إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها - حديث 30-32

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها - حديث 30-32للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت في السنة أن عائشة رضي الله عنها كانت تحت المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنها أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، فاختلف العلماء في نجاسة المني على قولين: الأول للشافعي وأحمد وهو طهارة المني، والثاني لأبي حنيفة ومالك وهو القول بنجاسته وحشد كل صاحب قول ما يؤيده ويدفع القول المخالف له.

    1.   

    شرح أحاديث إزالة المني عن الثوب

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل )، متفق عليه.

    ولـمسلم : ( لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه )، وفي لفظ له -يعني: لـمسلم أيضاً-: ( لقد كنت أحكه يابساً بظفري من ثوبه ).

    معاني الألفاظ

    قولها رضي الله عنها: (لقد كنت أفركه فركاً), ما المقصود بالفرك؟ ما هو الفرك؟ هو الدلك, الفرك هو الدلك.

    وقولها: (كنت أحكه), ما هو الحك؟ الحك -كما يقولون- هو الحت, فسواءً قرأته بالكاف أو بالتاء فالمعنى واحد, وقد وردت الرواية بالحك أو بالحت, أحكه أو أحته, وهذا أيضاً يكون فيما إذا كان يابساً.

    1.   

    أقوال العلماء في طهارة المني وأدلتهم

    القول الأول: أن المني طاهر وأدلته

    والحديث دليل على طهارة المني.

    وهذا هو مذهب الإمام الشافعي وداود الظاهري والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه, وهو المنسوب لكثير من الصحابة رضي الله عنهم, ورجحه عدد من العلماء المحققين كـابن تيمية وابن القيم والصنعاني وغيرهم.

    قالوا: بأن المني طاهر ليس بنجس, وإنما يكون فركه أو حكه أو حته أو غسله على سبيل النظافة, ودفعاً للاستقذار, وليس لأنه نجس, واستدل أصحاب هذا القول بعدد من الأدلة:

    الأول منها: أن هذا هو الأصل, فإن الأصل في الأشياء الطهارة كما سبق مراراً, قالوا: ولم يثبت دليل صحيح صريح على نجاسة المني, فيبقى على أصل طهارته.

    والدليل الثاني وهو أيضاً من الأدلة المهمة التي يستفيد منها طالب العلم في كثير من الأحيان: أن المني مما تعم به البلوى, وتكثر حاجة الناس إلى معرفة حكمه, فلو كان نجساً لاستفاض عند الصحابة رضي الله عنهم ذكوراً وإناثاً وعند أمهات المؤمنين أنه نجس, وأنه يمنع الإنسان من أن يصلي في الثوب الذي يوجد فيه أثره, وأنه يجب على الإنسان غسله كما يجب عليه غسل البول مثلاً.

    فهذا الأمر لو كان حكمه النجاسة لاستفاض واشتهر عند الناس, وهذه الطريقة في الاستدلال مرت معنا في مواضع عديدة, منها: مواضع في أبواب المياه وأقسامها وغير ذلك, وهي كما ذكرت طريقة مهمة في الاستدلال.

    ومن أدلتهم على طهارة المني: حديث عائشة , وهو حديث الباب, فإن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتفي بحك المني أو حته أو فركه، ثم يصلي في هذا الثوب الذي فيه آثاره، أو يكتفي بأن يغسله صلى الله عليه وسلم, ثم يصلي وأثر الغسل من بقع الماء والرطوبة في ذلك الثوب، دليل على أنه ليس بنجس, وإنما غسله لدفع الاستقذار وللنظافة.

    ومن أدلتهم على طهارته: ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق, يكفيك أن تميطه عنك بإذخرة ), يعني: المني. ( إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق, ويكفيك أن تميطه عنك بإذخرة ). وهذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني , وقال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد : إسناده صحيح, وقال البيهقي : الصحيح هو الموقوف, فهذا الحديث ورد مرفوعاً وموقوفاً, وصحح البيهقي رحمه الله الموقوف, الموقوف على من؟ على ابن عباس , فإن كان الحديث موقوفاً على ابن عباس فهو قول صحابي, وهو معارض بأقوال صحابة آخرين إن صحت نسبتها إليهم, ولكن المرفوع هو الذي يصح ويقوى به الاستدلال؛ لأنه يكون حينئذٍ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ووجه الاستدلال بهذا الحديث :( إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق, ويكفيك أن تميطه عنك بإذخرة ).

    كيف يتم الاستدلال بهذا الحديث؟ ما وجه الاستدلال به؟

    الوجه الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرنه بالمخاط والبصاق, وهذه الأشياء طاهرة أم نجسة؟ هي طاهرة بالإجماع، فكونه عليه الصلاة والسلام جعل المني بمنزلتها دليل على أنه طاهر.

    والوجه الثاني للاستدلال.

    الاكتفاء بأنه يزال بإذخرة, أنه يكفيه أن يميطه عنه بإذخرة, ومعلوم أن الإذخرة قد تميط كثيراً منه, لكن يبقى ما شرب الثوب منه ويبقى بعض آثار يسيرة، فالاستدلال بالحديث من هذين الوجهين. كم مضى معنا الآن من دليل؟ أربعة.

    ومن أدلتهم أيضاً: ما رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي من حديث عائشة : ( أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي )، وما وجه الدلالة من هذا الحديث؟ كيف يستدل به؟

    وجه الاستدلال بالحديث: أنه صلى الله عليه وسلم شرع في الصلاة والمني في ثوبه, ففركته عائشة وهو يصلي, وهذا دليل على أن المني ليس بنجس، وإلا لما شرع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة في ثوب يوجد فيه هذا المني.

    ويستدل أصحاب هذا القول أيضاً ببعض الأدلة العقلية التي منها: أن المني هو أصل الإنسان, والإنسان طاهر الجسد, المسلم طاهر بالاتفاق, والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصلهم من هذا الماء المهين, هذا المني, فيبعد أن يكون نجساً ومنه خلق الإنسان, وهذا الدليل دليل عقلي يظهر أنه لا بأس به, وإن كان الشوكاني رحمه الله استبعد الاستدلال به واستنكره في نيل الأوطار، فهذه الأدلة وغيرها تدل على طهارة المني, وهذا هو القول الراجح. والله أعلم.

    القول الثاني: أن المني نجس وأدلته والجواب عنها

    القول الثاني في المسألة: هو القول بنجاسته, وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.

    واستدل هؤلاء بعدد من الأدلة.

    استدلوا أولاً بحديث الباب، وكيف يستدلون بحديث الباب؟

    استدلوا بحديث الباب, وطريقة استدلالهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني, وعائشة كانت تفركه وتحكه وتحته, قالوا: فلو لم يكن نجساً لما تعبد بغسله, إنما يتعبد الإنسان بإزالة هذه النجاسات من بدنه, هذا استدلالهم بالحديث.

    ثم يقال لهؤلاء القوم: وكيف تجيبون عن فركه أو حكه أو حته مع أن من المعلوم أن الفرك والحك لا يزيل مادة المني بالكلية, بل لابد أن يبقى فيها بقية, فيجيبون على هذا الاعتراض بأجوبة, منهم من يقول: إن هذا تسومح فيه، تسامح الشرع في هذا الأمر لكثرة الحاجة إليه, كما تسامح مثلاً في موضوع الاستجمار, وأنه قد يبقى فيه بقية من النجاسة ومع ذلك تسومح فيه, فكذلك تسومح في بقايا المني التي قد تشرب الثوب؛ لكثرة ملابسته والحاجة إليه.

    واستدلوا أو أجابوا ثانياً عما ورد من حكه أو حته بأن هذا الأمر خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يشمل أمته, وما رأيكم في هذا؟ القول بأن هذا الحكم خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام؟ هل يصح؟

    نقول: القول بالخصوصية لأي مسألة لا يمكن أن يقال به إلا في إحدى حالتين:

    الحالة الأولى: أن يأتي نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الله عز وجل بخصوصية هذا الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين، ومثال ورود نص على أن هذا الحكم خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام.

    كما في قوله تعالى في سورة الأحزاب: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، فإذا ورد نص على أن هذا الحكم خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم بقي على خصوصيته ولم يدخل غيره فيه.

    الحالة الثانية والله أعلم: أن يوجد نصان متعارضان، ولا يمكن الجمع بينهما إلا بجعل أحدهما خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم والآخر عاماً لأمته, وهذه الحالة يختلف فيها العلماء, بحيث أنه قد يوجد نص يقول أحد العلماء: إنه خاص؛ حتى يوفق بينه وبين نص آخر, وينازعه آخرون، ولذلك فإيجاد دليل صحيح سالم من المعارضة لهذه الحالة صعب؛ لأنه قد يوجد عند عالم ولا يسلم به عالم آخر.

    المهم أن القول بالخصوصية في مثل هذه الحالة -حالة المني- بعيد جداً, وكيف يقال بخصوصيته والرسول صلى الله عليه وسلم كان يباشر أزواجه، ولم يرد عنهن أنهن كن يتقين ذلك، أو يعتبرن هذا خاصاً به صلى الله عليه وسلم.

    الجواب الثالث .. جواب من قالوا بأنه نجس على أحاديث الحك والحت والفرك وما أشبهها, هم قالوا: إما أن يكون هذا تسومح فيه تيسيراً على الناس, أو أن يكون هذا خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم.

    الجواب الثالث قالوا: أن يكون هذا مع غسله, يعني: تفركه ثم تغسله, وهذا خلاف ظاهر الحديث؛ لأن قولها: (كنت أفركه .. كنت أحكه .. كنت أحته) دليل على أنها كانت تقتصر على هذا الأمر وليس مع الغسل, فالقول بأن هذا كان مع الغسل خلاف ظاهر الحديث، هذا الدليل الأول لهم, وهو استدلالهم بحديث الباب، وأنه ورد فيه الغسل, أن النبي صلى عليه وسلم كان يغسل المني.

    الدليل الثاني لهم: ما ورد عن عدد من الصحابة كـعمر وابن عمر وابن مسعود وأبي هريرة أنهم كانوا يغسلون المني، يقول هؤلاء العلماء: والغسل إنما تعبد به في إزالة النجاسات, وهذا الدليل هل ينتهض؟ لا ينتهض هذا الدليل, لا ينتهض من وجوه, منها أنه يجوز أن يقال: إن الغسل كان للاستكراه, كما كان يغسله النبي صلى الله عليه وسلم.

    نعم, غسله إذا كان رطباً هو للاستخباث والاستقذار وليس للوجوب, فالرد الأول الآن على هذا الدليل أن يقال: إن غسلهم له كان للاستخباث والاستقذار, ولا يلزم منه أن يكون للنجاسة.

    الوجه الثاني: أنه على فرض أنهم كانوا يغسلونه تنجيساً فهذا فعل صحابي, أو قول صحابي, وقد ورد ما يعارضه من السنة, بل ومن أقوال الصحابة المنسوبة إليهم هذه الأقوال, فـابن عباس مثلاً ورد عنه في دليل الأولين أنه كان يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ( إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق )، وهذا نص صريح إما منه أو من الرسول صلى الله عليه وسلم, ونقله ابن عباس على أن المني كالمخاط والبصاق, وأنه يكفي أن يزال بإذخرة.

    والجواب القوي على احتجاجهم بفعل الصحابة: أن فعلهم لا يدل على النجاسة, فأكثر الناس أو كلهم يزيلون المني إذا كان رطباً بالغسل أو بغيره لاستخباثه واستقذاره، ولئلا تتلوث به ثيابهم وأجسامهم, ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا قولاً بنجاسته.

    الدليل الثالث لهم: ما ورد عن عمار رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والمني والمذي والقيء والدم ) فالمني من هذه الأشياء الستة, وهذا الحديث لو صح فهو دليل على أن الثوب يغسل من هذه الأشياء.

    وهذا الحديث رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي، وابن عدي في الكامل في الضعفاء، والعقيلي في ضعفاء الرجال أيضاً، وهذا الحديث لا يصح؛ لأن فيه ثابت بن حماد وهو متروك الحديث , فالحديث إذن شبه الموضوع أو موضوع, ولا يصح الاستدلال به على حكم شرعي , وإلا لو صح لكان دليلاً على ما ذكروا.

    الدليل الرابع عندهم: هو ما رواه أبو داود والنسائي والطحاوي : ( عن معاوية رضي الله عنه أنه سأل أخته أم حبيبة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامعك فيه؟ قالت: نعم, إذا لم ير فيه أذى ) ما وجه الاستدلال بالحديث على نجاسة المني؟

    أولاً: أنها سمته أذى, (إذا لم ير فيه أذى).

    الوجه الثاني للاستدلال: الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجد في ثوبه أذى يعني: منياً -كما يفسره هؤلاء العلماء- تجنب الصلاة فيه, وقوله: يتجنب الصلاة فيه دليل على أن المني نجس, والاستدلال بهذا الحديث مدفوع, لا يصح الاستدلال به على ما ذكر.

    أولاً: لأن الأذى قد يطلق على المني وعلى غيره, فيحتمل أن يكون مقصودها بالأذى دم الحيض, ومن المعلوم أن دم الحيض نجس وهو أذى, كما قال الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222] فسماه الله عز وجل أذى, ومن دلالة هذا أن يكون دم الحيض نجساً.

    فيحتمل أن يكون مقصودها أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه، إلا إذا رأى فيه أثراً من دم الحيض, ولا يبعد أن يصيب ثوبه صلى الله عليه وسلم شيئاً من دمها؛ لأنه كان ينام معها في فراش واحد وهي حائض, وربما يصل إلى ثوبه شيء من دمها, ليس هذا ببعيد أو مستحيل, هذا وارد.

    الجواب الثاني على استدلالهم بهذا الحديث: أنه على فرض أن يكون مقصود أم حبيبة بالأذى ها هنا المني، فليس هناك دليل على أن كل ما سمي أذى فهو نجس, ليس هناك دليل على أن كل ما سمي أذى فهو نجس, فقد يسمى الشيء أذى ويقصد به أنه مستقذر أو خبيث في لغة العرب , ولا شك أن البصاق والمخاط يعتبر أذى في عرف الناس وفي لغة العرب, ومع ذلك فليس بنجس, فعلى فرض أنها قصدت بالأذى المني فليس هذا دليلاً على أنه نجس.

    هذا الجواب على استدلالهم بحديث معاوية رضي الله عنه.

    لهؤلاء القوم أدلة عقلية على نجاسة المني, منها: قالوا: إن خروجه يوجب الغسل, إن خروجه حدث يوجب الغسل, فصار نجساً كغيره من الأشياء كالبول والغائط ونحوهما.

    وهذا استدلال عقلي يجاب عليه بأنه ليس يلزم من كون خروجه موجباً للغسل أن يكون نجساً؛ بدليل أن هناك أشياء تخرج من الإنسان ولا يقال بنجاستها, كالريح مثلاً, ومع ذلك يلزم منها الوضوء, وكذلك أن الغسل ليس مقصوراً على موضع الأذى, وإنما يلزم الإنسان بخروج المني أن يغسل بدنه كله, مع أن موضع خروجه محدد, فلم يكتف بغسله فحسب, بل أمر بغسل جسده كله.

    وكذلك استدلوا استدلالاً عقلياً بأن المني فضلة من فضلات جسم الإنسان تنتهي إلى مستقر, فأشبه البول والغائط, وهذا الدليل أيضاً لا ينتهض للاستدلال, ولا يمكن أن يكون دليلاً على كون هذا الشيء نجساً أو طاهراً, فالنجاسة والطهارة هي حكم شرعي إنما يعلم بتوقيف الشارع.

    ولهم استدلالات عقلية أخرى كثيرة غير هذه, ومن أراد الاستزادة من هذه الحجج والأقوال فليرجع إلى كتاب بدائع الفوائد للإمام ابن القيم في الجزء الثالث, فقد ذكر الإمام ابن القيم في هذا الجزء مناظرة فقهية لطيفة وطويلة بين من قالوا بنجاسة المني ومن قالوا بطهارته, وأجاد فيها وأفاد.

    والراجح في هذه المسألة -والله أعلم- القول بأن المني طاهر, وأنه يشرع للإنسان أن يزيله عنه إن كان مائعاً كأن يزيله بخرقة أو إذخرة أو نحوها, وإن كان يابساً أزاله بالحك أو بالحت أو الفرك؛ تطيباً وتنظفاً؛ لأن الإنسان يشرع له أن يتنظف ويتطيب للإتيان إلى الصلاة, وكذلك لمقابلة الناس ومجالستهم وما أشبه ذلك، هذه المسألة المأخوذة من الحديث.

    فوائد الأحاديث

    وفي الحديث فوائد أخرى:

    منها: أنه لا حياء في الدين, وينبغي للإنسان أن يعلم الناس, ويتعلم ما يحتاج إليه في أمور دينه, ولو كان يستحي منه, سواء سماه باسمه أو كنى عنه كناية, وأن الإنسان ينبغي له أن يسأل عما أشكل عليه من هذه الأشياء أو من غيرها, ولا يستحي، كما قالت أم سليم رضي الله عنها كما في الصحيح: ( إن الله لا يستحي من الحق )، وهذا صح أيضاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ( إن الله لا يستحي من الحق )، وقد يكون في الحديث فوائد أخرى غيرها.

    هذا وأسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكم الإقبال عليه واللهج بذكره, وأن يجعل ما نتعلمه من القرآن والسنة قربى وزلفى إليه في الدار الآخرة, وأن يعيننا على أنفسنا, وأن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، ويجعلنا للمتقين إماماً .. إماماً في الأقوال والأفعال والعلم والعبادة وكل خير, وألا نكون ممن علمه حجة عليه.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.