إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - مقدمة

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - مقدمةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دراسة السنة النبوية خير ما بذلت فيه الأوقات وأفنيت فيه الساعات، وذلك لما للسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من أهمية عظمى، فهي مصدر من مصادر التشريع مستقل بذاته، إذ إن كثيراً من الأحكام الشرعية لا يمكن معرفتها إلا عن طريق السنة النبوية، كما أنها شارحة للقرآن وموضحة له ومبينة لمجملة، وإن من أهم كتب السنة النبوية الكتب التي تعنى بأحاديث الأحكام ومنها كتاب (بلوغ المرام في شرح أحاديث الأحكام) فقد رتب الحافظ رحمه الله كتابه هذا حسب أبواب الفقه.

    1.   

    فضل دراسة الحديث النبوي

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:18-19].

    أما بعد:

    فإن دراسة علم الحديث النبوي من خير ما بُذلت فيه الأوقات, وأفنيت فيه الساعات؛ وذلك لما للسنة النبوية من أهمية عظمى في بناء الإسلام, فهي مصدر من مصادر التشريع, مستقل بذاته؛ إذ إن كثيراً من الأحكام الشرعية، سواءً الأحكام المتعلقة بالعقائد، أو المتعلقة بالأمور العملية، لا يمكن معرفتها إلا عن طريق السنة النبوية . فهي مصدر للتشريع مستقل بذاته, وهي أيضاً شارحة للقرآن, وموضحة له, ومبينة لمجمله، ولذلك لما جاء بعض الذين ينكرون سنة النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الخوارج إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وسألوه عن السنة, وكيف نقول بأن السنة حجة ودليل قائم بنفسه؟ قال لهذا السائل: [ أرأيت قول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43] هل تجد في القرآن أن صلاة الظهر أربع، وأن صلاة العصر أربع, وأن صلاة المغرب ثلاث, وأن صلاة العشاء أربع, وأن صلاة الفجر ركعتان؟ قال: لا. قال: أرأيت قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] هل تجد في القرآن الكريم أنصباء الزكاة ومقدار ما يؤخذ من الزكاة؟ قال: لا. قال: إنك لم تكن لتعرف ذلك إلا عن طريق سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له: شفيتني شفاك الله ]. وقد أشار الإمام أحمد رحمه الله فيما ينسب إليه من أهمية السنة النبوية في الشريعة, فكان رحمة الله عليه كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات, يقول:

    دين النبي محمد أخبار نعم المطية للفتى الآثار

    لا ترغبن عن الحديث وآلـه فالرأي ليل والحديث نهار

    يشبه رحمه الله الذي يعبد ربه بناءً على الرأي والعقل المجرد كأنه في ظلمة, وأن الحديث المعزو إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو النهار أو الشمس التي تزيل هذه الظلمة.

    ولربما جهل الفتى أثر الهدى والشمس طالعة لها أنوار

    فالإنسان قد يضيع طريقه في وضح النهار، فالشمس إذا طلعت لا يضيرها ألا يراها الأعمى أو الأعشى, وهكذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما دامت محفوظة مضبوطة، لا يضيرها أن يترك بعض الناس العمل بها, أو يهملوها أو يقدموا عليها أقوال الرجال وآرائهم.

    وكان الإمام أحمد رحمه الله يمشي يوماً من الأيام في طريق فرأى مجموعة من الطلاب يتدارسون حديث النبي صلى الله عليه وسلم, فقال عليه رحمة الله: إني لأحسب هؤلاء من الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين, لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ). فجعل الإمام أحمد رحمه الله الذي يشتغل بطلب الحديث والسنة ويتعلمها، لا ليفاخر بها وإنما ليعمل بها ويدعو إليها ويجتهد في الصبر عليها، جعل هؤلاء من الطائفة المنصورة التي بشر النبي صلى الله عليه وسلم بأنها لا تزال باقية في هذه الأمة إلى قيام الساعة, وأقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر الناس معرفة بحياته صلى الله عليه وسلم وبأقواله وأفعاله وأخلاقه هم أهل الحديث المشتغلون به؛ وذلك لأنهم وإن لم يصحبوه في حياته عليه الصلاة والسلام, إلا أنهم صحبوا سنته بعد وفاته, ولذلك يقول القائل:

    أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

    فهم وإن لم يصاحبوه في حياته عليه الصلاة والسلام إلا أنهم صاحبوا سنته بعد وفاته.

    ومعرفة السنة هي التي تجعل الإنسان يرد الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ويأتمر بقوله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]. فإن الرد إلى الله تبارك وتعالى هو الرد إلى القرآن، أما الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فهو في حياته الرد إلى شخصه عليه الصلاة والسلام، أما بعد وفاته فهو الرد إلى سنته المحفوظة .

    1.   

    سبب اختيار كتاب بلوغ المرام

    لذلك فإننا في هذه الحلقة الأسبوعية في يوم الإثنين ليلة الثلاثاء بعد صلاة المغرب من كل أسبوع إن شاء الله سوف نتعاون جميعاً في دراسة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم, وقد اخترت كتاباً لنقرأه ونقف عند معانيه, وهو كتاب (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني .

    وسبب اختياري لهذا الكتاب لأنه في أحاديث الأحكام, فهو يجمع الأحاديث التي يستشهد بها الفقهاء رحمهم الله. ويتكلم على هذه الأحاديث من عدة جوانب, فبعدما يذكر متن الحديث يذكر من خرج الحديث من الأئمة, ثم يتكلم على من صححه أيضاً, وقد يتكلم على إسناده ورجاله, وما قد يكون فيه من العلل.

    وقد رتب الحافظ كتابه هذا على حسب أبواب الفقه, بدءاً بكتاب الطهارة وأبواب المياه, وسار على هذه الطريقة, وهي طريقة الترتيب حسب الأبواب الفقهية.

    1.   

    مصطلحات الحافظ ابن حجر في البلوغ

    في هذه الجلسة باعتبارها أول حلقة سأتحدث فيها عن بعض المقدمات التي لابد منها في هذا الموضوع، والمقدمة الأولى: هي الحديث عن بعض مصطلحات المؤلف في هذا الكتاب، فإنه رحمه الله يستعمل كغيره من أهل العلم مصطلحات تحتاج إلى أن يعرفها الطالب, وهي تمر معنا كثيراً, فلابد من معرفتها:

    مصطلح (متفق عليه)

    من المصطلحات التي يستعملها: قوله في الحديث: (هذا حديث متفق عليه) فما معنى قوله رحمه الله: (متفق عليه)؟

    الجواب: المتفق عليه هو ما رواه البخاري ومسلم من طريق صحابي واحد. أما لو اختلف الصحابي كأن يكون المتن واحداً ولكنه في البخاري من طريق أبي هريرة مثلاً، وفي مسلم من طريق عبد الله بن عمر، فهو حينئذٍ لا يسمى متفقاً عليه .

    مصطلح (رواه الأربعة)

    ومن المصطلحات التي يستعملها رحمه الله: قوله: (رواه الأربعة) فما مقصوده بالأربعة؟

    الجواب: مقصوده بالأربعة: أصحاب السنن الأربع, وهم أربعة أئمة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

    مصطلح (رواه الخمسة)

    من المصطلحات التي يستعملها المصنف أنه قد يقول: (أخرجه) أو (رواه الخمسة), فما مقصوده بالخمسة؟

    الجواب: مقصوده بالخمسة: أصحاب السنن الأربع مضاف إليهم: الإمام أحمد في مسنده.

    مصطلح (رواه الستة)

    وقد يقول: (رواه الستة) فما مقصوده بالستة؟

    الجواب: المقصود بالستة: أصحاب السنن الأربع مع البخاري ومسلم , وقد يعبر عن الستة بـ(رواه الجماعة), فيكون المقصود بالجماعة البخاري ومسلماً وأبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

    مصطلح (رواه السبعة)

    وقد يقول: (رواه السبعة). فما مقصوده بالسبعة؟

    الجواب: المقصود بالسبعة هم الستة الذين سبقوا مع الإمام أحمد في مسنده.

    مصطلح (رواه الثلاثة)

    وقد يعبر بـ(رواه الثلاثة). فما مقصوده بالثلاثة حينئذٍ؟

    الجواب: هم أصحاب السنن ما عدا الأخير منهم, وهو ابن ماجه .

    فالثلاثة إذاً: أبو داود والترمذي والنسائي .

    وهذه المصطلحات بعضها عام لدى ابن حجر رحمه الله وغيره من العلماء, وبعضها قد يكون اصطلاحاً خاصاً به, والعلماء يقولون: لا مشاحة في الاصطلاح, فالعالم له أن يصطلح كيف شاء, شريطة أن يبين طريقته في الاصطلاح في مقدمة الكتاب؛ لئلا يلتبس ذلك على الناس, وهذا ما صنعه الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة كتابه.

    أما إذا كان الحديث في مصادر أخرى غير ما سبق كـالبيهقي في سننه أو ابن خزيمة في صحيحه أو ابن حبان في صحيحه أو الطبراني في معجمه أو مالك في موطئه أو الشافعي أو غيرهم فإنه حينئذٍ يشير إليهم, ويذكرهم تصريحاً, فقد يقول عن حديث ما: رواه الثلاثة وابن خزيمة , أو رواه الثلاثة والطبراني أو غير ذلك, فمن عدا هؤلاء الذين ورد النص على اصطلاحه بشأنهم فإنه يذكرهم تصريحاً.

    هذه هي المقدمة الأولى التي لابد من معرفتها قبل الدخول في الكتاب.

    1.   

    ترجمة الحافظ ابن حجر رحمه الله

    المقدمة الثانية: هي إشارة عابرة إلى ترجمة المصنف, والمصنف رحمه الله كما سبق هو أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي , وكنيته أبو الفضل , ويلقب بـشهاب الدين، وقد ولد رحمه الله بـمصر سنة سبعمائة وثلاث وسبعين للهجرة، وتوفي سنة ثمانمائة واثنتين وخمسين للهجرة . وهذا الإمام يلقب بشيخ الإسلام, فهو من الذين حازوا على هذا اللقب الجليل الذي لا يطلق إلا على الندرة من العلماء, كشيخ الإسلام ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وأمثالهم, وذلك لجهوده العظيمة في خدمة السنة النبوية, والحديث عن هذه الجهود أمر يطول.

    بعض العلماء الذين أفردوا الحافظ بترجمة خاصة

    يكفي أن تعلموا أن هناك عشرات من العلماء ترجموا لهذا الإمام الفذ, ومنهم من أفرد له ترجمة خاصة، وممن أفرد له ترجمة خاصة من المتقدمين: الإمام السخاوي في كتاب مخطوط سماه: (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)، وهذا الكتاب يقع في نحو أربعمائة وستين صفحة، فهو كتاب ضخم جداً.

    وممن أفرد له أيضاً ترجمة حافلة من المعاصرين الباحث شاكر بن محمود بن عبد المنعم في كتاب سماه: (الحافظ ابن حجر ومنهجه وموارده في كتاب الإصابة), وهو يقع في مجلدين, وهو كتاب ضخم أيضاً.

    وقد ذكر هذان المترجمان وغيرهما الجهود الجبارة التي بذلها ابن حجر في خدمة السنة.

    جهوده رحمه الله في التأليف والكتابة

    أذكر من جهود الحافظ على سبيل الاختصار: أولاً: جهوده في التأليف: فقد ألف مئات المؤلفات, وقد حصرها المترجمون السابقون، ومن أعظم مؤلفاته وأنفسها: كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، والذي تنافس الناس في حياة مؤلفه رحمه الله في شرائه, وتنافس الأمراء في الحصول عليه, حتى بيع بأغلى الأثمان, وحتى قال فيه القائل: لا هجرة بعد الفتح .

    وهذا في الأصل حديث نبوي قصد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الهجرة من مكة إلى المدينة قد انقطعت بفتح مكة ؛ لأن مكة صارت بالفتح دار إسلام, لكن القائل استعار هذه العبارة لكتاب فتح الباري , فقال: لا هجرة بعد الفتح . ولعلكم تبينون مقصود القائل بهذه العبارة؟ نعم, المعنى: أنه لا هجرة في طلب العلم, فقد أصبح الطالب يجد العلم الذي كان يرحل إليه في هذا الكتاب, وهذه قيلت على سبيل المبالغة في مدح الكتاب, وإلا فكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) . وفي حديث آخر: ( لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار ). فالهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام, ومن بلد البدعة إلى بلد السنة, ومن بلد المعصية إلى بلد الطاعة, ومن بلد الجهل إلى بلد العلم كلها باقية. وقد كان الإمام مالك رحمه الله يقول: [ لا أقيم ببلد يسب فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ].

    فهذا الكتاب من أنفس وأنفع كتب الحافظ رحمه الله. وله كتب غيره كثيرة, منها: كتب في الرجال, ككتاب (الإصابة في معرفة الصحابة)، وكتاب (تهذيب التهذيب) و(تقريب التهذيب) و(تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأربعة).

    ومنها: كتب في التخريج والحكم على الأحاديث, ككتاب (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير) و(الدراية في تخريج أحاديث الهداية) وغيرها.

    ومنها: كتب في بحث مسائل معينة, وجمع الأحاديث والطرق الواردة فيها, وهي عبارة عن رسائل صغيرة في الغالب, وهي كثيرة جداً.

    جهوده رحمه الله في الإملاء

    ومن جهوده العلمية غير التأليف: جهوده في الإملاء, فقد كان الإملاء سنة لدى العلماء, وخاصة علماء الحديث, حيث كانوا يعقدون من القرون الأولى مجالس للأمالي, حيث يملي الشيخ على طلابه باباً من أبواب العلم, والطلاب يكتبون ما أملاه عليهم هذا الشيخ من حفظه, وربما كثر الطلاب في مجلس الإملاء، فاحتاجوا إلى من يبلغ عن الشيخ, وهذا المبلغ الذي يرفع صوته في مجلس الإملاء ويكرر ما يقوله الشيخ يسمى المستملي.

    وللإملاء والاستملاء آداب كثيرة ذكرها السمعاني في كتاب أدب الإملاء والاستملاء , وقد أحيا الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه الطريقة بعدما اندرست أو كادت في مصر , فأملى ما يربو على ألف ومائة مجلس رحمة الله عليه.

    وهذه مجالس منوعة, منها أمالي مطلقة, ليست مقيدة بموضوع خاص, وإنما بحسب المناسبات والأحوال, ومنها أمالي خاصة على كتب معينة, حيث خرج في هذه الأمالي مختصر ابن الحاجب , ثم بدأ في تخريج كتاب الأذكار للإمام النووي , وسمى أماليه تلك على كتاب الأذكار نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار , وقد أملى منها طائفة كثيرة, ثم عاجله الأجل المكتوب قبل أن يتمه رحمه الله.

    وقد سلك فيه طريقة بديعة, استقصى فيها الطرق والأسانيد, وحكم على الأحاديث, وتكلم في الرجال, وأتى بنكت علمية وفوائد لا تكاد توجد في غير هذا الكتاب. وقد طبع منه مجلد واحد .

    جهوده رحمه الله في التدريس والإفتاء

    ومن جهوده العلمية: جهوده في التدريس, فقد كان يتصدر مجالس التدريس للطلاب, فيقرءون عليه ويشرح ويقرر ويبين.

    ومن جهوده العلمية: جهوده في الإفتاء, فقد كانت ترد عليه السؤالات من مصر وغيرها من أنحاء العالم الإسلامي, فيقوم بكتابة الأجوبة عليها وإرسالها إلى أصحابها.

    إلى غير ذلك من جهوده العلمية الجبارة الفذة التي لا يكاد يضارعه فيها أحد.

    هذا بعض ما يمكن أن يقال عن ترجمة هذا الإمام, ولم أرد أن أطيل الكلام عن ترجمته فيما زاد عن ذلك؛ لأن بإمكان كل طالب أن يرجع إلى بعض المصادر التي سبقت الإشارة إلى شيء منها, أو إلى مقدمات كتبه رحمه الله, فيجد فيها ترجمة موسعة حافلة كافية.

    إنما ذكرت ما سبق لتنشيط الهمم إلى التشبه بهؤلاء الرجال, جرياً على قول الشاعر:

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح

    1.   

    أهم شروح بلوغ المرام

    المقدمة الثالثة في الإشارة إلى أهم الكتب التي شرحت كتاب بلوغ المرام , وقد كان من عادة العلماء أن يهتموا بالكتب التي جمعت أحاديث الأحكام؛ وذلك لعظيم نفعها وفائدتها, وحرص الطلاب على حفظها واستظهارها. فكان العلماء من كل مذهب يهتمون بشرح هذه الكتب, ومن ذلك كتاب بلوغ المرام , فقد شرحه عدد من الأئمة.

    فممن شرح هذا الكتاب الحسين بن محمد المغربي رحمه الله, حيث شرح هذا الكتاب بكتاب سماه البدر التمام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام , وكان هذا الشيخ الشارح قاضياً بـصنعاء , ولد رحمه الله سنة ألف وثمانية وأربعين للهجرة، وتوفي سنة ألف ومائة وتسعة عشر, وقد اعتمد في شرحه هذا على عدد من الكتب, فأخذ ما يتعلق بتخريج الأحاديث والكلام عليها من كتاب آخر للحافظ ابن حجر , وهو كتاب التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير , وكتاب التلخيص الحبير هذا هو تخريج الحافظ ابن حجر لكتاب اسمه فتح العزيز شرح الوجيز لـعبد الكريم بن محمد الرافعي , وهو كتاب في فقه الشافعية, شرح فيه مؤلفه الرافعي كتاب الوجيز للغزالي , وقام الحافظ ابن حجر بتخريج أحاديث هذا الشرح, الذي هو شرح الوجيز , قام بتخريج أحاديثه في كتابه الذي سماه التلخيص الحبير , فاستفاد الحسين بن محمد المغربي من هذا التخريج في شرح بلوغ المرام .

    أما ما يتعلق بشرح متون الأحاديث والكلام عليها، فقد استفاد الحسين بن محمد المغربي من كتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر , ومن كتاب شرح النووي على مسلم, وربما استفاد من شرح السنن لـابن رسلان . هذا فيما يتعلق بشرح متون الأحاديث والكلام عليها.

    أما فيما يتعلق بالكلام عن اختلاف الفقهاء والمسائل والآراء والأقاويل الفقهية التي أودعها الحسين المغربي في كتابه البدر التمام فقد استفادها من كتابين, الأول: كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي المشهور بـالحفيد , وهذا الكتاب في فقه المالكية, لكنه يصلح أن يعتبر كتاباً في الفقه المقارن, أي: أنه يقارن المذاهب الفقهية بعضها ببعض, وله ميزة طيبة, وهي أنه يهتم كثيراً بذكر سبب الخلاف بين العلماء, وهذه قد لا توجد في كثير من الكتب, أنه يهتم بذكر السبب الذي أدى إلى الخلاف بين العلماء في كل مسألة من المسائل على سبيل الغالب, وليس على سبيل الاطراد المستمر.

    الكتاب الآخر الذي استفاد منه المغربي في جمع أقوال الفقهاء هو كتاب البحر الزخار في ذكر أقوال أئمة آل البيت الأطهار , وهو كتاب للمهدي في فقه الزيدية, وذلك لأن المغربي كما سبق كان قاضياً بصنعاء, ولذلك كان يهتم بذكر خلاف الزيدية كـالهادوية مثلاً وغيرهم, وهذا لا يوجد في سائر كتب أهل السنة إلا عند الحسين المغربي هذا, ومن جاء بعده كالإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار , والإمام الصنعاني في سبل السلام , وكان المغربي رحمه الله لا يهتم بترجيح بعض الأقوال على بعض, بل يكتفي بسردها دون أن يرجح بينها.

    وهذا الكتاب لا يزال فيما أعلم مخطوطاً لم يطبع.

    ولكن جاء بعد الحسين المغربي الإمام الصنعاني محمد بن إسماعيل المشهور بـالأمير الصنعاني , المجتهد القاضي فلخص كتاب البدر التمام في كتاب آخر, ولعلكم تعرفون اسم هذا الكتاب وهو: (سبل السلام شرح بلوغ المرام), وكان حقه أن يكون اسمه (سبل السلام مختصر البدر التمام في شرح بلوغ المرام), ولكن ليس في هذا بأس, خاصة وأن الصنعاني رحمه الله قد أضاف على كتاب البدر التمام إضافات مفيدة ونافعة, خاصة في النقول عن بعض العلماء المحققين, وكذلك أضاف بعض الآراء الاجتهادية الخاصة به, فكان يرجح بين الأقوال والآراء .

    وهناك أئمة آخرون كثر قد شرحوا بلوغ المرام, وذلك كـأحمد بن حسن الدهلوي وكـالنواب صديق حسن خان وابنه وغيرهم. ولكن غالب هذه الشروح يعود إلى ما سبق, فإن كتاب البدر التمام وكتاب سبل السلام حاويان لمعظم ما في الشروح الأخرى المذكورة.

    1.   

    الكتب المصنفة في أحاديث الأحكام

    المقدمة الرابعة: إشارة إلى كتب أخرى في أحاديث الأحكام, فقد سبق أن كثيراً من أهل العلم كانوا يهتمون بجمع الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ ليسهل حفظها على الطلاب, ولاشك أن من هؤلاء الحافظ ابن حجر رحمه الله, لكن هناك أئمة آخرون سبقوه, وبعضهم جاءوا بعده ونسجوا على منواله, ألفوا في أحاديث الأحكام. ومعرفة هذه الكتب مهمة؛ لأنها تشترك مع الكتاب الذي بين أيدينا الآن في نفس الموضوع.

    فمن هذه الكتب مثلاً كتاب عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي المقدسي الحنبلي , وقد اقتصر في كتابه عمدة الأحكام هذا على الأحاديث المتعلقة بالأحكام والموجودة في الصحيحين في البخاري أو مسلم , ولا يوجد في هذا الكتاب ما يخرج عن الأحاديث المتفق عليها إلا أحاديث يسيرة معدودة, ظن المصنف رحمه الله أنها من باب المتفق عليه, وإنما هي مما انفرد به البخاري أو مسلم , وهي أحاديث قليلة, لا تؤثر في اصطلاح المؤلف, وقد شرح هذا الكتاب الذي هو عمدة الأحكام عدة شروح.

    منها: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للإمام الحافظ ابن دقيق العيد .

    ومن الكتب المؤلفة في الأحكام أيضاً: كتاب المنتقى من أخبار المصطفى للمجد بن تيمية جد شيخ الإسلام رحمهم الله جميعاً، وهذا الكتاب أيضاً قد شرحه الإمام محمد بن علي الشوكاني شرحاً مفيداً نافعاً موسعاً في كتاب سماه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار . وهناك كتب أخرى كثيرة غير هذه.

    وفائدة معرفة هذه الكتب غير خافية, فإن الموضوع واحد كما سبق, فأنت مثلاً إذا أردت أن تقرأ باب الآنية في كتاب المياه أو باب المياه في كتاب الطهارة فإنك بعد أن تقرأ في كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام، وتطمع في المزيد ترجع إلى كتاب إحكام الأحكام , تجد الأحاديث نفسها أو قريباً منها, ثم ترجع إلى نيل الأوطار , فتجد الأحاديث نفسها أو قريباً منها, فتكون هذه المباحث متكاملة, يكمل بعضها بعضاً.

    هذه أهم المقدمات التي رأيت أنه لابد من الإشارة إليها.

    1.   

    طريقة تدريس بلوغ المرام

    وبعد ذلك أشير إلى طريقة هذا الدرس أو هذه الحلقة التي ستعقد في مثل هذه الليلة بإذن الله تعالى من كل أسبوع، ونسأل الله أن يعيننا جميعاً على الحضور والاستفادة وإخلاص النية والقصد.

    أن هذه الحلقة سيترك فيها فرصة قليلة في أولها لتسميع من يرغب في الحفظ من الطلاب, فإن كان العدد كثيراً يكتفى ببعضهم. والحفظ -أيها الأخوة- في غاية الأهمية، خاصة وأنه سوف يقتصر إن شاء الله على قدر قليل من الأحاديث, فسنشرح في كل حلقة حديثين أو ثلاثة أحاديث فحسب، فيمكن للطالب أن يكتبها في ورقة في أول الأسبوع, ويظل ينظر إليها ذهاباً وإياباً حتى يحفظها.

    ثم بعد ذلك نبدأ شرح هذه الأحاديث بالطريقة التالية:

    أولاً: على عزو هذه الأحاديث إلى مصادرها في كتب السنة وإلى من خرجها من الأئمة, فيقال مثلاً: هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وفلان وفلان.

    ثانياً: الكلام على من صحح هذه الأحاديث من العلماء, وذلك لأن مجرد العزو إلى هذه لا يفيد بالضرورة صحة الحديث, إلا أن يكون هذا العزو عزواً إلى كتاب يشترط ألا يخرج إلا الصحيح، فلو قلنا مثلاً في العزو: هذا الحديث أخرجه البخاري هل يلزم من ذلك صحة الحديث؟ أجيبوا.

    مداخلة: نعم.

    الشيخ: نعم. لأن هذا العزو هو عزو إلى كتاب اشترط فيه مؤلفه ألا يخرج من الأحاديث إلا ما صح, وكذلك العزو إلى مسلم , أما العزو إلى غيرهما من كتب السنة فلا يفيد بالضرورة صحة الحديث, ولو كان عزواً إلى بعض الكتب التي اشترطت الصحة كـابن حبان وابن خزيمة والحاكم والضياء المقدسي وابن السكن وغيرهم؛ لأن هؤلاء الأئمة لهم شرط في التصحيح نازل عن شرط جمهور المحدثين.

    إذاً: فلابد بعد عزو الحديث من ذكر من صحح الحديث من الأئمة, فيقال بعد عزوه: وهذا الحديث صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وفلان وفلان؛ حتى يكون الطالب ويكون المسلم على بصيرة وعلم بصحة الحديث؛ لأن المسلم لا يتعبد بهذا الحديث إلا إذا صح. أما لو كان الحديث ضعيفاً فالمسلم غير متعبد به, لا في الأصول ولا في الفروع, لا في الفضائل ولا في غيرها . وإن كان بعض أهل العلم جوزوا العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بثلاثة شروط: ألا يكون ضعفه شديداً, وألا يعتقد عند العمل به ثبوته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, وأن يكون له أصل يعتمد عليه. لكن مع ذلك فيا ليتنا نعمل بما صح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في فضائل الأعمال, ففي الصحيح غنية وكفاية .

    فإذاً: لابد من ذكر من صحح الحديث من الأئمة.

    الأمر الثالث: سرد الحديث والكلام عليه باختصار؛ لأن الإطالة فيه لا تجدي, خاصة في مثل هذه الحلقة.

    ثم ننتقل بعد ذلك إلى الغرض الأساسي المقصود, وهو الكلام على متن الحديث, وسيكون الكلام على متن الحديث من شقين:

    الشق الأول: الكلام على الفوائد العامة المستنبطة من الحديث, سواء كانت هذه الفوائد متعلقة بباب من أبواب الفقه, أو متعلقة بأدب من الآداب الشرعية, أو متعلقة بتربية نبوية يربيها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه, أو يربي الأمة من خلالها, أو متعلقة بفوائد أصولية, أو بغيرها.

    الشق الثاني: الكلام على دلالة الحديث على الموضوع الذي سيق من أجله, فإذا كان الحديث مسوقاً في كتاب الطهارة، كان الكلام على دلالة الحديث على مسألة من مسائل الطهارة, وتحقيق هذه الدلالة, وذكر ما يشهد له أو ذكر ما يظهر بادئ الرأي أنه يعارضه من الأحاديث الأخرى, وفيما عدا هذه الحلقة فسيكون هناك مناقشة سريعة للإخوة الطلاب عما سبق تقريره في الحلقة الماضية.

    ففي الحلقة القادمة إن شاء الله سنناقش جميعاً في المعلومات التمهيدية التي قيلت في هذه الحلقة, وهكذا.

    ولذلك فإنني أرجو من الإخوة الاستمرار في الحضور؛ لأن الطالب الذي يغيب يفوته نصيبه من العلم, كما كان يزيد بن هارون يقول في الحث على مجالس العلم: [ من غاب خاب وأكل نصيبه الأصحاب ]. وكذلك إذا غاب الطالب فإنه لا يستطيع أن يجيب على الأسئلة التي يمكن أن توجه إليه.

    بعد هذه المقدمة إن كان لدى أحد من الإخوة سؤال يتعلق بالموضوع فلا بأس من إيراده, وإلا بدأنا في المقصود, وبدأنا بشرح كتاب الطهارة.

    1.   

    الأسئلة

    شروط العمل بالحديث الضعيف

    السؤال: ما هي شروط العمل بالحديث الضعيف؟

    الجواب: شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ذكرها الحافظ ابن حجر في نزهة النظر شرح نخبة الفكر , وأنها ثلاثة شروط:

    الأول: ألا يكون ضعف الحديث شديداً, فلو كان ضعفه شديداً كأن يكون فيه راوٍ شديد الضعف أو متروك فلا يجوز العمل به حينئذٍ حتى في فضائل الأعمال.

    والشرط الثاني: ألا يعتقد عند العمل به ثبوته عن الرسول صلى الله عليه وسلم, يعني: ألا يعتقد سنية هذا العمل سنية مطلقة.

    الشرط الثالث: أن يوجد ما يشهد لهذا الحديث, أن يكون لهذا الحديث أصل في الشريعة, أما لو انفرد حديث ما بذكر فضيلة من الفضائل ليس لها أصل، فإنه لا يقبل في هذه الحالة, فمثلاً: لو جاء حديث في ذكر صلاة يقولها الإنسان لطرد النسيان عنه, وكانت هذه الصلاة ذات صفة خاصة في قراءتها وأذكارها وتسبيحاتها وتكبيراتها وما يقال فيها، فإن هذا لا يقبل إلا لو صح وثبت, أما وهو ضعيف فليس له فيما يظهر أصل يشهد له في الشريعة. هذه أهم الشروط.

    وبالمناسبة من المصائب التي يعانيها المسلمون في هذا الزمان: العناية بالأحاديث الضعيفة بل والموضوعة, فكثير من الأحاديث التي تشيع بين الناس هي من قبيل الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة, وفي كثير من الأحيان ترون أن هناك بعض الرجال أو النساء في المدارس خاصة وفي غيرها يوزعون أوراقاً مكتوباً فيها أحاديث نبوية في الفضائل, مثل الحديث الذي وزع وكان موضوعه فضل صلاة الجماعة وعقوبة تاركها, وأنه يعاقب بأربع عشرة خصلة. وهذا الحديث حكم الحفاظ بأنه باطل موضوع كالإمام الذهبي وغيره , ومع ذلك تجد كثيراً من أهل الخير الغيورين يوزعونه, وقد يبذلون مالاً لتصوير أعداد من هذه الأوراق وتوزيعها على الناس, صحيح أن صلاة الجماعة واجبة, لكن لدينا آيات قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة تشهد لهذا الحكم, ولسنا بحاجة إلى ذكر حديث مكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم لتأييد هذا الحكم, وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر الذي ورد عن نحو مائتي صحابي: ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) . وفي الحديث الذي رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من حدث عني بحديث يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين ). أو: ( فهو أحد الكاذبين), يعني: الكاذب الأول الذي اختلق الحديث, والكاذب الثاني هو الذي نقل الحديث وهو يعلم أنه كذب, فيحرم على المسلم رواية الحديث الموضوع إلا إذا رواه لبيان أنه موضوع, أما أن يرويه دون أن يبين فهذا حرام, وأشد حرمة من ذلك لو رواه محتجاً به على حكم من الأحكام, أو مسألة من المسائل .

    وكذلك رأيت في أيدي بعض الطلاب حديثاً طويلاً عن علي بن أبي طالب في فضائل سور وآيات مخصوصة, كآية الكرسي وآية الفاتحة وسورة الإخلاص وغيرها, وترتيب فضل عظيم جداً على مثل هذه الأعمال, وهو حديث موضوع كما حكم بذلك الأئمة رحمهم الله.

    ومثله حديث أيضاً في نحو صفحة أو صفحتين في تحذير النساء من بعض المعاصي والذنوب, وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ليلة أسرى به نساء معلقات بعراقيبهن, فسأل من هؤلاء, إلى آخر الحديث.

    وانظروا أيها الإخوة! ضرر عدم معرفة الحديث الصحيح من غيره, وضرر الجهل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم, كثير من المسلمات اليوم لا يتفقهن في الدين, ولا يعرفن الأحكام المتعلقة بهن, فقد تفعل الواحدة منهن الحرام دون علم, وقد تترك الواجب دون علم, وقد تصلي على غير طهارة, وقد تترك الصلاة وهي طاهرة؛ لعدم فقهها في الدين, ومع هذا فقد علم أن هناك كثيراً من الفتيات الغيورات قمن بتصوير هذا الحديث وتوزيعه في المدارس وفي مجتمعات النساء للتحذير مما فيه, مع أن هذا الحديث مكتوب في نهايته المرجع الذي نقل منه على سبيل التوثيق, وإعطاء الطمأنينة للقارئ. فيا ترى ما هو المصدر الذي نقل منه هذا الحديث؟ مكتوب المصدر بحار الأنوار , الجزء الأول, صفحة كذا, نسيت الصفحة, ما هو بحار الأنوار ؟ بحار الأنوار هو كتاب من كتب الرافضة لعنهم الله في نحو مائة وعشرة مجلدات, يعتبرونه موسوعة من موسوعات الرافضة , مطبوع في مائة وعشرة مجلدات, تبدأ بالمجلد رقم صفر, وتنتهي بالمجلد رقم مائة وعشرة, وهو كتاب ضخم جداً, مليء بالأكاذيب والرواية عن أئمة آل البيت المعصومين في زعم الشيعة الاثني عشرية , ومليء بالكفر, ومليء بالردة عن الإسلام. وهذا الحديث يوزع في معقل أهل السنة , يوزع في بلاد التوحيد بسبب الجهل وعدم المعرفة.

    فأدعو نفسي وإخواني أننا حين نجد حديثاً مطبوعاً أو مصوراً يوزع بين الناس بهذه الطريقة لا نوزعه حتى نعرضه على المختصين وأهل العلم, ونسأل عنه, فإن كان صحيحاً كتب عليه أن هذا الحديث صحيح, مخرج في كتاب كذا وكتاب كذا, وصححه الإمام فلان والإمام فلان, وإن كان الحديث مكذوباً أو موضوعاً كتب بهامشه أيضاً أن هذا الحديث مكذوب, قال فيه ابن الجوزي كذا, وقال فيه ابن عراق كذا, حتى يعلم الناس الصحيح من غيره.

    مدى صحة نسبة كتاب الكبائر للذهبي

    السؤال: ما مدى صحة نسبة كتاب الكبائر للذهبي رحمه الله؟

    الجواب: الأخ يسأل عن كتاب الكبائر للإمام الذهبي , ومدى صحة نسبته إليه؟ كتاب الكبائر المنسوب للإمام الذهبي يشكك عدد من الباحثين في صحة نسبته إلى هذا الإمام, ويذكرون عدداً من الأدلة على ذلك, ومن أقواها أن الكتاب مشحون بالروايات الضعيفة والواهية دون كلام عليها, ولا تصحيح ولا تضعيف, ولا نقد, ويقولون: إن الإمام الذهبي ناقد من جهابذة النقاد, فيبعد جداً أن يكتب مثل هذا الكتاب دون أن يعقب على أحاديثه, وقد رأيت كتاباً طبع أخيراً بعنوان الكبائر للذهبي أيضاً, وحققه باحث اسمه محيي الدين مستو , وهذا الكتاب المحقق للذهبي أيضاً باسم كتاب الكبائر , والأحاديث الضعيفة فيه قليلة ومتكلم عليها أيضاً وعلى أسانيدها, وذكر الباحث في مقدمة الكتاب عدم صحة نسبة الكتاب الآخر للذهبي , وأن هذا الكتاب المطبوع أخيراً هو كتاب الذهبي المنسوب إليه حقيقة. والله أعلم.

    كتب الأحكام مرتبة على أبواب الفقه

    السؤال: هل جميع كتب الأحكام التي ذكرت مرتبة على أبواب الفقه؟

    الجواب: نعم، جميع كتب الأحكام فيما أعلم مرتبة على أبواب الفقه؛ لأنهم يقصدون تسهيلها لطالب الفقه, فيرتبونها على أبواب الفقه؛ تسهيلاً للطالب وتناسباً مع طريقة الفقهاء.