إسلام ويب

التوحيد وأثره في النفوسللشيخ : إبراهيم الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوحيد هو رأس الأمر، والوظيفة التي خلق من أجلها الإنسان، والناس فيه يتفاوتون ويتفاضلون، وقد ذكر الشيخ في هذه المادة أهمية التوحيد وماهيته وآثاره العظيمة على الفرد والمجتمع الموحد.

    1.   

    كلمة التوحيد وتفاوت أهلها فيها

    الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    هذه هي ليلة الأربعاء الموافق للرابع عشر من الشهر الثالث للعام التاسع عشر بعد الأربعمائة والألف، وفي هذا المكان الطيب المبارك الجامع الكبير بمدينة الطائف نلتقي وإياكم في موضوع بعنوان: ( التوحيد وأثره في النفوس ).

    مكانة التوحيد عند الله تعالى

    فاعلم رحمني الله وإياك أن التوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده، بل هو أعظم سلاح يتسلح به المسلم، فهو سلاح العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة، فأصل ما تزكوا به القلوب والأرواح هو التوحيد.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى : ولهذا كان رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً سواه.

    انتهى كلامه رحمه الله.

    فلا إله إلا الله هي كلمة التوحيد.. وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات.. لا إله إلا الله فطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد.. لا إله إلا الله محض حق الله على جميع العباد، والكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر ومن عذاب النار، والمنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به.

    لا إله إلا الله الحبل الذي لا يصل إلى الله من لا يتعلق بصدده.. لا إله إلا الله كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، ينقسم بها الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وانفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان بلا إله إلا الله، وهي العمود الحامل للفرض والسنة (ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) نسأل الله الكريم من فضله .

    قال ابن القيم كلاماً جميلاً عن التوحيد في الفوائد ، قال رحمه الله : التوحيد أشرف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه، وأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوبٍ يكون، يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جداً، أدنى شيءٍ يؤثر فيها ولهذا -وتنبهوا- تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية، فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعاً يتعسر عليه قلعه. إلى آخر كلامه رحمه الله .

    وكثير من الناس يغفل عن حقيقة التوحيد، فيتصور أن التوحيد هو.. قول لا إله إلا الله فقط، أو أنه الاعتراف بربوبية الله فقط، يردد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ويجهل شمولية هذه العقيدة لجميع جوانب الحياة، لذلك ربما تزعزعت عقيدة التوحيد في نفوس كثير من المسلمين، فلا إله إلا الله في كل صغيرة وكبيرة، ولا إله إلا الله في كل حركة وسكنة، لا إله إلا الله في البيت والمسجد والوظيفة والشارع وكل مكان، هنا -باختصار- يتبين لنا جميعاً أثر لا إله إلا الله على نفوسنا.

    مظاهر زعزعة التوحيد في قلوب الناس وتناقصه

    يا أهل التوحيد! إليكم أمثلةً سريعةً على أن العقيدة والتوحيد ربما تتزعزع في قلوب بعض الناس:

    فانظروا -مثلاً- إلى الحلف بغير الله والتوسل والاستعانة بالمخلوقين دون الله، بل والاحتكام إلى الأعراف والعادات والتقاليد، وتقديمها على حكم الله ورسوله عند البعض من الناس.

    انظروا إلى تقديم القرابين والنذور، والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها. بل انظروا إلى التشبه بالكافرين في أخلاقهم وعاداتهم السيئة وموالاتهم. انظروا إلى لجوء الناس عند الشدائد للأسباب المادية، نعم. فتعلقهم بالأسباب المادية فقط من دون الله.

    انظروا لانتشار السحرة والمشعوذين، والكهان والعرافين، والتمائم والرقى غير الشرعية. بل انظروا إلى ادعاء علم الغيب بقراءة الكف والفنجان، والتنجيم وعالم الأبراج التي تملأ صفحات بعض المجلات اليوم والإذاعات.

    انظروا للاحتفالات بالمناسبات الدينية كالإسراء والمعراج، والهجرة النبوية، وبدعة المولد وغيرها مما لا أصل له في الشرع.

    انظروا إلى الاستهزاء بالدين، والسخرية بأهله، والاستهانة بحرماته، وأنه تأخر ورجعية، ووصف أهله بالتطرف والتشدد.

    انظروا إلى التمسك بأقوال الرجال، حتى أصبحت تفوق الكتاب والسنة عند كثير من الناس وللأسف!

    بل انظروا إلى ضعف اليقين، نعم. إلى ضعف اليقين بالله وإلى دخول اليأس والقنوط لقلوب كثير من المسلمين. انظروا إلى الخوف والرعب، ممن؟ من المخلوقين عند حدوث الفتن والمصائب. انظروا إلى تمجيد الغرب والخوف منه، حتى وُصف ببعض الصفات الإلهية، كالقوة والقدرة وإدارة الكون كما نسمع ونقرأ.

    انظروا إلى نظرة الناس المادية للحياة مما ابتلي به المسلمون اليوم، تحصيل اللذات والشهوات، وتعليق أهداف الأمة واهتماماتها بأشياء لا قيمة لها كاللهو والطرب والغناء والمتعة الحرام، والله عز وجل يقول : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115].

    هذه من مظاهر زعزعة التوحيد في قلوب الناس وتناقصه، والأمثلة كثيرة تلك التي توضح حال عقيدة التوحيد في نفوس المسلمين اليوم، ولهذا غفل كثيرٌ من الناس عن آثار التوحيد وحقيقته، بل جهل كثير من المسلمين هذه الآثار فأصبح يردد: لا إله إلا الله في اليوم عشرات المرات؛ لكن تعال وانظر لحاله مع نفسه وأهله، وانظر لحال بيته وما فيه، وانظر لحاله في البيع والشراء، وانظر لأقواله وأفعاله وتصرفاته، فربما ليس لكلمة لا إله إلا الله أثر في حياته -والله المستعان- مع أنه مسلم ويردد أن لا إله إلا الله!

    المراد من كلمة التوحيد ومعناها

    فيا أمة التوحيد! المراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، الكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دون الله، نعم. إفراد الله: هذا معنى التوحيد، إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم : (قولوا لا إله إلا الله) ماذا قالوا؟ كما أخبر الحق عز وجل عنهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام من أهل الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن معنى ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني.

    والحاذق اليوم من هؤلاء من ظن أن معناها فقط أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، هكذا يفهم بعض الناس معنى لا إله إلا الله، فلا خير في رجلٍ جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.

    لا نعجب أن نجد من الكفار من هم أصحاب مبادئ وعقيدة، لكنهم يحترمون عقيدتهم ومبادئهم، ويقفون عندها ويخدمونها، بينما ذلك المسلم يردد أن لا إله إلا الله، لكن ليس لهدف، ليس لمبدأه ولا لعقيدته شيء من الإخلاص الحقيقي في ذلك.

    تفاوت الناس في التوحيد

    الناس يتفاوتون في التوحيد، ويتفاوتون في فهم معنى هذه الكلمة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى : فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها، فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلاً لا نقدر أن نضبطه. انتهى كلامه رحمه الله.

    ويقول تلميذه ابن القيم في طريق الهجرتين : فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله الله، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقها باطناً وظاهراً أمرٌ لا يحصيه إلا الله . انتهى كلامه رحمه الله.

    ويقول -أيضاً- في الداء والدواء : فإن من الناس من تكون شهادته ميتة -انتبهوا يا أحبة- ومنهم من تكون نائمة، إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب، وهي -أي: الشهادة- في القلب بمنزلة الروح من البدن، فروح ميتة، وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن.. إلى آخر كلامه الجميل هناك رحمه الله تعالى.

    1.   

    آثار التوحيد وثماره

    فيا أمة التوحيد! أيها الإخوة! أيتها الأخوات! إن للتوحيد ثماراً عظيمة، وآثاراً جميلة ذاق حلاوتها ذلك الصادق في توحيده، وحرمها ذلك المسكين الذي لم يعلم حقيقة التوحيد وأثره في الحياة، ومن أهم هذه الآثار، ولعلي أختصر بعضها لكثرتها:

    تحقيق معرفة الله عز وجل

    أولاً: تحقيق معرفة الله سبحانه وتعالى وهي من أعظم الآثار. لكن قد يقول قائل كيف نعرفه؟

    قال ابن القيم في الفوائد -وأنقله بتصرف- : ولهذه المعرفة بابان واسعان. وانتبهوا لهذا؛ لأن الكثير من المسلمين اليوم لم يؤت لضعفه وفتوره وقلة آثار التوحيد في نفسه، إلا لقلة معرفته بالله حق المعرفة، يقول ابن القيم رحمه الله: ولهذه المعرفة بابان واسعان، الأول : التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والثاني: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها، وكمالها وتفرده بذلك.. إلى آخر كلامه.

    فمثلاً: أنت تعرف فلاناً وتحبه وتبغضه من خلال اسمه وصفاته وأفعاله، ولله المثل الأعلى. فالفقه في معاني أسماء الله وصفاته، ومقتضياتها وآثارها، وما تدل عليه من الجلال والكمال، أقرب طريق لمعرفة الله، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تُمرَ كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة، هذا الغائب عند الكثير من المسلمين اليوم، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة، هذه عقيدةٌ لـأهل السنة والجماعة ، وكما قيل: من كان بالله أعرف كان لله أخوف.

    فيا أيها المسلم الموحد! إنك لا تعبد مجهولاً، بل تعبد الواحد الأحد الذي تقرأ أسماءه وصفاته في كل حين في القرآن والسنة.

    إن توحيد الأسماء والصفات الذي يردده بعض المدرسين على أبنائنا، وعلى المسلمين بدون فهم لحقيقة هذا التوحيد، لهو من أعظم الطرق لمعرفة الله سبحانه وتعالى؛ فمعرفة الله من خلال أسمائه وصفاته هي نقطة البداية في حياة الإنسان، البداية الحقة في تحقيق التوحيد، فإذا وفق العبد لهذه المعرفة، فقد أوتي خيراً كثيراً، واهتدى إلى ربه، ووضع قدميه على الطريق الصحيح، فمن كان بالله وأسمائه وصفاته أعرف وفيه أرغب وأحب، وله أقرب، وجد من حلاوة الإيمان في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حب غيره، وكلما ازداد له حباً ازداد له عبودية وذلاً، وخضوعاً ورقاً.

    فمثلاً: نقرأ في القرآن: أن الله سميع وبصير وعليم، فهل فكرت يا أخي الحبيب! في معانيها؟! وهل لها أثر في نفسك يوم أن قرأتها في كتاب الله؟

    السميع :الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، سميعٌ بما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات، يسمع سرها وعلنها، وكأنها لديه صوت واحد، لا تختلط عليه الأصوات ولا تختلف عليه جميع اللغات، القريب والبعيد، السر والعلانية عنده سواء سبحانه وتعالى، وأنت تقرأ القرآن وتتدبره بمثل هذه المعاني، يمتلئ القلب ثقة وخوفاً وإجلالاً لله تعالى.

    البصير: الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، ويبصر ما تحت الأراضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، يرى سريان الماء في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها، يرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة، وأصغر من ذلك، فإذا علمت أنه يرى ذلك بهذه الصفة امتلأ قلبك إجلالاً وهيبةً من الله وتحقق في النفس مبدأ عظيم، مبدأ المراقبة لله سبحانه وتعالى.

    يا من يرى مد البعوض جناحها     في ظلمة الليل البهيم الأليل

    ويرى نياط عروقها في صدرها     والمخ في تلك العظام النحل

    امنن عليّ بتوبة تمحو بها     ما كان مني في الزمان الأول

    وكذلك في جميع أسماء الله وصفاته: العزيز، الجبار، العليم، الخبير، القدير.. هكذا يكون لتوحيد الأسماء والصفات أثر عجيب في نفوسنا، نعم. إن علمنا بالله ومعرفتنا به يصلنا بالله ويزكي نفوسنا، ويصلحها، وهذا هو الطريق الذي أضاعه كثير من المسلمين اليوم .

    أيها المسلم! إن الله عز وجل يقول: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] وأنا أسمعك تدعو الله، وتتوسل إليه بأسمائه وصفاته، لكن وأنت تردد هذه الأسماء والصفات هل تستشعر معانيها؟ هل تفهم مقاصدها؟ إنك إن فعلت هذا تزداد تعلقاً بالله وحباً وهيبةً وإجلالاً له، ولذلك أثرٌ كبير على القلب، بل والله له أثر كبير على استجابة الدعاء وقبوله، فلنعلم حقيقة توحيد الأسماء والصفات كيف يكون، ولنتعرف على الله عز وجل حق المعرفة من خلاله.

    راحة النفس واطمئنانها وسعادتها

    ثانياً: من آثار التوحيد في النفس: راحة النفس الموحدة واطمئنانها وسعادتها، فهي لا تقبل الأوامر إلا من واحد، ولا تمتثل النواهي إلا من واحد، وبهذا راحة للنفس، ولذلك ترتاح النفس وتطمئن ويسكن القلب ويهدأ، ومن المعلوم لكل عاقل أن النفس لا تحتمل الأوامر من جهات متعددة، فلا يعقل أن يكون للعبد أكثر من سيد، ولا للعامل أكثر من كفيل، وإلا سيقع عندها ضحية الأهواء، فكلٌ يأمر وكلٌ ينهى، وعندها لا يدري ماذا يعمل، فيصبح القلب شذر مذر، وفي هم وغم لا يدري من يرضي.

    قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد : وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فساداً لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. انتهى كلامه رحمه الله.

    إذاً: فلا يعمل الموحد ولا يحب إلا لله، ولا يغضب ولا يكره إلا لله، وهنا يشعر القلب بالراحة والسعادة؛ فهو مطالب بإرضاء الله ولو غضب عليه أهل الأرض قاطبة، هذه هي حقيقة التوحيد، بل هذا هو الإخلاص لله في كل شيء قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] هل سألنا أنفسنا يوماً من الأيام ما هو هدفنا في الحياة؟ ولماذا خلقنا؟

    كثير من المسلمين اليوم ممن يتلفظ بلا إله إلا الله، لو سئل عن هدفه في الحياة ربما لم يجب، وربما أجاب لكنها إجابة فيها تردد وحيرة! وربما تذكر تلك الأسئلة التي درسها يوم أن كان صغيراً في المراحل التعليمية الأولى، لماذا خلقنا الله؟ فكانت الإجابة: خلقنا الله لعبادته، وما هو الدليل؟ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وما هو تعريف العبادة؟ اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.

    أظننا لا نجهل هذا، الكبير منا والصغير يعرفه، الذكر والأنثى يعلمه. بل حفظه عن ظهر قلب، العجيب أن الكثير من الناس لا يفكر بهذه الكلمات التي حفظها وقرأها ورددها يوم أن كان صغيراً، بل لم يفهم معناها، وإن فهم معناها لم يعمل بمقتضاها، لماذا الفصل بين العلم والعمل؟ فالعلـم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.

    في حياتنا ندرس ونقرأ ونسمع، فإذا خرجنا من مدارسنا أو مساجدنا تغيرت الأحوال، وتركنا العلم جانباً، وحكمنا الأهواء والمصالح الشخصية، والله المستعان!

    أيها الأخ! يقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أي: أن هدفك في الحياة هو عبادة الله عز وجل، تلك العبادة التي أخطأ كثير من المسلمين اليوم في فهمها، ولذلك ربما يقول قائل : الله عز وجل يريد منا دائماً أن نركع ونسجد ونصلي ونصوم ونحج ونقرأ القرآن فقط. هذه هي الحياة، هكذا تريدون منا، لماذا؟ لأنه فهم الحياة على أنها هكذا فقط، أو أن العبادة على أنها فقط مقيدة بتلك العبادات الأربع المشهورة عند الناس، الصلاة والصيام والحج والزكاة.. هكذا يفهم بعض المسلمين الإسلام.

    أيها المحب! ليس هذا هو مفهوم العبادة التي يريدها الله عز وجل منا، فنحن نردد أن العبادة -كما أسلفنا-: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح والباطنة في القلب.

    إذاً: فكل فعل وقول وحركة وسكون في حياتك هي عبادة لله عز وجل بشرط: أن يحبها الله ويرضاها، وأن تكون خالصة لله، وكما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو هدف المسلم في الحياة، هدف المسلم في الحياة رضا الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل حركة وسكون، فإذا اتضح الهدف للمسلم ارتاح قلبه واطمأنت نفسه وشعر بالسعادة؛ لأنه يعيش من أجل هدف سامٍ وغايةٍ واضحة ومبدأٍ عظيمٍ هو: رضا الله.

    وبهذا المفهوم الصحيح للعبادة، فكل شيء في الحياة مع النية الخالصة لله يكون عبادة يؤجر عليها العبد، ولو أردنا أن نأخذ الأمثلة لطال بنا المقام، ولكن خذوا على سبيل المثال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) إذاً وأنت تقضي وطرك وشهوتك تؤجر عليها (وإن لأهلك عليك حقاً) وأنت تجالس أهلك وأولادك وتقضي شأنهم وتعولهم تؤجر، حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك وأنت تسعى لكسب الرزق لأولادك تؤجر، (ابتسامتك في وجه أخيك صدقة) بل حتى النوم تؤجر عليه بشرط أن يكون ذلك النوم على هيئة يرضاها الله عز وجل.

    ألم يقل بعض السلف: [إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي] إذا عشت بهذا المفهوم تشعر بالاطمئان والسعادة والراحة؛ لأن كل حياتك ترضي الله عز وجل فتؤجر عليها، تقدم يوم تقدم على الله وكل صغيرة وكبيرة قد كتبت وسجلت في حسناتك.

    الله أكبر! ما أحلى هذه الحياة، ما أحلى الدنيا بهموها وغمومها إذا عاش المسلم بمثل هذا المفهوم الواضح البين في حياته، حتى الهمّ -سبحان الله!- في حياة المسلم الموحد الصادق.. حتى الهمّ والمرض والتعب يؤجر عليها إذا كانت في رضا الله عز وجل، ألم يقل الحبيب صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من همٍّ ولا غمٍّ ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها المسلم إلا كفر الله بها من خطاياه).

    لا إله إلا الله: ما أحلاها في حياتنا قولاً وعملاً، لا كما يريد أعداء الله عز وجل، فيصوروها للناس أنها في المسجد فقط، وأنها في شهر رمضان وموسم الحج فقط، أما ما عداه فلا، ولذلك ربما سمعنا من بعض المسلمين وللأسف كلمةً أو عبارة تقول: أَدخلَوا الدين في كل شيء، ونقول له ولأمثاله: نعم الدين في كل شيء؛ فنحن مسلمون، والإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخروج من الشرك، حفظناها يوم أن كنا صغاراً، تسليم واستسلام لله تعالى في كل شئون حياتنا.

    لا حرية لك إلا في حدود الشريعة، لا حرية لك بلباسك ولا بقولك ولا ببيعك ولا بشرائك، ولا بذهابك ولا بمجيئك، إلا في هذه الحدود، نعم أيتها المسلمة! الإسلام حقيقةً يضبط حتى لباسك وفعلك وصفتك، إذا رضي الله عز وجل عن هذا الفعل وعن هذه الصفة فتوكلي على الله.

    هنا تتضح حقيقة الإسلام في أن تستسلم لله عز وجل، إلا -والعياذ بالله- لو قال قائل: إنه خرج من الإسلام نقول له: افعل ما أردت بالحرية المزعومة التي ينادي بها كثير من الناس اليوم، كما قال تعالى للمشركين الذين تمردوا على دينه وشرعه مهدداً لهم: قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:14-15].

    هناك يوم للحساب وللجزاء لا يمكن أن يغفل عنه الموحد أبداً، أما أنت أيها المسلم! فلك حرية، لكن بحدود الشريعة، فأنت أسلمت وجهك لله، وخضعت لدين الله، فعليك أن تلتزم الأوامر، وتجتنب النواهي كما يريد الله سبحانه وتعالى، قلت بلسانك: رضيت بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، فلماذا أراك تخالف هذا الرضا بفعلك وحياتك؟ والله المستعان.

    يا ليتنا نردد هذا المفهوم الصحيح للعبادة على نسائنا وصغارنا وطلابنا وزملائنا، بل على كل من نقابل مسلماً كان أو كافراً، ولماذا نردد ذلك على الجميع؟

    لتتضح حقيقة هذا الدين ويسره وسهولته وسعته وفضل الله عز وجل علينا.

    واسمعوها يا أحبة! والله ثم والله! لو عاش المسلمون بهذا المفهوم، لما كان هناك انفصام في شخصيات كثير من المسلمين، يأتي للمسجد يركع ويسجد، وربما بكى وسالت الدمعة على الخد خوفاً من الله، بل ربما كان في الصف الأول؛ لكن تعال وانظر لبيعه وشرائه، وانظر لتعامله في الربا، تعال وانظر للسانه، تعال وانظر لبيته وما فيه من وسائل الفساد، تعال وانظر لتلك المرأة في لباسها وفعلها وتبرجها -يا سبحان الله- أين أثر التوحيد وحقيقة التوحيد في نفوسنا؟! بل إن للتوحيد أثراً عجيباً في سعادة الزوجين في حياتهما، نعم والله. هذا سر من أسرار الحياة الزوجية، للتوحيد أثر عجيب في سعادة الزوجين في حياتهما، فالقاعدة الأساسية للبيت السعيد: (أهلاً وسهلاً بما يرضي الله، وبعداً وسخطاً لما يغضب الله) فلو سار البيت على هذه القاعدة لوجد والله! السعادة والراحة، يتفق الزوجان على هذه القاعدة الجميلة فكل ما يرضي الله فأهلاً وسهلاً به في بيتنا، وكل ما يغضب الله فبعداً له وسخطاً؛ لأنه يغضب الله.

    يا أهل التوحيد! لنحقق التوحيد كما يريده الله سبحانه وتعالى في نفوسنا، ولنراجع أنفسنا ونحاسب أنفسنا، أين أثر التوحيد في نفوسنا؟ لماذا بدأ يتناقص ويتراجع؟ ويظهر هذا النقص وهذا التراجع على بعض المسلمين الموحدين اليوم -وللأسف- نسأل الله عز وجل أن يحيينا حياة طيبة، وأن يميتنا على التوحيد، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله .

    تواضع النفس وخوفها وانكسارها لخالقها

    ثالثاً من آثار التوحيد: تواضع النفس الموحدة وخوفها وانكسارها لخالقها.. بل وافتقارها إليه سبحانه وتعالى، لماذا؟ لشعورها أنها بحاجة إليه في كل لحظة، فهو مالكها، ومدبرها. مما يزيد العبد افتقاراً والتجاء إليه عز وجل، ويزيده ترفعاً عن المخلوقين ومما في أيديهم، فالمخلوق ضعيف فقير عاجز أمام قدرة الحق عز وجل، الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، هنا يشعر الموحد بأنه يأوي إلى ركنٍ شديد، وأنه في سعادةٍ عظيمة، كيف لا وهو يشعر بذله وانكساره وافتقاره، وعبوديته لملك الملوك! والكثير من أهل التوحيد غفل اليوم عن هذا الأثر، (الافتقار والانكسار).

    أيها الإخوة! أيها المسلمون! بل أيها المسلمون المستقيمون! إننا ضعفاء ومساكين لا حول لنا ولا قوة لأنفسنا إلا بربنا جل وعلا، إلا بالواحد الأحد، فمن منا جعل له ساعةً يخلو بها مع ربه؟ من منا جعل له ساعةً يخلو بها مع ربه ويعترف له بضعفه، وذله وفقره، فيرفع يديه، ويناجي ربه بتواضع؟! فالنفس منكسرة لله، القلب يخفق، والعين تدمع، واللسان يلهج فيقول:

    أنت الذي صورتني وخـلقتني     وهديتني لشرائع الإيمان

    أنت الذي علمتني ورحمتني     وجعلت صدري واعي القرآن

    أنت الـذي أطعمتني وسقيتني     من غير كسب يد ولا دكان

    وجبرتني وسترتني ونصرتني     وغمرتني بالفضل والإحسان

    أنت الذي آويتني وحبوتني     وهديتني من حيرة الخذلان

    وزرعت لي بين القلوب مودة     والعطف منك برحمة وحنان

    ونشرت لي في العالمين محـاسناً     وسترت عن أبصارهم عصياني

    وجعلت ذكري في البرية شائعاً     حتى جعلت جميعهم إخواني

    والله لو عـلموا قبيح سريرتي     لأبى السلام عليّ من يلقاني

    ولأعرضوا عني ومـلوا صحبتي     ولبؤت بعد كرامة بهوان

    لكن سترت معايبي ومثالبي     وحلمت عن سقطي وعن طغياني

    فلك المحامد والمدائح كلها     بخواطري وجوارحي ولساني

    ولقد مننت عليّ ربي بأنعم     مالي بشكر أقلهن يدان

    أيها الإخوة والأخوات! هذه الثمرة من أعظم ثمرات التوحيد على النفوس، حُرِمها الكثير منا، فراحة النفس وسعادة القلب -والله الذي لا إله غيره- هي في الذل والانكسار للخالق سبحانه وتعالى، والافتقار إليه والانكسار بين يديه، فلنلجأ إلى الله عز وجل، ولنعلن ضعف أنفسنا لله وحده، هنا سيشعر الموحد بالقوة العجيبة، وبالصبر والثبات؛ لأنه يعلم أنه يأوي إلى الذي بيده ملكوت السماوات والأرض الذي يدفعه، ويحوطه ويحفظه كما سيأتي من آثار التوحيد إن شاء الله.

    اليقين والثقة بالله عز وجل

    رابعاً من آثار التوحيد: اليقين والثقة بالله عز وجل: فصاحب التوحيد على يقينٍ من ربه، مصدق بآياته، مؤمن بوعده ووعيده كأنه يراها رأي العين، فهو واثق بالله متوكل عليه راضٍ بقضائه وقدره، محتسب الأجر والثواب منه.

    النفس الموحدة تمتلئ بالطمأنينة والسكينة حتى في أشد المواقف، وأصعب الظروف، ألم نقرأ في القرآن : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    يقول ابن تيمية رحمه الله: والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله، فقول العبد لها مخلصاً من قلبه له حقيقة أخرى. ما هذه الحقيقة؟

    يقول تلميذه ابن القيم عن شيخ الإسلام ذلك الذي ذاق هذه الحقيقة كما نحسبه والله حسيبه يقول: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها، وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.. إلى آخر كلامه رحمه الله.

    هكذا النفس الموحدة مهما أصابها في الدنيا، ومهما كانت الابتلاءات والامتحانات، ومهما كانت الشدائد على تلك النفس، فإنها تعلم أنها قد تجازي بسيئاتها في الدنيا بالمصائب التي تصيبها، ولذلك (لما سأل أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8] قال أبو بكر: يا رسول الله! وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به نعمة الله على عباده)

    إذاً: فما يصيبك أيها الموحد من بلاءٍ أو مرض، أو نصب أو تعب، فإنك مأجور مخلوف عليك عند الله سبحانه وتعالى، التوحيد يسليك عند المصائب، ويهون عليك الآلام، وبحسب مقدار ما في القلب من لا إله إلا الله يكون الصبر والتسليم والرضا بأقدار الله سبحانه وتعالى المؤلمة.

    يقول ابن القيم رحمه الله كلاماً جميلاً في إغاثة اللهفان : إن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) إذاً: هذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته.. إلى آخر كلامه رحمه الله.

    اليقين بنصرة الله وتحقيق وعده

    تفريج الكربات

    سادساً: من آثار التوحيد تفريج الكربات، فالتوحيد الخالص هو السبب الأعظم لتفريجها في الدنيا والآخرة، وقصة يونس عليه السلام من الأدلة على ذلك، قال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ [الأنبياء:87] بماذا نادى؟ بم استغاث؟ بماذا لجأ؟ بكلمة التوحيد فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] فماذا كانت النتيجة؟ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88] بل حتى المشركين يعلمون أن في التوحيد تفريجاً للكربات، قال الله تعالى : فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65].

    يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في القواعد الأربع -وانتبهوا لهذا الكلام-: القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة .انتهى كلامه رحمه الله.

    ويقول ابن القيم رحمه الله: فما دفعت شدائد الدنيا -انتبهوا يا أهل المصائب والآلام والأحزان- بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب في التوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه في التوحيد، فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهذا مفزع الخليقة، وملجؤها وحصنها وغياثها، وبالله التوفيق.. إلى آخر كلامه رحمه الله.

    الحزم والجد في الأمور

    سابعاً: الحزم والجد في الأمور: فإن الموحد جاد حازم؛ لأنه عرف هدفه، وعرف لماذا خلق، وما المطلوب منه، وهو توحيد الله والدعوة إليه، فلذلك حرص على عمره، فاستغل كل يوم وشهر، بل والله استغل كل ساعة في عمره، فلا يفوت فرصة للعمل الصالح إلا واستغلها، ولا يفوت شيئاً فيه رجاء لثواب الله إلا وحرص عليه، ولا يرى موقع إثمٍ إلا وابتعد عنه خوفاً من العقاب؛ لأنه يعلم أن من أسس التوحيد الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال، والله عز وجل يقول : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:132] وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الغاية -أي : على الحزم والجد والقوة- فقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) أخرجه مسلم في صحيحه.

    لكن شتان بين المؤمن الجاد الحازم الذي يستغل اللحظات، ويقضي العمر في رضا الله والعمل الصالح، وبين المؤمن الضعيف الذي يصارع النفس والشهوات ومغريات الحياة، نعم. ابتلي الكثير من المسلمين اليوم -بل حتى من الصالحين- بمصارعة النفس والشهوات، هكذا المؤمن بين أمرين: بين رضا الله وثوابه، وبين الدنيا وشهواتها، وتنبهوا: فكلما ضعف أحدهما قوي الآخر واشتد.

    أيها الموحد! كن جاداً حازماً، فأنت صاحب عقيدة تحمل همها في الليل والنهار، واليقظة والمنام، هكذا المسلم إن حزن فللتوحيد، وإن ابتسم فلتوحيده، وإن حب فلعقديته، وإن أبغض فلعقيدته، وإن ذهب وجاء فلها، حياته كلها جد وعمل، فهي وقف لله تعالى.

    تحرر النفوس من رق المخلوقين

    ثامناً: أن التوحيد هو الذي يحرر النفوس من رق المخلوقين، ومن التعلق بهم وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا والله هو العز الحقيقي والشرف العالي، فيكون بذلك متألهاً متعبداً لله، فلا يرجو سواه، ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه، ويتحقق نجاحه، فإن العبودية لله عزٌ ورفعة، والعبودية لغير الله ذلٌ ومهانة.

    فيا عجباً! ممن يخاف من المخلوقين كالسحرة والمشعوذين وغيرهم ويحسب لهم حساباً، فيطلب من عطائهم، ويلجأ إليهم، ويخاف منعهم، وقد شرع له أن يردد بعد كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، فأين حقيقة التوحيد؟ وأين حقيقة هذه الكلمة؟ يرددها كثير من المسلمين بعد كل صلاة، لكن ربما بدون تدبر لمعناها، ولا عمل بمقتضاها، واسمع لهذا الكلام الجميل لـشيخ الإسلام رحمه الله يقول : المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم، فيحصل له رعب كما قال تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً [آل عمران:151] أما الخالص من الشرك فيحصل له الأمن كما قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك كما في الحديث. انتهى كلامه.

    فكان من آثار التوحيد القوة والشجاعة.

    واسمع لهذا المثل العجيب، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:73-74].

    وأذكر لكم مثلاً واحداً لعزة المسلمين يوم أن تعلقوا بالله ولم يخافوا إلا الله، ذكر جليب بن حبة قال: [ندب عمر واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً، فقام ترجمانٌ فقال: ليكلمني رجل منكم، وفي رواية للطبري: أن كسرى قال له: إنكم معشر العرب أشد الناس جوعاً، وأبعد الناس من كل خير، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة أن ينتظموكم بالنشاب -أي: يقتلوكم- إلا تنجساً لجيفكم، فقال المغيرة رضي الله تعالى عنه: ما أخطأت شيئاً من حقنا، نحن أناس من العرب كنا في شقاء وبلاءٍ شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبياً من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا ورسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيمٍ لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم]. هكذا يكون التوحيد الخالص عزة ورفعة وثقة بالله، وقوة في الدين والعقيدة.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبته لغيره، ليس عند القلب أحلى ولا ألذ، ولا أطيب ولا ألين، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له وإخلاص الدين له. انتهى كلامه رحمه الله.

    تسهيل فعل الخيرات وترك المنكرات

    تاسعاً: من آثار التوحيد في النفوس: أنه يسهل عليها فعل الخيرات وترك المنكرات: فالمخلص في توحيده تخف عليه الطاعات لما يرجوه من الثواب، ويهون عليه ترك المنكرات، وما تهواه نفسه من المعاصي؛ لما يخشى من سخط الله وأليم عقابه، وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تألّه ما يهواه، وتصرف عنه المعاصي والذنوب، نعم إن صدق العبد في توحيده صرف عنه الكثير من الذنوب والمعاصي، ألم يقل الحق عز وجل في القرآن : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عبادنا المخلصين، ويقول الحق عز وجل: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

    فالمسلم بقدر ما في نفسه من التوحيد يكون إقدامه وحرصه على فعل الخيرات، والعكس بالعكس، ولما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم -أي: في قلوب المنافقين- ثقلت عليهم الطاعات وكرهوها، كما أخبر الله عز وجل عنهم في القرآن.

    واسمع إلى ابن القيم رحمه الله تعالى يقول في مدارج السالكين كلاماً جميلاً: اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر ذلك الشعاع وضعفه، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس -نسأل الله الكريم من فضله- ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف، ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، وبحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً، ومعرفة وحالاً، وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد، أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته . انتهى كلامه رحمه الله.

    فأهمس في أذن أولئك العاجزين هذه الكلمة.. إلى أسرى الذنوب والشهوات والمعاصي الذين إذا ذُكِّروا تعللوا بالمشقة والعجز، فإذا قيل لأحدهم: اترك يا أخي تلك المعصية! قال: لا أستطيع، أقول لأولئك كما يقول ابن القيم رحمه الله: إنما يجد المشقة في ترك المعوقات والعوائد من تركها لغير الله، أما من تركها صادقاً مخلصاً من قلبه لله، فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلةٍ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب. انتهى كلامه رحمه الله .

    إنارة القلب وشرح الصدر

    عاشراً: من آثار التوحيد: أنه ينير القلب، القلب يستنير بنور التوحيد وينشرح الصدر، ويجعل للحياة معنى وحلاوة، بل إن لا إله إلا الله! إذا خرجت من قلب صادق تقلب الحياة رأساً على عقب، تجعل النفس من لا شيء إلى كل شيء، انظر لصحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، وخاصةً الموالي.

    هذا بلال عبد حبشي ليس له من الأمر شيء، فأصبح بلا إله إلا الله المؤذن الأول، ورجلاً من أهل الجنة، وسيداً من سادات الإسلام تهتز له القلوب، ذكر عمر فضل أبي بكر فجعل يصف مناقبه ثم قال : [وهذا سيدنا بلال حسنة من حسناته] سبحان الله! بأي شيء ارتفع ووصل بلال إلى هذه المرتبة؟ بلا إله إلا الله، بكلمة التوحيد، تلك الكلمة التي وقرت في قلبه التي كان يعبر عنها بقوله: [أحد أحد] وهو يسحب على رمضاء مكة ، فكان يقول عندما يسئل عن شدة العذاب وتحمله -واسمعوا لكلمته الجميلة- كان يقول رضي الله تعالى عنه: [كان عندي حلاوة الإيمان ومرارة العذاب، فامتزجت مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، فاستعذبت العذاب في ذات الله] سبحان الله! كان مولى من الموالي، فلما آمن بالله، وقف في وجه أسياد مكة يتحداهم بلا إله إلا الله، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه يوم أن نصر ذلك العبد، ورفع اسمه، وأعلى مكانته بلا إله إلا الله.

    وانظروا لحال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلننظر في سيرته، ألم يتقلد سيفه -كما في بعض السير- ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، امتلأ قلبه حقداً وبغضاً لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وإذا به بعد لحظات فيشهد أن لا إله إلا الله، فينقلب ذلك القلب ويتغير الحال -فيا سبحان مقلب القلوب!- يصبح الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من كل شيء، بل حتى من نفسه كما قال، ويتحول ذلك القلب القاسي المتجبر إلى قلب لين رقيق كثير الخشية والبكاء، ومن لا شيء إلى ثاني رجل بعد أبي بكر رضي الله عنهما.

    إنها شمس التوحيد لامست شغاف القلوب؛ فتجلت بها ظلمات النفس والطبع، وحركت الهمم والعزائم.

    حفظ النفوس من القتل

    حادي عشر: من آثار التوحيد في النفوس: حفظ هذه النفوس.

    أيها الإخوة! بم حفظت دماؤنا، وبم حفظت أعراضنا وأموالنا؟ إلا بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فمن قال هذه الكلمة حرم ماله ودمه فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) كما في صحيح مسلم .

    بل اسمع لهذا الموقف العجيب الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال : (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات -وهي موضع في بلاد جهينة - قال: فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله -أي أنه مشركاً- فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: أقال لا إله إلا الله وقتلته، قال أسامة : يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السلاح، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ قال: فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني ما أسلمت إلا يومئذ) بماذا حفظت هذه النفس؟ بتوحيد الله بلا إله إلا الله، ولذلك ترجم النووي لهذا الحديث فقال : (باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله الله).

    تربية النفس على العدل

    ثاني عشر: من الآثار: الإنصاف وتربية النفس على العدل: فمن أظلم الظلم أن يكون الله هو الذي أوجدك، فيخلق ويحسن الخلق، وينعم ويحسن الإنعام، ويتفضل سبحانه عليك بكل شيء وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:18] ثم بعد ذلك كله نقابل ذلك بالنكران والجحود، فنجعل له نداً نمتثل لأمره ونحبه من دون الله، بل نخافه من دون الله، ونرجوه أو نرجو عنده الشفاء، بل ربما صُرف له شيء من العبادة من دون الله، فأين من يعبد الحجر؟ وأين من يطوف بالقبر؟ وأين من يتوسل بالضعفاء والمساكين؟ بل أين من يذهب للسحرة والمشعوذين؟ بل أين من ملكت الدنيا قلبه؟

    سبحان الله! الذل والانكسار لأمثال هؤلاء، الطواف وصرف الأموال واللجوء والاستغاثات لهؤلاء، وتنصرفون عن الخالق -سبحانه وتعالى- الذي أنعم وقدر، وخلق وأحسن وتفضل عليك، أليس هذا هو الظلم العظيم؟ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن:60]؟

    ولذلك كان أعظم ذنب عصي الله به هو الشرك بالله يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] وكما قال الحق عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء:48].

    وفي بعض الآثار الإلهية أن الله عز وجل قال: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري على العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي) وهذا واقع كثير من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فانظر إلى من تعلق قلبه بالمال، وانظر لمن تعلق قلبه بالقبور، وبالأشجار والأحجار، وانظر إلى من تعلق قلبه بالنساء والشهوة، وانظر إلى من تعلق قلبه بالأموال والشهوات، كالمتعة الحرام والغناء والرياضة وغير ذلك، ملكت عليه قلبه -والله المستعان- انظر لمن تعلق قلبه بالصور، وربما أصبحت مثل هذه الوسائل أصناماً تعبد من دون الله، ليس شرطاً أن يسجد لها وأن يركع، فهو يغضب ويفرح لها، ويبكي لها ويحب ويعادي، ويبغض لها، أليست هذه صور من صور الشرك والله المستعان؟

    ولله در ابن القيم رحمه الله وهو يقول في المدارج : فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأمراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة.

    عدم الحيرة والتردد

    ثالث عشر: من آثار التوحيد في النفوس: عدم الحيرة والتردد، وهذا مما ابتلي به الكثير من المسلمين اليوم، كالقلق والحيرة والتردد والهمّ والاكتئاب النفسي، وانظروا في العيادات النفسية لتروا الدليل على ذلك، كلما كان الإنسان موحداً مخلصاً لله منيباً إليه؛ كلما كان أكثر اطمئناناً وراحة وسعادة، وكلما كان الإنسان بعيداً عن الله كلما كان أكثر حيرةً وضلالاً وتردداً، اقرأ إن شئت قول الحق عز وجل: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:71] نقل ابن كثير في التفسير عن ابن عباس قال : [هو الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هو الهدى.] إلى آخر كلامه رحمه الله.

    لكن الهدى هدى الله، فأهل التوحيد أكثر الناس نوراً ويقيناً وطمأنينةً وإيماناً، وأبعدهم عن الحيرة والاضطراب والتخبط والتناقض، أما الكفار وأهل البدع والخرافات، فلا تسأل عن بؤسهم وشقائهم فالحيرة والقلق، واليأس والفراغ والملل والضيق والاكتئاب، كلمات تترد كثيراً في كتاباتهم ومؤلفاتهم وعلى ألسنتهم، بل في حياتهم وواقعهم وما ذلك الشباب الضائع الذي يعيش حياة البهائم، وقد دمر نفسه بالمخدرات والجنس والشذوذ والجرائم والانتحار؛ إلا من الدلائل والبراهين لتلك الحيرة، ولذلك التخبط والضلال الذي مزق الإنسان هناك في بلاد الكفر، والخرافات والبدع، بل إن من أبناء المسلمين -للأسف- من يقع فريسةً لهذه الأفكار والتصورات، نعم، انطفأت شعلة التوحيد في نفوسهم، فامتلأت حيرةً وشكاً، واضطراباً وتردداً، فهي تبحث عن السعادة.. تبحث عن النور.. تبحث عن الحق، وليس ذلك والله إلا بالتوحيد الخالص لله، بالتوحيد تعرف من أنت؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وماذا يريد الله منك؟ ولولا الله ما كنت موجوداً في الوجود: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8] بالتوحيد تعلم أنه خالق الكون، وموجد هذه النعم، وأنه سخرها لسعادتك وراحتك، فلا يمكن أبداً أن توجد الشمس أو القمر أو النجوم، وكل هذه الأمور المسخرات لك أنت أيها العبد! .. لا يمكن أبداً أن توجد هذه المخلوقات نفسها، ولا أن توجَد صدفة، فتعين إذاً أن يكون لها موجدٌ، وهو الله رب العالمين.

    ولهذا لما سمع جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقرأ في سورة الطور، فبلغ هذه الآيات : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور:35-37] قال جبير -وكان مشركاً يومئذ-: كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) والحديث رواه البخاري.

    فدعوة لأحبابنا وإخواننا الذين أصابتهم الحيرة والتردد، دعوة إلى أن ينظروا فيمن حولهم ويتفكروا في خلق الله وقدرة الله، وهذا الكون العجيب، ليجدوا الراحة والسعادة بتوحيد الله عز وجل، ولا يمكن أبداً أن يكون ذلك إلا إذا كان هدفك أيها المسلم! هو رضا الله لا رضا غيره.

    أما الحائرون المترددون الغافلون الضائعون، فيعبِّر عن ضياعهم أحدهم في قصيدة له سماها طلاسم، وهي طلاسم تسجل أفكار الضائعين، وخواطرهم وقلقهم، وحيرتهم واضطرابهم، وتورد نماذج لسؤالاتهم واستفساراتهم، يقول فيها:

    جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت     ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمضيت

    وسأبقى سـائراً إن شئت هذا أم أبيت     كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري؟!

    أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود؟     هل أنا حر طليقٌ أم أسير في قيود؟

    هل أنا قائد نفسي في حـياتي أم مقود؟     أتمنى أنني أدري! ولكن لست أدري؟

    وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير؟     هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟

    أنا الـسائر في الدرب أم الدرب يسير؟     أم كلانا واقفٌ والدهر يجري؟ لست أدري؟

    إلى أن قال:

    ألهذا اللغز حلٌ؟ أم سيبقى أبدياً؟     لست أدري؟ ولماذا لست أدري؟ لست أدري؟

    أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور؟     فحياة فخلود أم فناء فدثور؟

    أكلام الناس صدقٌ؟ أم كلام الناس زور؟     أصحيح أن بعض الناس يدري؟ لست أدري

    هذه الأسئلة التي أثارها في قصيدته هي أسئلة يرددها المحرومون من نعمة الله، الفاقدون حلاوة التوحيد، وأُنسه وطعمه ورائحته، إن هذه الأسئلة عند الموحدين المؤمنين لا تقلقهم بفضل الله تعلى ومنته، ففي ديننا الإجابة مفصلة عليها، وفي قرآننا وأحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام الكلام اليقيني الصحيح الصادق عنها، فهذه الأسئلة ليست طلاسم في تصور المسلم الموحد، بل على العكس، هذه الأسئلة وإجابتها هي مصدر اطمئنان المسلم، وثباته وسعادته وراحته، بل هي التي والله تحرك مشاعره، وتجري مدامعه، وتزيده استقامة وتوحيداً، فلا قلق في النفس، ولا اضطراب في الفكر، فالمنهج واحد والمبدأ واضح ثابت لا يتغير، فأنا أعلم من خلقني ولماذا خلقني؟ وإلى أين سأذهب؟ فهذه أسئلة مصدرها اطمئنان المسلم أو مصدر اطمئنان المسلم وراحته.

    ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.

    ويقول -أيضاً-: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. نسأل الله الكريم من فضله.

    جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم

    رابع عشر: ومن آثار التوحيد في النفوس: جمع كلمة المسلمين الموحدين وتوحيد صفوفهم: جمع الله بالتوحيد القلوب المشتتة والأهواء المتفرقة، فما اتحد المسلمون وما اجتمعت كلمتهم إلا بالتوحيد، وما تفرقوا واختلفوا إلا لبعدهم والله عنه، فربهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، ودعوتهم واحدة، هي لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله.

    أهل التوحيد لا يختلفون في أصول الدين وقواعد الاعتقاد، يرون السمع والطاعة لولاة أمورهم بالمعروف ما لم يأمروا بمعصية، ولا يجوز الخروج عليهم وإن جاروا إلا أن يُرى منهم كفر بواح عليه من الله برهان.

    أهل التوحيد تتفق في الغالب وجهات نظرهم وردود أفعالهم مهما تباعدت الأمصار والأعصار، فالمصدر واحد.

    الجود بالنفس والمال لنصرة الإسلام

    خامس عشر: ومن آثار التوحيد جود نفوس الموحدين بالمال، والنفس في سبيل الله ونصرة دينه، فأمة التوحيد أمة قوية، تبذل كل غالٍ ونفيس من أجل عقيدتها، وتثبيت دعائمه، غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك، يقول الحق عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] لم يدخلهم شك ولا ريب، ولا خوف ولا يأس ولا قنوط في حقيقة توحيدهم وعقيدتهم، بل في حقيقة نصرة الله لهم: ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] الصادقون في قول لا إله إلا الله، أهل التوحيد أمة واحدة، يأمرهم ربهم بقوله: انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41].

    فأسألكم بالله! أيها الموحد! أيتها الموحدة! هل جعلت نفسك ومالك وولدك وكل ما تملك في خدمة هذه العقيدة.. في سبيل لا إله إلا الله؟ ماذا قدمت لدينك وعقيدتك؟ ماذا قدمت لهذا المبدأ العظيم؟ نعجب ونتحسر يوم أن يضحي الكافر من أجل دينه وعقيدته، وهو على باطل، ويوم أن يسخر ويهمل ذلك المسلم من أجل عقيدته وتوحيده وهو على حق.

    إنما المؤمنون هم أولئك الصادقون في توحيدهم، وفي قولهم لا إله إلا الله، لا يستطيع ذلك إلا من ذاق طعم الإيمان وحقق التوحيد صادقاً من قلبه.

    مثالٌ واحد أسوقه لكم والأمثلة كثيرة : أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، انظروا لحياة هذا الرجل؛ أسرة كاملة. أولاده عبد الله ومحمد ، وبناته عائشة وأسماء وماله وجهده ووقته كلها في سبيل الله، ونصرة دين الله؛ فلما نصروا دين الله بأموالهم وأنفسهم وأولادهم نصرهم الله، ومكنهم وأعلى شأنهم، وصدق الله: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7].

    أما الخذلان أيها الأحبة! الخذلان والبخل والكسل والفتور، فهي من صفات المنافقين، فلما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم، تركوا الجهاد، وفرحوا بالتخلف عنه، ورضوا بشهوات الدنيا، وبخلوا بأموالهم وتقلبت مواقفهم وردود أفعالهم تبعاً لأهوائهم، فذمهم القرآن بسبب ذلك.

    شعور النفس الموحدة بمعية الله تعالى

    سادس عشر: من آثار التوحيد: شعور النفس الموحدة بمعية الله عز وجل.

    قال ابن القيم في الفوائد : فإن قلت بأي شيء أستعين على التجرد من الطمع والفزع؟ قلت: بالتوحيد والتوكل على الله والثقة بالله، وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله ليس لأحد مع الله شيء. انتهى كلامه رحمه الله.

    قال الحق عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] وقال : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36] وقال : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] وقال : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:62-64].

    وقال جل وعلا في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) فأي فضل يناله صاحب التوحيد؟ فالله معه يحفظه وينصره ويدافع عنه، مما يزيده قوةً وشجاعة وإقبالاً على الله عز وجل.

    وابن رجب في رسالته الجميلة الإخلاص قال كلاماً جميلاً فاسمعوه: من صدق في قول لا إله إلا الله، ولم يحب سواه، ولم يرج سواه، ولم يخش أحداً إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقيةً من آثار نفسه وهواه، ومع هذا فلا تظن أن المحب مطالب بالعصمة، وإنما هو مطالب كلما زل أن يتلافى تلك الوسمة. انتهى كلامه رحمه الله.

    العلم والبصيرة

    سابع عشر: من آثار التوحيد في النفوس: العلم والبصيرة فمن عرف التوحيد وحقيقته عرف عكسه من الشرك وحقائقه وأباطيله، بل عرف احتيالات أهل الشرك ومكرهم، فيجزم الموحد بكفرهم وعدواتهم، ولذلك قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ذاكراً الناقض الثالث من نواقض الإسلام: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم.

    إذاً: فالعلم والبصيرة من آثار التوحيد على النفوس أو في النفوس، وفي صحيح مسلم من طريق أبي مالك سعد بن طارق عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم دمه وماله وحسابه على الله) فلا يكفي إذاً لعصمة دم المسلم أن يقول لا إله إلا الله، بل لا بد أن يضيف إليها الكفر بما يعبد من دون الله، فإن لم يكفر بما يعبد من دون الله لم يحرم دمه وماله.

    محبة أهل الإيمان وبغض أهل الكفر

    ثامن عشر: محبة أهل الإيمان وموالاتهم وبغض المشركين ومعاداتهم، فالتوحيد يظهر الأعاجيب في النفوس الموحدة، فمن حقد وبغض وعداء إلى حب ومودة وإخاء، وما صنعه التوحيد في نفوس المهاجرين والأنصار من مواقف يجب ألا تنسى، بل لا بد أن تروى وتروى لنرى الأثر النفسي العجيب بالتوحيد الصادق.

    أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المساقاة: باب كتاب القطائع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : (دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع بـالبحرين ، فقالوا : يا رسول الله! إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني).

    قال ابن حجر: وفي الحديث فضيلة ظاهرة للأنصار لتوقفهم عن الاستئثار بشيء من الدنيا دون المهاجرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فحصلوا بالفضل على ثلاث مراتب: إيثارهم على أنفسهم، ومواساتهم لغيرهم، والاستئثار عليهم. انتهى كلامه رحمه الله.

    وأخرج البخاري -أيضاً- في صحيحه في كتاب المناقب مناقب الأنصار (باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : (لما قدموا المدينة -أي: المهاجرين- آخى رسول صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع -أي: بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع - قال سعد لـعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ..أين سوقكم؟!) الحديث.

    سبحان الله! أي حب هذا الذي أحدثه التوحيد في نفوس المؤمنين؟! أي مودة بين المسلمين الموحدين الصادقين؟! هكذا التوحيد يفعل بأهله!

    أما بغض المشركين فنحن وإياهم على طرفي نقيضٍ، فقد يتساءل البعض: لماذا نبغض المشركين؟ ولماذا يأمرنا الإسلام ببغض المشركين؟

    فأقول: لأننا وإياهم على طرفي نقيضٍ، فنحن أهل توحيدٍ وهم أهل شرك، وبيننا وبينهم عداوة وبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، كما قال تعالى، بل العجب أنهم إن آمنوا بالله وحده كانوا من إخواننا ومن أحب الناس إلى قلوبنا، كما قال الحق عز وجل : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] فكيف بمن ينصرونهم من أهل التوحيد؟ وكيف بمن يعينونهم أو يعاونونهم على المسلمين في بعض الأحايين؟ بل كيف بمن يحبهم ويقربهم؟ والله عز وجل يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] كيف بمن يأتي بهم وربما يقدمهم على المسلمين؟ فأين هم عن حقيقة التوحيد؟

    وصدق ابن الجوزي رحمه الله: إنما يتعثر من لم يخلص.

    ولا شك أن هذا كله بسبب الإعراض عن تعلم العلوم الشرعية، وعدم الفقه في دين الله، خاصة في التوحيد والعقيدة، ولو أن المسلمين صاروا يداً واحدة، وحققوا معاني التوحيد كما يريدها الله عز وجل، وتناصروا فيما بينهم لصار لهم شأن غير ما نحن فيه الآن، ولصار الكفار أذلاء ونحن نرى حال الناس، وكيف تنقض عرى إسلامهم عروة عروة!

    ومما انتقض من عُراه: الحب في الله والبغض في الله، والمعاداة لله وفي الله، كما جاء في الحديث المشهور : (إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) وأنت ترى حال الكثير حبه لهواه، وبغضه لهواه، ولا يسكن إلا لمن يلائمه في طبعه وهواه، وإن غره وأغراه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    أيها الأحبة! إن للتوحيد آثاراً على النفس الموحدة، لا بد أن تظهر عليها، فمن لم يجدها فليراجع توحيده، وليحاسب نفسه، وذكرنا من الآثار ما ذكرناه وتركنا ما تركناه لحال المقام، فالمقام هنا مقام تذكير وإرشاد وليس تعليم وتحصيل وتأصيل.

    أسأل الله عز وجل أن ينفع بما قيل، وأن يغفر لنا الزلل والخطأ والتقصير، اللهم لك الحمد على نعمة الإيمان، ولك الحمد على نعمة التوحيد، ولك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعم تترى، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا من بيده ملكوت السماوات والأرض! اللهم احفظ أمننا وإيماننا، اللهم احفظ توحيدنا، اللهم احفظ عقيدتنا في قلوبنا ونفوسنا، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام، وأراد هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم اكفناهم بما شئت فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز!

    اللهم اهد أهل البدع والضلالات، اللهم اهدهم إليك وردهم إليك رداً جميلاً، اللهم افتح على قلوبهم، اللهم أرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه.

    اللهم يا قوي يا عزيز اللهم قوِ إيماننا وأعنا على أنفسنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم وفقهم وأعنهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.

    اللهم يا حي يا قيوم! مُنَّ علينا بتوبة صالحة صادقة تمحو بها فساد قلوبنا، وتصلح بها نفوسنا، اللهم أصلح أزواجنا، وأصلح أولادنا، وأصلح بناتنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم لا تحرمنا أجر هذا المجلس، اللهم لا نخرج من مجلسنا هذا إلا وقد قلت لنا بمنك وفضلك يا كريم: قوموا مغفوراً لكم، اللهم اغفر لنا وتب علينا لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.