إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب البيوع – مراجعة ومسائل متفرقة في كتاب البيوع

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب البيوع – مراجعة ومسائل متفرقة في كتاب البيوعللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ترجع أهمية معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأبواب البيوع والمعاملات المالية إلى سعة انتشارها وتداولها بين الناس، ومن تلك الأحكام ما يتعلق بدخول ما يلحق الأشجار أو الأراضي أو البيوت عند بيعها، وحكم بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وحكم وضع الجوائح، وحكم الشراء بالتقسيط سواء لغرض السلعة أو لغرض بيع السلعة والاستفادة من ثمنها.

    1.   

    المقصود بالأصول والثمار

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    نحمد الله ونثني عليه الخير كله, ونصلي ونسلم على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

    سبق أن تحدثنا عن المقصود بالأصول والثمار، وأن الأكثرين -وإن كان النووي ضعف هذا الاتجاه- يقصدون بالأصول والثمار مثل الشجر، وقد يقصد بها أيضاً البيت أو الأرض أو نحوها مما هي أشياء ثابتة، أو الدار، فهذا هو المقصود بالأصول، وأما الثمار فأمرها واضح, وهو معروف.

    والمقصود بهذا الباب -كما سبق- أمران:

    الأمر الأول: ما يتعلق بما يتبع المبيع وما لا يتبعه، فهل -مثلاً- الثمرة تتبع البيع أو لا تتبعه؟ إذا واحد باع -مثلاً- نخلة وعليها طلع هل يكون هذا تابعاً للمبيع فيملكه, أو يكون للمشتري, أو يكون فيه تفصيل؟ هذا جانب: ما يتبع المبيع وما لا يتبعه.

    الجانب الثاني مما يتعلق بهذه المسألة: هو ما يتعلق بشروط بيع الأصول والثمار؛ لأن شروط البيع أنواع، منها شروط عامة, وسبق أن ذكرناها وفصلنا فيها، ومنها شروط متعلقة بالربا، وهذه -أيضاً- فصلناها في باب الربا والصرف الذي أخذنا فيه دروساً لا بأس بها، وأعتبر أنها كافية، ومرت علينا في الدورة أيضاً.

    القسم الثالث من الشروط: ما يتعلق بالشروط في بيع الأصول والثمار، وهو ما أفرد له هذا الباب، فهذا سبب من أسباب إفراد المسألة بالبحث.

    1.   

    حكم لحاق الثمرة بالشجرة المبيعة

    طبعاً: (ما يتبع المبيع وما لا يتبعه) هذه المسألة التي ذكرناها في أشياء، فيما يتعلق بالثمار -طبعاً- باتفاق العلماء أنه يجوز بيع الثمر منفرداً عن الشجر، يعني: يجوز أن يبيع الإنسان -مثلاً- ثمر هذا الشجر أو ثمر البستان المعروف الذي ليس فيه غرر منفصلاً عن الشجر، ويجوز بيعه تبعاً لأصله.

    وفيما يتعلق ببيع الشجر فإنه إذا باع الشجرة -نخلة- مثلاً -أو شجرة الرمان أو الموز أو أي شجرة أخرى- فبالتأكيد أن أغصان الشجرة وأن ورق الشجرة وأن جذع الشجرة وسائر أجزائها تدخل في المبيع.

    لكن الخلاف في الثمر الذي يطلع في الطلع، هل يدخل في المبيع أو لا يدخل؟

    وهذه مسألة -تقريباً- فيها ثلاثة مذاهب أو ثلاثة أقوال. ولما نقول: ثلاثة أقوال خلاص ما هناك إمكانية أكثر من ثلاثة أقوال تقريباً.

    الآن الخلاف: هل يتبع الثمر الأصل إذا بيع الأصل، بعت عليك -مثلاً- هذه -شجرة الجوز أو النخلة الموجودة في فناء المنزل -مثلاً- أو في هذه الحديقة- الطلع الموجود الآن هل يكون تابعاً للمبيع ويدخل في البيع، أم يستثنى ويظل ملكاً لي؟ هذه فيها ثلاثة أقوال: إما أن يتبع، أو لا يتبع، الثالث: التفصيل.

    إذاً: هناك ثلاثة أقوال:

    القول الأول -وهو مذهب الجمهور- هو القول بالتفصيل، يعني: مثلاً: النخل، الجمهور يفصلون, فيقولون: إذا كانت النخلة مؤبرة, يعني: ملقحة تشقق الطلع فيها وظهر، طبعاً التلقيح معروف، وضع المادة، سواء وضعها إنسان أو بفعل الريح أو غيره.

    المهم أنه هنا إذا كان مؤبراً ملقحاً فهو من نصيب البائع صاحب الأصل، نعم. وإذا كان غير ملقح فهو من نصيب المشتري.

    حجتهم في هذا: أولاً: الحديث المعروف: ( من باع نخلاً ), حديث ابن عمر، متفق عليه: ( من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ).

    فهذا الحديث حجة في التفصيل والفرق بين المؤبر وغيره؛ لأن منطوقه على أنها إذا كانت قد أبرت فهي للبائع المالك صاحب الأصل، ومفهومه: أنها إذا كانت ما زالت في أكمامها لم تتفتق ولم تتفتح فهي تكون من نصيب المشتري، هذا مفهوم الحديث.

    وبهذا المفهوم قال جمهور أهل العلم كالحنابلة -بطبيعة الحال- والشافعية والمالكية والليث بن سعد وغيرهم، فقالوا بالتفصيل، أولاً: للحديث المذكور، أنه فرق بين الملقح وغير الملقح، المؤبر وغير المؤبر. هذا الأول.

    الدليل الثاني: أنهم قالوا: إنه بالنسبة للطلع أو للثمرة إذا كانت مؤبرة تفتقت عن أغصانها ولقحت فهي في الحالة هذه لها نوع استقلال عن الأصل، ولذلك تصبح في ملك المالك الأصلي، لا تدخل في البيع إلا بالنص عليها، بينما إذا كانت لم تلقح فهي ما زالت ليس لها الاستقلال الذي يعطيها حكماً خاصاً، فتكون تابعة للأصل.

    أظن أنه واضح المعنى هنا، تلاحظ أن النقل والعقل كلاهما مما يستدل به على هذا التفصيل بين الملقح وغير الملقح. طيب. هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: هو قول أبي حنيفة والأوزاعي، قالا: إن هذه الثمرة هي تكون للبائع بكل حال من الأحوال، فسواء أبرت أو لم تؤبر فهي في ملك البائع.

    وحجتهم: أن هذا الطلع في النخل أو نحوه هو نماء منفصل فلم يتبع أصله في البيع، يعني: هم يرون أنه منفصل حتى ولو كان ما أبر بعد ولا لقح ولا تفتقت عنه أكمامه، فيرون أنه منفصل، وبالتالي فهو للبائع، للمالك الأصلي.

    طبعاً: يحتج عليهم أولاً بالحديث.

    وثانياً: بالتفريق بين المؤبر والملقح وغير الملقح.

    القول الثالث: وهو لـابن أبي ليلى , وهو قول -وإن كان ذكره الأئمة كصاحب المغني وغيره- إلا أنه قول ضعيف, وهو: أن الطلع للمشتري في الحالين، سواء لقح أو لم يلقح.

    وحجته: أنه متصل بالأصل اتصال خلقة, فهو في حكم الأصل.

    وتلاحظون هنا أن الحنفية نظروا إلى الطلع باعتباره منفصلاً بكل حال, ولهذا أعطوه حكماً خاصاً لا يلحق الأصل، بينما ابن أبي ليلى نظر إلى الطلع باعتباره متصلاً, فأعطاه حكم الأصل بكل حال.

    الجمهور ذهبوا إلى التفصيل، فجعلوا الثمر مرة يكون للبائع ومرة يكون للمشتري بحسب قوة انفصاله أو قوة اتصاله.

    وطبعاً: نحن نرجح القول الأول الذي هو مذهب الجمهور، وهو التفريق بين الملقح وغيره؛ للأحاديث التي ذكرناها, وأيضاً للمعنى الذي أشرنا إليه.

    كذلك بيع الشجر إذا كان ثمره بادياً، هذا أشار إليه المصنف, يعني: أن الحكم ليس خاصاً بالنخل، النخل واضح أمره، لكن هناك أشياء كثيرة جداً يتعلق بها هذا الحكم، من التفاح .. البرتقال .. الرمان وغيرها.

    1.   

    ذكر ما يلحق بيع الأرض

    أيضاً عندنا ما يتعلق ببيع الأرض ضمن الأصول والثمار.

    النووي رحمه الله يرى أنه إذا قيل: الأصول والثمار أنه يقصد بهذا الشجر فقط، لكن كثير من الفقهاء يدل صنيعهم على أنهم يقصدون بالأصول الشجر وغيره، كالأرض -مثلاً- والدور والعقار ونحوها.

    ففيما يتعلق ببيع الأرض إذا باع الإنسان أرضاً فإن ما يكون على هذه الأرض الأصل أنه تابع لها، مثلاً: لو كان فيها غرس يكون الغرس تابعاً للمبيع أو لا يكون تابعاً؟ الأصل أنه تابع إلا إذا استثناه، وكذلك لو كان فيها بناء، باع عليه هذه الأرض وفيها بناء, فالبناء يعتبر تابعاً للمبيع، هذا مذهب الجمهور.

    أيضاً الأشياء المخلوقة فيها، مثلما لو كان فيها حجارة، أو فيها -مثلاً- معادن موجودة في أصلها ومخلوقة فيها في حدود الأمر المعتاد تعتبر تابعة لها، ولما أقول: (في حدود المعتاد) أقصد أن نخرج الأشياء ذات القيمة العالية جداً التي ربما يكون إدخالها فيه نوع من المخالفة للعدل؛ لأن الشريعة قامت على العدل.

    مثلاً: لو وجدنا في الأرض بئر نفط هل نقول: إنه -والله- البئر هذا تابع للأرض؟! صعب أن يقال: إنه تابع للأرض, خصوصاً أنه قد نقول: إنه أصلاً ملكية مثل هذا المعدن ما هي بخاصة لا لمالك الأرض ولا لغيره، وإنما يفترض أنها ملكية عامة للمسلمين جميعاً، وبالتالي لا يدخل فيها عملية بيع أو عملية شراء، ومثله لو وجدنا فيها منجماً، منجم ذهب أو نحوه من المعادن الغالية النفيسة.

    ففي الحالة هذه -والله أعلم- مقتضى العدل ألا ندخل هذه الأشياء في المبيع، وإنما هذه لها حكم خاص، بينما لو وجدت أشياء تزيد من قيمة الأرض ولكن ليست بهذا الحجم مما هو في ملك صاحب الأرض أصلاً فإنه يتبع المبيع.

    طيب, لو كان صاحب الأرض دفن في هذه الأرض كنزاً ويمكن أنه نسيه، هل نقول: إن هذا الكنز تابع للمبيع؟! افرض أنه دفن فيه -مثلاً- ذهباً، كان في حالة خوف وقلق وترقب وحرب وقام وحوَّل جميع الأموال التي عنده في البنوك إلى سبائك من الذهب، ثم أودعها في هذه الأرض ونسيها، هل يتبع هذا البيع؟ لا يتبعه، لماذا؟

    أولاً: أنه ليس من أصل الأرض, وإنما هو أمر طارئ عليها، فلا يتبعها بلا إشكال، وهذا كأنه لا خلاف فيه.

    الأمر الثاني أيضاً الذي يقتضي ألا يتبعها: أن هذا ذهب, وخصوصاً لما يكون سبائك، معناه: أنه ذهب خالص، فلا يجوز في هذه الحالة بيعه إلا وفق شروط الصرف المعروفة.

    طيب. لكن إذا كان في الأرض -مثلاً- زرع، فهل الزرع نقول: إنه تابع للبائع أو تابع للمشتري؟

    الفقهاء الحنابلة وغيرهم يفرقون بين نوعين من الزرع:

    النوع الأول: الذي يحصد مرة واحدة، يعني: هناك زرع ما ينبت إلا مرة واحدة, كالبر والشعير والرز ونحوها والدخن والذرة، فهذه يقول لك: إذا كان الزرع لا يحصد إلا مرة واحدة فهو للبائع إطلاقاً.

    النوع الثاني: الزرع الذي ينبت مرة بعد مرة، مثل البرسيم والبصل .. الكراث. والقت هو البرسيم، نحن نسميه القت، ونسميه أيضاً البرسيم، وله اسم مشهور عند الفقهاء وعند أهل الطب الذين يتكلمون في الطب الشعبي، لا أجزم، لكن يغلب على الظن أنهم يسمونه الرطبة، فكأن الأوصاف التي يقصدونها بها تنطبق على ما نسميه نحن بالقت أو العلف.

    المهم هذه الأشياء التي كلما جزت نبتت مرة أخرى، يعني: مرة بعد مرة، هذه الأشياء هل تكون للبائع أو تكون للمشتري؟

    الجذة الأولى الموجودة الآن التي هي الطالعة الظاهرة هذه تكون للبائع، مثل الأول الذي لا يطلع إلا مرة واحدة في السنة، فالجذة الموجودة نقول: هذه تبع البائع، لكن التي بعدها طبيعي أنها تصبح في ملك المشتري. طيب.

    1.   

    ذكر ما يلحق بيع الدار

    أيضاً عندنا مسألة بيع الدار، لو باعه فلة أو عمارة أو بيتاً أو قصراً، أو وقفه أو رهنه، أو أي لون من ألوان التصرفات، فما الذي يدخل وما الذي لا يدخل في ملكيته؟

    طبعاً لا شك أن البناء والشجر المغروس يدخل، وكذلك السلالم، لو كان هناك سلالم مركبة في المنزل من حديد أو من غيره فهذه أشياء داخلة أيضاً.

    بالنسبة للرفوف والدواليب المسمرة في الجدران هذه تدخل باعتبار أنها ملتصقة وملتحقة بالأصل، الأبواب, وإلا ترى أنه يبيعه وبعد ذلك ينزع الأبواب والنوافذ ويقول: هذه ما هي بداخلة في البيع، هل يتصور هذا؟! لا، هي داخلة.

    أيضاً بالنسبة للفرش، إن كانت الفرش مثبتة -مثل هذه الفرشة مثلاً- فيفترض أنها داخلة في المبيع، لكن بالنسبة للفرش التي تنقل هذه يتفاوت الأمر فيها بين عرف الناس واعتبارهم.

    وهناك أشياء لا تدخل, مثل ما لو كان البيت فيه مكاتب للمالك، فيه مكتبة مليئة بالكتب أيضاً، فيه سرر، فيه أشياء معينة، أجهزة مثل الثلاجات والغسالات والأفران والعربات ونحوها، فهذه الأشياء الأقرب أنها لا تدخل؛ لأن لها استقلالاً، والغالب في عرف الناس أنها غير داخلة في المبيع.

    بعض الأشياء قد يقع فيها تردد, هل تدخل أو لا تدخل؟ وهنا العادة أو العرف يحكم هذه المسألة، مثل: المكيفات، مثل المطابخ، المطابخ ثابتة, لكن أحياناً قيمتها عالية جداً، قد تكون قيمة المطبخ بثلاثين، أربعين ألف ريال مثلاً، والناس يتفاوتون في مثل هذه الأمور.

    1.   

    ذكر ما يلحق بيع المركوب

    كذلك ما يتعلق ببيع الحيوان، ومثله أيضاً بيع المركوب مثل بيع السيارة .. بيع الطيارة .. بيع السفينة أو الباخرة، بيع الأشياء هذه مثلاً، ففيما يتعلق ببيع الحيوان مما يجوز بيعه من الحيوانات -طبعاً- يتبعه ما جرى العرف بتبعيته له, مثل السرج الذي يوضع على ظهره، ومثل اللجام الذي يقاد به ونحوهما.

    بالنسبة للسيارة -طبعاً- يتبعها مثل العجلة الاحتياطية، ومثل العدة -المفاتيح- التي تصلح بها السيارة، ومثل آلة الرفع التي نسميها نحن بالعفريتة، هذه تابعة لها، كذلك الفرش التي تكون تحت الأقدام ونحوها, فهي تابعة، طبعاً كذلك جهاز التسجيل، جهاز الراديو الموجود في السيارة يفترض أنه تابع للبيع، لكن لو كان في السيارة -مثلاً- أشرطة هل هي تابعة؟ لا، لها استقلال, وهي لا تدخل في المبيع؛ لأنها عبارة عن أغراض خاصة.

    طيب. هذا فيما يتعلق بما يتبع وما لا يتبع، ومثل ذلك يقال في كل الأشياء التي تباع، أن الأشياء التي من صميم هذه الأمور أو من مصالحها أو تشتد الحاجة إليها فهي داخلة في المبيع، والأشياء التي ليس لها تعلق بها وإنما هي قد يحتاجها الراكب -مثلما ذكرنا في بعض الأجهزة ونحوها- فهذه ليست داخلة، والعرف له مدخل في تحديد هذه الأمور إذا وقع الاختلاف حولها.

    ويتجه أن يقال: إنه في حالة حصول خلاف جدي ومتفاوت بين البائع والمشتري هنا يمكن يكون المشتري له الخيار إذا كان لما يقوله وجه، أن يقول: أنا اشتريت بناءً على أن هذه الأشياء تابعة للمبيع، والكلام هذا كله فيما إذا لم يقع تشارط بينهما, وإلا فالشرط بينهما ينهي الخصومة.

    1.   

    حكم بيع الثمر قبل بدو صلاحه

    النقطة الثانية المتعلقة بشروط بيع الثمر، طبعاً: خص هذا الباب لما فيه من الشروط الخاصة به في بيع الثمر.

    طبعاً: بيع الثمر إذا كان مستقلاً عن الشجر له شروط، منها: أن يبدو صلاح ثمره، والنبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك, بأنه لا يبيع -مثلاً- النخل ولا العنب ولا غيره حتى يبدو صلاحه، حتى يطيب -على اختلاف الألفاظ في الأحاديث- ويأمن العاهة، حتى يحمر أو يصفر أو يشقح، كل هذه ألفاظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح تدل على أنه لا يجوز بيع الثمر حتى يبدو صلاحه.

    المراد ببدو صلاح الثمرة

    لكن بدو الصلاح ما المقصود به؟ هنا اختلفوا في تكييف ما هو المقصود ببدو الصلاح.

    فالجمهور يرون أن بدو الصلاح معناه: النضج، والحلاوة في الثمرة, وأنها تطيب وتصبح قابلة للأكل منها.

    الأحناف يرون أن المقصود بالحديث ليس بالضرورة هو أن الثمرة نفسها تطيب وتؤكل بقدر ما هو أن يأمن العاهة والفساد، طبعاً هم لاحظوا المعنى، لاحظوا مقصد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم (كانوا يتبايعون فكانوا يبيعون الثمر, فربما أصابه قشام, أو أصابه دمان, أو أصابه مراض -وهذه ألوان من الآفات التي تصيب الثمر، فيقع بينهم اختلاف- فلما كثرت خصومتهم قال النبي صلى الله عليه وسلم كالمشورة يشير بها عليهم: أما لا -يعني: إذا كنتم لا تتركون الخصومات والاختلاف- فلا تتبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها)، فكأنه حينئذ أشار عليهم بأمر من أجل إنهاء الخصومة. والحديث في الصحيح.

    فأخذ الحنفية من ذلك أن المقصود هو أمن العاهة بأي وسيلة تمت، بينما الجمهور أخذوا بهذا المعنى وربطوه بالعلامة التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم, وهي ظهور النضج والصلاح في الثمرة.

    هذان القولان في المسألة في تحديد وتوصيف ما المقصود ببدو الصلاح.

    وطبعاً ورد في بعض الأحاديث -حديث أبي هريرة - أنه: ( إذا طلع النجم صباحاً رفعت العاهة عن كل بلد )، والمقصود بالنجم هو الثريا.

    وكذلك أيضاً في حديث آخر عن ابن عمر عند الإمام أحمد : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة -وهذا مما احتج به الحنفية- قالوا: ومتى ذلك يا رسول الله؟! قال: حين تطلع -أو حتى تطلع- الثريا ). والعراقي قال عن هذا الحديث: إن سنده صحيح.

    فالأمر قريب، ولا شك أن قول الجمهور أضبط وأوضح.

    إذا قلنا بأن المقصود النضج وأن يطيب الثمر؛ فهل المقصود أن تطيب كل ثمرة, أو شجرة من البستان, أو شجرة في المدينة؟

    كل هذه أقوال، فقيل: يكفي في بدو الصلاح أن يظهر في جنس الثمر، حتى لو أنه ظهر في بستان واحد جاز بيع البساتين في البلد كلها.

    وقيل: لابد أن يظهر في البستان، فإذا ظهر في شجرة واحدة من هذا البستان جاز بيع الباقي.

    وقيل: إنه لابد أن يظهر في كل جنس على حدة مثلاً، وهذا في نظري أنه جيد؛ لأنه تختلف مواسم النضج أحياناً وتتفاوت، بل نحن نجد حتى في الجنس الواحد، مثلاً: النخل، التمر لا يظهر نضجه كله على حدة, وإن كان هذا هو الغالب، لكن هناك ألوان من النخيل تتقدم وهناك ألوان تتأخر.

    أذكر أننا زرنا مرة الأحساء مبكرين جداً, فقدموا لنا نوعاً من التمر ليس بالجيد، ولكنهم يقولون: هذا تمر يبكر جداً، ولهذا يعتبر فاكهة يستطرفه الناس؛ لأنه يأتي قبل أن يأتي غيره.

    فانظر: هذا فضل السبق أحياناً، أن الواحد إذا سبق ولو كان أقل لكن يجعل الله فيه خيراً.

    فهذا التمر من الطرائف التي يتداولونها فيما بينهم يقولون: هذا أوله للأمير وآخره للحمير. نعم؛ لأنه ليس بجيد، لكن أوله كشيء طريف، أول الثمرة, وكانوا يأتون بها للنبي صلى الله عليه وسلم فيعطيها أصغر واحد في المجلس.

    وبعض النخل يتأخر جداً، هناك عندنا نوع من النخل إذا انتهت جميع الألوان -الرطب والبسر- انتهت بالمرة ظهر هذا اللون من النخل، اسمه الخصاب، وهو لون من التمر الأحمر، أيضاً جربته أنا، هذا التمر لو جاء في وقت الموسم ربما لا يستلذه الناس؛ لأنه فيه لون من العسر والشدة، قاس قليلاً، ولكن لأنه يأتي متأخراً فهو يعتبر فاكهة لذيذة في وقته.

    فإذاً: قضية أن كل جنس على حدة هذه قضية صحيحة.

    حكم بيع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط القطع

    أيضاً في مسألة البيع قبل بدو الصلاح هناك مسألة يحتاج الطالب إلى معرفتها, وهي: هل يجوز البيع؟

    الآن اتفقنا على أنه لا يجوز بيع الثمر إلا بعد بدو صلاحه, سواء كان بدو الصلاح بالنضج أو كان بدو الصلاح بأمن العاهة. طيب. هل يجوز بيع الثمر قبل بدو الصلاح بشرط أن يقطعه الآن؟

    نعم يجوز بيعه، وهذا قول الجمهور والأئمة الأربعة، وحكاه بعضهم إجماعاً كما ذكره النووي والشوكاني وغيرهم، وأيضاً شارح العمدة نقله إجماعاً، لكن الواقع أن المسألة فيها خلاف عند سفيان الثوري وابن أبي ليلى وبعض الظاهرية أنهم قالوا بالمنع، ولكن الصواب الجواز.

    يعني: لو بعتك العنب الذي لم ينضج بعد ويسمى الحصرم، لو بعت الحصرم بشرط أنك تقطعه الآن يقولون: يجوز في الحالة هذه وإن كان ما بدا صلاحه، لماذا؟ يستفاد منه، لأن العلة منتفية الآن، إذا كنت ستقطعه الآن هل سيكون إشكال بحيث إنه ممكن تأتي عاهة أو قشام أو مراض أو دمان, أو يصاب بحيث يقع هناك خصومة بيني وبينك؟ لن يقع إشكال؛ لأنك سوف تقطعه الآن، وأما لماذا تقطعه؟ فهنا يأتي الجواب: أنه يستفاد منه؛ لأنه قد يستفاد منه بطريقة أخرى مثلاً، ما هو بالضروري أن يؤكل كما هو مثلاً، فيستفاد منه بحاله التي هو عليها، فهذا قول وجيه وجيد وإن كان لم يتعرض الحديث للنص عليه, ولكن واضح من العلة، والمقصد أنه جائز.

    حكم بيع الثمر قبل بدو صلاحه بغير شرط القطع

    أيضاً لو باع الثمر قبل بدو الصلاح ولم يشترط القطع، نحن قلنا الآن: إنه إذا اشترط القطع جاز على القول الراجح.

    طيب. افترض أنه باعه ولم يشترط القطع، بمعنى: أنه باعه وسكت، ما شرط القطع ولا شرط عدم القطع، فما حكم البيع حينئذ؟

    طبعاً الجمهور يرون أن البيع محرم وباطل، ويحتجون بالأحاديث التي ذكرناها, كحديث أنس رضي الله عنه: ( نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي )، وحديث أبي هريرة : (لا تبيعوا الثمار حتى يبدو صلاحها)، فيرون أن البيع مخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو لنهيه، فهو بيع محرم وباطل، وهذا قول الجمهور كما ذكرنا.

    أما أبو حنيفة فيرى أن البيع صحيح، وإن كان خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما ذكرناه.

    وأما مالك فله في المسألة قولان: الجواز وعدمه.

    ويجيبون عن الحديث الوارد في النهي بأحد جوابين, القائلون بصحة البيع إما أن يقولوا: إن المقصود النهي عن بيع الثمار قبل أن توجد، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث (نهى عن بيع السنين)، وقالوا: بيع السنين أنك تبيع ثمرة هذا البستان سنتين أو ثلاثاً, يعني: قبل أن تخلق، وهذا يعتبر بيع معدوم, وفيه غرر واضح، فقد يكون هذا من المقاصد.

    طبعاً: هذا ليس فيه قوة، ضعيف هذا المحمل.

    المحمل الثاني -وهو أحسن من الأول-: أنهم قالوا: إن النهي ليس للتحريم، وإنما هو على سبيل التنزيه والأدب ورفع الخصومة بينهم, كما ورد قبل قليل في الحديث.

    ولا شك أيضاً أن الذي يترجح في هذه المسألة هو مذهب الجمهور: أنه لا يجوز بيع الثمر قبل بدو الصلاح، وأنه يكون فاسداً حينئذ. وأشد منه في الوضوح: لو باع الثمر قبل بدو الصلاح بشرط عدم القطع، بشرط التبقية، فهذا يكون أوضح في المنع أيضاً.

    1.   

    حكم وضع الجوائح

    يدخل في هذه مسألة, وهي ما يسميه الفقهاء دائماً بوضع الجوائح.

    الجوائح: جمع جائحة, وهي المصيبة أو النازلة العامة التي تجتاح، يعني: تأخذ -مثلاً- مال الإنسان، فهذا المقصود بوضع الجوائح، والمقصود بها: أن تنزل آفة سماوية فتصيب -مثلاً- هذا الزرع، مطر أو برد أو ريح عاصف: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:19].

    فهنا اختلف العلماء في وضع الجوائح، يعني: إذا باع الإنسان الثمرة وباعها أيضاً بعد بدو الصلاح بيعاً شرعياً صحيحاً عند كل العلماء، ولكن المشتري لم يقم بقطعها، والبائع خلى بين المشتري وبين الثمرة، يعني: اقطعها اليوم .. بكرة .. بعد أسبوع .. بالتدريج، ثم نزلت عليها آفة وتلفت قبل الجذاذ، فما الحكم حينئذ؟

    هذه المسألة فيها قولان مشهوران، وربما ثلاثة أقوال:

    الأول -وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والمالكية وجماعة من أهل الحديث, وهو القديم من قولي الشافعي ومذهب الحنابلة والظاهرية وغيرهم- قالوا: إذا تلفت فهي من ضمان البائع، إذا تلفت بآفة سماوية جائحة فهي من ضمان البائع، يضمنها البائع وليس على المشتري فيها شيء، إلا إذا كان من المشتري تفريط، مثلاً: أخرها أو أهمل بما يعتبر عليه مسئولية، فهذا لا شك أنه يتحمل.

    لكن لو لم يكن منه تفريط ثم نزل عليها برد أو شيء خارج عن الإرادة البشرية، فهم هنا يقولون: هي على البائع؛ لأن المشتري لم يأخذها بعد ولم يحزها إلى نفسه.

    طبعاً: هم يستدلون -أولاً- بالحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في وضع الجوائح، حديث جابر عند أهل السنن -وهو صحيح-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح)، وفي مسلم قال: ( إن بعت من أخيك ثمراً فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئاً, بم يستحل أحدكم مال أخيه؟! )، فقالوا: إن هذا دليل على وضع الجوائح، وأنه إذا أصابه شيء فتلفه على البائع، المشتري هو ملكه لكن لم يقبضه ولم يحزه بعد، وهذا الدليل النبوي واضح على ما ذكرنا.

    القول الثاني -وهو مذهب الشافعي الجديد والحنفية, وبعضهم نسبه للأكثرين -لأكثر أهل العلم- مثل الصنعاني في سبل السلام وغيره- قالوا: إنه يكون تلفه على المشتري؛ لأنه ملكه، ولا يرجع على البائع بشيء، وأما هذا الحديث فإما أن يحملوه على الاستحباب، أنه يستحب للبائع أنه يساعد المشتري أو يقف معه, ولكن لا يسعفهم نص الحديث؛ لأنه يقول: ( فلا يحل له أن يأخذ من مال أخيه شيئاً ), يعني: يحرم عليه، فظاهر هذا أنه ليس الأمر على الاستحباب كما زعموا.

    وبعضهم قال: إن هذا محمول على ما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح وليس بعد بدوها، وهذا أيضاً ليس بقوي؛ لأنه إذا باعها قبل بدو الصلاح فالراجح أن هذا البيع باطل، وأن المشتري ليس في ذمته شيء أي نعم.

    ولذلك نقول: إن هذه التعليلات التي تعللوا بها ليست بقوية.

    طبعاً: المالكية لهم قول آخر في المسألة, وهو: أنهم يفرقون بين ما كان الثلث فأقل، وهذه قاعدة في مذهب مالك كثيراً ما يعتمدون عليها؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( الثلث والثلث كثير )، وهذا وإن كان وارداً في مسألة الوصية إلا أن المالكية رحمهم الله اعتبروا هذه بمثابة القاعدة العامة في كثير من الأشياء, ففرقوا ما بين الثلث وغيره، مثلاً: موضوع الغبن، قالوا: إذا غبنه -مثلاً- بأقل من الثلث فهو قليل ومحتمل، أما إذا كان الثلث فأكثر فهو كثير، وهكذا قالوا هنا مثلاً: إذا ذهبت الجائحة بما دون ثلث الثمرة فهي على المشتري، لكن إن كان الثلث فأكثر فهي على البائع؛ لأنه كثير، واستدلوا بهذا الحديث الذي ذكرناه.

    والذي نختاره أيضاً مذهب الجمهور في وضع الجوائح، وأن تلف الجائحة يكون على من؟ على البائع.

    هذه بعض المسائل المتعلقة بموضوع الأصول والثمار.

    1.   

    ذكر ما يعتبر فيه العرف من المعاملات

    عندنا مسائل أخرى أيضاً ليست خاصة بهذا، وإنما متعلقة بموضوعات في البيع مختلفة، هي تقريباً ثلاث مسائل:

    الأولى: قضية مدخل العرف في البيوع، والعرف له اعتبار في كثير من المسائل التي في المعاملة، ولهذا:

    العرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار

    فكثير من القضايا يقع فيها لبسٌ المرجع فيها إلى عرف الناس، ولهذا القاضي الحصيف ربما يستطيع أن يخرج من إشكالات أو خصومات بمعرفة العرف الذي بين الناس، وربما من لا يتقن ذلك قد يعطي الحق لغير أهله بضرب من الأخذ بظاهرية معينة. نعم.

    فهناك عدة مسائل يدخل فيها العرف، منها:

    ضبط الخيار في البيع بالعرف

    مسألة التفرق في موضوع الخيار, ( البيعان بالخيار ) حديث ابن عمر المتفق عليه ( ما لم يتفرقا وكانا جميعاً )، وكذلك حديث حكيم بن حزام .

    فمسألة التفرق ما المقصود بها؟ هل هو التفرق بالأقوال أو بالأجساد؟

    طبعاً لا شك أن المقصود التفرق بالأبدان، ولكن المسألة هنا عرفية، ليست حسية، ولذلك خصوصاً في مثل العصر الحاضر نلاحظ أنه يحتاج الناس إلى إدراك هذا المعنى، لماذا؟ لأنه قد يبيع شخص على آخر هذا في المشرق وهذا في المغرب بالهاتف -مثلاً- أو بالإنترنت أو من خلال وسيلة معينة، هب أن اثنين في لقاء عبر الهاتف يتبايعون، ثم اتفقوا على البيع، ثم أنزل السماعة، ألا نقول: إن هذا كاف في التفرق؟ بلى. خلاص كاف، أنزل السماعة أو أقفل الاتصال أو انتقل من هذا الموقع إلى موقع آخر حتى وإن كان أصلاً آلاف الأميال بينه وبين البائع الآخر أو المشتري، فهنا حصل التفرق لأنهم أصلاً ما اجتمعوا، ما التقوا بأبدانهم، ولذلك ابن عمر رضي الله عنه فسر التفرق بأنه كان إذا باع من شخص أو اشترى منه مشى خطوات حتى لا يعطي فرصة للآخر أنه يستقيل أو يرجع.

    فنقول: إذاً: المقصود بالتفرق: التفرق العرفي بحسب ما يكون عليه حال الناس.

    ضبط القبض في البيع بالعرف

    كذلك موضوع القبض، فمسألة القبض الشرع لم يحدد فيها شيئاً، مثل التفرق لم يحدد فيه شيئاً، ربط الأمر بالتفرق, ولم يبين ما هو التفرق.

    كذلك موضوع القبض -مثلاً- والاستيفاء, لم يحدد الشرع ما هو المقصود به بشكل دقيق وفي كل شيء كقاعدة عامة، فدل على أن هذا وإن كان يختلف من شيء إلى شيء؛ لأن الأجناس الربوية لابد فيها من القبض؛ لأنه يداً بيد نص الحديث، لكن هل هذا أيضاً يشمل ألوان المطعومات أو هو عام في كل المبيعات؟

    الأقرب أنه ليس كذلك، وإنما نقول: إن القبض يتفاوت بحسب العرف، وبحسب -أيضاً- نوع المبيع، فقبض الأرض -مثلاً- يكون بأخذ الصك مثلاً، قبض السيارة يكون بأخذ المفتاح، قبض بعض الأشياء يكون بالتمكن منها، قبض بعض الأمور يكون بمجرد نقلها من حساب إلى حساب، هذا يعتبر قبضاً، إذا وضعت هذه الأسهم -مثلاً- أو هذا المبلغ في حسابك اعتبر هذا قبضاً، أحياناً الشيك يقوم مقام أخذ المال.

    إذاً: عملية القبض هي عملية عرفية، إذا جرى عرف الناس على اعتبار معين أنه يعد بمقام القبض أجري ذلك.

    ذكر أمور أخرى يدخل فيها العرف

    كذلك ما ذكرناه قبل قليل في موضوع توابع المبيع، ما يدخل في المبيع وما لا يدخل فيه، هذه قضية للعرف فيها مدخل فيما يجري بين الناس.

    أيضاً: قضية العقود والشروط والاستثناءات ومعاني الألفاظ، هذه قضية عرفية، يعني: مثلاً: المقاولون .. العقود التجارية .. المعاملات .. المفاوضات، هناك كثير من الألفاظ وكثير من الاعتبارات والشروط جارية معروفة بين الناس ولو لم يقع عليها نص أحياناً إذا صارت معروفة، فإنهم يقولون: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فالعرف محكم في مثل هذه الأمور وفي العقود وغيرها؛ لأن الأصل في معاملات الناس الأصل فيها أنها من العادات، والشرع يقرها إلا ما خالف قاعدة شرعية مما يكون فيه ربا, أو يكون فيه غرر, أو يكون فيه جهالة, أو يكون فيه ظلم, أو ما أشبه ذلك، وإلا فالأصل فيه الإذن، ما لم يكن فيه نهي خاص أو يكون مخالفاً لقاعدة شرعية، فلذلك نقول: إن العرف معتبر في مثل هذه الأشياء. هذه مسألة, التي هي قضية اعتبار العرف.

    1.   

    حكم ما يتعلق بالحقوق الفكرية والمعنوية

    المسألة الثانية من مسائل البيع التي يكثر الحديث عنها والسؤال حولها: قضية الحقوق، وهذه أيضاً من القضايا الحديثة التي ربما لم تكن معروفة من قبل، ما يسمى بالحقوق الفكرية أو الحقوق المعنوية أيضاً.

    الآن أي شركة لها اسم تجاري, ولها علامة تجارية أو ماركة, ولها ميزة معينة، كذلك -مثلاً- هناك الحقوق الفكرية, مثل حقوق التأليف .. حقوق الطبع .. حقوق النشر .. الاختراع .. الإبداع، هذه من أعظم الأشياء الآن التي يتم الاهتمام بها بشكل عالمي اهتماماً كبيراً جداً، تجد -مثلاً- حقوق برامج الكمبيوتر .. حقوق نسخ الأشرطة, أشرطة الكاسيت .. حقوق نسخ أشرطة الفيديو .. حقوق نسخ البرامج المختلفة .. حقوق طباعة الكتاب، يعني: كثير من الأشياء أصبحت اليوم مرتبطة بحقوق، فكرة الحقوق هذه الأصل أن الشرع يعتمد عليها، يعتبرها، وهي فعلاً حق للناس، لماذا؟

    لأنه -أصلاً- هذا الإنسان أبدع وتعب، فلو كان هذا الإنسان يتوقع أن يضيع حقه لن يكون عنده نوع من الإبداع، كثير من الأشياء ممكن أنها تفلح وتنتج إذا صار هناك نوع من الاحتفال والاحتفاء بها، لكن إذا كانت مهدرة لا أحد يعمل، يعني: شريط كمبيوتر مثلاً, ما يسمى بالسيدي روم الآن، تصور أن قرصاً ربما يكلف إعداده أربعين مليون ريال سعودي، أعتقد أنه جامع الفقه الإسلامي، جامع الفقه الإسلامي هذا برنامج ضخم جداً، كذلك موسوعة السنة النبوية، الآن إحدى الشركات في الرياض أطلعوني على برنامج جديد في السنة رهيب بمعنى الكلمة، خلال قرص واحد كل السنة النبوية -تقريباً- موجودة وبطريقة سهلة وميسرة، والرواة والمعاني والشروح والألفاظ إلى آخره, بشكل راق، ومبذول فيه جهد غير عادي.

    هناك أموال ضخت في هذا البرنامج وفي هذا العمل، فإذا كان -مثلاً- بمجرد ما ينزل للسوق يقوم أي واحد محترف بكسر الحماية وسرقة هذا المنتج ثم يقوم بتوزيعه, يعني: ربما يباع بخمسة ريال أو عشرة ريال, والنسخة الأصلية ربما تباع بخمسمائة أو ألف أو ألفي ريال، في الحالة هذه سيجد المصنع أو المعد للمادة أنه لا معنى لأن ينتج, ولا معنى لأن يبدع، لماذا؟ لأنه بمجرد ما ينزل المنتج يقوم الناس بكسر الحماية وسرقة المادة وتوزيعها, فلا يصبح في المجتمع رغبة في الإبداع والإنتاج، إضافة إلى أن هذا عدوان على حقوق الناس، والأصل أن الحقوق محفوظة.

    ولذلك نقول في موضوع الحقوق:

    أولاً: هذه الأشياء حقوق خاصة، سواء كانت حقوقاً شخصية أو حقوقاً لشركة أو مؤسسة أو جهة حكومية أو غير حكومية، وهذه الحقوق معترف بها من الناحية الشرعية, ومعترف بها من الناحية العرفية الجارية بين الناس. هذا أولاً.

    إذاً: الحقوق هذه: الاسم التجاري .. العلامة التجارية .. حقوق التأليف مثلاً .. حقوق البرنامج .. حقوق الاختراع .. حقوق الإبداع .. حقوق ما يسمونه تسجيل براءة اختراع، هذه الأشياء كلها معترف بها من الناحية الشرعية، هذا أولاً.

    ثانياً: هذه الحقوق ملك لأصحابها, سواء كان فرداً أو مؤسسة أو ما شابه ذلك، يحق لهم التصرف فيها، يعني: بإمكانهم أن يبيعوا هذه الحقوق على أحد, وبإمكانهم أن يحتفظوا بها، وبإمكانهم أن يقفوها أو يتصرفوا فيها بجميع ألوان التصرفات الشرعية؛ لأنها ملك لهم, يعني: تعتبر بمثابة المال، لهم حق التصرف فيها.

    الأمر الثالث في موضوع الحقوق: أنه لا يجوز لأحد الاعتداء على هذه الحقوق بكسر الحماية، خصوصاً أنه أيضاً كثير منهم لاحظوا ذلك، فأصبحوا يضعون في أول البرنامج قسماً أو يميناً، أنك تقسم بالله أن هذه نسخة أصلية معتمدة, وأنك لا تعتدي عليها، نعم.

    نحن نقول بالمقابل -وقلنا لأصحاب الحقوق أنفسهم وأصحاب البرامج-: إن عليهم أولاً أن يهتموا بجودة المنتج.

    عليهم ثانياً: أن يكون السعر معقولاً بقدر المستطاع.

    عليهم ثالثاً: أن يعتنوا بالخدمات المتعلقة بهذا المنتج, وخصوصاً ما يسمى بخدمات ما بعد البيع؛ لأن كثيراً من هذه الأشياء تكتشف أنها تحتاج إلى تعديل وإلى صيانة وإلى متابعة, فيكون هناك نوع من الإهمال، هذا صحيح، لكن هذا لا يبرر عملية العدوان عليها.

    كثير من الشباب يسألون عن قضية الاعتداء على حقوق بعض البرامج التي تكون لأناس غير مسلمين.

    وهنا أيضاً أقول بوضوح: إنه حتى هذه لا يجوز الاعتداء عليها، كما أنه لا يجوز -مثلاً- أن تأخذ بيت واحد من الكفار أو تأخذ سيارته أو تسرق سيارته بحجة أنه غير مسلم، الإسلام جاء بصيانة حقوق الناس كلهم، وهذا جانب من عظمة هذا الدين, وأنه رحمة للعالمين، إلا اللهم لو كانت حقوقاً لدولة محاربة، يعني: حقوقاً -مثلاً- لشركة إسرائيلية، ففي هذه الحالة أنت معهم في حالة حرب، وإذا استطعت أن تقوم بالاستفادة من هذا البرنامج دون الاحتفاظ بحقوقه فلا بأس.

    فالذي نراه أنه لا يجوز الاعتداء على الحقوق مهما كان مالكها، ويجب حفظها وصيانتها، وهذا من شأنه أن يدرب المسلمين على أن يحترموا ملكيات الآخرين، وعلى أن يمارسوا هم نوعاً من الإبداع؛ لأنه سوف يقتل الإبداع، إذا كان الإنسان يرى أنه إذا بذل مجهوداً قام الآخرون بسرقته؛ فالمرة الأخرى لن يكون عنده أي حافز لأن يبدع.

    1.   

    حكم بيع التقسيط

    هناك نقطة ثالثة أيضاً مهمة ويكثر السؤال عنها، بل لا أبالغ إذا قلت: إن أكثر الأسئلة التي ترد -على الأقل -فيما يخصني- وأتوقع أن كثيراً من طلبة العلم هم كذلك- هي في هذا الموضوع.

    يعني: لو سئلت: ما هو أكثر موضوع تسأل عنه؟ لقلت: هو موضوع البيع بالآجل أو البيع بالتقسيط، هذا أكثر موضوع يتم السؤال عنه، وفيه -طبعاً- إشكالات كثيرة جداً، لكن نشير هنا إلى بعض النقاط.

    أولاً: أنه تجوز الزيادة في ثمن المبيع مقابل الأجل، الزيادة عن الثمن الحاضر، والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282]، والأصل في المسألة هذه أنها إجماع كما ذكره البيهقي وابن حجر وغيرهما، يعني: أنه هذه السلعة بمائة فأبيعها بمائة وعشرين إلى سنة، هذا الأجل المسمى، ولا شك أنه لم يكن الأجل مسمى إلا مقابل زيادة.

    1.   

    حكم شراء السلعة بالتقسيط لغرض بيعها والانتفاع بثمنها

    ولكن هل كذلك يكون الأمر جائزاً إذا لم يكن المقصود السلعة وإنما المقصود بيعها والانتفاع بثمنها؟

    هذا فيه خلاف، ومن أهل العلم والفقه من يقول بمنع ذلك؛ لأنه يرى أنه احتيال على الربا، وقد نقل عن عمر بن عبد العزيز وابن تيمية وجماعة، وكأن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يميل إلى هذا، ولكن الذي نميل إليه ونختاره أن ذلك جائز؛ لاعتبارات:

    أولاً: أن الصورة الظاهرة هي صورة البيع الشرعي، وقصارى ما يقال في ذلك: أن هذه حيلة شرعية مباحة ليس فيها إشكال، هذا أولاً.

    والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى مثل ذلك في قصة الربا لما قال: ( أوه أوه! عين الربا، بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً )، فأشار إلى عملية أنه لا بأس أن الإنسان يتذرع بطريقة مباحة إلى أمر يحتاجه، خصوصاً إذا كان من غير تردد، يعني: اشترى هذه السلعة من دون أن يتردد، لم يتفرقا على أنه يمكن مؤجلاً ويمكن حاضراً؛ لأن هذا يوجب الخلاف والخصومة، بل انتهوا على أن هذا بيع مؤجل, وأيضاً يكون الأجل معلوماً مسمى، كما قال الله سبحانه وتعالى: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282]؛ لأنه أيضاً عدم معرفة الأجل يترتب عليها خلاف، هذا يقول: سنة وهذا يقول: عشر سنوات مثلاً. فهذا الأمر الأول.

    وأشير أيضاً إلى أن كثرة الشراء والبيع بالتقسيط هي مشكلة تدل على أزمة اقتصادية في أي بلد؛ لأن الناس يصبحون يعملون من أجل سداد هذه الديون، يصبح راتب الإنسان يذهب جزء منه لهذا البنك وجزء منه لذاك, وربما لا يوجد عنده إلا مبلغ بسيط جداً يستفيد منه، بينما هناك سيارة اشتراها بالتقسيط, وبيت أو شقة اشتراها بالتقسيط, وربما استراحة بالتقسيط, وهكذا راتبه مجموعة من الديون، وهذا لا شك أنه ضار بالإنسان، يفقد الإنسان كثيراً من الحوافز ومن الطموح ويثقل كاهله، والدين هم بالليل ذل بالنهار، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من المأثم والمغرم, كما في الصحيح عن عائشة وسألته فقال: ( إن الرجل إذا غرم حدث فكذب, ووعد فأخلف )، وترى الإبداع ممكن جداً في هذا الجانب، وسائل وطرق من شأنها أن توجد ألواناً من التعاون والتكافل تعفي الناس من تبعات كثرة الديون وكثرة الشراء بالتقسيط، لكن يشتري الإنسان للحاجة.

    ومما يقوي ويعزز جانب الإذن أيضاً في مثل هذه المعاملة: أنه غالباً الإنسان لا يجد من يقرضه قرضاً حسناً اليوم، والمجتمعات الإسلامية -مع الأسف- متخلفة، ومن تخلفها أنها ما استطاعت أن تبتكر ألواناً وأنماطاً من التكافل والتعاون بين أفرادها تعفيهم من مثل هذه الأشياء، فلما يكون عند الناس هذه الضرورة العامة من الصعب أن يغلق عليهم هذا الباب، والشريعة جاءت بمراعاة حوائج الناس ومصالحهم.

    1.   

    حكم فرض عقوبات على تأخير سداد القسط

    ثانياً: إذا تأخر المشتري في السداد فإنه لا يجوز إلزامه بالزيادة، بعض البنوك -مثلاً- إذا تأخر سداد قسط أو أكثر ضاعفوا عليه المبلغ، ولا شك أن هذا من الربا، بل هذا من ربا الجاهلية في الواقع.

    فأما إن كان البنك أو البائع يأخذ الزيادة لنفسه فهذا لا إشكال فيه إطلاقاً، بعض البنوك احتالت على هذا وقالت: نأخذ الزيادة من الشخص ثم لا نتملكها, وإنما نصرفها -مثلاً- إلى جهة خيرية، لماذا؟ قالوا: نأخذها منه من أجل أننا نؤدبه ونضطره إلى أنه يسدد، ونصرفها إلى جهة خيرية حتى لا نكون وقعنا في الربا، وهذه المسألة محل نظر وتردد، ولكني أميل إلى منعها لسبب, وهو أنها ذريعة قريبة جداً إلى استباحة الأمر الآخر الذي هو أن يأخذوا هذا الأمر ويملكوه هم.

    النقطة الثانية إذاً: الزيادة في المال أو الزيادة في القسط مقابل التأخير لا تجوز.

    النقطة الثالثة: أنه تجوز معاقبته بغير الزيادة، مثلاً: يجوز أن البنك أو المؤسسة تعلن -مثلاً- أن فلاناً بحكم أنه تأخر في السداد فإنه لا يتم التعامل معه بعد ذلك، يعني: يصبح اسمه في القائمة السوداء, أو ما أشبه ذلك من التأديب أو العقاب المعنوي الذي لا يترتب عليه زيادة.

    كذلك يجوز للبائع أن يشترط حلول الأقساط المتبقية مقدماً، يعني: في حالة تأخير -مثلاً- يقول مثلاً: إذا أخرت القسط الذي في شهر رمضان فإن القسط الذي في شوال أو ذي الحجة أو ذي القعدة يتقدم مثلاً، فهذا لا بأس به؛ لأنه ليس فيه زيادة مال, وإنما فيه نوع من التعجيل، فهذا لا بأس به.

    1.   

    حرمة بيع ما لا يملكه الإنسان والمخرج من ذلك

    النقطة الرابعة: قضية التملك، أنه الأصل أن يبيع الإنسان ما يملك كما ورد ومر معنا في شروط البيع، حديث حكيم : (لا تبع ما ليس عندك)، هذا سبق أن بحثناه وأشرنا إليه، لكن نقول: الأصل أنه يبيع ما يملك، ولكن لا مانع من إجراء ما يسميه الفقهاء بالمواعدة؛ لأن المواعدة ليست بيعاً، فيكتبون عليه تعهداً أو إذناً أو أمراً بالشراء أو ما سموه, يعني: أنه يريد سيارة بهذه المواصفات, ثم يقومون هم بشرائها بناءً على هذا التعهد, ثم يقومون بعد ذلك بإجراء عملية البيع.

    1.   

    حكم المماطلة في أداء الأقساط

    النقطة الخامسة: أنه تحرم المماطلة بالنسبة للمشتري بالتقسيط، فإنه لا يجوز له أن يماطل لا فرداً ولا بنكاً ولا غيره، بل يجب عليه أن يسدد الأشياء في وقتها.

    1.   

    حكم احتفاظ البائع بملكية المبيع

    النقطة السادسة: أنه لا يحتفظ البائع الأصلي بملكية المبيع، ولكن يحق له رهنه والتحفظ والاحتياط لماله بما يمكن، ولكن الملكية هي تنتقل للمبيع.

    أما هل يبقى باسم المبيع أو لا يبقى؟ هذه مسألة ما هو بالضرورة أنها هي الدالة على التملك والبيع؛ لأن وضع اليد والاستعمال هو الدليل على الملكية أيضاً، فأحياناً قد تظل السيارة باسم البائع الأصلي -مثلاً- أو البيت لاعتبارات خاصة, خصوصاً في بعض الدول التي قد يكون فيها قوانين ما تحمي البائع في مثل هذه الحالة، فهذا أمر محل اجتهاد.

    1.   

    حكم بيع وشراء أسهم الشركات

    النقطة السابعة التي سوف نشير إليها الآن: ما يتعلق ببيع وشراء أسهم بعض الشركات العامة، مثل شركة الاتصالات أو الكهرباء أو غيرها.

    ولعلكم لاحظتم أسهم الاتصالات التي تم الاكتتاب فيها قبل مدة، وربما جرى فيها نوع من الخلاف بين بعض طلبة العلم.

    وطبعاً: هذا اللون أيضاً لون جديد من المبايعات، والذي نقول به ونفتي به جواز شراء أسهم هذه الشركات إذا كان نشاطها الأصلي مباحاً، مثل الكهرباء .. الكمبيوتر .. نفط .. اتصالات .. خدمات .. أغذية .. ملبوسات .. من المصالح العامة؛ لأن هذا هو أصل نشاط الشركة.

    البعض قد يعترضون باعتراضين:

    الأول: وجود -أحياناً- نوع من المعاملات الربوية داخل الشركة، وقد يكون واحداً أو اثنين أو (3%)، لكن بعضهم يقول لك: يا أخي! هل تبيح (1%) من الربا؟

    فالجواب على هذا الإشكال: أن هذا اللون من الربا الذي يقع في الشركات هو خارج عن قانون الشركة أصلاً، يعني: هذا اللون عام موجود في المجتمع كله، نظام الدول .. نظام الدولة نفسه يقتضي مثل هذا العمل، يعني: الشركة -مثلاً- هي جزء من نظام عام في المجتمع والدولة، الأموال التي عندها -مليارات- أين تودعها؟ لابد أن تودعها في البنك، ما هناك قول آخر.

    طيب, أودعتها في البنك، البنك يصرف فوائد, هل يملك حتى مدير الشركة -لو كان أكبر فقيه هو مدير الشركة أو رئيسها- هل يملك التخلص من هذه الفوائد؟ لا يملك، لو تخلص منها دفع من جيبه مقابلها.

    إذاً: هي كشركة ليس له خيار في مثل هذه المعاملة في الأصل طبعاً، قد يكون أحياناً بعض الشركات فيها تفريط أو تقصير، لكن الأصل أن هذه الشركات العامة الكبرى ليس لها خيار في ظل النظام المصرفي العالمي والعربي والمحلي أنها لا تستطيع أن تنفرد بنظام خاص، ليست هي دولة مستقلة تضع نظاماً، وإنما هي جزء من الوضع العام، فمثل هذه الأشياء لا ملكية ولا تصرف لها فيها. هذا أولاً.

    وأيضاً نقول -هذا الجواب الثاني-: إن المشاركة في هذه الشركات لا يعني إباحة هذا الربا، لماذا؟

    لأنه يلزمك أنت المساهم أو المكتتب التخلص من قدر الربا، فإن لم تعلم قدره بالضبط فإنك تتحرى القدر وتتخلص منه، فحينئذ لم تكن أكلت الربا أنت، وإنما تم صب ذنوب من ماء على بول الأعرابي، فتح الله عليه، تم صب ذنوب من ماء على بول الأعرابي وحصلت المصلحة واندفعت المفسدة.

    بينما لو قلنا بعدم الاكتتاب ما الذي سيحصل؟ هل يقبل أحد من الناس أن يتم إلغاء هذه الشركات مثلاً؟ لا يمكن، حياة الناس قائمة عليها، الهاتف .. الإنترنت .. الاتصالات .. الجوال، أو مصالح الناس الاقتصادية .. الأكل .. الشرب .. اللباس .. الكهرباء، هل يقول أحد بإلغاء هذه الشركات؟ ما يقول به أحد إطلاقاً. طيب.

    إذاً: ماذا نصنع بها؟ نقول للكفار: يكتتبون فيها مثلاً؟ أيضاً هذا كلام غير منطقي، فلم يبق إلا الحل الآخر، وهو: أن يتم المساهمة والاكتتاب والمشاركة فيها، وأن يتخلص الإنسان، وهذا أيضاً -وإن كان هو شراً في ذاته وجود هذه الأشياء- إنما ربما يكون بالمقابل كون الإنسان يتخلص من قدر من الربح ربما ينفع الله تعالى به في بعض المجالات والطرق الخيرية.

    أيضاً الاحتجاج الثاني: البعض قد يقول: إنه يوجد في أنشطة هذه الشركات أيضاً وأعمالها أشياء غير جائزة شرعاً، مثل بعضهم يحتجون في شركة الاتصالات بنظام السبعمائة هذا، رقم السبعمائة، أنه هذا قد يكون فيه أحياناً إهداءات، فيه أغان.. إلى آخره.

    أقول: هذا صحيح، ولكن أيضاً دعونا نسأل كمثال: هل تملك شركة الاتصالات أنها تمنع الناس أو تفرض على الناس كيفية استخدامهم للهاتف وللخدمة؟ هل تستطيع أن تراقب الناس وتقول: الواحد الذي غازل -مثلاً- نقطع عنه التلفون؟ الإنسان الذي يستخدم الإنترنت استخداماً سيئاً نمنع عنه الخدمة؟ أو شركة الكهرباء تقول: الإنسان الذي يستخدم الدش -مثلاً- والقنوات الفضائية استخداماً سيئاً نقطع عنه الكهرباء؟ هل هذا الأمر متاح وممكن لهم وضمن حدود مسئوليتهم؟

    الجواب: لا، هم لا يملكون، يقولون: نحن نملك توفير الخدمة، لكن كيف يتصرف فيها هذا أمر خارج اختصاصنا، ممكن يستخدمها في خير .. في دعوة .. في فتوى، أو في شر.

    الأمر الثاني: أنهم ليسوا جهة إذن أو ترخيص أو رقابة، يعني: لو أن إنساناً يريد أن يضع -مثلاً- برنامجاً يفترض أنه هناك جهة تعطي الأذونات أو تمنع كوزارة الإعلام مثلاً، بحيث إذا أراد إنسان أنه يضع الخدمة هذه لإهداءات أغان يأخذ موافقة من وزارة الإعلام، بحيث تمنعه أو توافق، أما الوزارة الأصلية أو الشركة -شركة الاتصالات- فهي مهمتها توفير الخدمة ليس أكثر، مع -كما قلنا- أنه يقدر الإنسان حجم الربح الذي جاء عن هذا الطريق ويتخلص منه، وإذا لم يعرف بالضبط فإنه يحتاط ويتحرى. وهذا الكلام طبعاً يندرج على شركات أخرى.

    1.   

    الأسئلة

    حكم توكيل المرأة غيرها في رمي الجمرات مع قدرتها

    السؤال: يقول: وكلت عن رمي الجمرات أنا ومجموعة من النساء معي ثم طفنا طواف الوداع، فماذا يلزمنا، مع العلم أن تلك النسوة منهن من هي قادرة؟

    الجواب: أرى أنه لا يلزمكم شيء، وأنه لا بأس أن توكل المرأة حتى لو كانت قادرة، فليس من المصلحة أن تذهب المرأة -حتى لو كانت قوية وشابة- لتزاحم الرجال هذا المزاحمة التي تصل إلى حد الالتصاق, كما هو واضح، وأنت تستغرب من ناس أحياناً عندهم غيرة شديدة ما يسمح لزوجته أنها تذهب إلى السوق، ثم يذهب بها إلى الجمرات ويدفع بها في وسط المعمعة! هذا شيء غريب.

    حكم نشر العلم والدعوة مقابل مبلغ من المال

    السؤال: يقول: بعض طلبة العلم يقومون بدورات علمية أو محاضرات مقابل مبلغ معين، ويبدي إنه تحفظ؛ لأنه هذا ربما يؤثر على البركة أو يقلل من العلم والمعرفة؟

    الجواب: هذا صحيح، ولكن أنا أرى أنه لا بأس به كلون من المناشط في بعض المجالات التخصصية, مثلما قلنا قبل قليل في موضوع حفظ الحقوق.

    النقطة الثانية: وهذا أتكلم فيه عما يخصني أنا شخصياً, أنا شاركت مرتين فقط في مثل هذه الدورات، وربما يعرف الأخ أنه الحمد لله الإنسان يبذل من وقته الكثير دون أن ينتظر شيئاً من الناس، لكن أحياناً الإنسان يجد الطريق أمامه مغلقاً في المحاضرات والدروس وكذا، فيقول: بدلاً من الانتظار يبحث عن أي سبيل يعطيه فرصة أن ينفع الناس حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بنوع من تيسر الأسباب، فإذا وجد مثل هذه الدورات قال: ربما هذه فرصة أنه يقدم للناس فيها شيئاً، لا يمكن أن يتم من خلال محاضرة، فالمقصود هنا هو نوع من الالتفاف على الموضوع بتقديم بعض الخير وبعض الخدمة للناس، وإلا فملاحظة الأخ جيدة.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت.