إسلام ويب

وقفات مع الرؤىللشيخ : سعود الشريم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر موضوع الرؤى والأحلام من أهم المواضيع التي تشغل الكثير من الناس في عصرنا الحاضر، حتى انصرف إليها فئام من الناس هنا وهناك، وبنوا كثيراً من تصرفاتهم عليها.

    وهناك آداباً كثيرة متعلقة بها .. آداب تتعلق بالرائي، وآداب تتعلق بالمعبر، يجب الوقوف عليها والأخذ بها .. مع العلم أن الرؤيا لا تثبت بها الأحكام الشرعية، فهي محكومة بالشرع لا حاكمة.

    وهناك أمر يجب التنبيه إلى مخاطره ومزالقه وهو ما انتشر هذه الأيام من التعبير عبر الشاشات والقنوات.

    1.   

    اختصاص الله بعلم الغيب

    الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من ركع لله وسجد، وأفضل من دعا إلى طريق الحق والرشد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من سار على طريقهم واتبع هداهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن هذه الدنيا دار ممرً وأن الآخرة هي دار القرار، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8].

    أيها الناس: إنَّ لبني آدم ولعاً بالغاً وشغفاً ثائراً فيما يتعلق بالأمور الغيبية، الماضي منها واللاحق، وإنكار هذه الظاهرة ضربٌ من ضروب تجاهل الواقع والنأي عنه، غير أن تراوح هذه الظاهرة صعوداً وهبوطاً يعد مرهوناً بمدى قرب الناس من مشكاة النبوة والشرعة الحقة التي أحكمت هذا الباب، وأخبر الله من خلالها بقوله: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27].

    ولا غرو حينئذ إذا وجدنا هذه العصور المتأخرة مظنةً للخلط واللغط بالحديث عن الغيبيات، وتوقان النفوس الضعيفة إلى مكاشفتها، ما بين مؤمن بالخرافة، وراضٍ بالكهانة، وآخرين سادرين بالسجع والتخمين، يقذفون بالغيب في كل حين، مع أن آيات الله تتلى عليهم بكرةً وعشياً، وفيها قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65] وتُقرأ عليهم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفيها قوله: (خمسٌ لا يعلمهن إلا الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) رواه الترمذي .

    إذاً لا مجال للحديث عن المغيبات إلا من خلال ما ذكره لنا ربنا جل وعلا، أو ما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك فما هو إلا مجرد تكهناتٍ إن لم تكن محور أساطيرٍ وأوهام، وخليط كلامٍ يقذف به مسترقو السمع من الجن.

    والإسلام في حقيقته دين يزيل الخرافة من الفكر، والرذيلة من القلب، والشرود من المسيرة، فالإيمان بالغيب ليس إيماناً بالأوهام ولا هو إيذاناً لأنواع الفوضى.

    1.   

    حقيقة الرؤى

    ثم إن الناجين من هذه الظاهرة قد لا يسلمون من تطلعٍ آخر يحملهم عليه الشغف وروم معرفة الحال اللاحقة، والتي يظنون أن لها ارتباطاً وثيقاً باستقرار مستقبلهم من عدمه؛ فاشرأبت نفوسهم إلى الوقوف على ذلك في مناماتهم من خلال ما يعتريهم من رؤى وأحلام، ولذا فإن أحدنا قد يلاقي أخاً له أو صديقاً فيراه عبوساً متجهماً، أو فرحاً؛ مسروراً فيزول عنه العجب حينما يعلم أن سبب هذا الفرح أو الحزن رؤياً مؤنسة، أو أخرى مقلقة.

    وهذا الأمر -عباد الله- ليس قاصراً على أفراد الناس وعامتهم فحسب، بل يشركهم فيه العظماء والكبراء، فكم أقضت الرؤيا عظيماً من مضجعه، وكم بشرت الرؤيا أفراداً بمستقبلهم، وكم شغلت شعباً كبيراً برٌمَّته، وما رؤيا يوسف عليه السلام بغائبة عنا، ولا رؤيا ملك مصر بخافية علينا، فقد اجتمع فيها تبشيرٌ وتحذيرٌ في آن واحد، إذ بشارتها هي في السعة عليهم في الرزق سبع سنين، ونذارتها هي في الجدب والقحط سبعاً مثلها.

    عباد الله: إن الرؤى لها أهميتها الكبرى في واقع الناس قبل الإسلام وبعد الإسلام، لكنها من خلال نظرات المتعلمين المثقفين قد تتفاوت تفاوتاً كبيراً باختلاف المرجعية من قِبَل كل طائفة، فقد أنكرها الفلاسفة ونسبوا جميع الرؤى إلى الأخلاط التي في الجسد، فرأوا أنها هي التي تُحدِث انعكاساً مباشراً على نفس الرائي بقدر هيجان الأخلاط التي في جسده، ولبعض علماء النفس موقفٌ سلبيٌ تجاه هذه الرؤى -أيضاً- قاربوا فيه قول الفلاسفة ، فجعلوها خليطاً من الأمزجة والرواسب التي تكمن في ذاكرة الإنسان فيهيجها المنام، حتى قصروا أمرها في قالب مادي بيولوجي صرف كما زعموا.

    الرؤيا من المبشرات

    وأما شريعة الإسلام فإن علماءها وأئمتها قد ساروا على منهاج النبوة، ووقفوا من الرؤى بما نص عليه الكتاب والسنة، فذهبوا إلى أن الرؤيا المنامية الصالحة الصادقة إنما هي حق من عند الله، فمنها المبشرة ومنها المنذرة، لما روى مالك في الموطأ وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ذهبت النبوة وبقيت المبشرات قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له } وأصل هذا الحديث في البخاري .

    والتبشير هنا يحتمل التبشير بالخير والتبشير بالشر، كما قال الله تعالى عن الكفار: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق:24].

    وهذه الرؤيا -عباد الله- هي التي قال عنها الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه: {إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة } رواه البخاري ومسلم .

    1.   

    الهدي النبوي في التعامل مع الرؤى

    عباد الله! لقد تكالبت همم كثيرٍ من الناس في هذا العصر بسبب الخواء الروحي الذي يتبعه الجزع والفرق ونأي النفس عن تعلقها بالله، وإيمانها بقضائه وقدره، وبما كان ويكون، وأن شيئاً لن يحدث إلا بأمر الله ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، حتى لقد تعلقت نفوسهم بالرؤى والمنامات تعلقاً خالفوا فيه من تقدمهم في الزمن الأول من السلف الصالح ، ثم توسعوا فيها وفي الحديث عنها والاعتماد عليها؛ إلى أن أصبحت شغلهم الشاغل عبر المجالس والمنتديات والمجامع بل والقنوات الفضائية إلى أن طغت على الفتاوى الشرعية، فأصبح السؤال عن الرؤى أكثر بأضعافٍ من السؤال في أمور الدين، وما يجب على العبد وما لا يجب .. كل ذلك إبَّان غفلة وسِنة عما ينبغي أن يقفه المؤمن تجاه هذه الرؤى.

    وإن هناك هدياً نبوياً للتعامل معها، ينبغي ألا يتجاوزه المرء فيطغى، ولا يتجاهله فيعيا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء، فأغنانا في الحديث عنها عن إتعاب النفس في التعلق بها والسعي الدءوب في معرفة تأويلها، بَلْه التعلق بها والاعتماد عليها، وما تهافُتُ الناس بالسؤال عنها بهذه الصورة المفْرِطة إلا لونٌ من ألوان الخروج عن الإطار المرسوم، والتوازن المتكامل، فتجد أحدنا يرى الرؤيا أياً كانت، فتضطرب لها حواسه، وترتعد منها فرائصه، وتحبس أنفاسه، فلا يطفئ ذلك إلا البحث بنهمٍ عن معبر لها ليعبرها حتى يظهر له أشرٌ هي أم خير، ولو وقف كل واحدٍ منا عند الهدي النبوي مع الرؤى، لما رأينا مثل هذه الجلبة ولا مثل هذا التعلق الشاغل الذي استثمرته بعض المجامع والمنتديات، فضلاً عن الفضائيات التي جعلته وسيلة جلبٍ واستقطابٍ لمشاهديها من خلال هذا الطُعم المهوع.

    آداب التعامل مع الرؤى

    ولأجل أن نقف جميعاً على صورة مثلى للتعامل مع الرؤى المتكاثرة؛ فلنستمع إلى جملة من الآداب المرعية تجاه هذه الظاهرة الناخرة في المجتمع.

    فقد روى مسلم في صحيحه أن أبا سلمة قال: {كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره } وفي رواية عند مسلم قال أبو سلمة : {إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبلٍ، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها }.

    ومن هنا -يا عباد الله- فما كل ما يراه النائم يعد من الرؤى التي لها معنىً تفسر به؛ إذ إن ما يراه النائم في منامه يتنوع إلى ثلاثة أنواع لا رابع لها، كما عند ابن ماجة من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة }.

    يقول البغوي رحمه الله: في هذا الحديث بيان أنه ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحاً ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل، وما سوى ذلك أضغاث أحلامٍ لا تأويل لها.

    ومثال هذه الأضغاث ما رواه مسلم في صحيحه : {أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: لا تحدث الناس بتلاعب الشيطان بك في منامك }.

    وأما موقف المرء من هذا النوع من الرؤى -وهو الغالب على حال الكثيرين- فإنه قد جاء في السنة آدابٌ خاصة به في أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما وهي:

    التعوذ بالله من شر هذه الرؤيا ومن شر الشيطان، وأن يتفل الرائي حين يَهبُّ من نومه ثلاثاً عن يساره، وألا يذكرها لأحدٍ أصلاً، وأن يصلي ما كتب له، وأن يتحول من جنبه الذي كان عليه، وزاد بعض أهل العلم قراءة آية الكرسي؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من قرأها لا يقربه شيطان } وهذا النوع من الرؤى إنما هو من الشيطان.

    يقول النووي رحمه الله: وينبغي أن يجمع الرائي بين هذه الآداب كلها ويعمل بجميع ما تضمنته الروايات، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله، كما صرحت بذلك الأحاديث.

    وأما النوع الثاني من الرؤى فهو: ما يحدث به المرء نفسه في يقظته؛ كمن يكون مشغولاً بسفرٍ أو تجارةٍ أو نحو ذلك، فينام فيرى في منامه ما كان يفكر فيه في يقظته، وهذا من أضغاث الأحلام التي لا تعبير لها.

    فلا يبقى إلا النوع الثالث، وهو: الرؤيا الصادقة الصالحة التي تكون من الله، وهي التي تكون بشارةً أو نذارةً، وقد تكون واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى تأويلٍ، كما رأى إبراهيم عليه السلام أنه يذبح ابنه في المنام.

    وقد تكون خافيةً برموزٍ تحتاج فيها إلى عابرٍ يعبرها، كرؤيا صاحبي السجن مع يوسف عليه السلام، وهذا النوع هو الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقَصَّ إلا على عالمٍ أو ناصح، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: {لا تقص الرؤيا إلا على عالمٍ أو ناصح } رواه الترمذي .

    الرؤى لا تثبت شيئاً من الأحكام الشرعية

    وما عدا ذلك من الرؤى التي تتعلق بإثبات شيءٍ من أحكام الشريعة في حلالٍ أو حرام، أو فعل عبادة أو تحديد ليلة القدر مثلاً، وهي التي أريها النبي صلى الله عليه وسلم ثم أنسيها، أو تلك الرؤى التي ينبني عليها آثار متعدية تتعلق بحقوق الناس وحرماتهم وإساءة الظنون بهم من خلال بعض الرؤى مثلاً، أو الحكم على عدالتهم ونواياهم من خلالها؛ فإن ذلك كله من أضغاث الأحلام، ومن الظنون التي لا يجوز الاعتماد عليها في قول جمهور أهل العلم، كـالشاطبي والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر وغيرهم.

    وقد ذكر الشاطبي -رحمه الله- في كتابه الاعتصام : أن الخليفة المهدي أراد قتل شريك بن عبد الله القاضي ، فقال له شريك : ولِمَ ذلك يا أمير المؤمنين ودمي حرامٌ عليك؟ قال: لأني رأيت في المنام كأني مقبلٌ عليك أكلمك وأنت تكلمني من قفاك، فأرسلت إلى المعبر فسألته عنها فقال: هذا رجلٌ يطأ بساطك وهو يسير خلافك. فقال شريك : يا أمير المؤمنين! إن رؤياك ليست رؤيا يوسف بن يعقوب، وإن دماء المسلمين لا تسفك بالأحلام. فنكس المهدي رأسه، وأشار إليه بيده أن اخرج فانصرف.

    وقد ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق : أن بعضهم رأى في المنام الشافعي رحمه الله فقال له: كذب عليَّ يونس بن الأعلى في حديثٍ ما هذا من حديثي ولا تحدثت به فقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- معلقاً على هذا الكلام: يونس بن الأعلى من الثقات لا يطعن فيه بمجرد منامٍ.

    وقد نقل الذهبي -رحمه الله- عن المروزي قال: أدخلتُ إبراهيم الحصري على أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، وكان رجلاً صالحاً فقال: إن أمي رأت لك مناماً هو كذا وكذا وذكرت الجنة، فقال: يا أخي! إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا وخرج إلى سفك الدماء، وقال: الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره.

    ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.

    1.   

    عظم مسئولية المعبرين

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فيا أيها الناس! إن من باب الإنصاف والمصارحة والنصح ألاّّ نلقي باللائمة كلها في موضوع الرؤى والإفراط فيها على آحاد الناس فحسب، بل لا بد من تأدية الأمر إلى العابرين أنفسهم الذين يعبرون الرؤى، إذ عليهم مسئولية عظمى تجاه الرائين، فلا بد للعابر أن يكون عالماً بهذا العلم العظيم، وأن يدرك المصالح والمفاسد في هذا الميدان، وألاَّ ينصب نفسه للفُتيا في الرؤى ويتطلع إليها، لاسيما عبر الشاشات وفي المجامع الكبيرة، فإن تعبير الرؤى قرين الفُتيا، وقد قال الله حاكياً عن الملك: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ [يوسف:43].

    يقول ابن القيم رحمه الله: المفتي، والمعبر، والطبيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره، ثم إن على العابرين ألا يتسارعوا في التعبير، وألا يجزموا بما يعبرون، وأن يعلموا خطورة هذا الجانب، وما يوصله إليه من الافتتان والإعجاب بالنفس، وتعظيم شأنه فوق شأن المفتين وأهل العلم.

    وقد نقل ابن عبد البر عن الإمام مالك أنه سئل: أيعبر الرؤى كل أحد؟ فقال مالك : أبالنبوة يلعب؟! وقد نقل ابن عبد البر أيضاً عن هشام بن حسان أنه قال: كان ابن سيرين يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء، إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم. وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب.

    فإذا كان هذا هو قول إمام المعبِّرين في زمانه وما بعده من الأزمان؛ فما الظن بمن جاء بعده، إننا لنسمع بالمعبر يسأل عن ألف رؤيا لا تسمع مرة يقول: لا أدري، أو يقول: هذه أضغاث أحلام، أو يقول: هذه حديث نفسٍ، إلا من رحم ربك.

    مخاطر التعبير من خلال القنوات الفضائية

    كما أن على العابرين أن يدركوا خطورة تعبير الرؤى من خلال الشاشات التي يراها الملايين من الناس، وكذا المجامع الممتلئة بالحشود، وذلك للأمور التالية:

    أولها: أنَّ الانفتاح المطلق في التعبير نوع فتنة من أجل حديثه في أمور الغيب؛ لاسيما أن أحداً لا يستطيع أن يجزم بصحة ما يقول العابر من عدمه، إلا من رأى ذلك في واقعه، وهذا شبه متعسرٍ عبر الشاشات.

    ثانيها: تعذر معرفة حال الرائي عبر الشاشات والمجامع من حيث الاستقامة من عدمها، وهذا له صلةٌ وثيقةٌ بتعبير الرؤيا، فقد سأل ابن سيرين رجلان كلٌ منهما رأى أنه يؤذن، فعبرها للصالح منهما بالحج لقوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27] وعبرها للآخر بأنه يسرق، لقوله تعالى: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70].

    و الشاطبي رحمه الله يقول في مثل هذه الحالة: فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، وتترك غير الصالحة.

    ثالثها: عدم إدراك عقول الناس لطريقة بعض العابرين للرؤيا، لاسيما عبر الشاشات والمجامع؛ بحيث يكون تعبيرهم بصورة تجعل المستمع الجاهل لأول وهلة يقول: هذا تكهن أو تخمين أو عرافة، ونحن قد أمرنا بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، فقد أخرج البخاري في صحيحه قول علي رضي الله عنه: [[حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ]]

    وعند مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: [[ما أنت محدثٌ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ]].

    رابعها: أن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح .. فالمفسدة من خلال التعبير عبر الشاشات أشد من مصلحته لأمور لا تخفى على متتبعها؛ لاسيما أنها في أمور غيبية وأنها كالفتوى، والسلف الصالح كانوا يتدافعون الفتوى ما استطاعوا، ناهيكم عن بعض الفساد المتحقق من خلال ما يشاهد ويسمع من تعبير رؤياً لفتاةٍ -مثلاً- بأنها ستفشل في نكاحها، أو لامرأة تعبر لها بأن زوجها تزوج عليها سراً بامرأة أخرى، فما ظنكم بحال الأولى والأخرى، فهذه تترقب الفشل في كل حين مع ضيق نفسها وانشغال بالها، وتلك باهتزاز كيانها والشك في زوجها المرة تلو الأخرى، ناهيكم عمَّن يرين مثل هذه الرؤى، فيكتفين بما سمعنه من تعبيرٍ لغيرهن، فيقفن عليه دون الرجوع إلى عابرٍ عالم اكتفاءً بما سمعنه أو شاهدنه، فتكون الطامة حينئذٍ، وقولوا مثل ذلك فيما يراه الرجال والشباب.

    وأما ما يحتج به بعض الناس من أن مسلماً روى في صحيحه : {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كثيراً ما يسأل أصحابه بعد الفجر فيقول: من رأى منكم رؤيا؟ } فالجواب عن هذا من وجوه:

    الوجه الأول: أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعبيره حق لا يشوبه شائبة.

    الوجه الثاني: أن تعبيره كان في مسجدٍ يحضره عددٌ ليس كالأعداد التي تعد بالملايين حينما تشاهد التعبير عبر الشاشات، وما ظنكم بحضورٍ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة العقلاء الفضلاء، مقارنة بحضورٍ عند غيره صلى الله عليه وسلم، فأين الثرى من الثريا؟

    الوجه الثالث: أنه لم يثبت عن أحدٍ من الصحابة -كالخلفاء الأربعة ولا من بعدهم من التابعين- أنه كان يفعل في المسجد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، لاسيما أبو بكر رضي الله عنه وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عارفٌ بتعبير الرؤى، وهو معدودٌ من المعبرين عند كثيرٍ من أهل العلم.

    ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، وراقبوه في السر والعلن، والقصد القصد تفلحوا.

    هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين .. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

    اللهم انصر إخواننا المستضعفين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم .. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.