إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - باب المواقيت -1

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - باب المواقيت -1للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مواقيت الحج نوعان: زمانية ومكانية، فالمكانية نص الشارع على أن: ميقات أهل اليمن يلملم، وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وميقات أهل الشام الجحفة، وميقات أهل نجد قرن المنازل، وميقات أهل العراق ذات عرق، وكذا قاطنو المواقيت أو من مر منها من غير أهلها، فهي ميقات لهم أيضاً، ومن سافر جواً فإنه يحرم إذا حاذى الميقات الذي يمر منه

    1.   

    المواقيت المكانية

    قال المصنف رحمه الله: [ باب المواقيت ].

    المواقيت: جمع ميقات، وهو وقت العبادة أو مكانها.

    والمواقيت عند العلماء فيما يتعلق بالحج، وطبعاً معروفة في الشريعة: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، ووقت النبي صلى الله عليه وسلم، وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات:11]، يعني: ضُرب لها أجل معلوم، وقد جاءت المواقيت في القرآن الكريم بالمعنى الزماني ولا أعلم أنها جاءت بالمعنى المكاني في القرآن

    فالمواقيت في الحج نوعان: مواقيت زمانية، ومواقيت مكانية.

    بدأ المصنف رحمه الله تعالى بالمواقيت المكانية، فقال: [ ميقات أهل المدينة ذو الحليفة ]، إذاً: المواقيت المكانية من حيث تعريفها لم يعتن به الفقهاء كثيراً؛ لأنها معروفة، ويمكن أن نعرفها باختصار أن الميقات المكاني هو: المكان المعين شرعاً لابتداء الإحرام، والإحرام: هو الدخول في النسك.

    وهذه المواقيت المكانية منصوص عليها في غير ما حديث، وأشهر هذه الأحاديث ما رواه ابن عباس رضي الله عنه وخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن، ثم قال صلى الله عليه وسلم: هن لهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة يهلون من مكة )، هذا حديث ابن عباس عند البخاري ومسلم .

    ومثله حديث ابن عمر أيضاً عندهما، وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن -ذكر هذه الثلاث- ثم قال ابن عمر رضي الله عنه: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل أهل اليمن من يلملم )، فذكر هذه المواقيت الأربعة، والحديث أيضاً متفق عليه كما ذكرت.

    أذكر عن شيخنا الشيخ: صالح البليهي رحمة الله عليه: أنه كان يلقننا في الصغر بيتاً جمعت فيه المواقيت الأربعة مع الميقات الخامس الذي هو ميقات أهل العراق، يقول:

    عرق العراق يلملم اليمن وبذي الحليفة يحرم المدني

    للشام جحفة إن مررت بها ولأهل نجد قرن فاستبن

    ذو الحليفة ميقات أهل المدينة

    الميقات الأول: ميقات ذي الحليفة وهو ميقات أهل المدينة، هذا الميقات يبعد عن المدينة قيل: ستة أميال أو سبعة أو أربعة أميال، والشيء الطريف أن السمهودي في تاريخ المدينة المنورة قال: قد اختبرت ذلك -يعني: المسافة ما بين المدينة وبين ميقات ذي الحليفة - قد اختبرت ذلك فكان من عتبة باب المسجد النبوي المسمى باب السلام -هذا باب مسجد المدينة - إلى عتبة مسجد الشجرة، مسجد الشجرة أين هو؟ في ذي الحليفة معروف، بـذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع ونصف ذراع بذراع اليد. والحقيقة وأنا أقرأ هذا النص أصابني غبن شعور بأن أولئك العلماء على رغم عدم توفر الوسائل لهم، يعني: هذا رجل جلس يذرع المسافة بيده أو جعل من يذرعها بيده وهو يشرف على هذا العمل، لكن تأتي إلينا الآن مع توفر الوسائل وتقدمها، وتسأل: كم بين المسجد النبوي وذي الحليفة بالكيلو متر؟ لا أحد يعطيك معلومات دقيقة، حتى الكتب يندر فيها مثل هذه المعلومات المسحية القائمة على معاينة، وهذا الذي ذكره السمهودي أقل من خمسة أميال، وقد وجدت أن الشيخ أحمد الشرباصي رحمه الله ذكر: أنها تبعد عن المدينة نحو ثمانية عشر كيلو متر.

    ويبدو أن هذا الأمر تقريبي ليس على سبيل الدقة، والتقديرات كما ذكر ابن تيمية وغيره رحمهم الله تتفاوت بتفاوت الطرق واختلافها، فقد يكون ما بين المدينة وذي الحليفة أو ما بين ذي الحليفة ومكة وهكذا بقية المواقيت يكون هناك أكثر من طريق، فبعضهم يقيس من هذا الطريق وبعضهم يقيس من ذاك، ولهذا يقع تفاوت في حساب المسافة.

    أما بعد ذي الحليفة الذي هو ميقات أهل المدينة عن مكة فهو أبعد المواقيت كلها على الإطلاق عن مكة، ولذلك قال المتقدمون: إنها تبعد عن مكة عشر مراحل. ويقول فضيلة الشيخ عبد الله البسام حفظه الله: إن المسافة بين ذي الحليفة ومكة أربعمائة وثلاثون كيلو متر، وهي تقع بطبيعة الحال شمال مكة، وتقع إلى الجنوب الغربي من المدينة المنورة، وتعرف الآن عند العوام بـأبيار علي سبة إلى أسطورة أو خرافة أن علياً نزل في ذلك البئر وقاتل الجن فيه، وهذه خرافة، وعلي رضي الله عنه غني عنها وشجاعته مما لا تحتاج إلى دليل.

    الجحفة ميقات أهل الشام

    الميقات الثاني: الجحفة، والجحفة قرية كبيرة كانت عامرة ثم انجرفت معالمها وانتهت حتى لا تعرف الآن على وجه التحديد، وهي تقع في الشمال الغربي لـمكة على بعد حوالي مائة وسبع وثمانين كيلو متراً عن مكة، وهي على ساحل البحر الأحمر الشرقي، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب كما ذكره الشافعي وغيره، والناس لا يحرمون من الجحفة وإنما يحرمون من رابغ، ورابغ شمال الجحفة، والمحرم منها هو كالمحرم من الجحفة، بل هي قبلها إلى جهة البحر، فبعضهم يقول: إن الإحرام من رابغ فيه نوع من الاحتياط للإحرام. وتبعد رابغ حوالي مائتين كيلو متر عن مكة .

    قرن المنازل ميقات أهل نجد

    الميقات الثالث: قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، وينطق بسكون الراء قرن المنازل على الصحيح المعتمد عند العلماء المحدثين والفقهاء وعلماء اللغة، وهو جبل شرقي مكة يشرف على عرفات بينه وبين مكة مرحلتان، ذكر بعضهم: أن ما بين السيل ومكة ثمانين كيلو متراً، وذكر الشيخ البسام أنه ثمانين كيلو متراً، وذكر آخرون أنه أربعة وتسعون كيلو متراً، فالله أعلم ربما يكون هذا بحسب اختلاف الطرق. ولا شك أن قرن المنازل هو أقرب المواقيت إلى مكة، ويسمى اليوم: السيل، ويسمى أيضاً: وادي محرم .

    النووي -رحمه الله- ضبطه -كما ذكرت- بسكوت الراء: قرن المنازل، وقال: هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم والمحدثين والفقهاء وأهل اللغة، وغلط الأئمة الإمام الجوهري صاحب الصحاح في اللغة العربية؛ لأنه ضبطه بفتح الراء وقال: إن أويس القرني الذي ورد في مسلم خبره أنه من هذه القرية، والصواب: أن أويس من قبيلة قرن من مراد كما هو واضح في السياق النبوي، وأن هذه البلدة أو هذه القرية هي بسكون الراء كما ذكرت.

    يلملم ميقات أهل اليمن

    الميقات الرابع: هو يلملم، وهو ميقات أهل اليمن وتهامة والهند ومن كان على مسامتتهم وهو جبل من جبال تهامة جنوب مكة على مرحلتين منها، فكأنه يكون في بعد السيل تقريباً، ولذلك نقول: هو ما بين ثمانين إلى خمسة وتسعين كيلو متراً عن مكة .

    ذات عرق ميقات أهل العراق

    أما الميقات الخامس فهو: ذات عرق، وهو ميقات أهل العراق وخراسان وما وراء النهر وسائر من بجهة المشرق، وذات عرق حد بين نجد وتهامة، فهو على نحو مرحلتين من مكة أيضاً، مثل السيل ومثل يلملم، وتقع إلى الشمال الشرقي من مكة، وهو الآن يسمى عند العامة: بـالضريبة، وهو على محاذاة قرن المنازل، وفي بعده أيضاً حوالي ثمانين كيلو متراً كما حدده الشيخ عبد الله البسام في كتاب تيسير العلام .

    وقد جاء تحديد ذات عرق في حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والنسائي وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل العراق ذات عرق )، ولكن هذا الحديث وإن صححه جماعة إلا أن الأقرب أنه ليس بقوي، ولذلك أنكره الإمام أحمد على أفلح بن حميد أحد رواته وأعلّوه .

    والصحيح في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: [ لما فتح هذان المصران -يعني: الكوفة والبصرة - جاءوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل نجد قرن المنازل، وإن قرناً جور عن طريقنا -يعني: بعيدة أو شاقة ليست على طريقهم- فقال لهم عمر رضي الله عنه: انظروا حذوها من طريقهم، فوقّت عمر رضي الله عنه أو حد لهم ذات عرق ]، هذه رواية البخاري .

    وفي بعض الروايات: أنهم نظروا واختلفوا ما بين ذات عرق أو غيرها، فحدد لهم عمر رضي الله عنه ذات عرق .

    إذاً نقول: إن الراجح أن هذا التحديد اجتهاد من عمر رضي الله عنه باعتبار أن ذات عرق محاذية لـيلملم ومحاذية لـقرن المنازل، وإن كان كثير من العلماء كالحنابلة والحنفية وكثير من الشافعية قالوا: إن تحديد ذات عرق هو بنص من النبي صلى الله عليه وسلم، لكني رأيت المحققين والمتقدمين من الأئمة والشافعي نفسه رضي الله عنه كما في كتاب الأم : ينصون على أن تحديد ذات عرق كان اجتهاداً من عمر رضي الله عنه، لم يأت فيه نص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. واجتهد بعضهم وقالوا: كان هناك نص وكان هناك اجتهاد وهذه من موافقات عمر، والذي يظهر لي أن الأمر كان اجتهاداً من عمر رضي الله تعالى عنه، ولذلك ابن عمر رضي الله عنه مع أنه ذكر قصة أهل العراق لم يذكر الحديث المرفوع، ولا أن عمر احتج به، بل إن ابن عمر قال: لم يكن عراق يومئذٍ. قالوا له: في العراق ؟ قال: لم يكن عراق يومئذ، يعني: ما كان هناك مسلمون في العراق .

    الخلاف في اعتبار جدة ميقاتاً

    بقي عندنا نقطة أخيرة في موضوع المواقيت المكانية، ولا بأس من إيرادها من باب العلم والاطلاع. هل جدة ميقات أم ليست ميقاتاً؟ طبعاً من المعلوم أن جدة عن مكة هي أبعد من السيل أو يلملم أو غيرها من حيث المسافة، ولكنها واقعة في داخل ميقات وهو الجحفة، ولذلك كان جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين لا يرون جدة ميقاتاً للحجاج، إلا أنه روي عن مالك رضي الله عنه أنه يرى جدة ميقاتاً لأهل البحر، الذين يأتون مثلاً من أفريقيا أو غيرها عن طريق البحر، فقد روي عن مالك رحمه الله روايات عديدة أنه يقول: لا يحرمون في البحر، فهل المعنى أنهم لا يحرمون في البحر يعني: إذا وصلوا جدة ذهبوا إلى الميقات وأحرموا منه؟ أو معنى ذلك أنه رخص لهم في ترك الإحرام حتى يصلوا إلى جدة ؟ الأقرب من نصوصه هو الثاني: أنه يرى أن لهم أن يتأخروا في الإحرام حتى يصلوا إلى جدة، وهذا في شأن من يأتي من أفريقيا أو غيرها عن طريق البحر، والجمهور الأئمة الثلاثة والرواية الأخرى عن مالك هي خلاف هذا القول.

    وهذا بالنسبة للمتقدمين، ونصوص الفقهاء كانت متكاثرة.

    أما المعاصرون فقد ذهب جماعة منهم -وخصوصاً من المالكية- إلى مثل هذا، فالشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله وهو من أكابر العلماء والفقهاء ذكر الاختلاف في هذا، ورجح الإحرام من جدة كما ذكرنا وغيره .

    صفة الإحرام للمسافرين في الجو

    الأمر الثاني: الإحرام لأهل الجو الذين يأتون بالطائرة، فهذا أيضاً أمر حادث، ولم يكن موجوداً عند المتقدمين، واختلف فيه الفقهاء المعاصرون، وجمهور الفقهاء فيما يظهر لي جمهور فقهاء المذاهب الأربعة يرون أن الذي يأتي بالطائرة حكمه حكم الذي يأتي بالسيارة، يجب عليه أن يحرم إذا حاذى الميقات، وما معنى المحاذاة حينئذٍ؟ إذا مر بأجواء الميقات -إن صح التعبير- وجب عليه الإحرام، وقد كتب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى في ذلك رسالة سماها: بيان خطأ من جعل جدة ميقاتاً، وهي مطبوعة ومنشورة، وأصدر المجمع الفقهي في جدة في دورته الخامسة أظن المنعقدة في سنة ألف وأربعمائة واثنين في ربيع الأول أصدر قراراً بالأغلبية على أن الذين يأتون بالطائرة يجب عليهم أن يحرموا إذا حاذوا الميقات، وذكر تفصيلاً في أحوالهم، لكن هذا الذي خلص إليه ذلك القرار، وكان فيه مجموعة من العلماء.

    القول الثاني في المسألة: أن أهل الجو يحرمون إذا نزلوا إلى الأرض في أي مكان نزلوا سواءً نزلوا في جدة أو في غيرها، وهذا الذي أفتى به مجموعة من الفقهاء المعاصرين منهم من ذكرت الشيخ الطاهر بن عاشور والشيخ محمد الحبيب بن الخوجة وهؤلاء من فقهاء تونس الأكابر، والشيخ عبد الله التنون وهو من فقهاء المغرب، والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود وهو معروف من شيوخ قطر رحمهم الله جميعاً والشيخ عبد الله الأنصاري أيضاً، وكذلك لجنة الفتوى بالأزهر، والشيخ مصطفى الزرقا والشيخ فقيه كبير من فقهاء الشام من سوريا وهو عالم جليل عضو في المجمع الفقهي وغيره من المجامع العلمية، وقد كتب في ذلك رسالة مطولة وانتصر فيها انتصاراً كبيراً لهذا الرأي وإن كان اجتهاده محل الاحترام، وذكر من الأدلة شيئاً كبيراً.

    و يبقى القول الثاني الذي يرى أن المسافر بالطائرة مثل المسافر بالبر يبقى له قوة الدليل؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( هن لهن ولمن مر عليهن )، فإنه يقال: إن الذي يأتي بالطائرة قد مر على هذه المواقيت، وكذلك قول عمر رضي الله عنه: [ انظروا حذوها من طريقكم ] فإنه يدل على أن المحاذاة معتبرة، والمحاذاة في الجو نظير المحاذاة في البر، ولذلك أميل إلى القول الذي عليه الأكثرون وهو: أن المسافر بالطائرة يحرم في الطائرة إذا حاذى الميقات، وهذا الذي عليه أكثر المجامع الفقهية كما ذكرت وصدر فيه قرار أيضاً من هيئة كبار العلماء.

    مكان ميقات ساكني المواقيت ومن يمر منها

    قال المؤلف رحمه الله: [ فهذه المواقيت لأهلها ولكل من يمر عليها ].

    أما أنها لأهلها فهو ظاهر، يعني: المدني يحرم من ذي الحليفة، والنجدي يحرم من قرن المنازل، واليمني يحرم من يلملم إذا مر بها.

    وأما قوله: [ ولمن مر عليها ].

    يعني: من غير أهلها، كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتفق عليه.

    ثم هاهنا إشكال: إذا مر الإنسان بالميقات وميقاته وراءه، يعني: لو أن رجلاً من أهل الشام ذهب إلى المدينة ثم مر بـذي الحليفة، وميقاته أمامه، هل يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة بحكم أنه أصبح كأهل المدينة، أو نقول: يجوز له أن يتجاوز ذا الحليفة ويحرم من الجحفة أو من رابغ ؟

    هذه المسألة فيها اختلاف بين أهل العلم:

    الحنفية والحنابلة أيضاً يقولون: لو مر بميقات وميقاته بعده فإحرامه من الميقات الأبعد من مكة أفضل، يعني: إحرامه من الميقات الأول أفضل وأحوط؛ لأنه استغرق فيه وقتاً للعبادة؛ ولأنه أحوط وأبرأ للذمة. وهذا قول أبي حنيفة وأحمد وتقريباً نقول: هو قول المالكية، وإن كان المالكية عندهم بعض التفصيل.

    القول الثاني للشافعية يقولون: إنه يجب عليه أن يحرم من الميقات الأول، واستدل الأولون -الذين هم الأحناف- بعموم الأحاديث الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن )، كما استدلوا بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر وهذا سند صحيح بل هو سلسلة ذهبية: [ أن ابن عمر رضي الله عنه أهل من الفرع ]، وهو في الموطأ والفرع: مكان بين ذي الحليفة وبين مكة، فقالوا: هذا دليل على أنه يجوز له أن يتجاوز ميقاته وأن يحرم من الميقات الآخر.

    والاستدلال بأثر ابن عمر فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون ابن عمر لم ينو الإحرام إلا آنذاك، وأن نقول: إن الفرع ليس ميقاتاً لأهل المدينة وابن عمر من أهل المدينة فكان حقه أن يحرم من ذي الحليفة، إلا أن يكون معذوراً في ذلك وهو ظاهر.

    فالاستدلال إذاً بأثر ابن عمر ليس بقوي، لكن يبقى أن عموم حديث ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما يدل على أنه يجوز له أن يترك ميقاتاً ليحرم من الميقات الذي بعده؛ لأنه لو أحرم من الميقات الآخر لا نقول: إنه جاوز الميقات بغير إحرام.

    والله تبارك وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله...