إسلام ويب

من أسباب التخلفللشيخ : سعود الشريم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمة اليوم مصابة بالتخلف، بل بجميع أنواع التخلف سواءً كان تخلفاً عقلياً، أو تخلفاً اجتماعياً، أو تخلفاً صناعياً، أو تخلفاً عسكرياً، والسبب في ذلك يرجع إلى أمور كثيرة منها: ترك دين الله جانباً، ومنها: الاغترار بما عليه الغرب من حضارة مادية ونسيان ما هم عليهم من فساد أخلاقي وعقدي.

    ومنها: تضييع وتمييع عقيدة الولاء والبراء.

    والله جل وعلا لا يغير نعمة أنعمها على عبد إلا إذا تغير هذا العبد بكفر أو عصيان، وبالمقابل إذا أصيب المجتمع بعقوبات فلا يزيلها إلا بتوبة وعودة إليه.

    1.   

    التخلف وأسبابه

    الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه، أكرم من شاء بامتثال أوامره والبعد عما عنه نهى، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له العزة والكبرياء، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صفوة العالم طرى، وسيد الأنام برى، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الكرام البررة.

    أما بعد:

    فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أيها الناس! المجتمع المسلم المتميز هو ذلكم المجتمع الذي تتحقق له ضروراته وحاجياته وتحسيناته تحت ظل الشريعة الغراء التي لا تنغصها أزمة، ولا يعكرها ضيق، ذلكم المجتمع الذي يجد حرمته مصونةً مكرمة، لا تهدر تحت ناب سبعٍ عادٍ، ولا تستباح بمخالب باغٍ متوحش، أو سطوة معتدٍ صائل، هكذا يعيش المجتمع المسلم إذا كان في صورته المثلى واستقراره المعهود، غير أنه عند أدنى اختلال لما مضى، وإحلال الضد محله، من الاستخفاء وراء أسوارٍ من الصلف والغطرسة، والمقت لوحي الله وحملته، وجعل سبيل الله موحشةً لطول ما ترادف على سالكيها من أدواء وأعباء، لهو الباب الحقيقي للمثول أمام حاضرٍ كريه، ومستقبلٍ مغلق، وحينئذٍ تزل القدم بعد ثبوتها، ويسبق الخصم إلى إذلالها وكبح حريتها.

    الاهتمام بالجسد على حساب الروح

    إن الشعور العام بين الناس ليحكي بأن العالم اليوم قد قطع مراحل شاسعة في طريق التقدم الحضاري والصعود المادي، فسارعت همم الناس تترى كالبارع الذكي، والنشط المتوقد في اللهف وراء التقدم الصناعي والحضاري ونحوهما، ولكن هذا كله كان على حساب إيجاد المرء الصالح التقي والبار الوفي، فتقدمت الصناعة وتخلفت الروح، استطالت المادة واستكان الالتزام بالدين، حتى نشأ من هذا الضمور في الوعي تفاوت مقلق كان سبباً ولا شك في اختلال سير القافلة المسلمة واعتلالها، واتزانها وإبصارها الواعي بما تقبل عليه وما تحجم عنه، ثم تجتال القنوط آمال لفيفٍ من العلماء والمفكرين بعد أن اعتلى جوارهم من القحط الروحي الذي يسود أرجاء المسلمين بصورة لافتة.

    إن التدين الحقيقي هو الإيمان بالله، والشعور بخلافته في الأرض قلباً وقالباً، والتطلع إلى السيادة الشرعية التي اقتضتها هذه الخلافة، بيد أن ذلك لا يتم إلا بتطويع كل ما جعله الله وسيلة مشروعة؛ لتحقيق هذا المفهوم وسط دنيا ينبغي أن يحكمها المجتمع المؤمن باسم الله وعلى بركة الله وفضله، من خلال الحكم بما أنزل الله شريعة ومنهاجاً، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذليل السبل في الدعوة إلى الله جلَّ وعلا، والجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته، وبمثل هذا يُقضى على الجفوة بين مفهومي الحضارة والإسلام، ويرأب الصدع، وتُسد الثلمة، لتصل سفينة المجتمع المسلم الماخرة إلى شاطئ العز والتمكين، كما أنه يجب أن يكون واضحاً جلياً تقرير أن الفضائل والعبادات التي شرعها الله لنا لا تعوق ازدهار الحياة وتقدمها المادي وسط المجتمعات المسلمة؛ لأن الإنسان عقل وقلب، ومن يظن أن صحوة القلب لا تتم إلا مع خمول الفكر وتهميش الدنيا من كل جوانبها، فهو مخطئ خطأً فاحشاً، كما أن من يظن بأن سيادة العقل وبلوغ الأرب في التقدم المادي لا يتم إلا بتحنيط الإيمان بالله، وفصله عن واقع الحياة، لهو مخطئ أيضاً خطيئة كبيرة.

    ولذا فإن زكاة الروح قد تتم بدون دمار الجسد، وضمان الآخرة والتشمير لها قد يتم بدون ضياع الدنيا وخسرانها، ولقد صدق الله حين قال: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77].

    تنحية شرع الله عن الواقع

    أيها المسلمون! إنه لا يشك عاقل البتة في أن تخلف المسلمين اليوم عن الإمساك بزمام الأمور في الأرض، كما كان أسلافهم، وفي الاتصاف بالتبعية والاستفزاء مع ما يُصاحب ذلك من قلقٍ متنامٍ، وتوجس مكابد، وشعورٍ بأنهم وسط عنق زجاجة يصعدون فيها ولا يلوون على شيء؛ أن ذلك كله بسبب بعدهم عن دينهم، وتنحيتهم لشرع الله عن الواقع، وخفر العهود والمواثيق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المهاجرين محذراً: {وما خفر قومٌ العهد إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم } رواه البيهقي وابن ماجة .

    1.   

    أسباب انسياق الأمة خلف القعدة العاجزين

    ثم اعملوا يا رعاكم الله! أن ثمة سببين اثنين ينخران في جسد الأمة بنهمٍ لتلحق بركاب القعدة العاجزين:

    اللهث وراء التيارات الغربية

    السبب الأول: هو اللهث وراء التيارات الغربية القائمة على فلسفة التفوق المادي، والفكر التحرري، الذي لاقى رجع الصدى وسط الغوغاء من أبناء الأمة المسلمة، مترفهم ومثقفهم، بل وحتى من كان على فراش الإملاق منهم، إلى أن صاروا أذناً وعيناً، ولساناً وقلماً، لنهجهم وفكرهم، سياسة وحضارةً، وثقافةً وإعلاماً، فأصلحوا بإفساد، وداووا بالطاعون، وتقدموا بالتأخر، فهضمت حقوق المسلمين، واغتيلت مروآتهم، بتقليدٍ أعمى، ولهثٍ بليد، فتحقق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن } رواه البخاري ومسلم .

    وأي تبعية أقبح من أن تشبه بدخول جحر الضب المظلم مع ما فيه من ضيقٍ وقوارس، إلا وأن ذلك دليل على التبعية مع عصب العينين على وجه الانتحار غيلة: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا [التوبة:69] يقول ابن عباس رضي الله عنهما: [[ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم ]] ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: [[أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ]].

    تضييع عقيدة الولاء والبراء

    السبب الثاني: هو ذلكم الجاثوم الكابت الذي يعمل على تذويب الهوية الإسلامية للأمة المسلمة وتميزها، المتمثل في الاستعزاز بالإسلام، وبما فرضه الله عليها من الولاء والبراء، والحب في الله والبغض فيه، وجعل المسلمين -بعامة- خاضعين لمصالح مشتركة أياً كان نوعها، حتى ولو كانت خارج الإطار المشروع، ما دامت تصب في مصالح دولية وقوالب مادية للأفراد والجماعات، فيجرها هذا الجاثوم طوعاً أو كرهاً إلى فلكها عبر بنودٍ يصعب التراجع عنها أو الإخلال بها، بناءً على ما تقتضيه مصلحة الفرد أو المجتمع من أعباء الحياة التي يُصبحون من خلالها في غير غنىً عن الغرب ومادته، وفلسفته وسيادته.

    وفي كلا السببين عباد الله! تتضاءل إن لم تتلاش صلة المسلم بربه ودينه، وينحصر الأفراد والجماعات داخل بوتقةٍ من ضيق الأفق، فلا يرون فيها إلا مصالحهم الخاصة، ويندفع جهدهم كله وراء المنفعة العادلة بغض النظر عما يحكم ذلك من حلالٍ أو حرام، والله جل وعلا يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22].

    ولقد {بايع جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله تعالى عنه- النبي صلى الله عليه وسلم على أن ينصح لكل مسلم، ويبرأ من الكافر } رواه أحمد .

    ومن هذا المفهوم -عباد الله- يوقن كل منصفٍ أن أهل الكفر والإلحاد لم ينتصروا بقواهم الخاصة قدر ما انتصروا بفراغ قلوب المسلمين من خلال شهواتهم اليقظة، وإخلادهم إلى الأرض، واتباع الهوى، والسعار إلى الملذات والرغبات، وافتقار صفوفهم إلى ما يجمعها ولا يفرقها، وإلى ما تعتز به من الدين لا ما تستحيي منه أو تخجل بسببه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:13-14].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارا.

    1.   

    نداء لتغيير حالنا المزري

    الحمد لله ولي الصالحين، ذي الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

    أما بعد:

    سنة الله في التغيير

    أيها الناس: إن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يكشف أسباب الانكسار، ويبرز دواعي الانشطار الذي يصيب المسلمين -بعامة- بين الحين والآخر، ومثل هذا لا يُعد بدعاً في أمم الإسلام دون غيرها من الأمم، فقد بين الله في محكم التنزيل ما يدل على سنته في الناكصين والظلمة والمتسللين عن دينهم لواذاً في كل زمانٍ ومكان: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:5-53]، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] ومع هذا كله فإن الباري -جلَّ شأنه- بَرٌّ بعباده، رحيم بهم، يمن عليهم بفضله ورحمته، ويصبغ عليهم ستره ونعمته، ويصبحهم ويمسيهم بالتوفيق والبركة، في الحلم والرفق، غير أن كثيراً من المجتمعات قد تحسن الأخذ ولا تحسن الشكر، تمرح بالنعم ولا تقدر الله حق قدره، ومثل هذا الاستغفال حين يبلغ مداه إضافة إلى الإصرار عليه، والإحساس بإمكانية الاستقلال دون تصحيحٍ أو محاسبة نفسٍ، فحينئدٍ تدق قوارع الغضب أبواب الأمم، فتظلم الوجوه بهزائم الدنيا، وتجرع الخوف فيها قبل حساب الآخرة ونكالها، والله جلَّ وعلا لا يبدل أمن الأمم قلقاً، ولا رخاءها شدةً، ولا صحتها سقماً، ولا عزها ذلاً، من باب الظلم لهم، أو التشفي بهم، كلا. فإن الله واحدٌ لا يتغير، ولكن الناس هم الذين يتغيرون، كما أن الله عادلٌ لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد:11].

    كيف يأتي التغيير

    إن رياح التغيير -عباد الله- لا تهب عليلةً دون كدرٍ أو قتر، كما أنها لا يُمكن أن تهب إلا من داخل صف المسلمين أنفسهم، ومستقبل المسلمين لا يمكن أن يصنعه من لا يخاف الله ولا يُؤمن بشرعته، بل لا بد أن يصنعه المسلمون أنفسهم، انطلاقاً من شرعتهم الغراء، وخارجاً عن إطار القوميات والإقليميات والعصبيات الجاهلية، وإن المسلمين متى ما أروا الله من أنفسهم صدقاً في التصحيح، وعلم الله فيهم خيراً في حسن المقصد، وصدق اللجوء إليه، مهما كان الواقع الأليم الذي يعيشونه ويعانون فيه الأّمرين، فإن ذلك ليس بمانعهم أن يقلب كربهم فرجاً، وترحهم فرحاً، يقول الله -جلَّ وعلا- عن أسرى بدر من المشركين: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال:70].

    فالعودة إلى الله سببٌ في الفلاح وسر في النجاح، غير أن العودة لا يمكن أن تكون بمجرد شقشقة لسانٍ، أو حركة ببنان، أو بوعودٍ كاذبة في التصحيح والاستقامة فور انكشاف الكربة وانقشاع الغياية، كلا. فتلك وعودٌ كاذبة لو انطلت على بعض البشر فإنها لا تخفى على رب البشر، ولذلك أعقب الله حديثه عن الأسرى بقوله: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الأنفال:71].

    فالحاصل -عباد الله- أن استقامة المجتمع وفلاحه ونجاحه في سياسته العامة، وبلوغه المكانة العالية، إنما تجيء من الحرص على التكامل، وتهذيب النفوس من الوحشة والنفرة بعد تحقيق الصلة بالله، ولدى المسلمين في مجتمعهم الحاضر كنوزٌ مشحونةٌ بمثل هذه المعاني الغضة تسع أهل الأرض جميعاً لو قُسِّمت بينهم، ولكنهم عن ذلك ذاهلون ، وفي نيل الغاية الأسمى مُفرطون: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل:91-93].

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يُجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وآتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعل ما أنزلته سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرق ولا استدراج يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.