إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - حديث 73-75

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - حديث 73-75للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور على خلاف بينهم في فهم نص الحديث، ومثل المستحاضة دائم الحدث، وهو من به سلس بول أو مذي أو ريح، فهذا عليه كذلك الوضوء لكل صلاة ولا يجمع بين صلاتين بوضوء واحد، والمذي نجس على قول الجمهور فيجب غسل الذكر والأنثيين منه وما أصاب من الثوب.

    1.   

    شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في الاستحاضة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد ورسوله.

    اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين.

    في هذا اليوم عندنا أربعة أحاديث، فيما يتعلق بالحديث الأول وهو حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: ( جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض .. )، إلى آخر الحديث.

    تخريج الحديث

    هذا الحديث باللفظ الذي ساقه المصنف.

    اللفظ الأول: خرّجه البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء: باب غسل الدم.

    وخرّجه مسلم أيضاً كما سيأتي، فهو حديث متفق عليه، لكن النسخة المطبوعة التي عليها تعليقات الشيخ الفقي، ليس فيها ذكر تخريج اللفظ الأول.

    وحقه أن يقال فيه: متفق عليه، وزاد البخاري : ( ثم توضئي لكل صلاة ).

    حكم زيادة: (ثم توضئي لكل صلاة)

    وقد أخرج البخاري رحمه الله الحديث في ذلك الموضع من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، ثم قال عقبه: وقال: قال أبي: ( ثم توضئي لكل صلاة إلى أن يجيء ذلك الوقت ).

    إذاً: قوله: (وقال) من القائل؟ القائل: هو هشام بن عروة، وقوله: (قال أبي) أبوه عروة الراوي عن عائشة في الإسناد، والزيادة لفظها: ( ثم توضئي لكل صلاة إلى أن يجيء ذلك الوقت )، وقد أخرجه مسلم باللفظ الأول دون قوله: (وتوضئي)، ثم أخرجه من طريق حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وقال عقبه -يعني: مسلم - قال: وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره، وهو -يعني: بـحماد حماد بن زيد الراوي عن هشام كما ذكرت-.

    ويعني بهذا الحرف الذي ترك ذكره الزيادة التي ساقها المصنف، وهي قوله: ( ثم توضئي لكل صلاة إلى أن يجيء ذلك الوقت )، ولماذا ترك مسلم إخراج هذه الزيادة من حديث حماد؟

    تركها لأنه ظن أن حماد بن زيد تفرد بهذه الزيادة عن هشام بن عروة.

    ولذلك قال البيهقي رحمه الله لما ساق كلام مسلم قال: الزيادة هي قوله: ( وتوضئي لكل صلاة )، وإنما ترك مسلم إخراجها لتفرد حماد بن زيد بها من بين أصحاب هشام بن عروة، وكأن البيهقي يوافق مسلماً على ذلك، يعني: على الحكم على هذه الزيادة بالشذوذ.

    وكذلك الإمام النسائي خرّج الحديث في سننه من طريق حماد بن زيد، وذكر هذه الزيادة، وأنه تفرد بها حماد .

    ولكن الظاهر من جمع طرق الحديث: أن حماد بن زيد لم ينفرد بها، بل وافقه عليها جمع من الرواة بعضهم من رجال الشيخين، فقد رواها الترمذي من طريق أبي معاوية الضرير عن هشام، وقال الترمذي عقب روايته: هذا حديث حسن صحيح.. انتهى كلام الترمذي، وإسناد حديث الترمذي على شرط الشيخين.

    فإذاً: أبو معاوية تابع حماد بن زيد على رواية قوله: ( ثم توضئي لكل صلاة )، وروايته عند الترمذي، ومثله وكيع بن الجراح، وروايته عند أبي داود وابن ماجه .

    وتابعه أيضاً يحيى بن أنس كما عند السراج في مسنده، وتابعه حماد بن سلمة عند الدارمي، وتابعه أبو حمزة السكري عند ابن حبان، فهؤلاء خمسة كلهم رووا عن هشام زيادة: ( ثم توضئي لكل صلاة )، إضافة إلى حماد بن زيد، وليس هؤلاء جميع من تابعوا حماد، بل تابعه آخرون عن غير هشام.

    فالمهم: أن هذه الزيادة ثابتة ولم يتفرد بها حماد بن زيد، بل رواها معه جمع من الرواة، فانتفى تفرده بها وثبتت، وهذا ما رجحه عدد من العلماء كالحافظ ابن حجر -رحمه الله-.

    هذا الآن من حيث الثبوت إجمالاً أنه لم يتفرد بها حماد بن زيد، لكن هل هي في البخاري مرسلة أو معلقة أم إنها موصولة؟

    البخاري كما ذكرت لكم قال عقب رواية الحديث: قال هشام : وقال أبي: ( ثم توضئي )، فبعضهم ظن أنها معلقة؛ لأن البخاري ما ذكر الإسناد، وقد سبق في هذه الدروس الكلام على معلقات البخاري وأقسامها والحكم عليها، ولكن الصحيح أنها ليست معلقة، بل هي موصولة بالإسناد السابق نفسه، فليست معلقة.

    ثم ذهب آخرون إلى أنها موقوفة على عروة من قوله هو؛ لأن هشام يقول (قال أبي)، فقالوا: هذا موقوف على عروة من كلامه هو وليس من روايته، والأقوى -والله أعلم- أنه ليس موقوفاً، بل هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأنه لو كان من كلام عروة نفسه لقال: (ثم أمرها أن تتوضأ) مثلاً، أو قال: (ثم تتوضأ لكل صلاة)، لكن لما جاء به بلفظ الأمر: (ثم توضئي)، عُلم أنه معطوف على قوله: (فاغسلي عنك الدم).

    (ثم توضئي لكل صلاة ثم صلي)، يعني: كأن هذا هو سياق الحديث: (اغسلي عنك الدم، ثم توضئي لكل صلاة، ثم صلي)، فلما جاء به بلفظ الأمر: (ثم توضئي)، ظهر أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، وليس من كلام عروة، وبذلك يتبين أن هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي .. وغيرهم ممن ذكرت خلال الإشارة إلى المتابعات السابقة.

    تعريف الاستحاضة وسببها

    هذا الحديث فيه مسائل عديدة:

    فيه مجيء فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها وهى قرشية أسدية، كانت تحت عبد الله بن جحش، مجيئها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقولها: ( إني امرأة أستحاض )، والاستحاضة: هي خروج الدم من فرج المرأة في غير أوانه خروجاً مستمراً لا ينقطع أو لا يكاد ينقطع، إما أن يكون مستمراً طيلة الوقت، أو يكون غالب الوقت بحيث لا تطهر المرأة إلا يوماً أو يومين في الشهر أو ما أشبه ذلك.. فهذه هي الاستحاضة.

    ( إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك عرق )، و(ذلكِ) بكسر الكاف على الخطاب للمؤنث.

    وقوله: (عرق) إشارة إلى أن سبب خروج هذا الدم من فرجها ليس الحيض المعتاد الذي كتب على بنات آدم، إنما هو عرق ينفجر فيخرج منه هذا الدم، وهذا العرق يسمى (العاذل) كما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وذكر في القاموس أنه قد يسمى (العاذر) بالراء، فهو عرق وليس بحيض، ثم أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي ).

    وفي الحديث مسألة المستحاضة وحكمها، فأما فيما يتعلق بحكم المستحاضة من حيث الصلاة وعدمها، وهل تلحق بالحائض أو تلحق بالطاهر، فإن هذا المبحث سوف يأتي إن شاء الله تعالى في باب الحيض، وسوف يعيد المصنف الحديث نفسه، ولكن الظاهر من هذه الرواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها إلى عادتها؛ لأنها كانت معتادة -والله أعلم- فقال: ( إذا أقبلت حيضتك -يعني: وقت الحيض المعتاد عندك- فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي )، وقد ورد في حديث آخر ردها إلى التمييز، وورد ردها إلى عادة النساء، وكما ذكرت يأتي تفصيل هذا في باب الحيض.

    اختلاف الرواة في ألفاظ آخر الحديث

    أما قوله صلى الله عليه وسلم لها: ( فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم )، فإن أصحاب هشام بن عروة اختلفوا عنه في ذلك:

    فمنهم من قال: ( فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي )، فذكروا غسل الدم فقط.

    ومنهم من قال: ( فإذا أدبرت فاغتسلي ثم صلي )، فذكروا الاغتسال فقط.

    ومنهم من ذكر الوضوء -كما أسلفت-.

    والذين ذكروا الاغتسال: هم ثقات من رجال الشيخين، وأحاديثهم مخرجة في الصحيحين.

    فيتبين أن بعضهم اختصر الحديث، فاقتصر على قوله: ( فاغسلي عنك الدم )، وبعضهم اختصره بطريقة أخرى، فاقتصروا على قوله: ( واغتسلي ).

    والواقع: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالأمرين، فقال لها: ( فاغسلي عنك الدم واغتسلي وتوضئ لكل صلاة ثم صلي )، ومن اقتصر على بعض ذلك فإنما اقتصر عليه على سبيل الاختصار لا غير.

    حكم الوضوء للمستحاضة لكل صلاة

    أما فيما يتعلق بالمستحاضة من حيث الصلاة والوضوء أو الغسل، فإن هذا هو الغرض الذي ساق المصنف الحديث من أجله، فإنه -والله أعلم- إنما ساقه من أجل الزيادات التي ذكرها في البخاري وهي قوله: ( وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)؛ لأن في ذلك الإشارة إلى أن الاستحاضة حدث من جملة الأحداث التي تنقض الوضوء، وأنه يجب منها الوضوء على من أراد الصلاة.

    وقد اختلف العلماء في هذه المسألة:

    فذهب الجمهور إلى أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، كما أمرها النبي صلي الله عليه وسلم، وهذا مذهب عائشة، وعلي، وابن عباس، وفقهاء المدينة، وأبي حنيفة، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد .. وغيرهم: أنها تتوضأ لكل صلاة، ولا شك أن حجة هؤلاء ظاهرة؛ وهي حديث الباب، في قوله: ( ثم توضئي لكل صلاة ).

    أما مذهب الإمام مالك فإنه يرى أنه لا يجب عليها الوضوء، وإنما يستحب استحباباً، أما الاستحاضة فلا تنقض الوضوء عنده.

    وهناك مذهب ثالث فيما ظهر لي من هذه المسألة وهو ما ذكره ابن حزم في المحلى : أنه يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة فرض، ثم تتوضأ لكل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً.

    والقول الأول -وهو قول الجمهور: بأنها تتوضأ لكل صلاة- لا شك أنه هو القول الصحيح؛ لأنه دال على وجوب الوضوء عليها لكل صلاة، فهو حجة على المالكية في عدم إيجاب الوضوء عليها.

    وأما مذهب ابن حزم في وجوب الغسل عليها لكل صلاة، فهو خلاف مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، ولا دليل صحيحاً عليه، وكذلك إيجاب الوضوء عليها لكل صلاة كانت فرضاً أو نفلاً فيه عسر ومشقة، وهو أيضاً لا دليل عليه.

    معنى قوله: (تتوضأ لكل صلاة)

    مما ينبغي أن ينتبه له: أن الجمهور ممن ذكرت وإن كانوا يتفقون على أنها تتوضأ لكل صلاة، إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في تفصيل هذه الكلمة، ما معنى تتوضأ لكل صلاة؟ ماذا فهمتم أنتم من قولنا: إنها تتوضأ لكل صلاة؟

    لا أقصد معنى الوضوء، وإنما معنى: (لكل صلاة).

    يعني: عند كل صلاة فريضة، أو هو عام في الصلوات نفلها وفرضها، وهذا احتمال ثانٍ.

    الاحتمال الثالث: يعني لو فرض -مثلاً- أنها تريد أن تقضي الصلوات، عندها مجموعة صلوات فرائض قد فاتتها لأي سبب من الأسباب، فهي تريد أن تقضي هذه الصلوات، فهل نقول: تتوضأ لكل فريضة، أو نقول: تتوضأ لدخول الوقت ويكفيها؟ فيكون المعنى على الاحتمال الثالث: تتوضأ لوقت كل صلاة، يكون فيه محذوف مقدر: تتوضأ لوقت كل صلاة.

    ذهب الإمام الشافعي وأحمد إلى أنها تتوضأ لكل فريضة، ثم تصلي بهذا الوضوء ما شاءت من النوافل.

    وذهب أبو حنيفة : إلى أنها تتوضأ لدخول وقت كل صلاة، وتصلي فيه ما شاءت من النوافل أو الفرائض المقضية، ويظهر ثمرة الاختلاف بينهما فيما لو توضأت بعد دخول وقت صلاة العصر وهي لم تصلِّ الظهر، فعلى مذهب الإمام أحمد والشافعي تتوضأ وتصلي الظهر، ثم تتوضأ وتصلي العصر، وعلى مذهب أبي حنيفة : فإنها تتوضأ وضوءًا واحدًا وتصلي به الظهر والعصر.

    فهذا خلاف داخل مذهب من يمكن أن يقال: إنهم الجمهور، إنه اختلاف في المقصود بكل صلاة، وكما علمتم أن مذهب ابن حزم : أنها تتوضأ لكل صلاة؛ يعني: فرضاً كانت أو نفلاً، فأطلق وأخذ بظاهر هذا اللفظ في دلالته على الفرائض أو النوافل، هذا فيما يتعلق بالمستحاضة.

    طهارة دائم الحدث

    وهناك مسألة ليست ببعيدة عن مسألة المستحاضة، وتكثر حاجة الناس إليها، وهي مسألة من به حدث دائم، يمكن أن نعتبرها مسألة أخرى؛ لأنه يوجد نوع من الاختلاف بينهما، مسألة من به حدث دائم، يعنى: مثل المصاب بالسلس بالبول أو الريح أو غيره؛ بحيث لا يتوقف هذا الحدث عنه، فما حكمه؟

    حديث عائشة في قصة فاطمة رضي الله عنهما هو أصل في هذه المسألة، ولذلك جميع الذين بحثوا هذه المسألة اعتمدوا على حديث فاطمة هذا، خاصة ممن يقولون بالقياس كالأئمة الأربعة.. وغيرهم.

    ومن به حدث دائم فإن العلماء قاسوه على المستحاضة، ووجه القياس: أن المستحاضة أيضًا حدثها دائم؛ لأنه قد علم مما سبق أن الاستحاضة حدث يجب له الوضوء، وهو دائم أو غالب.

    ويمكن أن يقال: إن هذا القياس من باب الأولى؛ لأن الأصل أن خروج الدم من فرج المرأة -الحيض- يوجب الغسل وليس الوضوء فقط، فإذا كان استمرار الاستحاضة وخروج الدم جعل الشارع يخفف عنها الحكم، فمن باب الأولى أن يخفف الحكم ويلحق بها من يخرج منه الحدث الذي لا يوجب إلا الوضوء أصلاً، كالبول مثلاً.

    ولذلك ذهب العلماء في هذه المسألة إلى أقوال:

    فأشد هذه الأقوال وأعسرها وأكثرها حرجًا هو قول ابن حزم، حيث ذهب إلى أن من كان مستنكحاً بشيء من هذه الأحداث -كما عبر هو- يعني: غلب عليه هذا الحدث ودام معه، فإنه يتوضأ لكل صلاة فرضًا أو نفلاً كما سبق، ولا يتوضأ إلا في آخر وقت يريد إيقاع الصلاة فيه، يعني: لا يتوضأ ثم يتراخى في أداء الصلاة، بل لا يتوضأ إلا في آخر وقت يريد إيقاع الصلاة فيه ثم يصلي.

    فإذا انتهت صلاته انتقض وضوءه، وإنما يعفى عنه أثناء الصلاة للمشقة والحرج، ولأنه لا يمكن إلا ذلك، واستدل ابن حزم بعمومات، كما في قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ [الحج:78]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وفي الحديث: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).

    ومن جهة أخرى استدل بأن هذه الأشياء في الأصل ناقضة، فالبول ناقض والريح ناقضة، ولا يوجد دليل على استثناء أحد من ذلك، فهذا أشد الأقوال، ولا شك أن فيه عسراً، أرأيت من يريد أن يصلي التراويح -مثلاً- في رمضان مضطر إلى أن يتوضأ بين كل ركعتين، يعني: بين كل تسليمتين، وكذلك إذا أراد أن يتنفل قبل الصلاة يتوضأ، فإذا انتهى توضأ للفريضة، فإذا انتهى من الفريضة توضأ للنافلة البعدية.. وهكذا.

    وما بالك بمثل الجمع والجماعات وغيرها، التي لا يدري الإنسان متى تقام الصلاة فيها، فقد يذهب للمسجد وهو يظن أن الصلاة قاربت الإقامة ولكن يتأخر الإمام في إقامتها، فيضطر هذا الإنسان إلى أن يذهب ليعيد الوضوء مرة أخرى، وقد يكرر هذا الأمر مرات، وهذا لا شك أن فيه من الحرج ما هو ظاهر وهو مدفوع، فالحرج مندفع ومرفوع عن هذه الأمة.

    ويقابل هذا القول أيسر الأقوال وأكثرها تسهيلاً وهو قول الإمام مالك، في أنه لا يجب عليه الوضوء من هذا الحدث الدائم إلا من حدث آخر، يعني مثلاً: من كان به سلس بول، فإنه خلال خروج السلس منه لا ينتقض وضوءه على مذهب الإمام مالك، ويصلي دون أن يحتاج إلى وضوء، لكن لو ذهب ليتبول لقصد؛ لأنه يكون بعض البول قد تجمع، وإن كان يخرج منه شيء يسير، فإذا تبول بقصده وأخرج البول بإرادته انتقض وضوءه أو انتقض بحدث آخر، المهم عنده أن السلس بذاته لا ينقض، وإنما يستحب لمن به سلس أن يتوضأ، وهذا قياس لمذهبه في المستحاضة كما سبق.

    وبينهما قولان معتدلان وهما: ... القول بأنه يتوضأ لكل صلاة كما سبق في المستحاضة.

    فأما أبو حنيفة فيقول: يتوضأ لدخول الوقت ثم يصلي ما شاء.

    وأما الشافعي ومن وافقه فإنهم يقولون: يتوضأ لكل فريضة، وهذا أيضًا قياسًا على مذهبهم، أو طردًا لمذهبهم في المستحاضة، في حديث عائشة رضي الله عنها.

    طهارة من به سلس متقطع

    يبقى في موضوع من به سلس التفريق بين الأحوال، وهذا ينبغي أن ينتبه له، فهناك بعض الناس يكون به سلس بول لكنه ليس مستمرًا معه، بعدما يتبول ثم يقف في الوقت فيستطيع أن يصلي الصلاة في وقتها طاهرًا، فهذا لا شك أن عليه أن ينتظر حتى يتوقف البول ثم يصلي في الوقت طاهرًا، لكن الكلام هو فيمن كان حدثه مستمرًا أو غالبًا هذه صورة، أو كان حدثه متقطعًا لكن ليس له ضابط، يعني: لا يستطيع أن يعرف متى يتوقف الحدث ومتى يستمر، بل قد يستمر معه أحيانًا وقد يتقطع أحيانًا، وقد يخرج الوقت والحدث باقٍ معه، فليس له ضابط يعتمد عليه.

    حكم من يأتيه سلس البول في الصلاة

    والحالة أو الصورة الثالثة: هي من كان الحدث يأتيه وقت الصلاة، وهذه صورة موجودة في الماضي، كما هو ظاهر من بعض الفتاوى التي وجهت لأهل العلم وموجودة في الحاضر، وهي: أن بعض الناس يكون عادياً في أحواله كلها، لكن إذا جاء إلى الصلاة بدأ يشعر بخروج البول، هذا قد يكون وسواساً لا شك، قد يكون وسوسة ابتلي بها الإنسان، والواقع خلاف ما يظن.

    لكن قد يكون واقعًا في بعض الأحوال، ويكون سببه شدة حرص الإنسان؛ لأن الإنسان -سبحان الله- إذا اهتم لهذا الأمر، وكان شديد الحرص على أن لا ينتقض وضوءه، يصبح عنده تحفز، وأعصابه تكون مشدودة رغبة في أن لا ينتقض وضوءه، فيكون من نتيجة هذا الانشداد في الأعصاب وهذا التحفز أن يخرج شيء منه، يعني: يؤثر هذا على أعصاب الإنسان وعلى المثانة فيخرج شيء من البول، لكن إذا كان في غير الصلاة كما لو كان في مجلس، أو في حديث، أو جالساً، أو قد يجلس ساعات طويلة لا يحس بخروج شيء منه، فهذا أيضًا يلحق بمن سبق، فهذه الحالات الثلاث تدخل فيما سبق ذكره من حكم من به سلس.

    فوائد الحديث

    يبقى في حديث عائشة رضي الله عنها فوائد أخرى عامة:

    منها: جواز مخاطبة المرأة للرجل، ومشافهتها له فيما تحتاجه من أمور دينها أو دنياها دون أن تخضع بالقول.

    وأيضاً: جواز سماع صوت المرأة إذا لم يكن في ذلك فتنة للرجل، وكان فيه مصلحة دينية أو دنيوية.

    ومنها: ثبوت وقوع الاستحاضة وأنها تقع، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن عدد النسوة اللاتي استحضن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم نحو عشر نسوة.

    ومنها: التفريق بين الحيض والاستحاضة.

    ومنها: أن الحائض لا تصلي، لقوله: ( فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة )، وهذا إجماع ولا تصح منها الصلاة، ولا يجوز لها أن تصلي.

    ومنها: وجوب الغسل من المحيض؛ لقوله: ( فإذا أدبرت حيضتك فاغتسلي، واغسلي عنك الدم، وتوضئي ثم صلي ).

    ومنها: بيان بعض أحكام المستحاضة: أنها تعمل بعادتها إن كانت معتادة كما في هذا الحديث، وأنها تصلي فيما عدا ذلك من الأوقات، وأنها تتوضأ لكل صلاة على التفصيل السابق.

    ومن ذلك أنه يجوز لزوجها أن يطأها، وهذا هو الصحيح حتى ولو لم يكن يخاف العنت؛ لأنه لم يرد في حديث عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أمر أحداً من أصحابه أن يعتزلوا أزواجهم في حال الاستحاضة، على رغم وقوعها في نحو عشر حالات كما أسلفت.

    ومنها: بيان حكم من به حدث دائم وأنه يقاس على المستحاضة من باب الأولى.

    هذا ما يتعلق بحديث عائشة رضي الله عنها.

    1.   

    شرح حديث علي في بيان حكم المذي

    ننتقل بعد ذلك إلى الحديث الثاني وهو حديث علي رضي الله عنه أنه قال: ( كنت رجلاً مذاءً فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟ فقال: فيه الوضوء )، والحديث متفق عليه.

    قوله رضي الله عنه: (كنت رجلاً مذاءً) مذاءً هذه صيغة مبالغة من اسم الفاعل على وزن (ضرّاب أو فعّال) يعني: كثير المذي، وهذه من صفات الرجولة والفحولة في الإنسان.

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    وقد ورد -كما في رواية البخاري - أنه رضي الله عنه قال: ( كنت رجلاً مذاءً فكنت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري -لأنه كان يظن أن المذي موجب للغسل- فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني -وفي لفظ: لمكان فاطمة مني- فأمرت المقداد -يعني: ابن الأسود - فسأل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: فيه الوضوء )، وفي لفظ: ( يغسل ذكره ويتوضأ ).

    وفي لفظ لـمسلم : ( توضأ وانضح فرجك ).

    وفي لفظ عند أبي داود من رواية عروة عن علي أنه قال: ( يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ )، وهذه الرواية منقطعة؛ لأن عروة لم يسمع من علي، لكن رواها أبو عوانة في مستخرجه من طريق عبيدة السلماني -بفتح العين- عن علي، قال ابن حجر في التلخيص : وهذا إسناد لا مطعن فيه.

    إذاً: قوله: ( يغسل ذكره وأنثييه )، زيادة ثابتة من حديث عبيدة عن علي كما عند أبي عوانة .

    وقد ورد: أن السائل هو المقداد كما في رواية الصحيحين: ( فأمرت المقداد فسأله ).

    وورد أن السائل هو عمار بن ياسر رضي الله عنه، وورد أن علياً : سأل النبي صلي الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة أوجه، وقد جمع بينها ابن حبان -رحمه الله- بتعدد القصة، يعني: أن المقداد سأل، ثم عمار، ثم ذهب علي وسأل بنفسه، وهذا كما قال ابن حجر : جمع حسن، إلا أن دعوى: أن علياً سأل بنفسه، فيها نظر؛ لأنه بَيّن العلة التي منعته من السؤال: وهي مكان فاطمة منه؛ حيث كانت زوجه وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحيا أن يسأل أباها عليه الصلاة والسلام، وهذه العلة تبعد أن يكون علياً سأل بنفسه.

    ولذلك كان الأقوى في الجمع بين هذه الروايات أن يكون علياً أمر المقداد وعماراً أن يسألا، فسأل المقداد وسبق إلى السؤال، وقد يكون عمار سأل أيضًا، أما علي فإنما أسند السؤال إلى نفسه؛ لأنه هو صاحبه، فهو الذي أمرهم بالسؤال؛ ولذلك قال: (فسألت)؛ لأنه هو صاحب السؤال.

    ومما يدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عائش بن أنس : ( أن علياً والمقداد وعمار تذاكروا المذي وحكمه، فقال علي : إني رجل مذاء فسلا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أحد الرجلين )، وقد رجح ابن بشكوال : أن الذي سأل هو المقداد، وهو ظاهر كما في رواية الصحيحين.

    وبذلك يتبين أن إسناد علي السؤال إلى نفسه؛ لأنه صاحبه كما ذكرت، ولأنه كان حاضرًا أيضًا عند السؤال، فإن المقداد سأل النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه حاضر، فسمع الجواب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الجمع هو الذي رجحه الإسماعيلي والنووي وابن حجر .. وغيرهم: أن علياً أمر المقداد وعماراً فسألاه، وأسند السؤال إلى نفسه لأنه صاحبه.

    تعريف المذي وحكمه

    والحديث فيه بيان حكم المذي.

    والمذي -كما ذكر أهل العلم- هو: ماء أبيض لزج رقيق، يخرج عند الملاعبة، أو تذكر الجماع، أو إرادته، وقد يخرج بدون علم الإنسان ولا يشعر به.

    فالحديث دليل على أن المذي نجس؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء منه وغسل الذكر، وغسل ما أصاب الثوب منه كما سيأتي أو نضحه، وهذا دليل على نجاسته، وهو مذهب جمهور العلماء، بل حكاه بعضهم إجماعًا، ولكن الإجماع لا يصح، فقد ورد عن سعيد بن المسيب .. وغيره -كما في الموطأ - ما يدل على أنهم يرون عدم نجاسته ولا نقضه للوضوء أيضًا.

    ولكن الصحيح أنه نجس لهذا الحديث، وهو دليل على أن خروج المذي حدث موجب للوضوء.

    وهذا هو الشاهد من الحديث: أن خروج المذي من الإنسان حدث موجب للوضوء، لقوله: (توضأ) (يتوضأ) (توضأ وضوءك للصلاة) .. وما أشبه ذلك من الألفاظ التي مدارها على إيجاب الوضوء على من خرج منه المذي، وهل يجب على من أمذى أن يغتسل؟ لا، لا يجب الغسل بالمذي، وهذا إجماع كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح وهو ظاهر من الحديث، خاصة مع السبب الذي ذكره علي حين قال: [ فكنت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري ]، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء فحسب.

    فوائد الحديث

    ويستفاد من الحديث ومن ألفاظه التي سقتها آنفًا: أن الإنسان يجب عليه أن يغسل ذكره وأنثييه إذا خرج منه المذي للتصريح بذلك كما في رواية أبي عوانة : ( فاغسل ذكرك وأنثييك )، ولا مطعن فيها كما ذكر الحافظ ابن حجر، ومن الغرائب أن ابن حزم -على ظاهريته- قال: إن المقصود بغسل الذكر غسل مخرج المذي فقط، يعني: رأس الذكر، وهذا ضعيف. وقال: إن الأمر بغسل الذكر كله شرع لا دليل عليه، ورد على من قالوا بأنه يقلص الذكر، قال: فهلا طلبوا من الإنسان أن يغسل ذكره، أو أن يضع على ذكره أنواعًا من العقاقير، فإنها أبلغ في التقليص، يعني: يسخر بهم رحمه الله وغفر لنا وله.

    والراجح خلاف ما ذهب إليه: أن من خرج منه المذي يجب عليه أن يغسل ذكره كله وأنثييه؛ لما سبق في رواية أبي عوانة وغيره.

    أما غسل الثوب فإنه يغسل لهذا الحديث، وهو مذهب الشافعي، وذهب آخرون إلى أنه يكتفى بنضح الثوب للمشقة في ذلك، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره، ومما يرجح مذهب الإمام أحمد في الاكتفاء بالنضح، ما ورد عند أبي داود وغيره أنه قال: ( وانضح ثوبك فيما ترى أنه قد أصابه )، وهذا الحديث حسن؛ لأن فيه محمد بن إسحاق وهو صدوق مدلس، ولكنه قد صرح بالتحديث، والحديث عند أبي داود والترمذي ..وغيرهما، وهو دليل على الاكتفاء بالنضح، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.