إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - حديث 5-6

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - حديث 5-6للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الماء الكثير يختلف عن الماء القليل في بعض أحكام منها: وقوع النجاسة فيه، فقد جاء في الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، فإذا وقعت النجاسة في الماء الكثير فإنها لا تضره ولا تؤثر فيه، إلا إذا تغير، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينغمس الرجل في الماء الدائم وهو جنب؛ لأن ذلك مظنة تلوثه وتغيره، وهذا من كمال النظافة والطهارة التي جاء بها الإسلام وحث عليها.

    1.   

    شرح حديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)

    بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ), وفي لفظ: ( لم ينجس ), أو ( لم ينجس ).

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    الحديث أخرجه الأربعة كما يقول المصنف، بل أخرجه الخمسة, وهم أصحاب الكتب الأربعة، السنن مع الإمام أحمد.

    فالحديث أخرجه الخمسة, وأخرجه الدارمي والدارقطني والطحاوي والطيالسي وابن حبان وابن خزيمة والحاكم والبيهقي . فهذه مصادر جديدة للحديث إضافة إلى ما ذكره المصنف رحمه الله.

    وقد صححه الأئمة أيضاً، فممن صحح الحديث من ذكرهم المصنف, وهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، فهؤلاء ثلاثة صححوه, يضاف إليهم ابن منده , ويضاف إليهم يحيى بن معين رحمه الله, حيث قال عن طريق الحديث: إسنادها جيد.

    ويضاف إليهم الطحاوي , فإنه صححه وإن لم يأخذ به كما أخذت به الشافعية, ولم يعتبره فرقاً بين الكثير والقليل.

    وممن صححه الحافظ ابن حجر في التلخيص، والإمام ابن تيمية رحمه الله, بل ذكر ابن تيمية أن أبا عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي صنف كتاباً خاصاً في هذا الحديث, أثبت فيه صحته, وجمع طرقه, ورد فيه على ابن عبد البر الذي ضعف الحديث كما سيأتي.

    وصححه أيضاً الذهبي في تلخيصه للمستدرك .

    وصححه النووي .

    ومن المعاصرين صححه الألباني . فالحديث صحيح عن جميع هؤلاء الأئمة.

    وإلى جوار هؤلاء الذين صححوه، فهناك من ضعفوه، وممن ضعف هذا الحديث أو من أشهر من ضعف هذا الحديث: الحافظ ابن عبد البر المالكي , حيث قال: إن مذهب الشافعي في اعتبار القلتين فرقاً بين الكثير والقليل مذهب لا يثبت من جهة الأثر، ولا من جهة النظر، ويقصد من جهة الأثر: أن الحديث الذي استدل به وهو حديث القلتين أنه ضعيف. وأيضاً ضعفه القاضي إسماعيل، كما نقله ابن عبد البر , ممن ضعفه القاضي إسماعيل, وممن ضعفه الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه تهذيب السنن, وكتاب تهذيب السنن هو شرح لسنن أبي داود فقد ضعف رحمه الله هذا الحديث من خمسة عشر وجهاً, منها أوجه تتعلق بالإسناد، ومنها أوجه تتعلق بالمتن, ونقل بعضهم أن الحافظ المزي ضعف الحديث أيضاً.

    وقد أخذ بقول هؤلاء الأئمة أحد العلماء المعاصرين, وهو الشيخ محمد بن حامد الفقي , فقال في تعليقه على بلوغ المرام : إن هذا الحديث شاذ, لا يصح من جهة السند، ولا من جهة المتن. ثم لخص كلام ابن القيم رحمه الله مقراً له.

    أوجه تضعيف الحديث

    ولو نظرنا إلى هؤلاء الأئمة الذين ضعفوا الحديث لوجدنا أنهم ضعفوه من ثلاثة أوجه، نمر عليها بسرعة حتى لا يثقل عليكم الكلام في أوجه التضعيف:

    الوجه الأول الذي ضعفوا به هذا الحديث: قالوا: إنه حديث مضطرب, يعني: اختلف الرواة في إسناده، فمرة يروونه عن فلان، ومرة يروونه عن فلان. وهذا يدل على أنهم لم يضبطوا الحديث. والحديث المضطرب هو أحد أقسام الحديث الضعيف, حتى لو كان رواته ثقات، فقالوا: إنه مضطرب من جهة الإسناد.

    كيف هو مضطرب من جهة الإسناد، قالوا: إن مدار الحديث على الوليد بن كثير , الوليد بن كثير هذا وإن كان ثقة، إلا أنه روى الحديث على أربعة أوجه, وكل وجه مختلف عن الآخر, فمرة الوليد بن كثير يروي الحديث عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ومرة يرويه عن محمد بن جعفر بن الزبير نفسه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخ الأول، ومرة يذكر الوليد بن كثير الحديث ليس عن محمد بن جعفر بن الزبير، إنما عن رجل آخر هو محمد بن عباد بن جعفر , فيرويه عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ومرة رابعة يرويه أيضاً عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله أخي عبد الله بن عبد الله بن عمر . قالوا: فهذه أربعة أوجه روي الحديث فيها عن الوليد بن كثير , فدل هذا على أن الوليد بن كثير لم يضبط إسناد الحديث.

    وقد اختلف العلماء - علماء الحديث- في هذا اختلافاً كبيراً, ومن أراد التوسع فيه فليرجع إلى كتاب نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ الزيلعي , فقد أطال النفس في هذا الموضوع.

    لكن خلاصة الجواب على من قالوا: إن الحديث مضطرب ما ذكره ابن حجر في كتابه التلخيص الحبير , حيث قال: الصواب: أن الحديث الصحيح من طريقين: الأول عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله , عبيد الله المصغر , الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبيد الله , هذا صحيح.

    والطريق الثاني الصحيح أيضاً هو: عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر . قال: ومن رواه عن غير هذا الوجه فقد وهم.

    فرد ابن حجر رحمه الله الاضطراب بترجيح هاتين الروايتين, وتضعيف ما عداهما.

    وبذلك يتبين لكم أن الاضطراب في إسناد هذا الحديث مدفوع بترجيح روايتين على بقية الروايات, هذا هو الاضطراب في السند, وهو الوجه الأول من أوجه تضعيف الحديث.

    الوجه الثاني من أوجه تضعيف الحديث: قالوا: إنه مضطرب المتن, ما معنى مضطرب المتن؟

    قالوا: مرة جاء الحديث: ( إذا بلغ الماء قلتين ), ومرة جاء: ( إذا بلغ الماء قلة ), ومرة جاء: ( إذا بلغ الماء ثلاث قلال ), ومرة جاء: ( إذا بلغ الماء أربعين قلة ), ومرة جاء: ( إذا بلغ الماء أربعين دلواً )، ومرة: ( إذا بلغ الماء أربعين غرباً لم يحمل الخبث ). فهذه ستة أوجه في تحديد الماء الذي لا يحمل الخبث, قلة أو قلتين أو ثلاث أو أربعين أو أربعين غرباً أو أربعين دلواً.

    قالوا: وهذا الاضطراب في متن الحديث - الأول في الإسناد، وهذا في المتن- يدل أيضاً على ضعف الحديث.

    والجواب على هذا القول: أن يقال: الراجح رواية القلتين؛ لأن رواتها أكثر وأوثق, فيضعف ما عداها من الروايات.

    فالراجح: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ).

    وهذا هو الوجه الثاني من أوجه تضعيف الحديث.

    الوجه الثالث من أوجه تضعيف الحديث: قالوا: إنه مضطرب المعنى، وذلك من وجهين:

    الوجه الأول: لعدم تفسير القلة. ما هي القلة في لغة العرب؟

    اختلف العلماء والفقهاء في تفسير القلة, فقال بعضهم: القلة هي القربة، وقال بعضهم: هي إناء معروف عند العرب كبير، وقال بعضهم: هو إناء معروف عند العرب صغير، وقال بعضهم: القلة هي الدورق, وقيل: القلة هي الجرة، وقيل: القلة هي الإناء الذي تقله بيدك, يعني: تستطيع أن ترفعه بيدك, حتى قال بعضهم: إن القلة هي رأس الجبل أيضاً, فرأس الجبل يسمى القلة, ولكن أنكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا المعنى, وقال: من قال: إن المقصود بالقلة رأس الجبل فكأنه يستهزئ بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأننا لا نعلم ماء يبلغ قلال الجبال - يعني: رءوس الجبال- إلا ماء الطوفان, أما بقية المياه فليست كذلك, فالمهم أن تعريف القلة مختلف فيه ما هي القلة. فهذا وجه من أوجه اضطراب المعنى.

    الوجه الثاني: أنه على فرض أن القلة إناء معروف كما هو عند الشافعية, وعلى فرض أنه محدد بقلال هجر , فإن هذه القلال غير معلومة المقدار, وقد ذكر ابن المنذر رحمه الله تسعة أقوال في تحديد مقدار القلة , ومضى في الحلقة الماضية أن منهم من جعلها ألف رطل، ومنهم من جعلها أربعمائة رطل، وما بين ذلك, وهذا فرق كبير, بل قال بعضهم: كل إناء صغير أو كبير فهو قلة.

    إذاً: فالوجه الثالث من أوجه تضعيف الحديث: أنه مضطرب المعنى, ومضطرب المعنى من وجهين: من وجه عدم تفسير القلة. ما المقصود بها؟ وعلى الفرض بأن القلة محددة ومعروفة فهي غير محددة المقدار.

    فكيف نجيب على هذا الوجه أو على هذين الوجهين؟

    أما جواب من أخذوا بالحديث وهم الشافعية، فقالوا: إن القلة معروفة, وما حدد الرسول صلى الله عليه وسلم الماء بالقلتين في الحديث إلا لأن السامعين يعرفونه, ولو لم يعرفوه لسألوا واستفسروا عنه.

    وفيما يتعلق بمقدارها، قالوا: إنها قلال هجر , وهي البحرين أو قرية قرب المدينة , وحددها الشافعي رحمه الله في كتاب الأم بخمس قرب تقريباً, وحددها بعضهم بأنها متر وربع طولاً وعرضاً وعمقاً, أن القلتين قدر ما يسع بركة أو حوضاً طوله متر وربع وعرضه متر وربع وعمقه متر وربع. هذا جواب من أخذوا بالحديث على اضطراب المعنى.

    أما جواب غيرهم من أهل العلم ممن صححوا الحديث ولم يعتبروا القلتين تحديداً للقليل والكثير، فقالوا: نعم, مع التسليم لكم بأن القلة غير محددة وغير محددة المقدار، فإننا لا نحتاج إلى هذا التحديد, ولو احتجنا إليه لسأل عنه الصحابة فعلاً رضي الله عنهم, لا نحتاج إلى هذا التحديد؛ لأن المقصود في الحديث ليس التفريق بين كثير لا ينجس إلا بالتغير وبين قليل ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه, وإنما المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الماء الكثير لا يتأثر بالنجاسة في الغالب, فهذا الحديث له سبب كما هو معروف, وهو أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بالفلاة من الأرض, وما ينوبه من السباع والدواب, فهذا الماء كثير غالباً, وما يتعرض له من النجاسات قليل ينغمر فيه, فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذه المياه لا تنجس بهذه الأشياء اليسيرة مما يأتيها من السباع والدواب, وإلا لو كان المقصود التحديد لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً, ولم يحتج إلى أن يأتي أعرابي فيسأل, فيبين النبي صلى الله عليه وسلم الحكم له, وكيف يخفى مثل هذا الحكم على الصحابة رضي الله عنهم, أو على بقية الصحابة حتى يأتي هذا الأعرابي فيسأل عنه؟ كما ذكر هذا الوجه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

    فيقال: لسنا بحاجة إلى تحديد القلة ولا تحديد مقدارها؛ لأننا لا نعتبرها فرقاً بين الكثير والقليل, بل المقصود في معنى الحديث, هو أن الكثير لا يتغير بالنجاسة في الغالب كما سبق.

    وبناء على ذلك فنقول: مع التسليم بأن الحديث مضطرب المعنى فهو صحيح, وهذا الاضطراب لا يؤثر في صحته.

    هذه هي الأوجه الثلاثة التي ضعف بها الحديث, اضطراب السند .. اضطراب المتن .. اضطراب المعنى, وهذا ملخص الجواب على هذه الأوجه.

    معاني ألفاظ الحديث

    أما فيما يتعلق بألفاظ هذا الحديث، فإن الحديث ظاهر, ليس فيه لفظ مشكل إلا قوله: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه ). فما معنى قوله: (وما ينوبه)؟

    أي: يرد إليه ويأتيه نوبة بعد نوبة, فهذا هو الذي ينوبه, وقد ذكر الإمام الدارقطني رحمه الله أن الإمام عبد الله بن المبارك قد صحف هذا الحديث وما معنى التصحيف؟ معنى التصحيف هو: أن يأتي بحرف بدل حرف آخر فيتغير معنى الكلمة فمثلاً: في هذا الحديث ذكر الدارقطني أن عبد الله بن المبارك بدلاً من أن يقول: وما ينوبه بالنون، قال: وما يثوبه بالثاء. وهذا يسمى عند المحدثين تصحيفاً.

    وقد اهتم المحدثون بتتبع تصحيفات الرواة وأخطائهم، سواء في السند أو في المتن, حتى ألف فيها العسكري كتاباً سماه تصحيفات المحدثين , وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء, وألف كتاباً آخر سماه التصحيف والتحريف , وهو مخطوط فيما يظهر .

    ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ). ما معنى قوله: (لم يحمل الخبث)؟

    أي: أن الماء إذا بلغ قلتين فإنه يدفع الخبث عن نفسه, حتى ولو وقع فيه لا يتأثر به ولا ينجس. هذا هو المعنى الصحيح. والسنة يفسر بعضها بعضاً, فقوله: ( لم يحمل الخبث ) يفسره قوله: ( لم ينجس ), أو ( لم ينجس ), كما هي رواية أبي داود وابن ماجه وغيرهما في اللفظ الآخر.

    وقد زعم بعضهم أن للحديث معنى آخر, وهو معنى فاسد, فقالوا: إن قوله: ( لم يحمل الخبث ) أي: أنه لا يقدر على حمل الخبث, أي: يضعف عن حمل الخبث. وهذا المعنى غير صحيح, بل هو باطل من وجهين:

    باطل أولاً: لأنه مفسر بالرواية الأخرى: ( لم ينجس ).

    وباطل لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا بلغ الماء قلتين ). لأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث على زعمهم، أي: أنه إذا بلغ قلتين فإنه ينجس بوقوع النجاسة فيه. هذا هو المعنى الثاني.

    فإذا كان بلغ قلتين ينجس بوقوع النجاسة فيه، فما دون القلتين ما حكمه؟

    من باب أولى ينجس, فيكون التحديد بالقلتين ليس له معنى على هذا, لو كان المعنى: ( لم يحمل الخبث ) أي: أنه ينجس بوقوع الخبث فيه لما كان للتحديد بالقلتين معنى, ولكان هذا لغواً. لكن الصحيح أنه لم ينجس.

    وقد سبق أن الحديث دليل الشافعي رحمه الله ومن وافقه في التفريق بين القليل والكثير, واعتبار القلتين حداً فاصلاً في ذلك.

    1.   

    شرح حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)

    الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ).

    تخريج الحديث

    رواه مسلم , وما دام الحديث في صحيح مسلم لا حاجة إلى الكلام على إسناده, ولا على من صححه, ولا ذكر أحد ضعفه, وهذا يؤكد فضل الصحيحين وسهولة الانتفاع بهما والاعتماد عليهما.

    الحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ). وقد سأل راوي الحديث عن أبي هريرة , وهو أبو السائب عبد الله بن السائب مولى ابن هشام بن زهرة , روى الحديث عن أبي هريرة , فلما روى أبو هريرة هذا الحديث: ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) قال كما في صحيح مسلم، وهذه الزيادة ما ذكرها المصنف؛ لأنها ليست من الحديث المرفوع, بل هي من الموقوف, قال أبو السائب : يا أبا هريرة ! كيف يصنع؟ ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ), كيف يصنع؟ قال أبو هريرة رضي الله عنه: [ يتناوله تناولاً ]. وهذه الزيادة مهمة. والحديث رواه أيضاً ابن ماجه في سننه .

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يغتسل ). ما إعراب قوله: ( لا يغتسل

    لا: الناهية, ويغتسل: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية.

    ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم ). المقصود بالدائم هو الماء الراكد المستقر. وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى بقوله: ( الذي لا يجري ).

    ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ). قوله: ( وهو جنب ) نحتاج أيضاً إلى إعرابها. ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ). ما إعراب جملة: ( وهو جنب

    جملة حالية, أي: لا يغتسل في الماء الدائم حال كونه جنباً, هو مبتدأ وجنب خبر, لكن الجملة حالية, والواو واو الحال.

    الجنب مأخوذ من الجنابة, وهي في اللغة العربية بمعنى البعد, وإنما سمي الجنب جنباً لأنه يجتنب العبادات من الصلاة وقراءة القرآن, ويجتنب أيضاً دخول المسجد, وما أشبه ذلك, فلذلك سمي جنباً, وكلمة جنب تطلق على المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد , فيقال: رجل جنب, وامرأة جنب, ورجلان جنب, ورجال جنب, ونساء جنب, لا يتغير لفظها, ولذلك قال الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]. وقال بعض أهل اللغة: إنها لا بأس أن تتغير بحسب الموصوف بها, فيقال: رجل جنب, ورجلان جنبان, ورجال جنبون, وهكذا.

    ولكن ما معنى الجنابة؟

    هل المرأة الحائض مثلاً تسمى جنباً؟

    هل المرأة النفساء تسمى جنباً؟

    تقولون: لا, إذاً: ما هو الجنب؟

    الجنب هو يكون بالإنزال أولاً, سواء بجماع أو باحتلام أو بغيره, ويكون بالجماع ولو لم ينزل. ولذلك في الحديث المتفق عليه: ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ). فلو أن إنساناً أتى أهله ولم ينزل فعليه الغسل على القول الصحيح عند جماهير العلماء.

    إذاً: هذه هي الجنابة, الجنب هو من عليه حدث أكبر يوجب الغسل، إما بإنزال أو بجماع.

    ( لا يغتسل أحدكم في الماء وهو جنب. قال: يا أبا هريرة

    ! كيف يصنع؟ قال: يتناوله تناولاً ). ما معنى قوله: ( يتناوله تناولاً ). هذا الكلام قلت: إنه موقوف وليس مرفوعاً، والمرفوع هو: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم, والموقوف: هو ما قاله الصحابي من عند نفسه, أو ما رواه التابعي عن الصحابي من كلامه هو لا من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

    قول أبي هريرة: (يتناوله تناولاً) ما معناه؟

    أي: يغترف من هذا الماء ويفيض على جسده.

    إذا كان هذا معنى الحديث نرجع لكلمة (في), ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم ). ما معنى (في)؟ ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم ).

    (في) ظرفية, أي: لا ينغمس في الماء.

    والدليل على أن هذا هو المقصود: أن أبا هريرة قال: (يتناوله تناولاً). فلو كان المقصود الغسل مطلقاً لما كان لكلام أبي هريرة معنى, وإنما المقصود النهي عن أن ينغمس الإنسان في الماء الدائم وهو جنب, ولذلك قال أبو هريرة: (يتناوله تناولاً), أي: يأخذ بيديه ويفيض على جسده. وقد أبعد النجعة بعض العلماء الذين قالوا: إن المقصود مطلق الاغتسال, ويدخل فيه الوضوء؛ لأن الوضوء أيضاً ورد كما سيأتي إن شاء الله في الدرس القادم, فقالوا -وهذا وجدته في كتاب الروضة الندية للشيخ صديق حسن خان - قال فيما فهمت وقد أكون مخطئاً في فهم كلامه, لكن الذي فهمته من كلامه رحمه الله أنه قال: إن الماء الراكد لا يجوز فيه الوضوء ولا الاغتسال, ولا يجوز منه أيضاً الوضوء ولا الاغتسال, فإذا أراد الإنسان أن يغتسل أو يتوضأ في هذا الماء الراكد فعليه أن يتحيل على هذا الماء فيحركه, كيف يحركه؟

    مثلاً: يلقي فيه بحصاة أو يحركه بخشبة أو ما أشبه ذلك حتى يتحرك, ثم يغتسل أو يتوضأ منه. وهذا معنى بعيد جداً, بل هو أقرب إلى أن يكون خطأ, والصواب ما فهمه أبو هريرة رضي الله عنه أن المقصود النهي عن الانغماس في الماء الدائم, ولذلك قال: (يتناوله تناولاً).

    هذا فيما يتعلق بمعاني الحديث.

    حكم الاغتسال في الماء الدائم للجنب

    أما المسائل التي نحتاج إلى أن نمر عليها مما يستفاد من الحديث، فهي ثلاث مسائل تتعلق بالطهارة.

    المسألة الأولى: في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يغتسل ). هذا نهي من النبي عليه الصلاة والسلام, والنهي عند الأصوليين يقتضي التحريم إلا بقرينة تصرفه عن التحريم، يعني: الأصل أن ما نهى الله عنه أو نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو محرم, وليس مكروهاً, إلا إذا وجد قرينة ودليل آخر يصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة, بل قد يصرفه إلى الجواز, فمثلاً في قوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]. (اصطادوا) هذا أمر, والأمر كذلك يقتضي الوجوب إلا بقرينة, فقوله: فَاصْطَادُوا [المائدة:2] هنا ليس المقصود فيه الوجوب, إنما المقصود الإباحة؛ لأن أصل الصيد مباح منع بالإحرام, وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]. فالأمر يقتضي الوجوب إلا بقرينة, والنهي يقتضي التحريم إلا بقرينة , وها هنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الراكد: ( لا يغتسل أحدكم في الماء الراكد وهو جنب ). فالإنسان الجنب إذا وجد ماءً راكداً حرم عليه أن ينغمس فيه. هذا هو ظاهر الحديث.

    أما لو كان غير جنب هل يحرم عليه؟

    لا يحرم, ولو كان الماء غير راكد بل هو جار، هل يحرم عليه؟

    أيضاً ظاهر الحديث أنه لا يحرم, إنما يحرم بهذين القيدين, بكون الماء راكداً, وكون المنغمس جنباً.

    وهذا القول بأن النهي في الحديث للتحريم ذهب إليه الظاهرية والحنفية وعدد من العلماء المحققين, واستدلوا بالحديث, وقالوا: لا توجد قرينة صحيحة تصرف هذا النهي عن التحريم إلى الكراهة مثلاً, وهذا القول قوي, ودليله ظاهر.

    القول الثاني: وهو المشهور في مذهب الشافعية: أن النهي للكراهة, وليس للتحريم, وهذا أيضاً هو ظاهر مذهب الإمام أحمد , فقد سئل عن ذلك فقال: لا يعجبني, وقال مرة: لا ينبغي, والإمام أحمد رحمه الله كان يتورع كثيراً عن إطلاق لفظ التحريم أو الوجوب إلا في ما يطمئن إليه , فقال هاهنا: لا يعجبني, وقال مرة: لا ينبغي. ولذلك حمل الحنابلة هذا على أن المذهب يوافق مذهب الشافعي في كراهة الانغماس في الماء الراكد للجنب, وهو أيضاً مذهب الإمام مالك , فهؤلاء الأئمة الثلاثة ذهبوا إلى أن النهي للكراهة.

    وهنا لابد أن يسأل السامع سؤالاً: ما هو الدليل أو ما هي القرينة التي صرفت النهي ( لا يغتسل ) عن كونه نهياً للتحريم إلى كونه نهياً للكراهة؟ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس )، أو ( لم يحمل الخبث ). وهناك قرينة أخرى أو دليل آخر غير هذا، وهو -والله أعلم- أن سبب صرفهم الحديث عن التحريم إلى الكراهة قولهم: إن الاغتسال في الماء الدائم لا ينجسه, فمن المعلوم أن بدن الجنب طاهر, وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( كنت جنباً فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة فانخنست, فقال: أين كنت؟ فقلت: يا رسول الله! كنت جنباً, فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة, فقال صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس ). فبدن الجنب طاهر, وليس عليه نجاسة, بل حتى المني الراجح أنه طاهر كما سيأتي. وبناء على ذلك قالوا: إن الجنب إذا انغمس في الماء فإنه لا ينجس الماء؛ لأن بدنه طاهر, وما دام الماء لا ينجس ويمكن الانتفاع به في أشياء كثيرة فإن الأمر محمول على الكراهة؛ لئلا يستقذر الماء ويستخبث بتوارد استعماله, بحيث إن الماء الراكد إذا كان من عادة الناس أن ينغمسوا فيه وهم جنب فإنه يكره للناس استعماله في الشرب وغيره من أنواع الاستعمالات المباحة, فيكون النهي للاستخباث والاستقذار.

    وبناء على ذلك قال هؤلاء والله أعلم بالكراهة لا بالتحريم.

    وكما سبق الأقرب إلى الصواب أن النهي باق على ظاهره, وأنه للتحريم, هذه هي المسألة الأولى.

    مسألة: رفع حدث من انغمس في الماء الراكد

    المسألة الثانية وهي: هل هذا المنغمس في الماء الراكد يرتفع حدثه بانغماسه أو لا؟

    نحن قلنا الآن: الظاهرية والحنفية وعدد من العلماء المحققين قالوا بأن انغماسه في الماء الراكد وهو جنب ما حكمه؟ حرام, لنفترض أن إنساناً جاهلاً لا يعرف أن الحكم حرام، أو عالماً ولكنه تساهل وانغمس أو لا يعتقد بتحريم الانغماس وانغمس ثم ارتفع من هذا الحوض، هل طهر بذلك وارتفع حدثه, أم لا يزال جنباً ويجب عليه أن يغتسل مرة أخرى؟

    هما قولان لأهل العلم: القول الأول: قالوا: لا يرتفع حدثه, وهذا قول كثير ممن يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس, قالوا: إذا انغمس في الماء الراكد وهو جنب لا يرتفع حدثه, لماذا لا يرتفع حدثه؟ هو اغتسل وفرك ودلك جميع جسده ونوى رفع الحدث؟ قالوا: ومع ذلك لا يرتفع حدثه, لم رحمكم الله؟

    قالوا -وانتبهوا للتعليل- لأن هذا الإنسان بمجرد ما وقع أول جزء من جسده في هذا الماء، لنفترض أن أول ما وقع منه هو باطن قدمه مثلاً؛ مجرد ما لمس باطن القدم هذا الماء الراكد تحول هذا الماء من كونه طهوراً إلى كونه طاهراً, لماذا؟ لأنه ماء مستعمل, والماء المستعمل عندهم في طهارة واجبة هو أحد أقسام الطاهر. فقالوا: هذا الماء الراكد تحول بملامسة أول جزء من بدن المغتسل إلى ماء طاهر, وبناء على ذلك بقي هذا المغتسل: رفع حدثه أو اغتسل بماء طاهر, والماء الطاهر يرفع الحدث أو لا؟

    عندهم لا يرفع الحدث, فقال هؤلاء: لا يرتفع حدثه, وعليه أن يغتسل مرة أخرى.

    ومن العجيب أيها الإخوة! أن أصحاب هذا القول يقولون: لو ما نوى الاغتسال لو افترض أنه انغمس في هذا الماء ولم ينو الاغتسال ثم ارتفع، فإن هذا الأمر لا يؤثر فيه, وسيأتي تفصيل هذه المسألة في الأمر الثالث, فقالوا: إن الماء طاهر ولا يرفع حدثه.

    القول الثاني: قالوا: يرفع الحدث, وهذا قول غالب من يعتبرون الماء قسمين: طهور ونجس, وتعليلهم واضح, قالوا: لأن هذا الماء طهور لم ينجسه شيء, ولم يخرج عن مسمى الماء, بل ولم يضف إليه أصلاً شيء من الطاهرات, فهو ماء طهور, لو قيل: إنه باق على أصله وخلقته لما كان بعيداً, وكونه استعمل في طهارة لا يخرجه عن الطهورية, قالوا: فيرتفع حدث هذا المنغمس, ولو جاء بعده عشرة أو عشرون فانغمس كل واحد منهم بعده ارتفع حدثهم, هذا معروف إذا ما كان الماء قليلاً وبالوا فيه, والكلام الآن هو في مجرد الاغتسال, أما قول من قال: إنه قد يخرج من ذكر الواحد منهم شيء ينجس هذا الماء، فهذا كلام آخر, إنما الكلام في إنسان انغمس ولم يتبول في هذا الماء.

    والقول الثاني أقرب للصواب؛ بناء على ما سبق من ترجيح أن الماء قسمان: طهور ونجس, فيقال: مع القول بتحريم الانغماس في الماء إلا أن هذا المنغمس يرتفع حدثه, سواء كان انغمس لأنه جاهل بالحكم, أو لأنه لا يرى التحريم, أو لأنه تساهل في ذلك, فنقول: أثم وارتفع حدثه, وابن حزم رحمه الله وافق الأولين على عدم ارتفاع الحدث، مع أنه يقول بأن الماء قسمان, لكن هو لا يقول: لم يرتفع حدثه بسبب أن الماء صار مستعملاً بملاقاة أول جزء من بدن المغتسل, وإنما للتحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانغماس, فيعتبر أن حدثه لا يرتفع؛ لأنه وقع في هذا الفعل المحرم.

    1.   

    الأسئلة

    فائدة كثرة رواة الحديث وقلتهم

    السؤال: إذا قلَّ رواة الحديث فهل يكون غير صحيح؟

    الجواب: لا, كل ما يكثر رواته يكون أصح, هذا ظاهر، ويقل الخطأ, أرأيت لو أن رجلاً جاءك، وقال لك: إنه حصل في المكان الفلاني حادث سيارة مثلاً وهو شخص واحد, إذا كان هذا الشخص ثقة يكون عندك تصديق بالخبر, لكن لو جاء آخر وهو ثقة وقال لك: الكلام غير صحيح, وأنا كنت في ذلك الوقت موجوداً وما حصل شيء، شككت في الخبر, كذا؟ لكن لو جاءك عشرة أشخاص متفرقون كل واحد يذكر لك أنه حصل في المكان الفلاني حادث سيارة يحصل عندك يقين بهذا الأمر, وهذا يسميه العلماء العلم الضروري الحاصل بالتواتر, بمعنى: أنك مقتنع ضرورة بأن ما قيل لك صحيح. وأقرب مثال واقعي على ذلك: الآن نحن نؤمن ونعرف وجود دول كثيرة في العالم وقارات كثيرة, مع أننا ما ذهبنا إليها ولا زرناها, فهل عندك شك مثلاً في وجود قارة تسمى أوروبا مثلاً, ليس هناك شك؛ لأن هذا الأمر ليس خبراً تفرد به شخص يمكن أن يخطئ, بل هذا أمر ينقله الكافة عن الكافة, فالخبر كلما كثر رواته كان أوثق, سواءً في ذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أو حتى غيرها من أخبار الناس.

    رواية حديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) من وجهين

    السؤال: قلت: إن الحديث روي من وجهين، فعمن روي؟

    الجواب: عن عبد الله بن عبد الله , أو عن عبيد الله بن عبد الله , يعني: محمد بن جعفر بن الزبير رواه بوجهين, عن عبد الله بن عبد الله مرة, وعن عبيد الله بن عبد الله أخرى, وكذلك محمد بن عباد بن جعفر رواه من وجهين، مرة عن عبد الله بن عبد الله ومرة عن عبيد الله بن عبد الله, وقد يكون الوهم هنا من الوليد بن كثير, أو ممن فوقه من الرواة. والله أعلم.

    حكم التصحيف ومعناه

    السؤال: ما حكم التصحيف؟ وهل يغير المعنى؟

    الجواب: التصحيف غير مقصود, أما لو صحف أحد الحديث عمداً فهذا حرام لا شك في هذا. والتصحيف قد يغير المعنى. ومن ذلك ما ذكره العسكري في كتابه, وفيه طرائف عجيبة ولا بأس من قراءة الكتاب, ومما ذكره قال: إن أحد الرواة روى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتخذ شيء فيه الرُّوح غرضاً )، الحديث ينهى القوم الذين يتعلمون الرمي والنبل أن يجعلوا غرضهم شيئاً فيه الروح، كالحيوانات والطيور وغيرها, أيهم يصيب. فالراوي قرأ الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتخذ شيء فيه الرَّوح عرضاً, بدل الرُّوح الرَّوح, والمقصود بالرَّوح الريح, وعرضاً يعني: ليس طولاً, وإنما عرضاً. وفسر الحديث بأن النافذة لا تتخذ عرضاً وإنما تتخذ طولاً. وهذه من النوادر التي قد تقع, وفي بعض الأحيان -وهذا لابد من التنبيه عليه-، ربما يلجأ بعض أعداء السنة وأعداء المحدثين والزنادقة إلى التشهير بأهل الحديث ببعض هذه الأشياء, فيلصقون بهم أموراً لا تصح, ولذلك رد عليهم الإمام ابن قتيبة رحمه الله رداً مفيداً جداً في مقدمة كتابه تأويل مختلف الحديث.

    الحكمة من النهي عن الانغماس في الماء الراكد

    السؤال: ما هي الحكمة من النهي عن الانغماس في الماء الراكد؟

    الجواب: الحكمة ظاهرة والله أعلم, أن النهي عن الانغماس لأجل أن لا يتأثر الماء ويستخبث بتوارد استعمال الناس له كما سبق؛ لأن هذا يفسده على الآخرين, والماء من الموارد العامة التي يحتاج إليها الناس كلهم, فكون الإنسان ينغمس فيه وهو جنب .. وآخر .. وثالث .. وعاشر يجعل الناس يتقون هذا الماء, فلا يستعملونه في وضوء ولا في تنظيف أوان ولا في شرب ولا في طبخ ولا في غير ذلك.

    وله أن يغترف على أن يكون المغتسل خارج الماء, فيغترف من الماء ويغسل جسده خارج هذا الماء, أما كونه قد يصل إلى الماء نقط بسيطة أو قد يتسرب إليه شيء من الماء فهذا يعفى عنه.

    النهي عن الاغتسال في الماء الراكد إذا كان قلتين فما فوق

    السؤال: هل النهي عن الاغتسال في الماء الراكد يكون في القلتين وأكثر أم لا؟

    الجواب: النهي عام ما حدد, وما دام علم أن الغسل فيه لا ينجسه كما سيأتي تفصيله؛ لأن بدن الجنب طاهر, فالقول بالتفريق بين القلتين وما دونهما ليس له وجه .

    أثر انغماس الجنب على الماء الراكد

    السؤال: هل المنغمس في الماء وهو جنب يصبح الماء نجساً؟

    الجواب: لا ينجسه, وإنما يكون طاهراً, ما هو متنجس, وسيأتي الكلام على حكم الماء في الحلقة القادمة إن شاء الله, الكلام على حكم الماء المستعمل هو المسألة الثالثة من مسائل الحديث. نعم يا أخي!

    معنى الانغماس في الماء الراكد

    السؤال: لو أن الإنسان الجنب غرف بيده من الماء الراكد فهل يكون في حكم المنغمس؟

    الجواب: لا, هذا اغتراف باليد، بالكفين, يعتبر اغترافاً, لكن الانغماس أن يلقي بجسده في وسط الماء, فيغتسل في وسطه, وهذا معنى قوله: ( لا يغتسل في الماء ), يعني: في وسط الماء, يسبح في وسط الماء، هذا هو المنهي عنه.

    الفرق بين كراهة التنزيه والتحريم

    السؤال: ما الفرق بين كراهة التنزيه والتحريم؟

    الجواب: إذا كان كراهة تحريم فهو محرم يأثم عليه الإنسان, أما إذا كان كراهة تنزيه فلا يأثم الإنسان بفعله, لكن يؤجر بتركه واحتسابه, والمقصود هنا كراهة التنزيه, قالوا: إنه مكروه للتنزيه.

    الراجح أن انغماس الجنب في الماء يرفع الحدث

    السؤال: ما سبب ترجيح أن الانغماس في الماء الراكد للجنب يرفع حدثه؟

    الجواب: نعم, ولذلك يكون القول الأول أقرب للصواب, أن النهي للتحريم؛ لأن القرينة ليست قوية أو ليست واضحة, وكأنهم قالوا في القرينة: إنه لو كان الانغماس ينجس الماء لقلنا بتحريم الانغماس لحماية الماء من التنجس, ولذلك يذهب كثير منهم إلى أن النهي للتحريم في ( لا يبولن )؛ لأن البول قد ينجس الماء, وخاصة الماء القليل, بل حكى بعضهم الإجماع على أن الماء القليل الذي يتغير بالبول أنه يحرم البول فيه.