إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - مقدمة -1

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - مقدمة -1للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو يجب على البالغ العاقل المستطيع مرة واحدة في العمر، واختلف في حكم العمرة وإن كان الأفضل هو أن لا يتركها الإنسان إما مع حجه أو منفردة عن ذلك، كما اختلف العلماء في اشتراط المحرم مع المرأة، والصحيح وجوب ذلك وليس شرطاً لصحة حجها، والاستطاعة تكون بالزاد والراحلة وآلتهما.

    1.   

    تعريف الحج

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    الحقيقة قبل بضع سنوات كنت بدأت في شرح كتاب عمدة الفقه للإمام ابن قدامة المقدسي، وانتهينا من كتاب الطهارة وكتاب الصلاة.

    وهناك عدد من الإخوة يتمنون ويطلبون أن يكون هناك استمرار لهذا الكتاب، وأرجو الله تعالى أن ييسر ذلك في المستقبل، لكني رأيت بمناسبة الحج ومجيء الإخوة ورغبة اغتنام هذه الفرصة أن نبدأ بشرح كتاب الحج من عمدة الفقه الذي أشرت إليه، ولعلنا خلال هذين الأسبوعين أرجو أن نتمكن من إنهاء هذا الجزء من الكتاب أو أخذ قدر كبير منه، بحيث يكون في مناسبة الحج وموسمه مناسباً، وسأحرص على استخدام الطريقة نفسها التي كنت استخدمتها، وهي عرض متن الكتاب أو نصه بشيء من الشرح المختصر، وذكر الأقوال على سبيل الإجمال، وذكر الأدلة على سبيل الإجمال أيضاً، وذكر القول الراجح أو القول المختار من هذه المسائل، وعدم الاستطراد بتفاصيل أو مسائل فرعية مما هو موجود في مظانه من كتب الفقه المطولة؛ لأن هذا قد يطول ونستطرد فيه، وكانت طريقتنا في الشرح آنذاك أن يكون الشرح مختصراً.

    فنبدأ باسم الله مستعينين به جل وعلا في كتاب الحج.

    الحج في اللغة كما هو معروف هو: القصد، قصد الشيء أو التردد إليه والذهاب إليه مرة بعد مرة، هذا هو أصل هذه الكلمة في اللغة العربية، وكل اشتقاقاتها تعود إلى هذا المعنى.

    فمثلاً: الحج سمي حجاً؛ لأنه قصد بيت الله الحرام، ومنه أيضاً سميت المحجة وهي الطريق؛ لأن الإنسان يستخدمها في ذهابه وإيابه وتردده إلى ما يقصد ويريد، ومنه أيضاً سميت الحُجَّة التي يحتج بها الإنسان إذا كان في مقام مجادلة أو مخاصمة؛ لأنه يقصد إليها ويريدها ويحتج بها، فسميت حجة، ولذلك يقول الشاعر:

    وأشهد من عرف حلولاً كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا

    يحجون أي: يقصدونه ويريدونه، وقيل: إن هذا البيت مدح أو ذم؟ ونحن نختار الأول؛ لأننا نفضل الاشتغال بمعالي الأمور، وكذلك يقول آخر:

    قالت تغيرتمُ بعدي فقلت لها لا والذي بيته يا سلمى محجوج

    أي: مقصود. فالحج إذاً من حيث اللغة هو القصد والإرادة، والفاعل الذي يفعل هذا يسمى حاجاً، ويجمع على حجيج وعلى حجاج، وقد يعبر عن مجموعهم بالحاج، فالحاج يطلق على الفرد الواحد ويطلق على المجموعة أيضاً، كما في قول الله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ [التوبة:19]، فليس المقصود الحاج المفرد هاهنا، وإنما المقصود الحجاج، سقاية الحجاج أو الحجيج، فقد يكون هذا اسم جمع، والعامة كثيراً ما يقولون: الحاج والداج، وهذا قد ورد فيه آثار.

    ونضيف إليها لفظاً ثالثاً من باب المزاوجة كما يسميه أهل اللغة، فيقول العرب: الحاج والداج والزاج، فما معناها، وما الفرق بينها؟

    أما الحاج فهو الذي ذهب بنية لحج بيت الله الحرام أو ما ظاهره ذلك، وأما الداج فهو الذي لم يذهب للحج، ولكنه تبع مثل الخدم والأعوان والسائقين وغيرهم ممن لم يقصدوا الحج، وإنما ذهبوا تبعاً لمصالحهم الدنيوية، وأما الزاج فقال ابن منظور في لسان العرب : هو المرائي الذي حج رياءً وسمعة.

    ومما هو مستطرف أن العوام عندنا يقصدون بالداج معنىً آخر غير هذا ما هو؟

    وهو الفقير الذي ليس عنده شيء، ولعل هذا المعنى مأخوذ من أصل المعنى الذي أشرت إليه، لأن الحاج قد ظفر بالغنيمة وأدرك الأجر، بينما الداج ذهب وحصل التعب والعناء ولم يظفر بشيء من ذلك، وقد راجعتها في بعض كتب اللغة، قلت: لعلي أظفر بمعنى أن يكون الداج يحمل معنى الفقير أو المعدم، وفي حدود ما بحثت لم أظفر بذلك، ولعل أحداً منكم يوافينا به لو وجده.

    إذاً: الحاج يطلق على المفرد ويطلق على الجمع: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ [التوبة:19]، والحج يطلق بالفتح ويطلق بالكسر الحِج، وأيهما جاء في القرآن الكريم؟ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27]، ولذلك القرآن الكريم استخدم اللغتين معاً: الكسر والفتح، وتجد أن الآية الواحدة، مثل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] ورد فيها القراءتان معاً؛ فقد قرأ الكسائي وحمزة وأبو جعفر وخلف وحفص بالكسر: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، وقرأ غيرهم بالفتح: (ولله على الناس حَجُّ البيت)، فقيل: إن بين اللفظين معنى، والذي اختاره سيبويه وهو أفضل: أنهما مصدران بمعنىً واحد، مثلما تقول: رد الشيء يرده رداً، فهذا على وزن: حج يحجُ حجاً، ومثلما تقول: ذكر يذكر ذكراً، فهذا مثل حج يحج حِجاً، هذا من حيث اللغة.

    أما ما يتعلق بالاستعمال الشرعي والعرفي، فإن الحج: هو قصد بيت الله الحرام، قصد مكة في وقت مخصوص بأعمال مخصوصة، فلا يطلق الحج شرعاً على غير قصد مكة، وأما الذين يقصدون المزارات الأخرى كمن يقصد الذهاب إلى المسجد النبوي، مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لقصد الصلاة فيه فهذا لا يسمى حجاً، ولكنه قد يسمى زيارة، وكذلك من باب أولى أن الذين يذهبون إلى المزارات البدعية، كمن يقصدون قبور الأولياء والصالحين والصحابة وأضرحتهم ويطوفون بها ويذبحون عندها وينذرون عندها النذور كما يقع في العالم الإسلامي كثيراً مع الأسف من الطوائف والفرق المنحرفة، بل ومن الفرق المنتسبة للسنة، فيكون الفرق بينهم أحياناً أن هؤلاء يحجون إلى قبر الرضا والكاظم والصادق، والسنة أو من ينتسبون إليها يحجون إلى قبر أبي حنيفة أو قبر الشافعي، فهذا لا شك أنه إضافة إلى كونه من البدع، وقد يقع عند قبور هؤلاء ما هو من الشرك، إلا أنه بطبيعة الحال لا يدخل في هذا الباب أصلاً.

    إذاً: الحج لا يكون إلا إلى بيت الله الحرام، ثم إنه لا يكون إلا لعمل مخصوص، وهو أعمال الحج المعروفة التي تبتدئ بالإحرام ونية الدخول في النسك، وتنتهي بطواف الوداع وما بينهما، فهذا الذي يسمى حجاً، لكن لو ذهب إلى مكة بقصد العمرة مثلاً فإن هذا لا يسمى حجاً، وإن كان بعضهم قد يطلق عليه تجوزاً أنه الحج الأصغر؛ لقوله تعالى: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ [التوبة:3].

    ولكنه لا يسمى حجاً، وكذلك لو ذهب ذاهب إلى مكة لغرض الزيارة.. زيارة قريب أو لغرض التجارة أو لغرض من الأغراض المباحة أو غيرها؛ فإن هذا لا يسمى حجاً، فليس كل من ذهب إلى مكة حاج، وإنما الحاج من ذهب بنية أداء أعمال مخصوصة وفي وقت مخصوص وهي المواقيت الزمانية المعروفة التي لا يكون الإحرام بالحج إلا بها، وستأتي الإشارة إليها والخلاف فيها، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة على المشهور، فهذه هي المواقيت الزمانية، وهذا هو الوقت المخصوص، فهذا هو معنى الحج.

    1.   

    الحج في القرآن الكريم

    القرآن الكريم تكلم عن الحج.. تكلم الله تعالى في القرآن الكريم عن الحج، وذكره في اثني عشر موضعاً، منها ثمانية مواضع في سورة البقرة، ومعروف أن سورة البقرة مملوءة بالجدل والمناظرة والرد على اليهود، فكان مناسباً أن يبين الله سبحانه وتعالى فيها الحج وأحكامه، ومنها قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية هي التي فُرض فيها الحج؛ لأن الله تعالى أمر فيها بإتمام الحج، وأحد المعنيين فيها أن معنى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، يعني: أقيموا الحج والعمرة لله، أدوا الحج والعمرة لله، افعلوا الحج والعمرة لله.

    والوجه الثاني في تفسير هذه الآية: أن معنى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ [البقرة:196] أن هذا مخصوص بمن دخل فيها، يعني: من شرع في الحج أو شرع في العمرة فإنه يجب عليه أن يتم، ويحرم عليه أن يرفض نسكه إلا لسبب معين كما هو معروف في الفوات والإحصار وغيرهما.

    فإذاً: هذه الآية من سورة البقرة قال بعضهم: إنها هي الآية التي أوجب فيها الحج على المسلمين، ولعل الجميع يعرفون أن سورة البقرة مدنية باتفاق العلماء، وهي من أول ما نزل بالمدينة، ولذلك كثر فيها ذكر الحج، وهو كان من شرائع الأنبياء السابقين، وذكر في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، بل وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كما في أحاديث صحاح، وفي بعض الروايات أنه حج مرتين وهذا غريب، والصواب: أنه ما حج إلا مرة واحدة، وقد وقفت قريش بـمزدلفة ووقف هو مع الناس بعرفة.

    فالمقصود: أن الحج كثر وشاع ذكره في السور المدنية بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

    السورة الأولى منها: سورة البقرة كما ذكرت لكم ذلك، والسورة الثانية التي ذكر فيها الحج هي آل عمران، وأيضاً سورة آل عمران نزلت في المدينة، ولكنها متأخرة عن البقرة، والظاهر أن هذه السورة نزل كثير منها بعد مجيء وفد نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم وناظروه وجادلوه وأخذوا معه وأعطوا، فنزلت هذه الآيات، وفيها مخاصمة لهم ومحاجة ومجادلة وإقامة للحجة عليهم، وبيان أن هؤلاء ليسوا على طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولا على منهجه وهديه، وبيان سنة إبراهيم والتوحيد الذي جاء به، وإفراد الله تعالى بالعبادة ورفض الشرك الذي ابتليت به الأمم الكتابية.

    ثم قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:96-97].

    فتجد في هذه الآية الإشارة إلى أن أول بيت وضع للناس هو الذي بـبكة أو بـمكة وهما اسمان للبلد العتيق: مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96]، فهو أول بيت وضع وأقيم وشرع للناس أن يحجوه وأن يطوفوا به وأن يتجهوا إليه.

    فالله سبحانه وتعالى قال: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ [آل عمران:97]، ما هذه الآيات البينات التي في البيت العتيق؟ قال: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]، قال بعضهم: إن مقام إبراهيم هو الآيات البينات: آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]، ومقام إبراهيم معروف، هو المكان الذي قام عليه إبراهيم حينما كان يبني الكعبة، وقد بان على الصخر موطئ قدميه، وهذا من آيات الله تعالى، والظاهر أنه لا يزال موجوداً حتى الآن لمن يرى تلك البنية، وقد أشار إليه أبو طالب في قصيدته المشهورة:

    وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعلِ

    وقال جماعة من السلف: إن الآيات البينات هي المناسك كلها، فيدخل في ذلك الصفا والمروة، ويدخل فيها كل المواضع والمناسك التعبدية التي أقيمت حول البيت، وقد ورد في الحج صلاة ركعتين خلف المقام، وهذا لا شك أن المقصود به مقام إبراهيم عليه السلام، ولم يكن في موضعه الحالي، وإنما كان مجاوراً للكعبة؛ لأنه كان يصعد عليه حين كان يبنيها، لكنه أبعد بعد ذلك لمصالح معينة في بعض الفترات.

    فالمقصود: أن الآيات البينات قد تكون هذه أو تلك، والكثيرون قالوا: إنها تشمل المناسك كلها، وقال مجاهد: (إنها تشمل المناسك كلها) والكثيرون قالوا: إن المقصود بذلك مقام إبراهيم المعروف، وهذا مما فضل الله تعالى به مكة، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] يعني: البيت، ولذلك كان العربي في الجاهلية يرى قاتل أبيه في مكة فلا يهيجه ولا يثأر منه، على رغم أن الثأر كان دماً يجري في عروق العرب؛ لما جعل الله تعالى لهذا البيت ولهذه البنية ولهذه البقعة من القداسة والطهارة والفضيلة، وجاء الإسلام فأكد هذه الفضيلة والقدسية والعظمة، حتى جعل العلماء لهذا البيت أحكاماً مخصوصة تعرف في مواضعها ومظانها من كتب التفسير وكتب التاريخ وكتب الفقه وغيرها، وهذه الفضيلة التي جعلها الله تعالى من كون البيت فيه هذا الفضل، وفيه ذكريات الأنبياء، وفيه هذه البنية المقدسة المباركة التي حجها الأنبياء كلهم خصوصاً بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى موسى ورأى هوداً وغيرهم يحجون هذا البيت، وهذا كافٍ، إضافة إلى ما ورد فيه من الفضيلة وأن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وأن من دخله كان آمناً، وأنه لا يطاف بغيره، وأن فيه هذا المكان الذي يستلم ويقبل، وهو الحجر الأسود، وفيه الركن اليماني، وفيه فضائل جمة، وفيه منى والمشاعر وعرفات ومزدلفة .. هذا كافٍ في فضيلة هذا البيت.

    بعض كتب التفسير وكتب التاريخ وكتب الفضائل قد تستطرد في ذكر فضائل لـمكة ليس لها أصل، ولا دليل عليها، مثل بعضهم يقول: إن الطير لا يعلو البيت صحيحاً ولا يكون فوقه، أو أن الجارح يطلب الصيد فإذا دخل مكة تركه، يكون يلحقه فإذا أوى إلى مكة فإنه يعرض عنه ويتركه، أو قولهم: إن الغيث والمطر إذا نزل على الركن اليماني كان الخصب في اليمن، وإذا نزل على الركن الشامي كان الخصب بـالشام، وإذا عم البيت كله كان الخصب في أرض العرب أو المسلمين كلها، وأن الجمرات ترمى، لا يزال ترمى وتزيد ومع ذلك هي باقية على حالها، وبعضهم يستطرد في ذلك فيذكرون خصائص لمنى وأن الذباب لا يسقط فيها على الطعام، وأن.. وأن..

    هذه الأشياء أولاً: ليس عليها دليل، ولا جاء بها كتاب ولا جاءت بها سنة، والله سبحانه وتعالى قد ذكر لنا من فضائل هذا البيت ما هو لب اللباب وأصل القضية ومقصودها في جمع شمل هذه الأمة على هذه القبلة الواحدة وعلى هذا المكان الواحد، وفي هذه الشريعة التي ورثت شرائع الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، ففي ذلك الكفاية، ففيها الوقوف وفيها الطواف، وفيها الرمي، وفيها النحر والنسائك.

    وأما مثل هذه الأشياء التي تذكر ويظن بعض الناس أن فيها تعظيماً للبيت، فحقيقة هذا مما هي من مداخل أعداء الإسلام، ومن مداخل أصحاب القلوب المريضة والضعيفة على الإسلام وعلى التراث وعلى كتب العلم أن توجد فيها مثل هذه الأشياء التي لا تعتضد بكتاب ولا بسنة ولا بقول صاحب ولا بأثر صحيح، وإنما هي من ظنون الناس وتقولاتهم ومبالغاتهم.

    ومن معاني الأمن في الآية: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] بطبيعة الحال هو الأمن الدنيوي؛ أن الإنسان يأمن فيه على نفسه، والله سبحانه وتعالى يقول: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، وهذا يؤكد الأمن للناس حتى في الجاهلية الأولى حين كان العرب يشتغلون بالسلب والنهب، لم يكن الأمن مستتباً مستقراً عندهم، لكن أيضاً بعضهم قد يستظهرون من معاني الأمن في هذه الآية تأمين الله سبحانه وتعالى لمن يحجون هذا البيت ويقصدونه بنية صادقة، وقد ورد في الصحيح: ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )، فهذا من الأمن؛ أن الله تعالى يطهرهم من الذنوب ويغفر لهم ما فرط ويدخلهم الجنة، ولذلك قال بعضهم: إن من معانيه ألا يدخل النار من دخل هذا البيت، كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] يعني: من دخول النار، وهذا ليس على إطلاقه، فقد جاء في حديث الشفاعة: ( أن المؤمنين يقولون لربهم: هؤلاء إخواننا كانوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويحجون كما نحج، فيقول الله تعالى لهم: أخرجوا من النار من عرفتم )، لكن نقول: إن من دخل البيت بصدق وحجه بنية صالحة ولم يرفث ولم يفسق فله الوعد النبوي، والذي قد يتضمنه الوعد الرباني في كتاب الله تعالى.

    يا رب دعوة اللاجي دعوة مستشعر ومحتاج

    ودع أحبابه ومسكنه وجاء ما بين خائف راجي

    إن يقبل الله سعيه كرماً نجا وإلا فليس بالناجي

    وأنت من قد قصدت رحمته فاعطف على وافد بن حجاج

    ومن المواضع في القرآن الكريم المذكور فيها الحج موضعان في سورة التوبة: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ [التوبة:19] أشرت إليها قبل، والموضع الثاني في سورة التوبة: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ [التوبة:3]، وقد اختلف العلماء في يوم الحج الأكبر ما هو؟ فقال بعضهم: إن يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة؛ لأنه خير يوم طلعت عليه الشمس، وجاء فيه من الفضل ما لم يرد في غيره.

    والصواب: أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ وذلك لأن معظم أعمال الحج تقع فيه؛ من الرمي إلى النحر إلى الحلق إلى الطواف، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحج الأكبر, وفيه نادى المنادي في الناس على ما هو معروف في السنة والسيرة.

    أما الموضع الأخير في القرآن الكريم، فهو في سورة الحج، وهو قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج:27]، وهذه السورة هي السورة الوحيدة من بين السور التي فيها المكي والمدني، فإن البقرة مدنية وآل عمران مدنية، والتوبة مدنية، أما سورة الحج ففيها الآيات المدنية وفيها المكية، أما المدني، فمثل قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] فهذا قد نزل في أول عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بـالمدينة، ولذلك قال: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ [الحج:40].

    أما المكي فمثل قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52].. إلى آخر الآيات، ومعروف ما ورد في هذه الآيات، ولعله يأتي لها مناسبة للكلام المفصل عنها، فسورة الحج فيها المكي وفيها المدني.

    طبعاً في الحج وردت أحاديث كثيرة في فضله، وذكرنا طرفاً منها، وسيأتي كثير منها خلال تضاعيف الحديث، فلا داعٍ لأن نفردها بكلام في أول المناسبة.

    1.   

    حكم الحج والعمرة وأدلتهما

    يقول المؤلف رحمه الله: [ يجب الحج والعمرة مرة في العمر ]، أولاً: (يجب الحج).

    حكم الحج والأدلة على ذلك

    أما وجوب الحج فبالكتاب والسنة والإجماع كما ذكرنا؛ الكتاب: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، قال: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، فدلت الآية على وجوب الحج؛ لأنه قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ [آل عمران:97]، (على) تدل على الوجوب، وأنه من أركان الإسلام ومبانيه العظام، وأجمع العلماء على ذلك قاطبة، فهو من الواجبات الضرورية المتواترة بالنقل القطعي خلفاً عن سلف أن الحج واجب وأنه من أركان الإسلام، ولذلك نقول: من جحد وجوب الحج فهو كافر، لكن لا يلزم من ذلك أن نكفر شخصاً بعينه إلا بعدما تقوم عليه الأدلة وتزول الموانع؛ لأنه قد يكون جاهلاً وقد يكون نشأ في بادية بعيدة أو في صحراء أو في جبل أو في بيئة يغلب عليها الجهل فالتبس عليه الأمر، فلابد من إقامة الحجة وتوفر الشروط وزوال الموانع، لكن نقول: إن جحد وجوب الحج كفر؛ لأنه مجادلة بالقطعي من أمر الدين، فقد نص الله تبارك وتعالى على ذلك في كتابه في غير موضع كما ذكرنا.

    وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، ثم قال سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، أشار الإمام ابن تيمية رحمه الله في هذا في قوله: وَمَنْ كَفَرَ [آل عمران:97] إلى تكفير من أنكر وجوب الحج؛ لأنه جحد بهذه الآية، فيكون قوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، يعني: من كفر بإنكار وجوب الحج وجحد ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب بعض السلف إلى تكفير من ترك الحج مع قدرته عليه لا على سبيل أنه ينوي أن يحج، ولكن سبقته المنية، ولكن على سبيل من لم يقع منه إرادة الحج مع اعترافه بوجوبه، فذهب بعضهم إلى كفره، ونقل هذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، ولكن الصواب الذي عليه الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وهو الرواية الراجحة عن الإمام أحمد أن ترك الحج ليس بكفر، ولذلك تعرفون الأثر المعروف عن عبد الله بن شقيق: (لم يكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة)، إذاً: الزكاة والصوم والحج لم ينقل عنهم أنهم يرون ترك ذلك كفراً.

    فالقول الراجح المختار: أن ترك الحج لا يكفر به، وإنما يكفر بجحد وجوبه، إذاً: الحج من أركان الإسلام وقد تظاهرت عليه النصوص، ومن تركه مقراً به فحكمه ما ذكرنا، هذا الوجوب من حيث الجملة.

    أما من حيث التفصيل: فقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه الحج، بمعنى أن هناك من الناس من يختلف العلماء في أمره هل يجب عليه الحج أو لا يجب؟ فيرى قوم وجوبه، ويرى آخرون عدم وجوبه كما سوف يأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في شروط الحج، وإنما الكلام في أصل وجوب الحج في دين الإسلام.

    الاختلاف في حكم العمرة

    أما وجوب العمرة التي دل كلام المصنف على أنه يرى وجوبها؛ لأنه يقول: [يجب الحج والعمرة]، فظاهر كلام المصنف أن العمرة واجبة أيضاً، بل نص كلامه، ولا شك في مشروعية العمرة وأنها مشروعة بالإجماع، وإنما الخلاف في قدر هذه المشروعية، هل هي تصل إلى درجة الوجوب، أم تقتصر على السنية والاستحباب فقط؟ وللعلماء في هذه المسألة قولان هما روايتان عن أحمد وروايتان عن الإمام الشافعي أيضاً القول بالوجوب أو عدمه، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى عدم وجوب العمرة.

    إذاً: القول بعدم الوجوب هو قول مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد، ورواية عن الشافعي وكأنها المذهب القديم له، والظاهر والله أعلم أن ما ذهب إليه الأكثرون والجمهور هو الراجح أن العمرة غير واجبة؛ وذلك لأن القرآن الكريم نص على وجوب الحج ولم يذكر العمرة في موضع من المواضع، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر وجوب الحج وأكده كما في حديث: ( إن الله كتب عليكم الحج فحجوا )، وحديث: ( بني الإسلام على خمس ) وغيرها، ولم يذكر العمرة، بل في بعضها: ( أن رجلاً قال: يا رسول الله! والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق )، وهذا الرجل لم يظهر أنه سوف يؤدي العمرة.

    وأما الأحاديث الواردة في العمرة فهي قسمان: أحاديث وردت في وجوب العمرة، وأحاديث وردت في عدم وجوب العمرة، وكلها لا يخلو من مقال، وأمثل ما ورد في هذا الباب ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم سألته امرأة: ( يا رسول الله! هل على النساء من جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة )، وهذا الحديث ظاهر سنده أنه جيد رواه أهل السنن وأحمد إلا أن الحديث الآخر عن عائشة رضي الله عنها في البخاري ليس فيه ذكر العمرة، وهو مشهور، قالت: ( يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لَكُنَّ -وفي رواية- لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) ولم يذكر فيه العمرة، وهذا يعكر على لفظ العمرة، خصوصاً أنها لم ترد في رواية النسائي للحديث، فلعل زيادة (العمرة) في الحديث من قبيل الشاذ أو المعلول.

    ويبقى أن الأحاديث الواردة في إيجاب العمرة أو في عدم إيجابها أنها ضعيفة، فنرجع للبراءة الأصلية، وأن الأصل براءة الذمة من إيجاب العمرة، زيادة على أن أعمال العمرة ليس فيها زيادة على ما في الحج، ففيها الطواف والسعي والحلق أو التقصير، وهذه هي أعمال الحج، ولذلك جاء في الحديث: ( دخلت العمرة في الحج )، فهذا فهم بعضهم أنه من هذا الباب، وبعض العلماء قالوا: إنه كما أن الإنسان إذا كان عليه حدث أصغر وأكبر، يدخل الأصغر في الأكبر ويجزئه الغسل عن الوضوء، فكذلك يجزئه الحج عن العمرة، وهذا الذي رجحه جماعة من المحققين واختاره ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وخصوصاً في الفتاوى، فإن ابن تيمية ذكر في غير موضع أنه يرجح عدم وجوب العمرة، بينما في شرحه للعمدة وهو كتابنا، فإن ظاهر طريقته أنه استطرد في أدلة الموجبين ورد على أدلة القائلين بعدم الوجوب، لكنه لم ينص على شيء، ولا شك أنه ذهب رحمه الله بعد ذلك آخر الأمر إلى القول بعدم وجوب العمرة وأنها إنما تستحب من غير إيجاب أو حتم . .

    إذاً: العمرة سنة وليست بواجبة.

    فرضية الحج مرة في العمر

    قوله رحمه الله: [ مرة في العمر ]، هذا إجماع أن الواجب لا يتعدى في الأصل أن يكون مرة في العمر، إلا أن يوجب الإنسان على نفسه شيئاً زائداً عما هو واجب بأصل الشرع، كأن ينذر حجاً أو عمرة، ومعلوم أن النذر يجب به على الإنسان ما لم يكن واجباً في الأصل، ومثله أيضاً أن يكون عليه قضاء، مثلما قال العلماء ونقل عن جمع من الصحابة فيمن جامع زوجته في الحج، يعني: أن عليه في ضمن ما عليه مع الكفارة أن يحج من قابل.

    فإذاً: هناك أشياء قد تجب، وكما اختلف العلماء أيضاً فيمن حج ثم ارتد -والعياذ بالله- هل يجب عليه أن يحج حجة أخرى أو لا، فهناك أحوال يختلف العلماء فيها في إيجاب حجة أخرى على الإنسان، لكن أصل وجوب الحج هو مرة واحدة، ودليل الوجوب هو ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا أيها الناس! إن الله كتب أو فرض عليكم الحج فحجوا، فقام رجل، فقال: يا رسول الله! أكل عام؟ قال: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم ) والحديث رواه مسلم .

    وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه ذكر الرجل وأنه الأقرع بن حابس الذي قال: ( أكل عام يا رسول الله )، وفيه أيضاً اللفظ المشهور: ( ذروني ما تركتكم ).

    1.   

    أقسام شروط الحج

    قال المؤلف رحمه الله: [ على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً ]، هنا دخل المؤلف رحمه الله في مسألة شروط الحج، وعلى سبيل التفصيل والتيسير أقول: يظهر أن شروط الحج يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو ثلاث مجموعات. ‏

    شروط الصحة

    المجموعة الأولى: شروط الصحة التي لا يصح الحج إلا بها، وهي: الإسلام والعقل، فلو أن إنساناً حج وهو غير مسلم؛ فإن حجه باطل، صحيح أننا نقول: إن الحج واجب.. يعني: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكنهم مخاطبون بما هو من شروطها، بمعنى أن الكفار مطالبون بأن يسلموا ويؤمنوا وأن يحجوا ويصوموا ويصلوا ويزكوا، ولذلك يوم القيامة يقول الله: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44]، ولكن لو أنهم فعلوها دون أن يؤدوا شروطها المقررة في الشريعة: من الإسلام وغيرها لم تكن هذه مجزئة، كما أنها لا تجزئ من المسلم لو لم يأت بشروطها، فكما أن المسلم لو صلى بغير طهارة لم تصح صلاته، فكذلك الكافر لو صلى أو حج من غير ما يجدد إيماناً وإسلاماً فإنه لا يقبل منه: وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] وقد حبط عمله.

    إذاً: الإسلام شرط للحج، والكافر لا يقبل منه عمل، بل إن الكافر لا يمكن أصلاً من الحج ولا من دخول البيت، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28]، فقوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [التوبة:28] هذا هو الذي نادى به أبو بكر رضي الله عنه في حجته: [ ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ]، فمنع الكفار والوثنيون والمشركون من دخول البيت ومن الطواف به، فإذا كان الكافر لا يمكن من دخول الحرم ولا من الطواف بالبيت، فمن باب أولى أنه لا يقبل منه الحج، ولكن يجب عليه أن يسلم ويؤمن وأن يحج البيت، فإذا قلنا: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة البعض قد يتساءل ويقول: كيف تقولون: إنه يشترط أن يكون مسلماً ومع ذلك الكافر يعاقب على ترك الحج؟ نقول: يعاقب على ترك الحج وعلى ترك شروط الحج التي أولها: الإسلام.

    إذاً: الإسلام هو الشرط الأول.

    والعقل هو الشرط الثاني، فالمجنون لا يصح منه الحج، وإن كان في هذه المسألة خلاف بينهم، لكن هذا الذي اعتمده المؤلف، ودليل ذلك الحديث الذي جاء من طرق: ( رفع القلم عن ثلاثة ) رواه أبو داود وغيره وحسنه جماعة، وذكر: ( المجنون حتى يفيق )، فهذه شروط الصحة.

    شروط الإجزاء

    المجموعة الثانية من الشروط: شروط الإجزاء، يعني: أن يكون الحج مجزئاً لهم عن حجة الإسلام، وهذان شرطان هما: البلوغ وكمال الحرية، فالصبي الصغير لا يجزئه حجه عن حجة الإسلام، لكن هل يصح حجه؟ نعم يصح حجه، في صحيح مسلم من حديث ابن عباس : ( أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم غلاماً أو صبياً فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر )، فهذا دليل على أن حج الصبي حتى لو كان غير مميز أنه صحيح وله حج، ولوالديه أجر، لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام بالاتفاق، فإذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة أخرى، ومن الدليل على ذلك حديث: ( والصبي حتى يبلغ ).

    وكذلك الحرية، بل نقول: كمال الحرية، فإن العبد القن الرقيق لا يجزئه حجه عن حجة الإسلام، لكن هل يصح حجه؟ يصح حجه، ولكن إذا عتق وجب عليه أن يحج حجة أخرى، حجة الإسلام، وتكون الحجة الأولى نفلاً وتطوعاً؛ وذلك لأن العبد هو في ملك سيده وفي قبضته، وهو يحتاج إليه في أخذه وعطائه وبيعه وشرائه وغير ذلك، ولا يتصرف في نفسه إلا بإذن سيده، وذمته مشغولة فلا يجزئ حجه، قد خالف في ذلك قليل من الأئمة، وأعتقد أن داود الظاهري رأى أن العبد إذا حج أجزأه حجه عن حجة الإسلام، وهذا خلاف ما عليه الجمهور وما نقله بعضهم أيضاً بالاتفاق، ولكن في ذلك الخلاف اليسير الذي أشرت إليه، ولذلك نقول مثلاً: المبعض لا يجزئ حجه، الذي بعضه رقيق وبعضه حر، وهكذا أم الولد، فلا يجزئ حج أحد منهم إلا بعد كمال حريته، فهذان شرطان للإجزاء عن حجة الإسلام، وهما: البلوغ والحرية.

    شروط الوجوب

    أما المجموعة الثالثة، ونسميها مجموعة تسامحاً، وإلا فهي شرط واحد أو عنوان واحد: فهو شرط الوجوب، وهو إضافة إلى ما سبق يعني شرط الوجوب (الاستطاعة): وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، ما هي الاستطاعة؟

    الاستطاعة ثلاثة أشياء أو أكثر من ذلك، يدخل في الاستطاعة:

    أولاً: الزاد، والمقصود بالزاد ما يحتاجه الإنسان في مأكله ومشربه منذ ذهب إلى أن يعود، وما يحتاجه أيضاً أهله وأولاده زائداً عن حاجة أهله وولده وغير ذلك، وأن يكون الزاد لمثله، فإذا كان الإنسان من عادته أن يأكل زاداً طيباً كريماً فيكون الزاد زاد مثله، ولا يلزم بأن يأكل زاد الفقراء والمحاويج والمساكين.

    الأمر الثاني: الراحلة، أي: وجود الراحلة إما استئجاراً أو تملكاً أو غير ذلك، سواءً كان على سيارة أو طيارة أو على بعير أو باخرة بملك أو باستئجار، ويدخل في ذلك أن يكون قادراً على دفع الأجرة، وأن يكون قادراً أيضاً على استخدام هذه الراحلة، فإن كان ممن يميد مثلاً في البحر وهو يركب البحر، أو لا يستطيع أن يستقر على الراحلة لكبر سنه أو لضعفه أو لأنه معضوب كما يقولون؛ فإنه معذور بذلك، إلا أن يكون ممن هم حول البيت، ولا يحتاجون إلى سفر، فهذا يجب عليه الحج ولو لم يكن عنده راحلة.

    وقد ورد في تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال، ولكن هذا ما عليه جمهور العلماء أن المقصود بالاستطاعة الزاد والراحلة.

    ويدخل في ذلك أمر ثالث: وهو الطريق، فيكون هناك أمن في الطريق وقدرة على الذهاب، فلو كان عاجزاً عن الحج بسبب من الأسباب وعنده زاد وعنده راحلة وعنده مال، لكنه لا يستطيع أن يحج، مثلاً: أن يمنع منه أو أكره على البقاء أو كما ذكرنا مرض، أو كان الطريق مخوفاً يخشى فيه على نفسه أو على ماله، ويكون أكثر من يذهب فيه يعطب، فإنه لا يجب عليه الحج حينئذٍ.

    أما الأمر الرابع في الاستطاعة: هو وجود المحرم للمرأة، فيشترط للمرأة أن يوجد لها محرم، والمحرم هو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد، يعني: تحريماً أبدياً، بخلاف زوج الأخت، هو يحرم على المرأة، لكن ليس تحريماً أبدياً، وإنما يحرم عليها ما دامت أختها في عصمته، فلو طلق أختها لجازت له الأخرى، فليس هذا محرماً، خلافاً لما يظنه بعض العوام، فلابد أن يكون تحريماً مؤبداً (بنسب) التحريم بالنسب مثل أن يكون المحرم ابنها أو أبواها أو أخواها أو عمها أو ما أشبه ذلك، فهؤلاء محارم بالنسب، أما المحارم بالسبب فهم أيضاً كالمحارم بالنسب، والمقصود بالسبب الرضاع، السبب المباح كالرضاع فإنه: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) كما قالت عائشة رضي الله عنها، وجاء هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا وجد أخوها من الرضاع أو أبوها من الرضاع أو ولدها من الرضاع، وكان مطاوعاً باذلاً أن يذهب بها إلى الحج وجب عليها الحج، ولو لم يذهب إلا بأن تعطيه مالاً ويكون هذا المال مما يبذله، يعني: ما فيه ابتزاز مما يستحقه مثله وجب عليها بذل المال، لكن لو طلبها بشيء فوق المعتاد فإنه لا يجب عليها بذله.

    الخلاف في اشتراط المحرم للمرأة

    ومسألة وجوب المحرم للمرأة في الحج قد اختلف فيها أهل العلم على قولين:

    القول الأول: وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة : أنه لا يجوز لها أن تسافر للحج إلا مع ذي محرم، وهذا يُستدل له بأحاديث كثيرة، منها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري أحاديث متقاربة في معناها أنه: ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم )، حتى في حديث ابن عباس : ( إنني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وإن امرأتي خرجت حاجة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انطلق فحج مع امرأتك )، ولذلك ذهب الإمام أحمد ومن ذكرنا إلى هذا القول.

    القول الثاني: وهو مذهب الشافعي ومالك أنه يجوز لها أن تذهب إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة، وقد نقل المروذي عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه سئل عن العجوز إذا وجدت رفقة مأمونة هل تحج معهم؟ فقال: إن كانت تستطيع أن تصعد وتنزل بنفسها فأرجو ألا بأس به. فكأن الإمام أحمد على هذه الرواية عنه يرى الترخص للمرأة الكبيرة إذا أرادت حج الفريضة ووجدت رفقة مأمونة من النساء، أو من الرجال المأمونين أن تذهب معهم، ومما استدل به هؤلاء، وهذا الذي اختاره الإمام ابن تيمية رحمه الله ونصره في غير موضع، ومما استدلوا به أو لعل عمدتهم في الاستدلال.

    أولاً: أن المقصود بسفر المرأة بالمحرم هو الأمن، فإذا تحقق لها أمن الطريق مع ذي الرفقة من النساء المأمونات أو الرجال زال المخوف، ولذلك أجمع العلماء كما ذكره غير واحد على أنه لا يحل للمرأة أن تسافر في حال الخوف إذا خافت على نفسها إلا مع ذي محرم، فقالوا: الأمن موجود، ولذلك جاء في الحديث المشهور: ( الظعينة تسافر من الشام إلى بصرى لا تخاف إلا الله ) أو نحو ذلك.

    الدليل الثاني الذي استدلوا به: ما جاء في صحيح البخاري من حج أمهات المؤمنين في عهد عمر رضي الله عنه مع جماعة من الصحابة وكانوا يجعلونهن في أسفل الوادي ولم يكن معهن حينئذٍ محرم، وقالوا: إن عمر رضي الله عنه الذي حجج أمهات المؤمنين ومعه عثمان وعلي ووجوه الصحابة ولم يكن ليفعل ذلك إلا بما يشبه الاتفاق من الصحابة رضي الله عنهم على جواز مثل هذا، حيث كن هن رفقة فيما بينهن ومعهن جماعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لكن مما ينبغي التنبيه إليه: أن التساهل في خروج بعض النساء مع حملات قد تكون حملات نسائية، وليس فيها رقابة تامة ولا ضبط وقد يكون فيها كثير من الخادمات والعاملات والغير المتعلمات مع ضعف الإيمان وضعف الدين وضعف الرقابة، فإنه قد يترتب من جراء ذلك ما لا تحمد عقباه، هذا ما يتعلق بشروط الحج.

    الاستطاعة تكون بالزاد والراحلة وآلتهما

    يقول المؤلف رحمه الله: [ البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة أن يجد زاداً وراحلة بآلتهما ]، الآلة مثل: الغرائر والركاب وغيرها كما كان يفعله المتقدمون، وما يتعلق بذلك أيضاً من آنية الأكل وآنية الشرب ونحوها، أما الآن فنقول: المقصود بالآلة إذا كان عنده سيارة أن يكون هناك ما يحتاج إليه في وقود السيارة، في الغيارات المتعلقة بها، في ضبطها، في كمال صلاحيتها لهذا السفر الطويل، أما إن كان السفر جواً أو بحراً فأن يكون عنده القدرة المالية على استخدام هذه الوسيلة.

    حكم تقديم الدين على الحج

    قال: [ فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام ]، وهذا فيما يتعلق بقضاء الدين يومئ إلى أن الدين يقدم على الحج، وهذا صحيح، فإن الإنسان إذا كان عليه دين وأصحاب الدين لا يتنازلون عن دينهم، فإن عليه أن يقوم بسداد دينه قبل الحج، فإن كان الدين كثيراً، أو علم من أصحاب الديون أنهم لا يؤاخذونه بذلك ولا يمنعونه فإن له أن يحج ولا يضره ذلك، ولو حج بإذنهم أو بغير إذنهم فحجه صحيح.

    تقديم الحج على الزواج

    وقد تكلم العلماء في تقديم الحج على الزواج، وذكروا أن الإنسان المحتاج إلى الزواج لإعفاف نفسه ومن يجد في نفسه قوة ويخشى على نفسه أن الأفضل له أن يقدم الزواج على الحج حتى ذكره بعضهم إجماعاً، والصواب: أن المسألة فيها خلاف داخل مذهب الإمام أحمد وغيره، ولكن هذا هو الراجح أن الإنسان إذا كان عنده مال يستطيع أن يتزوج به أو يحج، وتزاحم هذان الفرضان عليه؛ فإنه يقدم الزواج إذا كان محتاجاً إليه، أما إن كان يستطيع أن يدفع الزواج وليس هناك حاجة أو شدة حاجة فإنه يقدم الحج، وكذلك مئونة نفسه من اللباس والمأكل والمشرب وغيره ومئونة عياله أيضاً على الدوام.

    [ ويعتبر للمرأة وجود محرمها ] كما ذكرنا وأسلفنا.

    [ وهو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح ].

    فورية الحج والعمرة

    قال: [ فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة ]، هذا يقودنا إلى مسألة: هل الحج على الفور أو على التراخي، ولعلنا نختم بهذه المسألة، في هذه المسألة رأيان للعلماء:

    الأول: أن الحج على التراخي، وهو مذهب الإمام مالك أو تحصيل مذهبه، كما قال القرطبي والشافعي ومحمد بن الحسن وجماعة، وهو الأقرب عندي والأقوى. والله أعلم.