إسلام ويب

الاستمساك بالدينللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الدين الإسلامي هو عزة كل مسلم يعيش على هذه الأرض سواء كان بين أهله أو في بلاد غريبة بعيدة عن أهله ووطنه، ولكن إن رأى المسلم في نفسه ضعفاً أو عدم استطاعة تطبيق شعائر دينه، فعليه أن يهاجر من البلاد التي هو فيها إلى بلاد يستطيع المحافظة فيها على دينه وإظهار شعائره.

    1.   

    الهجرة...دروس وعبر

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ رسالة ربه، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله تبارك وتعالى، وعظِّموا أمره، واحذروا زواجره، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، الاستمساك بالدين هو الهدف الأسمى لكل مسلم، وهو السياج الحامي لكل حق، إذا حفظ الدين فقد حفظت الأنفس والأموال، وصينت الحريات والكرامات، والتفريط بالدين مآله هلاك النفوس، وخراب الديار، وضياع الحقوق.

    إن من سنن الله الثابتة أن القُوى المعنوية هي الحافظة للقُوى المادية، فالعقيدة والأخلاق ومناهج التربية هي الوسيلة للحفاظ على أي مكسب مادي، وإذا حصل تفريط أو تساهل فلا يُغني مالٌ ولا تنفع قوة، يقال ذلك -أيها المسلمون- والناس تتحدث عن الهجرة وعبرها، وهو حديث يتجدد ولا ينقضي إذا أراد المسلمون صدق التأسي لصاحب الهجرة محمد صلى الله عليه وسلم.

    معاشر الإخوة! ينحصر معنى الدين عند غير المسلمين في عبادات وطقوس محدودة، ذات أوقات معلومة، وأماكن معينة؛ يزاولها أصحابها حين يجتمعون عليها في معابدهم، وذلك غاية ما يريدون أن يؤدون تلك الطقوس والشعائر، ولكن الإسلام دين الله غير ذلك، إنه الدين الذي رضيه ربنا، وأتم به علينا نعمته وأكمله، فهو كامل متكامل.. عقيدة وعبادة، وآداباً وأخلاقاً، وأحكاماً شاملة، تنتظم العلاقات بين العبد ونفسه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق أجمعين، إخواناً وأقارب وأبعدين.

    تتسع دائرة الإسلام لتحيط بكل ذلك وما وراء ذلك، ولا يتحقق الإسلام على وجهه إلا إذا ساد البقعة كلها؛ تقوم فيها أحكامه، وتشيع فيها آدابه، إضافة إلى قيام الشعائر ورسوخ العقائد، وإذا تعذَّر على المسلم إقامة دينه، والالتزام بآدابه، فإنه ينتقل إلى بلد يتحقق فيه ذلك، تكثيراً لسواد المسلمين، ونصرةً لدين الله في العالمين، ولأجل هذا عاتب القرآن أقواماً استكانوا وضعفوا من غير عذر، فلبثوا في أرضٍ كانوا فيها غير قادرين على إقامة الدين على وجهه، ولم ينهضوا لتأييد إخوانهم في بلاد الله الواسعة، ذلك أنهم باستضعافهم غير المعذور، يَجرُّون على أهل الإسلام ضعفاً حين يرضون بالإقامة في ديار الكفر، متخلفين عن تقوية الإسلام في دياره: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:97].

    واليسر في مبادئ الإسلام غير منكور، فيقدر العذر الشرعي لأهله إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُورا [النساء:98-99].

    1.   

    حقيقة الهجرة

    إن الهجرة في حقيقتها -أيها المسلمون- معرفة الحق، والانتقال إليه، والاستمساك به، ثم الانتقال به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، تلك هي طريقة رسل الله والسائرين على دروبهم، وفي القرآن الكريم حكاية عن إبراهيم عليه السلام: وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت:26].

    استمساك بالإسلام، وانتقال به من موقع إلى موقع، فالهجرة حركة ودعوة وجهاد، والمهاجر لا يزال في ساحة الدعوة والجهاد ليس بخارجٍ عنها، إذا ضعف في موطن انتقل إلى موطن يكون فيه أكثر نفعاً وعزاً، تحرف لقتال، أو تحيز إلى فئة من غير تول للدبر.

    ولئن وقفنا عند هجرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وقفة تأمل وتدبر! ثم عمل وتأسٍ، فإننا واجدون من ذلك أموراً كثيرة ذات دلالات عميقة، فحين قامت الدولة في دار الهجرة ، ووجد المؤمنون عند أهل طيبة النصرة، ثارت ثائرة كفار قريش، وأجمعوا أمرهم على اتخاذ مواقف حاسمة، وكان من ذلك أن تمالئوا على قتل صاحب الدعوة ورئيسها محمد صلى الله عليه وسلم.

    يبتغون من ذلك إيقاف مدَّ الإسلام، وذلك دأب المبطلين في كل زمان ومكان.

    نعم! حين يئسوا من أن تُجدي محاولاتهم الأولى، وحين لحظوا المؤمنين يتفلتون من أيديهم منتقلين إلى مواقع أقوى وأماكن أرحب، لجئوا إلى قتل المصلح والنيل منه، ظناً منهم أن في ذلك قضاء على الدعوة أو سداً لطريقها، ألا ساء ما يظنون.

    يقابل هذا درس آخر عجيب! فمحمد صلى الله عليه وسلم حين أراد الهجرة استخلف علياً رضي الله عنه، ليرد الودائع والأمانات إلى أهلها، إنه محمد صلى الله عليه وسلم لم يزل أميناً عندهم قبل البعثة وبعدها.

    عجباً أيها الإخوة! يودعونه أماناتهم، ويأمنونه على ممتلكاتهم، ثم يسعون في قتله.

    إن أعداء الإسلام يوقنون في قرارات أنفسهم باستقامة المؤمن وأمانته ونزاهته، فهو في سيرته أتقى، وفي سريرته أنقى، ولكنَّ العمى والهوى والإصرار على الباطل هو الحامل للمحاربة ونصب المكائد، وصدق الله العظيم: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].

    وفي موقف آخر يمر عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام على دار عمر بن ربيعة وقد خلت من أهلها، فقد هاجر رب الدار وزوجه وأخوه، فنظروا إلى الدار مع دور أخرى.

    تخفق أبوابها ليس بها ساكن، كلٌ قد هاجر إلى الله ورسوله، ثم قال عتبة : أصبحت الدور خلاءً من أهلها، فقال أبو جهل للعباس : هذا من عمل ابن أخيك، فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وقطع بيننا.

    سبحان الله! هذا هو شأن أبي جهل وأتباع أبي جهل ، يجرمون ويفسدون ثم يرمون بالوزر غيرهم، يريدون قهر المؤمنين، فإذا أظهر المؤمن العزة وأبى الذلة جعل عزته مشكلة المشكلات، ورفضه الذلة مصدر المنغصات، وقد علم عدو الله أنهم لا ينازعونه في عقار ولا قمار، ولا ثمة تجارة يخشون كسادها، ولا مساكن يرضونها، ولكنها الهجرة إلى الله ورسوله.

    من أجل هذا وأمثاله -أيها الإخوة في الله- مدح الله المهاجرين في القرآن الكريم، وجعل بعضهم أولياء بعض، وقرن الهجرة بالإيمان والجهاد، واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هجرة أصحابه عبادة مستمرة، وسأل ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم، واستيقن المهاجرون ذلك، فكانوا يتحرجون من المقام في مكة بعد الحج مخافة أن يعودوا في هجرتهم، وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ليالٍ بعد النسك، وكثير منهم يأبى أن ينزل في داره التي خرج منها مهاجراً إلى الله ورسوله، واتفقوا أن يبدأ تاريخ الإسلام من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي حدثٌ عظيم تجلَّى فيه الفرقان بين الحق والباطل، فالهجرة تعبدٌ عند المهاجرين الأولين، وتحول في تاريخ المسلمين.

    فاتقوا الله رحمكم الله! واعلموا أن الهجرة عند داعيتها ضربٌ من الضروب الشاقة، يتحملها المؤمن في سبيل دينه، إنها تضحية بالمال والأرض في سبيل العقيدة والدين، حينما يقتضي الأمر ذلك، ذلك أن الحفاظ على الدين ضمان للحياة الكريمة، والنفس العزيزة.

    تلك بعضٌ من عبر، وهذا شيء من اعتبار، فلا يجوز للمسلمين أن يتخذوا من السيرة قشوراً لا تحرك قلوباً، ولا تستثير همماً، ولا أن يكون الأمر عندهم مجرد إعجاب أشبه بتقليد موروث، ومعرفة سطحية مع تخلف في النهج والعمل.

    سدد الله الخطى، ووفق للصواب، وأعز دينه، وأعلى كلمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218].

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم، وهدانا صراطه المستقيم، ووقانا طريق أصحاب الجحيم، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    دوافع الهجرة

    الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله؛ بعثه بالهدى ودين الحق، صبر وصابر، وجاهد وهاجر حتى ارتفعت أعلام الدين، وحق القول على الكافرين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.

    أما بعد:

    أيها الناس إذا كانت الهجرة في معناها العام هي مجرد الانتقال من بلدٍ إلى بلد، فكثيرون هم المهاجرون، والمنتقلون في بلاد الله الواسعة لغايةٍ وأهداف متنوعة، طلباً للرزق أو الزيادة فيه، أو مزيداً من الراحة والمتعة، وعربي الجاهلية الأولى كثيراً ما ينتقل من أجل الكلأ والعشب، ومساقط المياه، ومفاتن الجاهلية، يبكي على الأطلال، ويخوض معارك دامية مدافعاً عن عنصريةٍ منتنة، أو عادات قبلية بالية.

    تلك هي دوافع الهجرة عند كثيرٍ من الأمم والشعوب.

    ولكن الهجرة في أوسع مدلولاتها عند المسلم تعني انتقال الجسم والروح والمشاعر والنزعات؛ مما يكرهه الله ويمقته من معاصيه وأسباب غضبه؛ إلى ما يحبه ويرضاه من الطاعات والقرب، ووسائل الزلفى لديه، يعرض المسلم سلوكه وتصرفاته على سنة صاحب الهجرة محمد صلى الله عليه وسلم، إنها هجرٌ لكل ما حرَّم الله في الأنفس والأهل والبيوت، يعود إلى بيوت المسلمين صدقها واستقامتها ونبلها وغيرتها... تعاون على الخير، وحفظ لحقوق الأسرة والجيران.

    فالبيت المسلم! هو اللبنة في الوطن المسلم، حيث تشع الآداب والمحبة من هذه البيوت إلى السوق والمجتمع، ودواوين العمل.

    فاتقوا الله -يرحمكم الله- واهجروا الذنوب والخطايا، وابتعدوا عن السفاسف والثنايا، من أجل تطهير النفوس وتزكية القلوب.

    هذا وصلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأحم حوزة الدين، واخذل أعداء الملة، واجعل اللهم هذا البلد أمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمام المسلمين، ووفقه لما تحبه وترضاه، اللهم أيده بتأييدك، وانصره بنصرك، واجمع به كلمة المسلمين.

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

    اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك؛ لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم وانصرهم في فلسطين وأفغانستان وفي كل مكان، اللهم قوِّ عزائمهم، واجمع كلمتهم، وسدد سهامهم وآراءهم، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، فاذكروا لله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003233273

    عدد مرات الحفظ

    718660026