إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعود الشريم
  4. الحزن والاكتئاب.. الداء والدواء

الحزن والاكتئاب.. الداء والدواءللشيخ : سعود الشريم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحزن والاكتئاب ظاهرة عمت وطمت في العالم أجمع، والعلامات التي تظهر على المصاب بالحزن والاكتئاب هي اختفاء البشاشة والابتسامة من على وجهه، والإصابة بالأرق وقلة النوم، وعدم الانشراح، وانفعالات ...إلخ.

    وأسباب هذا المرض كثيرة أهمها: البعد عن الله جل وعلا، وأسباب ستجدها في هذه المادة مع العلاج الناجع الذي أخذ من دين الإسلام.

    1.   

    وقفات مع ظاهرة الحزن والاكتئاب

    الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، الذي أخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، سبحانه هو أمات وأحيا، وأضحك وأبكى، أنزل علينا الكتاب والفرقان، ليهلك من هلك عن بينه، ويحيا من حيَّ عن بينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى الله على بصيرة هو ومن اتبعه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على طريقهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإن فيها العز بعد الذل، والأمن بعد الخوف، والنجاة يوم الورود: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم:71-72]. عباد الله: إن من يتحسس واقع الناس بعامة، وواقع المسلمين على وجه الخصوص، في زمن كثرت فيه المعارف وقل فيه العارف، زمن بلغت آليته أوج تقدمها، ونالت الحاضرة المادية فيه شأواً بالغاً، زمن هو غاية في السرعة المهولة، سرعة اقتصادية، وأخرى طبية، وثالثة عسكرية ومعرفية.

    إن من يتحسس هذا الواقع على وجه الإنصاف والوضوح، فسيمثل أمامه أن هذه المسارعة بقضها وقضيضها، لم تكن كفيلة بإيجاد الإنسان الواعي المدرك لحقيقة وجوده على هذه البسيطة.

    نعم.. عباد الله هذه هي الحقيقة مهما امتدت حبال هذا التقدم العصري، وإلا فمن يخبرنا عن سر انتشار الجهل وتضلعه في عصر تقدم المعلومات؟ وما هو سر شيوع الفقر والمسكنة في عصر الكنوز والغنى؟ وما سر سيطرة البطالة في عصر الإنتاج والصناعة؟ وقولوا مثل ذلك متسائلين: ما هو سر وصف بعض الباحثين في الشئون الاجتماعية على المستوى العالمي هذا العصر بعصر الحزن والاكتئاب، بعد أن أطلق على فترة قريبة منه سابقة عصر القلق؟

    إننا في الحقيقة لسنا بحاجة إلى مزيد أدلة تؤكد ما يكابده هذا العصر من تغلغل هذه الظاهرة واستشرائها.

    الحزن والاكتئاب -عباد الله- هما آفة العصر المدمرة، وهما أوسع الآفات النفسية انتشاراً في العالم، وأكثرها لدى الناس شكاية إلا ما شاء الله، وهي لا تزال في ازدياد ملحوظ كلما ازدادت الإصابة بها، ثم إن المترقب لآخر الإحصائيات الصحية العالمية، ليجد أن ما يقارب (10%) من سكان العالم يعانون من آفة الحزن والاكتئاب بما في ذلكم بلاد المسلمين، وهذا يعني بداهة: وجود مئات الملايين من البشر في معاناة مع هذا الواقع المرير، وقد أسفرت هذه الإحصاءات أيضاً عن أن الأجيال التي ولدت في هذه العقود الأخيرة يبدأ عندها هذا الحزن والاكتئاب في سن أصغر وبمعدلات أكبر، نظراً للعوامل الاجتماعية التي تخللت تلك الجسوم بسبب تهلهلها، وضياع الأثر البيئي الناضج فيها، كما وجد أن هذا الداء ينتشر بشكل عام بين الإناث أكثر من انتشاره بين الذكور، بنسبة تصل إلى الضعف تقريباً وذلك بسبب فقدان الوظيفة الحقيقية للمرأة، وتحميلها ما لا تطيقه، من الأعباء الحياتية، والتي أودت بها إلى ترك بيتها، والزج بطفلها بين أحضان الخادمات، وعقول المربيات الأجنبيات، بل لقد بلغت حالات الانتحار بسبب الحزن والاكتئاب الشديد ما يزيد على ثمانمائة ألف شخص في العالم كل عام، ناهيكم عن كون (80%) من المصابين به، لا يذهبون إلى الأطباء ولا يكشفون عن حقيقة حالهم، وهنا مكمن العجب.

    إن هذه الظاهرة -عباد الله- ليست وليدة هذا العصر، ولا هي من الأدواء التي لا يعرف لها ما يقاومها، أو يزيل عمق وجدها في المجتمعات، كلا. بل هي ظاهرة مرهونة بمدى انغماس الكثرة الكاثرة في متاع الحياة الدنيا، وسيطرة النظرة المادية الصرفة، ثم إن تفاوت المجتمعات في درجات هذه الظاهرة، ليكمن في مدى إيمانها بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم والآخر، والقدر خيره وشره، ثم في استقامة السلوك الاجتماعي، بأمنه وإعلامه وتعليمه، واستقرار العدل والمساواة والمحبة، والبعد عن الأثرة، وحب الذات، وهلم جرا.

    لقد سيطرت هذه الظاهرة، سيطرة مزدوجة على اهتمامات وأبحاث الكاتبين عنها، من بحاثة شرعيين، وأطباء نفسيين، وآخرين من صحفيين نقلة، ولربما تناولتها الأقلام باللت والعجن بين الحين والآخر، غير أن هذه المطارحات على تنوعها واختلاف منطلقاتها، لم توفق في أن تجتمع تحت مظلة واحدة، تجمع في علاج هذه الظاهرة، بين الأصالة والمعاصرة، بين الطب الشرعي الروحاني وبين الطب النفسي الإكلينيكي الموثق، والذي يقوم عليه متخصصون من ذوي الأمانة والغيرة، ممن يخضعون دراساتهم في الطب النفسي للشريعة الغراء بعيداً عن النظريات المادية البحتة المتجردة عن معاني الروح والسمو.

    معنى الحزن والاكتئاب

    عباد الله: الحزن في لغة العرب: هو الاغتمام، يقولون: حزن الرجل إذا اغتم واشتد همه، وهذا الحزن، يعد أحد صور العاطفة، والمشاعر الإنسانية الفطرية التي تسيطر على الإنسان، فإذا ما اشتدت عليه اشتداداً تتغير به نفسه وتنكسر، فإنه حينئذٍ يسمى اكتئاباً، وهو أيضاً إحساس عاطفي، يعد قمة الحزن وغايته، حيث يجعل الفرد نهباً لشعوره الداخلي، الذي يورث الفشل وخيبة الأمل، واختفاء الهشاشة والبشاشة، والحبور والانشراح، مع انفعالات مزدوجة بالآهات والزفرات، حتى تعزف النفس بسبب ذلك عن بذل أي نشاط حيوي، بل ولربما عزفت عن الحياة بالكلية، ليكون الانتحار هو الحل الوحيد للمصاب بهذه الأزمة -والعياذ بالله- في حين أنه لو سلم من قتل نفسه، والقضاء عليها، فلا أقل من أن تصيبه، لوثة بعض الأمراض المصاحبة لها، كأمثال القرحة، وألم المفاصل، والأرق والصداع وغير ذلك، وقد قال ابن القيم رحمه الله: أربعة تهدم البدن: الهم، والحزن، والجوع، والسهر.

    العلاج الروحي للحزن والاكتئاب

    إن أهمية التطبب النفسي من خلال عرض الفرص العلاجية عبر جوانب إيمانية من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لعلة الحزن والاكتئاب؛ لتكمن في كونها البديل الأفضل والأكمل والأسلم لمئات من أنواع الأدوية والعقاقير المهدئة والكيوفات المؤقتة، التي قد يتعود عليها الجسم، فتتحول مرضاً أفتك من الحزن والاكتئاب ذاته.

    ثم إن العلاج الشرعي الروحاني على وجه العموم قد يفوق العلاج السريري لهذه الظاهرة الفتاكة بمرات كثيرة.

    وإذا كان هناك برامج في الطب النفسي تشير أن في السباحة المائية، ومزاولة الأعمال المنزلية بصفة متكررة، علاج لهذه الأزمة، فإننا معاشر المسلمين، لا يمكن أن نتصور كون الفرد سابحاً عاملاً في منزله ليلاً ونهاراً، ولكن يمكن لنا أن نتصور هذا الفرد، متعبداً مسبحاً مستغفراً، ليله ونهاره، قيامه وقعوده، وعلى جنبه، ولا جرم، فقد وصف الله أولي الألباب بقوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191] ومن هنا يأتي تفاضل الأدوية الشرعية الروحانية على المادية السريرية، رغم أهميتها، وعدم إغفال دورها الفعال في بعض الأحاين.

    1.   

    أسباب الحزن والاكتئاب

    العقاقير الطبية

    وبعد يا رعاكم الله! فلسائل أن يسأل ويقول: قد عرفنا صورة هذه الأزمة، ولكن ما أسبابها الظاهرة؟ وما علاجها المرجو؟ فنقول: إن هناك مسببات طبية بحتة، لا يمكن تجاهلها إزاء المصابين بالحزن والاكتئاب، ومن أشهر هذه الأسباب: كثرة تعاطي الأدوية والعقاقير التي تؤدي بدورها إلى تغيرات كيميائية في الدماغ، الناتج عنها الإصابة بالاكتئاب نفسه، ومن ذلك أيضاً: تعاطي المخدرات والمسكرات، المؤدية إلى الإدمان المروع، والإحساس بأن الحياة لا شيء بدون معاقرتها.

    البعد عن الله

    ومن ذلك العوامل الوراثية، وبعض الأمراض العضوية، ولكن الذي يعنينا هنا من على هذا المنبر، هي تلكم الأسباب التي تناولتها الشريعة الغراء، من خلال ذمها، والتحذير منها في غير ما آية أو حديث لكافة شئون الدين والدنيا، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أن خواء القلب من ذكر الله ويبس اللسان منه؛ أمارة من آمارات الضيق والنكد والحزن وكسف البال، فقد قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    وقد جاء في السنة، ما يدل على أن مواقعة المعاصي والاستهانة بها سبب رئيس من أسباب حلول هذا البلاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها من العمل؛ ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بالحزن ليكفرها عنه } رواه أحمد .

    خواء الأفئدة من الإيمان بالله

    ومن أسباب ذلك أيضاً: قلق كثير من الناس، وخواء أفئدتهم من الإيمان بالله، وبقضائه وقدره، وفزعهم من المستقبل المجهول، والشعور بالوهن عن حمل المصائب وتحمل المشاق، فتجدون أمثال هؤلاء قوماً يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولَّوا إليه وهم يجمحون.

    الشيطان يسبب الاكتئاب والحزن

    ومن أسباب ذلك عباد الله: إجلاب الشيطان بخيله ورجله على ابن آدم، فيوسوس إليه ويخنس، ويقذف في قلبه الحزن والكآبة، من خلال تشويشه بكم هائل من الأحلام والرؤى الشيطانية في المنام، حتى تصبح في حياة الفرد هاجساً مقلقاً عند كل غمضة عين، ولذلك يصاب المكتئب بالأرق المزمن وقلة النوم، وقد صح عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: ذكر نوعاً من الرؤى وأنها تكون تحزيناً من الشيطان يحزن بها ابن آدم.

    الديون

    وسبب آخر من أسباب هذه الأزمة يبرز من خلال كثرة الديون، والحمالات المالية، مع العجز والكسل عن إيفائها، أو الجبن والبخل الذي يصيب المرء حينما يبتلى بالفرق السعري، ومما يدل على أن هذا الأمر يعد أساساً في حدوث مثل هذه الظاهرة، ما رواه أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم: {دخل المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة !مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته، أذهب الله همك وقضى عنك دينك، قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة : ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني }.

    هذه بعض الأسباب لا كلها، وقد رأينا صلتها الوثيقة بما جاء التحذير عنه في ملتنا السمحة، ومنهاجنا الأغر، في حين أن جماع هذه الأسباب: هو البعد عن هداية الله، والاستقامة على طريقه، والتعلق بالأسباب الدنيوية، بعيداً عن مسببها سبحانه، ومن تعلق شيئاً فقد وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله فقد وكل إلى ضيعة وخراب: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:125].

    قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

    1.   

    علاج الحزن والاكتئاب

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فيا أيها الناس: من باب أن نوجد شيئاً من التكامل، ولو كان مقتضباً حول الحديث عن ظاهرة الحزن والاكتئاب، فإنه من اللازم لنا أن نشير بلمحة سريعة إلى أنجع الأدوية الشرعية الروحانية، والتي لها أثر فعال من خلال نصوص الشارع والواقع المجرب، حتى من أخصائي الطب النفسي أنفسهم، ناهيكم عما بسطه أطباء القلوب وصيارفته، من علماء إسلاميين، هم قطب الرحى، والقدح المعلى في هذا المضمار.

    العمل بأوامر الله

    فأول هذه الأدوية مكانة: هو قيام الأمة في مجموعها بما فرض الله عليها؛ من الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، والحذر من متاع الدنيا وزينتها، فبمثل ذلك يكون الانشراح والطمأنينة، ويزول الضيق والضنك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم ذلاً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم } رواه أحمد .

    وأخرج الطبراني مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة، يدفع الله به عن النفوس الهم والغم }، ولقد صدق الله إذ يقول: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة:14].

    الرضا بالقضاء والقدر

    ودواء آخر للحزن والاكتئاب عباد الله: يكمن في الموقف الصحيح مع القضاء والقدر، وبلوغ منزلة إيمان العبد؛ بأن {ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه } وأن الأمور بيد الله مقاديرها، فليس يأتيه منهيها ولا يقصر عنه مأمورها، وأن الأرزاق مقسومة والآجال محتومة، وأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فالمرء يتوكل على ربه دون توتر ولا ريبة ولا قلق، فمثل هذا يستقبل الدنيا بشجاعة ويقين، ولسان حاله يقول، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:

    أي يومي من الموت أفر     يوم لا قدر أم يوم قدر

    يوم لا قدر لا أرهبه     ومن المقدور لا ينجو الحذر

    ومن الأدوية عباد الله: تحقيق الرضا عن الله سبحانه، إذ هو المحك أمام العبد، فمن قلّ رضاه عن الله صار مرتعاً للأوهام والأحزان والأدواء، وقد سئل الحسن البصري رحمه الله: من أين أوتي هذا الخَلْق؟ فقال: من قلة الرضا عن الله.

    ونقل أبو حاتم البستي عن بعض السلف قوله: لا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة، ولذلك دعا به زكريا لولده فقال: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم:6].

    والرضا عن الله لا يكون إلا باستحضار العبد لحكمة الله في الأقدار، وأنه لا يعطي ولا يمنع إلا لحكمة بالغة، مما يهون على المرء ما يلاقيه من المصائب والأقدار المؤلمة، بل حتى في حال الفرح كما قال سليمان عليه السلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40]، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وفاة ابنه إبراهيم :{تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجداً، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون } رواه البيهقي وابن ماجة ، وأصله في الصحيحين ، فهو صلى الله عليه وسلم يعني بذلك: لولا أنه يعلم حكمة الله في قبضه إليه، لحزن عليه حزناً شديداً.

    الإكثار من ذكر الله والصلاة

    ومن الأدوية أيضاً: كثرة التسبيح، والسجود، والعبادة، عملاً بقوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:97-99].

    وقد {كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة } وكان يقول صلوات الله وسلامه عليه: {من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب }.

    ومن الأدوية كذلك: ما يسمى بالتلبينة؛ وهي طعام يصنع من حساء من دقيق أو نخالة، ويجعل فيه عسل أو لبن، أو كلاهما، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن التلبينة تجم فؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن } وقوله صلى الله عليه وسلم: { تجم فؤاد المريض } أي: تريحه.

    الدعاء

    ثم نختم -أيها المسلمون هذه الأدوية- بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه أحمد في مسنده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحاً، قالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات، قال: أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن }.

    فهذه بعض الأدوية الناجعة، وهي شذرات وقطرات، مفادها: تشخيص هذه الظاهرة والتفكير بها، فالجزء دليل على الكل، ولا حول ولا قوة لنا إلا بالله.

    اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء.

    اللهم وآت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن الهم والحزن، ومن غلبة الدين وقهر الرجال.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.