إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الصلاة - باب صلاة المريض

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الصلاة - باب صلاة المريضللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام دين اليسر وعدم المشقة، بل حيثما وجدت المشقة وجد التيسير، ومن ذلك مراعاة الشريعة للمريض في التخفيف عنه في الواجبات الشرعية كالصلاة ونحوها، فلأجل المشقة والتعب والمعاناة التي يجدها المريض أباحت له الشريعة أن يصلي قائماً، فإن لم تستطع فجالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب، فإن لم يستطع أومأ برأسه إيماءً، وله أن يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، كل ذلك تخفيفاً من الله تعالى ورحمة.

    1.   

    تنبيهات وأسئلة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    هذا أحد الإخوة الأكارم المتابعين -جزاه الله خيراً- ذكر بعض المسائل المتعلقة بدرس الأمس.

    حكم إمامة المرأة للحاجة

    منها: مسألة إمامة المرأة، نقل عن مجموع الفتاوى الجزء (22) صفحة (248) كلاماً عن بعض أهل العلم في تجويز إمامة المرأة للرجال لحاجة، مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين فتصلي بهم التراويح، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لـأم ورقة أن تؤم أهل دارها وجعل لها مؤذناً، وتتأخر خلفهم إن كانوا مأمومين بها للحاجة.

    تخريج حديث: (قدم على النبي مال فشغله عن ركعتين يركعهما بعد الظهر)

    التنبيه الثاني: يقول: ذكرت حديث أم سلمة مرفوعاً: ( قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال، فشغله عن ركعتين يركعهما بعد الظهر )، وفيه قول أم سلمة رضي الله عنها: ( يا رسول الله! أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا )، ذكر الأخ تخريج الحديث: رواه أحمد والطحاوي وابن حبان في صحيحه، وذكر إسناده، قال: وهذا سند ظاهره الصحة، ولكنه معلول.

    قال ابن حزم رحمه الله: حديث منكر؛ لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة، وأيضاً فإنه منقطع لم يسمعه ذكوان من أم سلمة .

    وبرهان ذلك أن الطيالسي روى هذا الحديث عن حماد عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن عائشة عن أم سلمة، فصح أن هذه الزيادة لم يسمعها ذكوان من أم سلمة ولا ندري عمن أخذها فسقطت. انتهى كلامه رحمه الله.

    درجة أثر: (من ترك شعرة من جنابة ...)

    ثم يسأل الأخ عن صحة أثر علي رضي الله عنه : ( من ترك موضع شعرة من الجنابة عذبه الله بالنار كذا وكذا ).

    الجواب: هذا الحديث حديث علي رضي الله عنه الذي أذكر أننا ضعفناه إن لم تخني الذاكرة؛ فإنه من رواية حماد عن عطاء، وقد روى عنه قبل الاختلاط على الراجح من أقوال أهل العلم؛ ولذلك فظاهر إسناده الصحة أيضاً، لكن أعله جماعة بالإرسال، وذكر ذلك الحافظ رحمه الله في التلخيص وغيره، ونظر آخرون في المتن فوجدوا فيه من المشقة على الأمة ما يدل على أن متنه فيه غرابة أيضاً، والله أعلم.

    1.   

    مراعاة أحوال المرضى في تكاليف الشريعة الإسلامية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة المريض].

    وهذه المسألة الأولى، فإن المؤلف رحمه الله وغيره من أهل العلم جعلوا لصلاة المريض باباً خاصاً؛ لأن حالة المريض تناسب الترخص له في ترك ما يشق عليه أو يعجز عنه، وهذا منسجم مع قواعد الشريعة العامة، كما أنه جاء في صلاة المريض أحاديث خاصة، قال الله تعالى في القرآن: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ .. [النساء:43]، إلى آخر الآية، وقال في شأن الصيام: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا .. [البقرة:184]، وقال سبحانه: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى .. [المزمل:20]، إلى غير ذلك من الآيات.

    1.   

    حكم القيام في الصلاة للمريض والهيئات الجائزة له عند عدم استطاعته

    قعود المريض في الصلاة للعجز أو لزيادة المرض بالقيام

    المسألة الثانية: [والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى جالساً]، فأما إن كان المريض لا يستطيع القيام فهذا يجلس بلا إشكال؛ لأنه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286]، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمران كما في الصحيحين: ( صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب )، حتى لو كان يستطيع القيام ولكن القيام يشق عليه أو يزيد في مرضه جاز له أن يجلس؛ ولهذا جاء في حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على جماعة يصلون وهم قعود عن مرض، فقال عليه الصلاة والسلام: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم )، والحديث صحيح، رواه أهل السنن وغيرهم .

    قال الخطابي رحمه الله تعالى: وهو محمول على من يستطيع القيام، لكن يشق عليه ذلك لمرضه.

    صلاة المريض على جنبه لعجزه عن القعود

    المسألة الثالثة: [فإن لم يطق فعلى جنبه].

    أي: إن كان لا يستطيع القعود صلى وهو على جنبه؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لـعمران بن حصين : ( صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ) أي: على جنبك، فيخفف عنه القعود إلى أن يصلي على جنبه، وهذا بحسب ما يكون عليه حال المريض، فإن المريض قد يكون على أحد جنبيه فلا يستطيع أن يتحول إلى الجنب الآخر، فلا يشق عليه في ذلك، بل يصلي بحسب حاله.

    دليل انتقال المريض إلى الصلاة قاعداً أو على جنبه للعجز

    الرابعة: قال: [لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعمران بن حصين : ( صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك )]، وهذا الحديث الذي هو عمدة أحاديث الباب رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وفيه دلالة على أن الأفضل القيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( صلّ قائماً )، فهو ركن في حق القادر.

    قال: ( فإن لم تستطع فقاعداً )، فإذا لم يطق القيام جاز له أن يصلي قاعداً، فلا يعذر في ترك الصلاة، بل يصلي بحسب إمكانه ولا إثم عليه ولا إعادة أيضاً، حتى لو برأ من علته قبل أن يخرج الوقت.

    ( فإن لم تستطع فعلى جنبك )، أي: إن لم يستطع القعود صلى على جنبه بحسب إمكانه.

    صلاة المريض على ظهره لعجزه عن الصلاة على جنبه

    الخامسة: قال: [فإن شق عليه فعلى ظهره].

    أي: إن شق عليه أن يصلي على جنبه صلى على ظهره، على أي صفة كان، فإن كانت رجلاه إلى القبلة وأمكن أن يرتفع ظهره قليلاً كان ذلك حسناً؛ لأنه الأليق بحال القائم المصلي المستقبل للقبلة؛ وذلك أسهل عليه.

    ما يفعله من عجز عن الركوع والسجود

    السادسة: قال [فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ إيماءً].

    لأن ذلك بحسب الحال، وكل شيء يسقط بالعجز عنه على ما هو معلوم، ولكنه يجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ لأن ذلك هو واقع الحال بالنسبة للصلاة، فيومئ في الركوع ويهصر ظهره في السجود أكثر من ذلك، فإن قدر على السجود سجد وأومأ بالركوع، وهكذا كل شيء قدر عليه من أمر الصلاة فعله، وما عجز عنه فإنه يسقط عنه بالعجز وينتقل إلى بدله، فإن عجز عن شيء بالكلية سقط عنه، ولا يكلف الله تعالى نفساً إلا وسعها.

    1.   

    قضاء المريض لما فاته من الصلوات حال إغمائه

    السابعة: قال [وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه].

    وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:

    أحدها: أنه يقضي مطلقاً، سواء طال الإغماء أم قصر؛ لأنها صلاة في ذمته، فيلزمه قضاؤها ويلحق بالنائم إذا استيقظ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ).

    الثاني: أنه إن كان الإغماء يوماً وجب عليه القضاء، وإن كان أكثر من ذلك فلا قضاء عليه، وهو لـأبي حنيفة، وقد جاء في ذلك حديث، وقالوا: لأن قضاء الصلوات ليوم وليلة لا يشق، أما ما زاد على ذلك ففيه المشقة.

    الثالث: أنه لا قضاء عليه مطلقاً، إلحاقاً له بالمجنون ومن في حكمه ممن لا يجب عليهم القضاء.

    وهذا القول الثالث هو الأظهر، الذي يسنده الدليل، فإنه إذا أغمي عليه لا يلحق بالنائم، فبين المغمى عليه والنائم فرق كبير، فالنائم نام باختياره، ولو أوقظ لاستيقظ، وجاء في نص: ( فليصلها إذا ذكرها أو إذا استيقظ )، أما المغمى عليه فإنه يغمى عليه بغير اختياره، ويوقظ فلا يستيقظ، ولم يرد في القضاء حديث، وإلحاقه بالمجنون أولى؛ لأنه أليق حالاً به وأقرب شبهاً، فالأصوب أنه لا قضاء عليه، لكن إن كانت الصلوات يسيرة فقضاها احتياطاً وإبراءً لذمته فلا حرج عليه في ذلك، وإن لم يقضِ فلا شيء عليه، والأحاديث الواردة في هذا الباب لا تصح.

    1.   

    حكم الجمع للمريض

    الثامنة: قال: [وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشاءين في وقت إحداهما].

    أي: أن المريض إذا شق عليه أن يؤدي كل صلاة في وقتها جاز له أن يجمع بين الظهر والعصر، وجاز له أن يجمع بين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، فيجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر جمع تقديم، أو في وقت العصر جمع تأخير، ويجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب تقديماً أو في وقت العشاء تأخيراً بحسب حاله؛ وذلك لأن "المشقة تجلب التيسير" كما هو معروف، وقد أجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمستحاضة أن تجمع بين الظهر والعصر، وأن تجمع بين المغرب والعشاء للمشقة عليها في ذلك، سواء كانت المشقة في الوضوء كما هو في حال المستحاضة، أو كانت المشقة في تطهير الثياب كما ذكره بعضهم عن المرضع ونحوها إذا كان يشق عليها تطهير ثيابها في كل وقت، فتجمع في وقت إحداهما، أو كانت المشقة على أي وجه، ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( جمع بين الظهر والعصر، وجمع بين المغرب والعشاء بـالمدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر. قال رضي الله عنه: أراد أن لا يحرّج أمته ).

    فدل على أن الجمع يجوز لرفع الحرج عن الأمة، سواء كان ذلك في الحضر أو في السفر، فالجمع جائز إذاً للحاجة، سواء كان ذلك في الحضر أو كان ذلك في السفر.

    وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه جمع بين الوقتين وهو بـالبصرة ؛ لأنه كان منهمكاً في خطبة يعلم فيها الناس بعض ما يحتاجون إليه مما يكون بتفويته مشقة وضرر، فلما خطب فكان الناس يقولون له: الصلاة. الصلاة، فيسكت، الصلاة الصلاة، وأخيراً قال: [أتعلمني بالصلاة لا أم لك! لقد جمعنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بـالمدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مرض]، قال بعضهم: فارتبت في ذلك فسألت أبا هريرة رضي الله عنه فقال: صدق.

    وهو مخير في هذا الجمع بين التقديم والتأخير فكل ذلك جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا وهذا، كما في حديث أنس رضي الله عنه -وهو صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس -يعني: قبل أن تزول- أخر الظهر إلى وقت العصر، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس جمع العصر إلى الظهر فصلاهما ثم ارتحل )، فدل ذلك: على أنه يفعل من الجمع تقديماً أو تأخيراً ما يكون أرفق بحاله، وأبعد عن المشقة وأقرب إلى التيسير.

    اشتراط نية الجمع عند القيام للأولى في جمع التقديم

    التاسعة: قال [فإن جمع في وقت الأولى اشتُرط نية الجمع عند فعلها] أي: عند فعل الأولى.

    وهذا المذهب الذي اختاره المصنف يقتضي: أنه إذا أراد الجمع فإنه يشترط أن ينوي الجمع قبل أن يوقع الأولى، وليس على ذلك دليل، بل لا يشترط ذلك، ولو لم يطرأ عليه الجمع إلا بعدما صلى الأولى فخطر في باله أن يجمع الثانية معها جاز له ذلك؛ لأن هذه النية لا يفتقر إليها عند تكبيرة الإحرام، وقياسها على نية القصر هو قياس مع الفارق؛ لأن القصر عمل يتعلق بالصلاة، بخلاف الجمع فإنما هو يتعلق بالثانية، وحتى لو قلنا: إنها تشبه نية القصر فإن في اشتراط نية القصر نظراً سوف أذكره بعد قليل.

    إذاً: لا دليل على اشتراط نية الجمع عند فعل الأولى، ولم يرد هذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، بل الظاهر: عدم اشتراط النية عند فعل الأولى، وإنما تشترط النية عند فعل الثانية؛ لأن الثانية صلاة قدمت عن وقتها، فينبغي أن ينوي تقديمها حتى تكون الصلاة صحيحة.

    اشتراط استمرار العذر المبيح للجمع إلى الشروع في الثانية في جمع التقديم

    قال: [ويعتبر استمرار العذر حتى يشرع في الثانية منهما].

    أي: العذر الذي أباح له الجمع وتقديم الثانية مثلاً، فإنه لابد من استمراره حتى يشرع في الثانية.

    وهذا صحيح، فإن العذر الذي أباح له تقديم الثانية في وقت الأولى لابد أن يكون موجوداً وقت الإحرام في الثانية، أما لو زال العذر فإنه يترك الصلاة الثانية ويؤخرها إلى وقتها المعتاد.

    زمن التفريق بين الصلاتين في جمع التقديم

    العاشرة: قال [ولا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء].

    أي: لا يفرق بين الصلاتين المجموعتين إلا بقدر الوضوء؛ وذلك أن الجمع معناه: إيقاع الصلاتين في وقت إحداهما على وجه الاقتران، فلا يفرق بينهما إلا بقدر يسير عرفاً، والقدر اليسير يشبه قدر الوضوء، حتى ولو لم يكن محتاجاً إلى الوضوء، فإنه يجوز عند المؤلف رحمه الله ومن وافقه أن يفرق بينهما بقدر الوضوء، ولكن الصواب أنه لا دليل على ذلك أيضاً، فإن أصل الجمع: هو أداء الصلاتين في وقت إحداهما، فيصلي الظهر والعصر في وقت الظهر، أو في وقت العصر، ويصلي المغرب والعشاء في وقت المغرب، أو في وقت العشاء، هذا هو أصل الجمع، ولا يلزم أن يقرن بينهما لا في الوقت ولا في غير الوقت، فيجوز أن يفرق بينهما في الوقت، فيوقع إحداهما ثم يفصل بينها وبين الأخرى بوقت يسير أو طويل ما دام في الوقت.

    ويجوز أيضاً: أن يفرق بينهما في غير الوقت، فيصلي الظهر مثلاً في آخر وقتها، ويصلي العصر في أول وقتها، ولا يلزم أن يكون ذلك على جهة الاقتران والتقارب بينهما؛ لما في ذلك من المشقة العظيمة التي لا يستطيع الإنسان أن يعرفها، وأكثر الناس لا يعرف الوقت على سبيل التحديد، ولا يستطيع أن يحدد دخول هذا الوقت وخروج الوقت الآخر، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، بل الذي ورد في مزدلفة أنه صلى الله عليه وسلم صلى المغرب ثم أنزل رحله ومتاعه ثم صلى العشاء.

    وأصل الجمع: هو الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، والجمع إنما شرع لإزالة المشقة على الناس، فإلزامهم بإيقاع الصلاتين في وقت واحد على جهة الاقتران فيه عليهم مشقة وكلفة، وليس عليه دليل شرعي، وليس فيه إجماع يتعين المصير إليه، فينبغي أن يقال: إنه لا بأس أن يفرق الإنسان بينهما طال التفريق أم قصر، ولا يشق على الناس في ذلك.

    شروط جمع التأخير للمريض

    المسألة الحادية عشرة: [وإن أخر].

    يعني: أخر الجمع، فجمع بين الظهر والعصر مثلاً في وقت العصر، أو جمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، فصلاهما في وقت الثانية، هذا المعنى.

    قال: [فإن أخر اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية] يعني: فلو زال العذر في وقت الأولى صلاها في وقتها، وهذا ظاهر؛ لأنه إنما جاز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها لعذر؛ ولهذا جاء في أحاديث كثيرة: أن تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر باب من أبواب الكبائر، من أخر الصلاة عن وقتها لغير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، جاء هذا في أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار صحاح موقوفة على جماعة من الصحابة كـعمر وابن عمر وغيرهما.

    فنقول: إنه لابد من استمرار العذر، فلو زال العذر في وقت الأولى أوقعها في وقتها، ولا حاجة حينئذٍ لأن يؤخرها إلى وقت الثانية، فلابد من استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.

    يقول المؤلف: [وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها].

    لابد أن ينوي الجمع، يعني: ينوي أنه إنما أخر الصلاة عن وقتها للجمع قبل أن يضيق وقت الأولى عن فعلها، فمثلاً: لو أراد أن يجمع الظهر والعصر جمع تأخير في وقت العصر، فإنه يشترط استمرار العذر إلى خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر، ثم أن ينوي في وقت الظهر وقبل أن يغيب وقت الظهر أن ينوي الجمع مع العصر، بمعنى: أنه لم يؤخر الظهر عن وقتها إلا لأنه نوى أن يجمعها مع العصر، وقوله: قبل أن يضيق عن فعلها، يعني: قبل أن يضيق الوقت عن فعلها؛ لأنه لو لم ينوِ حتى ضاق الوقت لكان في ذلك مفرطاً، إذ أنه لما تضايق الوقت لم يكن بإمكانه أن يصلي الصلاة في وقتها.

    وينبغي أن يقال: إنه ينوي قبل أن يبقى على خروج وقتها ركعة؛ لأنه لو صلى ركعة منها قبل خروج الوقت فقد صلاها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة )، فهو دليل على أن من أدرك ركعة في الوقت أدرك الصلاة، فينبغي أن يقال: أن ينوي الجمع قبل أن يضيق الوقت عن فعل ركعة واحدة.

    1.   

    حكم الجمع في حق من يجوز له القصر

    المسألة الثانية عشرة: قال [ ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر].

    أي: أن الجمع يجوز في السفر للمسافر الذي يجوز في حقه القصر، سواء في ذلك ما يتعلق بالمسافة أو غيرها، فمن جاز له القصر جاز له الجمع، وإنما ذكر المصنف رحمه الله هذه المسألة وهي تتعلق بالجمع؛ لأنه ذكر الجمع بين الصلاتين للمريض، فقرن بها الجمع بينهما للمسافر.

    1.   

    حكم الجمع في المطر

    قال: [ويجوز في المطر بين العشاءين].

    أي: يجوز الجمع في حال المطر بين المغرب والعشاء للمقيم غير المسافر، فذكر حالات الجمع: الجمع للمرض، والجمع للمسافر، والجمع في المطر بين العشاءين.

    وقوله: [بين العشاءين] ظاهره أنه بين العشاءين خاصة، وهذا مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنهم يجمعون بينهما للحاجة، ومن ذلك المطر، وإنما نصوا على العشاءين لما فيهما من الظلمة والمشقة والوحل وغير ذلك؛ فلهذا جاز الجمع بينهما وهو أكثر وأشهر من الجمع بين الظهر والعصر، ومع ذلك فإن الجمع بين الظهر والعصر جائز للحاجة، كالمطر الشديد والريح الشديدة والبرد الشديد، والوحل الشديد الذي يكون على وجه يشق على المصلين، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه كما في المتفق عليه: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وجمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر -وفي رواية: ولا سفر- قالوا: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته )، فحيثما كان حرج فهو مرفوع، والمشقة تجلب التيسير؛ ولذلك إذا كان في أداء كل صلاة في وقتها مشقة شديدة تلحق الناس جاز الجمع بينهما، بل إذا شق عليهم المجيء إلى المسجد جاز لهم أن يصلوا في رحالهم، ولهذا أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم مطير: (ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في رحالكم).

    فالصلاة في الرحال إذا كان ثمة مشقة وحرج على الناس جائزة، بل مشروعة، بل هي السنة، فيؤذن المؤذن ويقول: الصلاة في الرحال، وحينئذٍ يصلي الناس في بيوتهم فرادى وجماعة بحسب إمكانهم، وكل أمر فيه مشقة أو عنت على الناس فهو مرفوع بقواعد الشريعة العامة العظام، وبالنصوص الشرعية الكثيرة المستفيضة.

    وكان الجمع في المطر بين العشاءين -كما ذكرت- أشهر، ولهذا نص عليه المؤلف، وذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه لا يجمع إلا بين المغرب والعشاء، وفي ذلك ما ذكرت.