجرار، ولعل تحسين ابن حجر له لكثرة شواهده التي سوف أذكرها أو أذكر شيئاً منها.

    أما تصحيح الشوكاني فلا أدري ما وجهه، لأنه قال: إسناده صحيح، وهذا فيه نظر.

    شواهد الحديث

    ولحديث أنس هذا شواهد:

    منها: حديث أبي ذر رضي الله عنه عند النسائي، وابن السني في عمل اليوم والليلة وغيرهما وهو ضعيف، ومنها حديث عن عائشة رضي الله عنها في خبر نوح عليه السلام، وأنه كان يقول ذلك أو نحواً منه إذا خرج، وهو عند المعمري في اليوم والليلة، والبيهقي في الشعب، والخرائطي في الشكر وغيرهم، وهو ضعيف أيضاً.

    ومنها حديث آخر عن أنس بلفظ مختلف: ( الحمد لله الذي أحسن إلي في أوله وآخره ) عند ابن السني وهو ضعيف، ومنها حديث عن طاوس وهو مرسل ضعيف أيضاً، لكن مجموع هذه الأحاديث لعله يشهد ويقوي حديث أنس الذي فيه: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني )، خاصة وأن هذا الحديث لم ينفرد أو يستقل ببيان حكم جديد، وإنما هو في مشروعية ذكر عقب الخروج من الخلاء، وهو ذكر لا شيء فيه، فيه حمد لله عز وجل على إخراج هذا الأذى وعلى العافية، وهو مناسب أيضاً.

    فالقول بحسنه لشواهده كما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار قول إن شاء الله وجيه، ولا بأس أن يحافظ الإنسان على هذا الدعاء ويقوله بعد قوله: (غفرانك)، هذا ما يتعلق بحديثها الآخر أيضاً.

    أما الشوكاني فالذي أذكر أنه قال: إسناده صحيح، ثم إنه للشواهد يمكن أن يرتقي للحسن، لأن كل شواهده ضعيفة، فيمكن أن يرتقي للحسن، لكن أن يصح فهذا فيه نظر.

    أما حديث عائشة الأول الذي هو ( من أتى الغائط فليستتر )، هذا لم يذكره ابن حجر في التلخيص ولا في غيره من تخريجاته الأخرى التي وقفت عليها.

    1.   

    شرح حديث ابن مسعود في الاستنجاء بالأحجار دون الروث

    ننتقل إلى الحديث الثالث، وهو حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثاً، فأتيته بروثه، فأخذهما وألقى الروث، وقال: إنها رجس أو ركس ).

    تخريج الحديث

    رواه البخاري، وزاد أحمد والدارقطني : ( ائتني بغيرها )، قوله: ( ائتني بغيرها )، هذه الزيادة عند أحمد والدارقطني، قال فيها الحافظ ابن حجر أيضاً في فتح الباري : رواتها ثقات أثبات، وأشار إلى صحتها والرد على من ضعف هذه الرواية .. رواية ( ائتني بغيرها ).

    والحديث فيه مسائل عديدة مهمة منها:

    اشتراط تثليث الأحجار في الاستنجاء

    اشتراط الأحجار الثلاث فأكثر في الاستنجاء، لقوله: ( فقال: ائتني بثلاثة أحجار )، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:

    فذهب الإمام الشافعي وأحمد، وأهل الحديث، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، إلى اشتراط الثلاث الأحجار مع الإنقاء، يعني: ذهبوا إلى أنه يشترط الإنقاء، ويشترط أن يكون الإنقاء بثلاثة أحجار فأكثر.

    واستدلوا بأدلة منها حديث ابن مسعود هذا.

    ومنها أيضاً حديث سلمان السابق: ( ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار )، وحديث سلمان أقوى لأنه أمر -يعني: نهي- بلفظ ( نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار )، والأمر أقوى من مجرد الفعل، أو من كونه صلى الله عليه وسلم قال لـابن مسعود : ( ائتني بثلاثة أحجار )، فكونه نهى الصحابة أن يستنجوا بأقل من ثلاثة أحجار، هذا أقوى في الدلالة على وجوب الأحجار الثلاثة حتى لو حصل الإنقاء بغيرها، وقد ورد طلب الأحجار الثلاثة في أحاديث عدة لكن يكفي منها ما سبق: حديث سلمان، وحديث ابن مسعود هذا.

    وذهب أبو حنيفة ومالك، ونسب إلى داود الظاهري، إلى أنه لا يشترط أن تكون الأحجار ثلاثة، بل إذا حصل الإنقاء بغيرها فهو يكفي، فلو حصل الإنقاء بحجرين مثلاً لكفى؛ لأن العلة المقصودة من ذلك هي التطهير وإزالة النجاسة والإنقاء، فإذا حصل بأقل من ثلاثة لم يحتج إلى الزيادة.

    والذي يظهر أن القول الأقوى هو الأول: أنه لابد من ثلاثة أحجار حتى لو حصل الإنقاء بغيرها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه أن يستنجوا بأقل من ثلاثة أحجار، وغالباً أن الإنقاء لا يكون إلا بثلاثة أحجار فأكثر، وإذا أنقى الإنسان بثلاث أحجار فبها، أما إذا لم ينق فإنه يجب عليه أن يستعمل رابعاً، ثم هل يقطع استجماره على الرابع أم يضيف خامساً؟

    يستحب له أن يضيف خامساً، وبصفة عامة يستحب له ألا يقطع إلا على وتر: خمس أو سبع أو تسع بحسب حاجته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة : ( ومن استجمر فليوتر )، وما هو الصارف لهذا الأمر عن الوجوب، قد يقول قائل بوجوب القطع على وتر، فما هو الصارف لهذا الأمر؟

    الصارف الذي ذكره كثير من أهل العلم هو حديث أبي هريرة السابق: ( من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ).

    حديث ابن مسعود قال: ( أبغني ثالثاً )، ولذلك حديث ابن مسعود ليس في أنه اقتصر على حجرين، هذه المسألة الأولى، مسألة الاكتفاء بثلاثة أحجار، وأنه لا يكفي أقل من ثلاثة أحجار فإن أنقت اكتفى بها، وإلا زاد حتى ينقي ويستحب له أن يقطع على وتر.

    وحديث أبي هريرة الذي سقته غير الأول، حديث ( من استجمر فليوتر ) هذا متفق عليه، ( إذا أستيقظ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم فلينتثر، ومن استجمر فليوتر )، هذا متفق عليه، وليس هو حديث الباب الذي تكلمت عليه قبل قليل وأشرت إلى علله.

    وقلت نسب لـداود لأني في شك من صحته إليه؛ لأن داود من الظاهرية المعروفين بالتمسك بظواهر النصوص، إلا أن يكون النص لم يبلغه فالله أعلم.

    اشتراط الأحجار دون غيرها في الاستنجاء

    وهذه هي المسألة الثانية، هل تشترط الأحجار أم لا تشترط؟ لأن قوله: ( ائتنى بثلاثة أحجار )، فالصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أنه لا تشترط الأحجار، بل يجزئ غيرها مما كان في معناها، وسيأتي ذكر ما لا يجوز الاستنجاء به.

    وهذا مذهب جماهير أهل العلم، وذهب الظاهرية وبعض الحنابلة كما في المغني وفتح الباري إلى أن الأحجار لابد منها، ولا يجزئ غيرها، وهذا مذهب ضعيف مردود؛ لأنه لو كان لابد من الأحجار لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة وابن مسعود ولا تأتني بروثة ولا عظم، لم يكن لذلك معنى لو كان المقصود الأحجار ولابد، فلما نهى عن الروثة والعظم دل على جواز ما سواه وإن لم يكن حجراً، وهذا مذهب صحيح لا ينبغي أن يشك فيه، أن كل ما قام مقام الحجارة في الإنقاء من الخرق أو المناديل أو الأشياء الجامدة أو غيرها فإنه يجزئ في ذلك بشرطه.

    ما لا يجوز الاستنجاء به

    أما المسألة الثالثة في الحديث، فهي مسألة: الأشياء -كما أسلفت- التي لا يجوز الاستنجاء بها، وهي:

    الروث

    فالحديث فيه تصريح بتحريم الاستنجاء بالروث؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رد الروث وقال: ( إنها ركس أو رجس ).

    وفي حديث سلمان : ( نهانا أن نستنجي برجيع أو عظم )، والرجيع هو الروث.

    وكذلك رواه البخاري عن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط فأتاه بأحجار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تأتني بروثة ولا عظم، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال له أبو هريرة : ما شأن الروث والعظم؟ -يعني: نهيت عنهما- قال: إنهما من طعام الجن ). والحديث في صحيح البخاري ؛ ولذلك فإنه لا يجوز الاستنجاء بالروث.

    لكن ينبغي أن نسأل: ما هو السبب في منع الاستنجاء بالروث؟

    ذهب كثير من الفقهاء إلى أن السبب أن الروث نجس، وهذا منسجم مع مذهب الشافعي وأبي حنيفة في نجاسة الأرواث، واستدلوا بقوله عليه السلام هاهنا: ( إنها رجس أو ركس )، يعني: نجس شديد النجاسة.

    والمذهب الصحيح أن النهي عن الروثة أولاً لأنها طعام ليس للجن أنفسهم بل لدوابهم، على كل دواب الجن، كما في حديث أبي هريرة في البخاري، وكما في حديث ابن مسعود في مسلم .

    ويأتي ذكر العظم، يعني العظم والروثة، فالعظم طعام لهم والروثة علف لدوابهم، فالآن نحن نتكلم عن الروثة، نهى عنها لأنها علف لدوابهم، ولذلك في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مجيء الجن له، وأنهم سألوه الزاد، فقال لهم: كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم، ونهى عن الاستنجاء بهما صلى الله عليه وسلم )، فعلم أن النهي عن الاستنجاء بالروثة لأنها علف لدواب الجن.

    ومن الطريف أن ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى: ذكر أن دواب الجن لو أكلت هذه الأرواث التي عليها بقايا استنجاء الإنسان لأصبحت جلالة كما هو معروف؛ لأن دواب الإنس إذا أكلت العذرات والقاذورات صارت جلالة، فكذلك دواب الجن إذا أكلت هذه العذرات والقاذورات أصبحت جلالة.

    فالنهي عن الاستنجاء بالروثة لأنها طعام وعلف لدواب الجن، وهذا لا يمنع أنها مستقذرة أيضاً ومستخبثة في النفس، لكن هل نقول بأنها نجسة؟

    أما عموم روث ما يؤكل لحمه فإن المذهب الصحيح أنه ليس بنجس بل طاهر روثه وبوله، كالإبل والبقر والغنم ونحوها، وهذا مذهب أحمد ومالك المشهور عنهما، وقد أسلفت قبل قليل أن مذهب الشافعي وأبي حنيفة القول بنجاستها.

    وقد نصر الإمام المجدد ابن تيمية رحمه الله هذا القول، يعني: القول بطهارة أرواث وأبوال ما يؤكل لحمه نصراً مؤزراً عظيماً في الجزء الحادي والعشرين من الفتاوى، من صفحة (534 - 602) في رسالة في غاية الفائدة والأهمية، وبين أن هذا هو القول الصحيح الذي عليه السلف كلهم أو أكثرهم، بين ذلك من ستة عشر وجهاً أو بستة عشر دليلاً، وهو مبحث مفيد ونفيس، ليس في هذه المسألة فقط بل فيها وفي غيرها، فأنصح الإخوة بالرجوع إليه وقراءته بتمعن، من (534 - 602).

    إذاً: قول الرسول عليه الصلاة والسلام هاهنا: ( إنها رجس أو ركس ) ماذا يحمل عليه؟

    يحمل على أحد وجهين:

    الوجه الأول: أن الروثة التي جاء بها ابن مسعود كانت روثة حمار، وهذا الذي جاء في صحيح ابن خزيمة، ولابد من ترجيح هذا القول.

    الوجه الثاني: ألا يكون المقصود بالركس النجاسة، لأن الركس في اللغة هو العودة، كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا [النساء:91].

    فالارتكاس: هو الرجوع والعودة، فتكون ركساً لأنها رجعت من كونها طعاماً إلى كونها روثة.

    إذاً: الأمر الأول الذي لا يجوز الاستنجاء به هو الروث، والمقصود بالروث هاهنا أو بالرجيع هو سواء كان من مأكول اللحم أو من غيره، فإن كان من مأكول اللحم فالنهي عنه لأنه علف لدواب الجن ولأنه مستخبث أو مستقذر، وإن كان غير ذلك فلأنه رجس ونجس.

    وبينت الأقوال في أبوال وأرواث ما يؤكل لحمه وأنها قولان:

    أولهما: مذهب الحنابلة والمالكية أنها طاهرة، وهذا هو الصحيح وأدلته كثيرة، يبحث عنها في الموضع الذي ذكرته وغيره.

    والقول الثاني: هو مذهب الشافعية والأحناف أنها نجسة.

    العظم

    الشيء الثاني الذي لا يجوز الاستنجاء به هو: العظم؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، كما في حديث سلمان : ( أن لا نستنجي برجيع ولا عظم وغيره )، والنهي عن العظم ثبت أيضاً كما في حديث ابن مسعود في مسلم، وحديث أبي هريرة عند البخاري : ( أن العظم طعام للجن، وأن ما ذكر اسم الله عليه يقع في أيديهم أوفر ما يكون لحماً ).

    فلذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن إفساده عليهم بالاستنجاء به، أما ما ذكره بعض الفقهاء من أن النهي عن الاستنجاء بالعظم لما فيه من اللزوجة التي تمنع الإنقاء، أو لما يكون فيه غالباً من بقايا الدسم، فهذه العلة لا مانع أن تكون علة ثانية، لكن العلة الأصلية هي ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مانع أن ينهى عن الشيء لعدة علل.

    الطعام

    الأمر الثالث الذي لا يجوز الاستنجاء به هو: الطعام، وما هو الدليل على أنه لا يجوز الاستنجاء بالطعام؟ لأنه من باب الأولى؛ لأنه إذا نهي عن الاستنجاء بالعظم لأنه طعام الجن، وبالروث لأنه علف لدوابهم، فالنهي عن طعام الإنس من باب الأولى، إضافة إلى ما فيه من الاستهانة بالنعم والاستخفاف بقدرها، فلا يجوز الاستنجاء بالطعام.

    الشيء المحترم

    الأمر الرابع الذي لا يجوز الاستنجاء به هو: الشيء المحترم، كالذي يكون فيه كتابة، ككتابة علم، أو فقه، أو حديث، أو تفسير، أو غيرها، حتى لو كان هذا المكتوب يقل فيه مثل ذلك، فلا يجوز الاستنجاء به، كالجرائد مثلاً والمجلات وغيرها؛ لأنها لا تخلو من ذكر الله واسمه غالباً، ولو على سبيل ذكر اسم شخص اسمه عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد العزيز أو ما أشبه ذلك، فيكون في هذا إهانة لاسم الله تعالى، فلا يجوز الاستنجاء بما يكون محترماً، كأن يكون فيه شيء من العلم أو من الذكر.

    الشيء النجس

    الخامس مما لا يجوز الاستنجاء به هو: الشيء النجس، وما هو الدليل على تحريم الاستنجاء بالنجس؟

    أولاً قوله: (إنها رجس)، إذا قلنا إنها كانت روثة حمار، فيكون إشارة إلى العلة أنها نجسة فلا يجوز الاستنجاء بكل نجس، وهذا استدلال جيد، أو يقال: إن المقصود إزالة النجاسة، وهذا استدلال ثاني، وإزالة النجاسة لا يمكن أن تكون بنجاسة، بل النجاسة تزيد النجاسة ولا تنقصها، فلا يجوز الاستنجاء بشيء نجس.

    هذه خمسة أشياء لا يجوز الاستنجاء بها، أما ما عداها فيجوز الاستنجاء به كما سبق سواء كان حجراً أو غيره.

    1.   

    شرح حديث أبي هريرة في النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم

    بقي أن نسأل: إذا استنجى الإنسان ببعض هذه الأشياء التي يحرم الاستنجاء بها، استنجى الإنسان مثلاً برجيع أو بعظم أو بشيء فيه علم أو غير ذلك، فهل يجزئه هذا الاستنجاء أم لا يجزئه؟

    هذا ما يبينه حديث أبي هريرة الرابع والأخير: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران ).

    الكلام على إسناد الحديث

    وهذا الحديث كما ذكر المصنف رحمه الله، رواه الدارقطني وصححه، الدارقطني رواه في سننه في باب الاستنجاء، وقال عقب روايته: إسناد صحيح، وقد نقل هذا الكلام عن الدارقطني ابن حجر في فتح الباري، وابن قدامة في المغني وغيرهما، ولم يتعقبوه بشيء، فقد راجعت إسناده فوجدت فيه رجلين فيهما مقال:

    أولهما سلمة بن رجاء قال فيه أبو زرعة : صدوق، وقال يحيى : ليس بشيء، وقال النسائي : ضعيف، وقال ابن عدي : عامة أحاديثه لا يتابع عليها، ولخص الكلام فيه الحافظ ابن حجر في التقريب فقال: صدوق يغرب، هذا سلمة بن رجاء صدوق يغرب، ومن المعلوم أن من كانت هذه درجته فأكثرهم على أن حديثه ضعيف لا يرتقي إلى رتبة الحسن.

    أما الرجل الآخر في الإسناد فهو الحسن بن فرات القزاز، وهو صدوق يهم كما في التقريب أيضاً، وحديثه عند كثير من أهل العلم ضعيف، فبناءً على ذلك إذا لم يكن للحديث إلا هذا الإسناد، فهو إسناد أقرب إلى الضعف، وإن كان ضعفه ليس شديداً لكنه أميل وأقرب إلى الضعف، فيما ظهر لي.

    والحديث يدل على أولاً: النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم، وهذا سبق بيانه.

    حكم طهارة من استنجى بعظم أو روث

    وأما المسألة الثانية التي انفرد بها الحديث: فهي: أنهما لا يطهران، وهذا دليل على أن من استنجى بعظم أو روث أو غيرهما من الممنوعات فإنه لا يطهر بذلك، وينبغي أن يعيد الاستنجاء إذا صح الحديث، وهذا مذهب أكثر أهل العلم كالحنابلة والشافعية وإسحاق وغيرهم.

    وذهب الإمام أبو حنيفة في الرواية المشهورة عنه إلى أنه يجزئه ذلك مع الإثم بلا شك لمخالفة الأمر، لكن لا يلزمه أن يعيد الاستنجاء، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية : أنه يجزئه إذا استنجى بكل هذه الأشياء مع كونه آثماً بذلك.

    وفي نظري فإن القول بالإجزاء مع الإثم أولى؛ لأنه لم يقم دليل صحيح صريح على أنه لا يجزئه، فنقول: يجزئه ذلك لأن النجاسة زالت، لكنه آثم بهذا الفعل مخالف لما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

    إذاً: إذا لم تكن نجسة فإنه يجزئه، أما إذا كانت نجسة فقد سبق أن النجاسة تزيده نجاسة.

    وقلت: إنه انفرد به ابن ماجه بحديث أنس، أما الأحاديث الأخرى كحديث أبي ذر مثلاً أو حديث عائشة أو حديث أنس الآخر فرواه من ذكرت.

    المقصود حديث ابن ماجه بهذا اللفظ وبهذا الإسناد ضعيف، لكن سبق وتبين أنه قد يكون قابلاً للانجبار فيكون حسناً لغيره، نعم يا أخي.

    1.   

    الأسئلة

    كتاب مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه

    السؤال: [ما هو اسم كتاب البوصيري في زوائد ابن ماجه؟]

    الجواب: كتاب البوصيري اسمه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه وهو مطبوع في أربعة أجزاء في ثلاثة مجلدات.

    مقدار الانحراف عن القبلة عند قضاء الحاجة

    السؤال: [هل يكفي الانحراف اليسير عن القبلة عند قضاء الحاجة؟]

    الجواب: الانحراف اليسير عن القبلة لا يكفي، وقد صرح ابن تيمية في الاختيارات إلى أنه لا يجزئه أن ينحرف انحرافاً يسيراً، بل لابد أن ينحرف عن الجهة كلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ).

    إجزاء الحجر الكبير ذي الأوجه في الاستنجاء

    السؤال: [هل يكفي الحجر الواحد في الاستنجاء إذا كان كبيراً وله شعب؟]

    الجواب: إذا كان مع الإنسان حجر له ثلاث شعب، فاستنجى به فهل يجزئه؟

    الصحيح أنه يجزئه ذلك، يعني: أرأيت لو كان عند الإنسان حجر كبير.. كبير جداً، فمسح ذكره في ثلاثة مواضع متفرقة من هذا الحجر ألا يجزئه ذلك؟!

    يجزئه، فلا يجمد على ظاهر اللفظ، فإن المقصود: ثلاثة أحجار أو ثلاث شعب في حجر كبير، بل لو أنه استنجى بحجر ثم غسله مثلاً وطهره ثم استنجى به مرة ثانية، ثم غسله واستنجى به ثالثة لكان هذا مجزئاً.

    فالمقصود: أن يمسح ما وقعت عليه النجاسة ثلاثاً..