إسلام ويب

ربما تصح الأجسام بالعللللشيخ : سعود الشريم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن الشريعة الإسلامية وأهميتها، كما أن التمسك بها والدعوة إليها هما أمان هذه الأمة من الفتن والزوابع.

    وقد حذر الشيخ من الفتن بذكر أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك، كما ذكر العواصم من الفتن.

    ونبه إلى أن الشدائد قد تكون وسيلة للتمكين، فربما صحت الأجسام بالعلل.

    ثم حذر من الانخراط في سوء الظن، والفحش في القول والفعل، وحذر من الغلظة في القول أيضاً.

    1.   

    عموم الدين الإسلامي للناس كافة

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الناس: إن شريعةٌ الإسلام شريعةٌ غراء، سمتها الجليلة أن يُعبدَ الله وحده في الأرض ولا يُشرك به، متبعة بقواعد فَرَضَها رب البرية، هي خيرٌ كلها، ونورٌ كلها، وسلامٌ كلها، وفرحٌ كلها .. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:19]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

    عباد الله: إن الدين الإسلامي هو شريعة الله العادلة على العالم أجمع، وما إرسال الله لخاتم رسله صلى الله عليه وسلم للناس كافة بشيراً ونذيراً إلا من أجل أن يدخل الناس في دين الله وصبغته .. صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:13].

    إن الدين الإسلامي هو شريعةٌ مبناها على الاتباع لا الابتداع، وعلى الاقتداء والتأسي لا على النكوص والتنسي، ودين المرء لم يكن ديناً حقاً إلا إذا كان الخضوع فيه للحق سبحانه دون سواه.

    وإن خير هدي ينتهجه الناهجون هو هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وهيهات أن يأتي الناس في أعقاب الزمن بأهدى منهما حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط .. وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]، قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49].

    عباد الله: إنه في أعقاب الزمن ووسط عصور الانتقال، تتعدد مسالك الحياة، وتتزاحم تداعياتها هبوطاً وصعوداً بمدى قرب الناس من دينهم أو بعدهم عنه، ومكان رسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بين ذلك كله أنها دعوة كمال وعدل، فكلما تردد الإنسان عبر هذه العصور التي تُسمى عصور الانفتاح بين طريقين اثنين، أو حارت نفسه في اختيار أحد مسلكين، فإن السنة تدعوه -لا شك- إلى خيرهما، وإذا تردد العقل في خضم هذه النوازل المدلهمة بين الحق والباطل، والزين والشين، دعته السنة إلى الحق والزين؛ لأن الحق أبلج والباطل لجلج.

    وبهذا يُعلم أن دعوة السنة وَسَطَ هذه الزوابع؛ إنما تكون لأصعب الطريقين، وأشق الأمرين بالنسبة لأهواء البشر المحاطة بعالمٍ أصبح عبر وسائله المختلفة كالكتلة الواحدة، ولا غرو في ذلك؛ فإن النار حُفَّت بالشهوات، والجنة حُفَّت بالمكاره، ويبدو ذلك بوضوح في أن الانحدار مع الهوى سهل يسير، ولكن الصعود إلى العلو من الصعوبة والمشقة بمكان.

    ألا ترون -حماكم الله- أن الماء ينزل وحده حتى يستقر في عمق الوادي، ولكنه لا يصعد إلى العلو إلا بالجهد والمضخات.

    تمسك الأمة بدينها هو سر أمنها واستقرارها

    إيها المسلمون: إن البعد عن زمن النبوة مظنة -ولا شك- في البعد عن تعاليمها وآدابها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم }، ويقول أيضاً: {إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً }، ويقول أيضاً: {لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم }.

    لأجل هذا -عباد الله- فإن الثوابت الشرعية؛ من توحيد الله، والإيمان به، والدعوة إليه، والحب والبغض فيه، قد يغيب أكثرها أو بعضها مع مرور الزمن، وغلبة الأهواء، وشيوع الهزل، حتى إنها لتحتاج إلى من يرد لها الحياة بعد ما اعتراها ما اعتراها من ذبول.

    إذاً: لدينا كتاب الله لا تخلق جلدته.. ولا تفنى فروته، ولدينا نور نبوة ملهم السيرة، نقي السنن، وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعمى النفس المؤمنة مع هذا الإشعاع؟ بل كيف يستوحش المرء في هذا العالم الموار، ومصدر الأمن والطمأنينة فوق ظهره محمول، شريطة ألا يغفل عن قوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    إنه رغم الدمار البالغ الذي تُصاب به المجتمعات حيناً بعد حين، والوكزات التي تتلقاها أمة الإسلام فجأة، ثم هي تُصرع أمامها إثر تقويض الرابطة الإسلامية الجامعة الحقة، وعلى الرغم من المكانة الملحوظة التي وفرها الإٍسلام للمجتمعات الإسلامية بأسرها من خلال تعاليمه المحكمة، وثوابته التي لا تتغير -بل يخضع لها كل عصر وليست تخضع هي لكل عصر- إنه رغم ذلك كله إلا أن ثمة خللاً ما، يؤكد أن تلك المجتمعات أحوج ما تكون إلى أن تلتمس لطف الله وعفوه، وترتقب رحمته وإحسانه، وتلزم اللجوء إليه والعياذ به، عاملة بما دعاها به المصطفى صلى الله عليه وسلم: تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    فلا إله إلا الله! أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].

    الحث على الدعوة إلى دين الله

    إنه ينبغي علينا -معاشر المسلمين- أن ندعو إلى دين الله -جلَّ وعلا- الذي هو مصدر عزتنا، وسر قوتنا؛ من خلال التحدث عنه على حقيقته وصورته التي ارتضاها الله جل شأنه، دون استحياء ولا تخوف ولا استجداء، متبعين ذلك على أنه دين العبودية لله وحده في كل شيء، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    وحذارِ حذارِ من أن يخطئ أحد حال التحدث عنه فيعدل عن الوجه الصحيح!

    ثم إن الدعوة إلى الإسلام برمتها أشبه ما تكون بالقضية العادلة؛ غير أنها -وللأسف الشديد- قد تقع بين أيدي المحامين عنها، فيفشلون في عرض حقيقة الدفاع، وإيضاح البينات، وما ذلك إلا من خلال التنازل عن ثوابتها وأسسها؛ بحثاً لعرض، أو خوفاً من عرض.

    ولا غرو في ذلك -عباد الله- فلربما نسمع كثيراً من المتحدثين عن الإسلام يحامون عنه، ويود المرء منا لو أنهم سكتوا فلم ينبسوا بحرف واحد.

    إن أمثال هؤلاء -ولا ريب- لم يفهموا الإسلام بكماله كما تنـزَّل من عند الله، والنزر اليسير ممن يتحدث عنه، ويدَّعي فهمه قد لا يحسنون الإبانة عنه، من خلال الخلط والمزج بينما يصح وما لا يصح، ومن هنا يعظم الخطر؛ لأننا في أزمنة خدَّاعة تحتاج إلى المهرة من ذوي الأفهام عبر عصور يتزن فيها القبيح من المبادئ، فتعرض نفسها على الناس في تزاويق خادعة، كما تتوارى الشمطاء وراء حجب من الأصباغ والحلي.

    إن الإسلام في حدِّ ذاته كالدواء، لا يحتمل أن يجتهد فيه كل محتس له، كما أن الدواء لا يكون دواءً لأن مادته تحوي أسباب الشفاء فحسب، كلا! بل لا بد من تناوله بطريقته التي يُشير بها الطبيب على الوجه الذي وضع له الدواء، ومن تكلف طريقةً من عنده لم يقل بها الطبيب فلا يأمن أحدٌ حينئذٍ إذا استفحل الداء ولات ساعة استشفاء!

    وهيهات هيهات أن تصلح المجتمعات وقد وهت فيها حبال مقومة الشريعة الحقة، وأسس الحياة المحكومة بصبغة الله وشرعته، دون اكتراث بما يُرضي الله وما يسخطه، فكيف إذا كانت الحال في التشكيك في تلك المقومات، أو السعي الدءوب في إماتتها، أو بث ما من شأنه اتهام المسلمين أو بذل الفرقة بينهم، أو التطلع إلى إرساء قواعد التراجع عن الدين أو -على أقل تقدير- إشعار الغير بأن من يتجرع الإسلام بآدابه وكماله فإنه لا يكاد يصيغها إلا معتوهاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!

    1.   

    التحذير من الفتن والانجرار خلفها

    أيها المسلمون! إن من خصائص رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم: أنه ما من خيرٍ إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، وقد كان مما حذَّر الأمة منه: الفتن التي تكون في آخر الزمن وتكاثرها، والغواسق التي تحيط بالأمة من كل جانب، فتموج بهم كموج البحر حتى أنها لتدع الحليم حيراناً، بل ولربما تستمرئها النفوس الضعيفة، وتستشرف لها رويداً رويداً إلى أن تلغ في حمأتها وهي لا تشعر، فإذا ألفتها لم تكد تتحول عنها إلا في صعوبة بالغة بعد أن تفقد خصائصها، ومِنْ ثمَّ تميع وتذوب، ثم:

    ما لجرحٍ بميت إيلام

    وإذا لم يغبر حائط في وقوعه     فليس له بعد الوقوع غبار

    حتى تقع النفس في أتون الفتن؛ فتحترق بلا لهب، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من استشرف لها تستشرفه.. الحديث ).

    يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله ما معناه: "قوله: من استشرف لها، -أي: تطلع لها؛ بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يُعرض عنها".

    وفي الصحيحين أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. قالوا: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: القتل، القتل ).

    عباد الله: إننا في زمن تداعت فيه الفتن كداهية دهياء؛ فقلَّت فيه الأمانة، ونُزِعت فيه الخشية من الله، وتنافس الناس فيه على الدنيا وحضوض النفس، وكّثُرَ فيه القتل وبلغ أوج صوره على اختلاف تنوعه، حتى لربما لا يدري القاتل فيم قَتَلَ، ولا المقتول فيم قتل، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه.

    ولكن لمستفهم أن يقول: ما النجاة في خضم هذه الأحداث؟

    وما موقف المؤمن من متغيرات زمانه وفجاءة النقمة فيه؟

    والجواب على هذا بين بحمد لله، فإن لكل داءٍ دواءً، علمه من علمه وجهله من جهله.

    والدواء في مثل هذا كثير التنوع.

    فمن ذلك:

    أولاً: حمد الله على العافية، مما ابتلى به كثيراً من الناس من الفتن والرزايا، والحروب المدمرة، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة والإيمان بأن ما يريده الله كائنٌ لا محالة، وأن ما أصاب الناس لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41].

    جاء عند مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مبِينٍ [لأنعام:59] ).

    فلا إله إلا الله ما أوسع علم الله! انظروا إلى الأحداث والمستجدات -عباد الله- كيف تحل بنا فجأة على حين غرة، دون أن تقع في ظن أحدنا، أو يدور بخلده أن أحداثاً ما ستكون يوماً ما، مما يُؤكد الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واللجوء إليه وخشيته وحده بالتوبة والإنابة، وكثرة الدعاء، والاستغفار، والصدقة، وبذل الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا ملجأ من الله إلا إليه، ألا إن من خاف البشر فرَّ منهم، غير أن من خاف الله فإنه لا يفر إلا إليه، قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50]، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء ).

    ألا وإنما يحدث في هذه الأزمنة من كوارث تحل بنا بغتة ليُذكرنا باليوم الذي تقوم فيه الساعة والناس في غفلةٍ مُعرضون، مع ما يتقدمها من أماراتٍ وأشراط تدل عليها، فقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي منه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ) كل ذلك -يا عباد الله- دليل على فجأة النقمة، وأن نفساً لا تدري ماذا تكسب غداً، ولا تدري بأي أرض تموت.

    ثم اعلموا -رحمكم الله- أنه ينبغي للمرء المسلم في خضم الأحداث الرهيبة، والمتغيرات المتنوعة، ألا يُصاب بشيء من الاستغسال مع مشاعر القنوط واليأس، وألا يحبس أنفاسه مع الجانب الذي قد يكلح في وجهه على حين غفلة من جوانب الخير الأخرى في حياته، دون التفاتٍ إلى المشوشات من حوله، والتخوفات التي ليس لها ضرير.

    فليس بلازم عقلاً أن تكون تلك المخاوف صادقة كلها، فلربما كانت كاذبة؛ إذ قد تصح الأجسام بالعلل، وقد يكون مع المحنة منحة، ومع الكرب فرج، وإن مع العسر يسرى ولن يغلب عسرٌ يُسرين، وإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

    1.   

    آداب الإسلام في الفتن

    الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد:

    فيا أيها الناس! إن مما لا شك فيه أن كثرة الفتن تزلزل كيان الناس، وأن فتيل الحروب إذا اشتعل عَسُرَ انطفاؤه، وأن التهويش والتشويش والقيل والقال والظن لمما يزيد الأمر سوءاً وتعقيداً، والنار اشتعالاً واضطراماً، ولا جرم! فإن النار قد تذكى بالعيدان، كما أن في مبدأ الحرب كلام اللسان.

    ولقد كان السلف الصالح أحرص الناس على اتقاء الفتن، والنأي بأنفسهم عن أن يقعوا في شراكها، بل يستعيذون بالله منها، وكلما لاحت لهم في الأفق فتنة تمثلوا بما رواه البخاري في صحيحه عن خلف بن حوشب : أن السلف كانوا يقولون عند الفتن:

    الحرب أول ما تكون فتية     تسعى بزينتها لكل جهول

    حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها     ولَّت عجوزاً غير ذات حليل

    شمطاء يكره لونها وتغيرت     مكروهة للشم والتقبيل

    ثم اعلموا -أيها المسلمون- أن من أدب الإسلام في الفتن: كف اللسان وحبسه، وعدم الزج به فيما لا يعني، وزمه عن الفحش والتفحش أو الوقوع في الظن، فإن إطلاق اللسان وسيلان الأقلام خائضة في المدلهمات، ولاجة في المشتبهات والقضايا المزعجات، دون زمام ولا خطام؛ لمن شأنه أن يضعف إيمان المرء المسلم، ويوقعه مواقع الزلل، غير آبه بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لـعقبة بن عامر حينما سأله: (ما النجاة؟ قال:املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك ) رواه الترمذي .

    إن اللهث وراء كل حدث وخبر.. باللسان تارة، وبالأقلام أضعافها، في البيت والسوق، وفي المجالس والمنتديات، وعبر شبكات تقنية يكثر فيها اللغط دون تروٍ أو توثق أو محصلة من العلم والفهم؛ لمما يُقلل العافية والسلامة من الخطأ، فضلاً عن أن يُقدِّم حلاً عاجلاً سوى الخلط والجهل والتضليل، ولله در أبي حاتم البستي حين قال: "إن العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في السكوت؛ لأن من الناس من لا يكرم إلا للسانه، ولا يهان إلا به، فالواجب على العاقل ألا يكون ممن يهان به".

    ثم اعلموا -عباد الله- أن الحوارات الشفهية، والمطارحات الورقية لا ينبغي أن تكون لكل راكب، ولا علكاً يلوكه الكل، وأمور الناس بعامة لا ينبغي أن يتصدى لها أي أحد كيفما اتفق، دون تميز بين الغث والسمين، وبينما يعقل وما لا يعقل، وإنه لمن المستكره أن يكون مقدار لسان الإنسان أو قلمه فاضلاً على مقدار علمه ومقدار علمه فاضلاً على مقدار عقله، فلقد روى البخاري في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه قال: [[حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! ]].

    فمن هرف بما لا يعرف فهو ممن قال الله فيهم: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات:10] قال قتادة رحمه الله: [[ هم أهل الغلظة والظنون ]] وروى الإمام أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أمام الدجال سنون خداعات، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكذوب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ).

    فعلى حملة الأقلام وذوي اللسان أن يتقوا الله سبحانه، وألا يستخفوا بأحد، وألا يبغوا على أحد من المسلمين، يقول ابن عبد البر رحمه الله: "أحق الناس بالإجلال ثلاثة: العلماء، والإخوان، والسلطان، فمن استخف بالعلماء أفسد دينه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه، والعاقل لا يستخف بأحد".

    ومما يزيد الأمر تأكيداً وتوثيقاً -عباد الله- حينما يكون الخوض فيما قال الله أو قال رسوله صلى الله عليه وسلم، فليس لذلك إلا العلماء والأتقياء الأنقياء، فهم ورثة الأنبياء ومصابيح الدجى.

    فحذارِ حذارِ لمن تجاوز طريقهم أن يقع في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أُفتي له بغير علم كان إثمه على من أفتاه ) رواه أبو داود .

    وقد قال عبد الله بن وهب : [[ قال لي مالك بن أنس : يا عبد الله ! لا تحملن الناس على ظهرك، وما كنت لاعباً به من شيء فلا تلعبن بدينك ]].

    وقال: سفيان الثوري رحمه الله: [[ ما كفيت عن المسألة والفتيا فاغتنم ذلك ]].

    فلا تنافس، وإياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله، أو ينشر قوله، أو يسمع قوله، وإياك وحب الشهرة، فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا العلماء الجهابذة: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْب