إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 57-58

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 57-58للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في حكم التثليث في مسح الرأس على قولين، والأقوى دليلاً هو أنه لا يشرع التثليث عند مسح الرأس، والصفة الواردة في مسح الرأس هي أن يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب إلى قفاه ثم يرد اليدين إلى المكان الذي بدأ منه بمقدم رأسه، كما أن عليه أن يستوعب المسح جميع رأسه ما أمكنه ذلك.

    1.   

    شرح أحاديث صفة مسح الرأس في الوضوء

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    بعد ذلك ننتقل إلى الأحاديث المطلوب حفظها، وهي حديث علي وحديث عبد الله بن زيد بروايتيه، ونشرح إن شاء الله من خلال هذه الأحاديث عدداً من المسائل المتعلقة بمسح الرأس.

    حديث علي رضي الله عنه في قوله: (ومسح برأسه واحدة)، وحديث عبد الله بن زيد بروايتيه: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر )، واللفظ الآخر: ( بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ).

    هذان الحديثان يتعلقان بمسح الرأس؛ ولذلك نبحث بعض المسائل المتعلقة بمسح الرأس، وإن شاء الله تعالى ننهيها في هذه الجلسة.

    أقوال العلماء في حكم التثليث في مسح الرأس

    من المسائل المهمة في مسح الرأس: مسألة: حكم التثليث في مسح الرأس، هل يُشرع أن يمسح برأسه ثلاث مرات كما في بقية الأعضاء، أم يكتفي بمسحه مرة واحدة؟ هذه المسألة الأولى.

    وقد ذهب الإمام الشافعي رحمه الله: إلى أنه يشرع التثليث في مسح الرأس، يعني: أن يمسح برأسه ثلاث مرات، شأنه في ذلك شأن غيره من أعضاء الوضوء.

    واستدل رحمه الله بأدلة:

    منها: حديث عثمان رضي الله عنه في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً )، وكذلك في البخاري : ( أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين، ومرة مرة )، وقال: إن الرأس هو أحد الأعضاء، فيشرع مسحه ثلاثاً كما يشرع غسل بقية الأعضاء ثلاثاً، بدليل أنه رضي الله عنه لم يفصل: ( توضأ -يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم- ثلاثاً ثلاثاً )، فهذا يُفهم منه أنه غسل ذراعيه ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً وغسل رجليه ثلاثاً، هذا الدليل الأول ولعله أقوى دليل للشافعي رحمه الله؛ في مشروعية التثليث في مسح الرأس.

    الدليل الثاني له: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مسح رأسه ثلاث مرات في الوضوء، ففي حديث عثمان رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ثلاثاً )، والحديث رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ثلاثاً )، ولكن هذا الحديث على كثرة طرقه فإن طرقه كلها ضعيفة؛ ولذلك قال أبو داود عقب رواية هذا الحديث: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة. إذاً أبو داود حين روى الحديث أعله وبين أنه مخالف للأحاديث الصحاح عن عثمان رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه مسح برأسه مرة واحدة، وكذلك ضعفه البيهقي في سننه عقب روايته، حيث قال: وقد روي من وجوه غريبة عن عثمان رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ثلاثاً )، ثم ذكر أن الصحيح أنه مسح واحدة، وأنه لا تقوم الحجة بهذا الحديث، قال: وإن كان بعض أصحابنا يحتجون به، هذا كلام البيهقي، ويعني البيهقي ببعض أصحابه الشافعية؛ لأن البيهقي رحمه الله شافعي، وهذا من إنصافه وبعده عن التعصب، حيث ضعَّف هذا الحديث مع أنه لو صح يشهد لمذهب الإمام الشافعي .

    إذاً: فالدليل الثاني للشافعي هو حديث عثمان في: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ثلاثاً ).

    والدليل الثالث: هو حديث علي أيضاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ثلاثاً )، والحديث يقال فيه ما يقال في الحديث الأول، من أن الأحاديث الصحيحة عن علي في الاقتصار على مسحة واحدة؛ ولذلك قال البيهقي أيضاً عقب روايته: إنه روي من وجوه غريبة، والصحيح عن علي رضي الله عنه خلافه، أو كما قال رحمه الله، فأشار إلى أن الرواية الثابتة عن علي هي الاقتصار في مسح الرأس على مرة واحدة، وهذه الرواية الصحيحة التي أشار إليها البيهقي وغيره، هي الرواية التي ساقها المصنف رحمه الله حيث قال: وعن علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: ( ومسح برأسه واحدة )، والحديث كما رأيتم أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، بل قال: وإسناده صحيح كما يقول المصنف، بل قال الترمذي: إنه أصح شيء في الباب.

    هذه ثلاثة أدلة للشافعي في مشروعية التثليث في مسح الرأس.

    والقول الثاني في المسألة, وهو قول جمهور أهل العلم: أنه لا يشرع التثليث في مسح الرأس بل المشروع الاقتصار فيه على مسحه مرة واحدة بالصفة الواردة في الحديث.

    وهذا المذهب الذي هو مذهب الجمهور نسبه الترمذي في سننه إلى الشافعي أيضاً، فلا أدري هل للشافعي قولان في المسألة كما هو معروف من مذهبه في مسائل كثيرة، أم أن هناك شيئاً آخر غير هذا؟ لكن المشهور في كتب الشافعية المعتمدة: أن رأي الإمام الشافعي مشروعية التثليث في مسح الرأس.

    الذين قالوا: بأنه يكتفى في مسح الرأس بمرة واحدة؛ استدلوا بأدلة عديدة، منها أدلة نقلية ومنها أدلة عقلية:

    فمن الأدلة النقلية: حديث علي رضي الله عنه حديث الباب: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه واحدة )، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي : هو أصح شيء في الباب، وقال ابن حجر : إسناده صحيح، وقد رواه أبو داود من نحو ست طرق.

    ومن الأدلة النقلية: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود والنسائي : ( أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه وغسل رجليه ثلاثاً، ثم قال صلى الله عليه وسلم: هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم )، إذاً الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ أمام هذا الأعرابي: غسل وجهه ثلاثاً، وغسل كلاً من يديه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ما قال: ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، فدل على أن المسح حكمه خارج عن بقية الأعضاء، وعقب الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل بقوله: ( هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم )، إذاً: من غسل وجهه أربع مرات في الوضوء فماذا يقال عنه؟

    يقال: إنه أساء وتعدى وظلم، ومن مسح برأسه مرتين يقال عنه: إنه أساء وتعدى وظلم؛ لأنه زاد على ما ورد في هذا الحديث.

    ومما يقوي الاستدلال بهذا الحديث: أن سعيد بن منصور زاد في روايته قال: ( ومسح برأسه واحدة )، وهذا نص في أن الرسول عليه الصلاة والسلام اقتصر على مسح الرأس مرة واحدة.

    ومن أدلتهم النقلية: أن الصحابة الذين رووا صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن عددهم يزيد عن اثنين وعشرين؛ كلهم أطبقوا على الاقتصار على ذكر المسحة الواحدة في شأن الرأس، إلا ما ورد عن علي وعثمان، وما ورد عنهما فهو منقوض بما ورد عنهما أيضاً، وهو أصح من الاقتصار على مسح الرأس مرة واحدة. هذه ثلاثة أدلة نقلية.

    ومن أدلتهم العقلية قالوا: إن فرض الرأس هو المسح بخلاف بقية الأعضاء ففرضها الغسل، وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاق المسح بالغسل، فالمشروع في المسح كالمسح على العمامة، أو على الجبيرة، أو على الخفين الاقتصار على مسحة واحدة، فإلحاق الرأس بها أولى من إلحاقه بالغسل, بجامع أن كلاً من هذه الأشياء مسح.

    وكذلك من أدلتهم: أن كون الرأس يمسح، إنما هو من باب التخفيف والتيسير على الناس، والتخفيف والتيسير يناسبه الاقتصار على مسحه مرة واحدة.

    إذاً: فالقول الثاني أرجح وأقوى دليلاً نقلياً وعقلياً وتعليلاً.

    وبناء عليه: فالمشروع في مسح الرأس الاقتصار على مرة واحدة.

    صفة مسح الرأس

    لكن صفة هذه المرة هي ما بينها حديث عبد الله بن زيد بروايتيه حيث قال رضي الله عنه في الرواية الأولى التي بين أيدينا: ( فأقبل بيديه وأدبر ).

    وهذا الحديث يفهم من ظاهره أنه بدأ بمقدم رأسه أو بمؤخر رأسه؟ يعني: إن فهمنا أن الواو هاهنا في قوله: ( فأقبل وأدبر ) أنها تعني الترتيب فيفهم منه: أنه بدأ بمؤخر رأسه، فأقبل بيديه إلى أن وصل إلى مقدم رأسه ثم أدبر بيديه.

    لكن هذا يخالف ما في الرواية الأخرى المفصلة في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما -يعني: يديه- إلى المكان الذي بدأ منه -وهو مقدم الرأس- ).

    إذاً: لا تعارض بين هاتين الروايتين، فرواية: ( أنه أقبل وأدبر )، مجملة أو محتملة، والرواية الثانية رواية مفصلة واضحة.

    فنقول: إن المشروع أن يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب إلى قفاه ثم يرد اليدين إلى المكان الذي بدأ منه بمقدم رأسه، وبذلك يعمل بكلا الحديثين؛ لأنه يكون أقبل وأدبر، لكن ليس بنفس الترتيب الوارد في الرواية الأولى.

    يعني: (أقبل بيديه)، أي: وضعهما خلف رأسه ثم أقبل بهما، هذا الفهم المشهور للرواية، الذي قلت وارد، لكن المعنى الذي عليه أكثر الشراح: (أنه أقبل بهما) يعني: من خلفه وساقهما إلى مقدم رأسه، (ثم أدبر) يعني: ردهما إلى مؤخر رأسه.

    ويحتمل وجه آخر: أن يكون (أقبل) يعني: وضعهما في مقدم رأسه ثم ردهما، (وأدبر) يعني: وصل إلى مؤخر رأسه.

    هذه المسألة الأولى في حكم مسح الرأس وما يتعلق به وهي مسألة التثليث، وتبين منها: أن الراجح الاقتصار في مسح الرأس على مرة واحدة بالصفة التي وردت في حديث عبد الله بن زيد وغيره.

    أقوال العلماء في استيعاب جميع الرأس بالمسح

    المسألة الثانية: هي حكم استيعاب جميع الرأس بالمسح. يعني: هل الواجب أن يمسح الإنسان جميع شعر رأسه، أم يكفي أن يمسح بعضه ويترك بعضه؟

    هذه أيضاً مسألة خلافية، وللفقهاء فيها تفريعات لا داعي للاشتغال بها؛ أن يمسح ثلث الرأس أو ربعه أو كذا شعرة.. أو ما أشبه ذلك من التفاصيل التي لا طائل تحتها.

    ولكن أصل المسالة فيه قولان أو رأيان لأهل العلم:

    الرأي الأول وهو رأي أبي حنيفة والشافعي وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد ومالك : أنه لا يجب مسح الرأس كله بل يكفي مسح بعضه، واستدلوا بقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6] فإن الباء قالوا هاهنا للتبعيض، فكأنه قال: امسحوا ببعض رءوسكم، فإذا مسح المتوضئ ببعض شعر رأسه أجزأه، هذا مع أنهم اتفقوا على أن استيعاب الرأس كله بالمسح أفضل، وإنما الخلاف في هل يجب أو لا يجب؟

    فالأولون قالوا: لا يجب، وقالوا: إن الباء في قوله: (برءوسكم) للتبعيض.

    وأيدوا هذا الاستدلال بالآية بما رواه مسلم عن المغيرة بن شعبة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة )، قالوا: فكونه صلى الله عليه وسلم اقتصر في المسح على الناصية دل على أنه لا يجب مسح جميع الرأس، ولو وجب لفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

    وما ورد في حديث المغيرة هذا ورد في أحاديث أخرى، منها ما رواه الشافعي عن عطاء مرسلاً، والمرسل ضعيف كما سبق، ومنها ما رواه أبو داود عن أنس وهو في إسناده نظراً؛ لأن الراوي عن أنس مجهول، وورد أيضاً في أحاديث أخرى غير هذه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته أو بمقدم رأسه ).

    ولكن يجاب على هذا الاستدلال: بأن هذا ورد مع العمامة: ( مسح بناصيته وعلى العمامة )، فلا يتم الاستدلال بالحديث؛ لأن المسح على بعض الرأس وعلى العمامة أو المسح على العمامة هو مذهب فقهاء أهل الحديث الإمام أحمد وغيره وسيأتي، لكن لم يرد في حديث واحد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ببعض رأسه فقط، وما ورد كذلك فهو محمول على أنه مسح ببعض رأسه ثم أكمل على العمامة .

    هذه أدلتهم على الاقتصار على بعض الرأس وعدم وجوب استيعابه.

    القول الثاني: وهو مذهب الإمام أحمد في رواية مشهورة عنه، وهو أيضاً رواية أخرى عند مالك، وبعض المصنفين قالوا: إن هذا هو مذهب جمهور السلف: أنه يجب استيعاب الرأس كله بالمسح، وقالوا: إن الباء في الآية في قوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6] ليست للتبعيض كما فهم الأولون وإنما هي للإلصاق، كما في قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء:43] يعني: في حال التيمم، فالمقصود بها الإلصاق، وقالوا: إن الباء ليست للتبعيض، وقد رد سيبويه إمام النحاة كون الباء للتبعيض في أكثر من عشرين موضعاً من كتابه المسمى بـالكتاب في النحو، فالباء عند الآخرين ليست للتبعيض وإنما هي للإلصاق.

    فقالوا: إنه يجب مسح الرأس كله كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الأحاديث الواردة عنه أنه استوعب مسح الرأس كله, ولم يقتصر على بعضه إلا أن يكون مع العمامة.

    وهذا القول مع معرفة وجوب مسح الرأس أقوى؛ باعتبار أن الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها الأصل استيعابها بالغسل أو بالمسح، وعلى فرض أن الباء مترددة بين كونها للإلصاق، وبين كونها للتبعيض, فلا يقال بالتبعيض الذي يلزم منه ترك بعض العضو إلا بدليل قوي صريح ولا دليل هنا.

    ولذلك فإن القول الراجح في هذه المسألة هو: وجوب استيعاب الرأس بالمسح، ولكن يعفى عن الشعرات اليسيرة للمشقة، هذه هي المسألة الثانية.

    حكم مسح الأذنين في الوضوء

    إذا قلنا بأنها مع الوجه فحكمها حكمه، وإذا قلنا: إن بعضها مع الوجه وبعضها مع الرأس، فما كان منها مع الوجه فحكمه أن يغسل، وما كان مع الرأس فحكمه أن يمسح.

    لأن الذين قالوا: إن مقدم الأذن أو ما أقبل منهما مع الوجه؛ اعتبروا الأذن جزءاً من الوجه، وما دام يجب غسل الوجه فكذلك الأذن.

    والذين قالوا: مع الرأس، قالوا: إنها جزء من الرأس، فحكمها المسح مثل الرأس.

    ومن قالوا: بعضها هكذا وبعضها هكذا قالوا: مقدمها يغسل مع الوجه ومؤخرها يمسح مع الرأس.

    إنما القول الثالث هو قول الجمهور الأئمة الأربعة وغيرهم وهو القول المشهور لدى كافة أهل العلم أو أكثرهم: أن الأذنين من الرأس، فالمشروع مسحهما معه.

    واستدل بعض هؤلاء بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأذنان من الرأس )، وهذا الحديث وإن كان بعض أهل العلم ضعفه، إلا أن الحديث له طرق عن أكثر من تسعة من الصحابة؛ ولذلك ذكر بعضهم أنه يصلح أن يقال: إنه متواتر، لكن على كل حال الأقرب والأقوى أن الحديث صحيح بكثرة طرقه عن جماعة من الصحابة، فقد ورد الحديث عن أبي أمامة رضي الله عنه والحديث لفظه: ( الأذنان من الرأس ).

    ورد عن أبي أمامة رضي الله عنه عند أبي داود والترمذي وابن ماجه، والإمام أحمد في مسنده، والدارقطني والبيهقي .. وغيرهم.

    وورد عن أبي هريرة عند ابن ماجه والدارقطني.

    وورد عن ابن عباس أيضاً عند ابن ماجه والدارقطني، وحديث ابن عباس صححه ابن القطان وعبد الحق الإشبيلي وابن الجوزي، يعني: صححوا حديثاً واحداً، فما بالك بتسعة أو عشرة أحاديث؟

    وورد الحديث عن أبي موسى الأشعري في المعجم الأوسط للطبراني .

    وورد عن أنس عند الدارقطني .

    وورد عن عبد الله بن عمر أيضاً عند الدارقطني .

    وورد عن عبد الله بن زيد بن عاصم عند ابن ماجه .

    وورد عن سمرة بن جندب، حديث سمرة رواه تمام الرازي في مسند له اسمه مسند المقلين، وهذا المسند فيما أعلم أنه لم يطبع بعد.

    وورد الحديث أيضاً عن عائشة عند الدارقطني وإسناده ضعيف جداً.

    فالآن هذه تسعة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها بلفظ: ( الأذنان من الرأس ) أو نحوه، فمجموع هذه الأحاديث وإن كان غالبها ضعيف إلا أن مجموعها يدل على أن الحديث صحيح؛ ولذلك ادعى بعض العلماء أنه متواتر، فهذا الحديث مهم أن نعرف صحته؛ لأننا سنحتاجه في أكثر من مسألة، نحتاجه الآن في المسألة التي نبحثها وهي مسألة كون الأذنين مع الرأس فتمسحان معه.

    واستدل هؤلاء أيضاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه: ( كان يمسح أذنيه مع رأسه ).

    وهذا القول هو الراجح بل هو الصحيح: أن الأذنين مع الرأس.

    طيب إذا كانت الأذنان مع الرأس فهل يجب مسحهما أم يسن؟

    جمهور الأئمة الأربعة: على أنه يسن مسحها ولا يجب؛ لعدم قيام الدليل على وجوب مسحهما، خاصة وأن الحديث كما قلت: ضعفه بعض أهل العلم فكأنه لم يثبت عندهم.

    وذهب الحنابلة تبعاً لأكثر السلف إلى وجوب مسح الأذنين.

    ومن أدلتهم: محافظة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وعدم إخلاله به بحال من الأحوال.

    ومن أدلتهم: حديث: ( الأذنان من الرأس ).

    هذه مسألة في حكم الأذنين وتبعيتهما للرأس وحكم مسحهما.

    أخذ ماء جديد لمسح الأذنين

    هل يأخذ لأذنيه ماءً جديداً؟

    باختصار شديد -ولعلنا نعود لهذه المسألة فيما بعد إن شاء الله- الأصح أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماءً جديداً، فلا يأخذ الإنسان لأذنيه ماءً جديداً إلا إذا احتاج إلى ذلك، كما إذا زال البلل الموجود في أصابعه فاحتاج إلى أن يبلهما لمسح أذنيه، أما الأصل فهو أن يمسحهما بما فضل من ماء رأسه.

    نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن يجمعنا على خير، وأن يحسن خواتمنا.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.