إسلام ويب

الطلاقللشيخ : سعود الشريم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد رغب الإسلام في الزواج، وحث على اختيار الزوجة صاحبة الدين، والزوج صاحب الدين والخلق، وقد جعل الإسلام لكلا الزوجين حقوقاً وواجبات، وتتكامل الحياة الزوجية عند ما تكون مبنية على الحب والتفاهم والتعاون والصبر، وعندما تفقد الحياة الزوجية معناها وتصبح العشرة صعبة يكون الطلاق هو الحل.

    ولانتشار الطلاق في أيامنا هذه أسباب كثيرة، ودوافع عديدة، يجدر بأهل العلم بيانها.

    1.   

    الطلاق كلمة الوداع والفراق

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [الأحزاب:70].

    أما بعــد:

    أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي فإن أقدامكم على النار لا تقوى، ثم اعلموا أن ملك الموت قد تخطَّاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم! فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

    أيها المسلمون! يحكي واقع كثير من الناس اليوم صوراً شتَّى من اللآمبالاة من قيم الألفاظ ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء لا يلقي لها بالاً، ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، احتقر بعضهم أجمل كلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك أن النار بالعيدان تذكى، وأن الحرب مبدأها كلام.

    أيها الناس! لا يستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمةً من الكلمات تكون معولاً صلباً يهدم به صرح أسر وبيوتات، أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تنقل صاحبها في سعادة وهناء إلى محنة وشقاء!

    أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمةً من الكلمات تحرِّك أفراداً وجماعات، وتنشئ تداخلات ونداءات؛ لرأب ما صدعت، وجمع ما فرقت! أتدرون أي كلمة هذه؟!

    إنها كلمة أبكت عيوناً، وأجهشت قلوباً، وروعت أفئدة، إنها كلمة صغيرة الحجم لكنها جليلة الخطب، إنها كلمة ترعد الفرائص بوقعها، وتقلب الفرح ترحاً، والبسمة غصة، إنها كلمة الطلاق، وما أدراكم ما الطلاق؟!

    كلمة الوداع والفراق، والنكاح والشقاق، فلله كم هدمت من بيوت للمسلمين! وكم قطعت من أواصر للأرحام والمحبين؟!

    يا لها من ساعة رهيبة، ولحظة أسيفة، يوم تسمع المرأة طلاقها؛ فتكفكف دموعها، وتودع زوجها.

    يا لها من لحظةٍ تجف فيها المآقي، وتغص الحلوق، حين تقف المرأة على باب دارها لتلقي النظرات الأخيرة؛ نظرات الوداع على عش الزوجية المليء بالأيام والذكريات.

    يا لها من عصيبة حين تقتلع السعادة أطنابها من رحاب ذلك البيت المسلم المبارك.

    العشرة الزوجية بين السعادة والشقاوة

    عباد الله! العشرة الزوجية ضرب من المحبة في النفس، ليس له في أنواعه ضريب؛ فهو الذي يسكن به الزوجان، وهو الذي يلتقي به بشران، فيكون كُلاً منهما متمماً لوجود الآخر، ينتجان بانتقائهما بشراً مثلهما وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72].

    إن اختلال العشرة بين الزوجين يُزكي نار الفرقة، وكثرة الخصام تضرم غبارها، ولو أحب الأزواج أنفسهم حُباً صادقاً، وسكن بعضهم إلى بعض لوادَّ كُلاً منهما الآخر، ووادَّ لأجله أهله وعشيرته؛ لأن المودة بين الزوجين سبب من أسباب سعادة العشيرة، وسعادة العشيرة سعادة للأمة المؤلفة من العشائر المؤلفة من الأزواج، فهذا التآلف والتأليف هو الذي يتكون منه ميزات الأمة، فما يكون عليه من اعتدال وكمال يكون كمالاً في بنية الأمة واعتدالها، وقرة عين لمجموعها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال يكون مرضاً للأمة يوردها موارد الهلكة، فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه لأمته، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي }.

    حث الإسلام على اختيار الزوجة الصالحة

    عباد الله: لقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: {فاظفر بذات الدين تربت يداك }.

    هذه هي الزوجة التي يحث الشارع الحكيم على تحصيلها والرضا بها، ويدعو في الوقت نفسه على من أراد غيرها، وزهد فيها، ورغب عنها.

    ومن المعلوم بداهةً: أنه لا يرغب الظفر بذات الدين إلا من كان قلبه معلقاً بالدين، وكانت نفسه من النفوس الزكية، ومن هذه حاله فلا خوف أن يرزق المودة بينه وبين زوجته؛ لأنها من ثمرات المشاكلة في السجايا والصفات الفاضلة.

    وعلى العكس من ذلك المشاكلة في الصفات الرذيلة، والسجايا الدنيئة؛ فهي لا تبقي محبة، ولا تُؤنس توددا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {خير متاع الدنيا المرأة الصالحة }رواه مسلم .

    إنه متى كان الدين بين كل زوج وزوجته فمهما اختلفا وتدابرا وتعقدت نفساهما؛ فإن كل عقدة من العقد لا تزيد إلا ومعها طريقة حلها، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة والرحمة والمغفرة، وهو العهد والوفاء، وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق كل ما تكون به منحطة أو وضيعة، ومن كان هذه حاله فلن يستنكف أن يكون ممتثلاً بما خُوطب به من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها } رواه أحمد وغيره، وقوله صلى الله عليه وسلم: {استوصوا بالنساء خيراً } ، وثمرة الدين في المرأة يظهر في قول عائشة رضي الله عنها: {يا معشر النساء! لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن؛ لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها } فما أجهل الرجل يسيء معاشرة امرأته! وما أحمق الرجل تسيء معاملة بعلها!

    آخر الدواء الكي

    أيها الناس! الطلاق كلمة لا يُنازع أحدٌ في جدواها وحاجة الزوجين إليها، عندما يتعذر عند العيش تحت ظل وارف؛ وإذا بلغ النفور بينهما مبلغاً يصعب معه التودد؛ فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان كما اجتمعا لهذا القصد وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً [النساء:130] .

    إن الله -عز وجل- لم يخلق الزوجين بطباع متفقة من كل وجه، والزوجان اللذان يظنان أنهما مخلوق واحد يعيشان في أوهام، إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر هي بكل ما في رأسه؟ وكيف تريد هي منه أن يحس بكل ما في قلبها؟ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228].

    إن النسيم لا يهب عليلاً دائماً على الدوام، فقد يتعثر الزوج وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وهم، ومن العقل توطين النفس على قبول بعض المضايقات وترك التعليق المرير عليها فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر } رواه مسلم .

    ومن يتتبع جاهداً كل عثرةٍ     يجدها فلا يسلم له الدهر صاحب

    بيد أن بيوتاً كثيرة فقدت روح التدين، فهي تتنفس في جوٍ من الشراسة والنكر، واكتنفتها أزمات عقلية وخُلقية واجتماعية، فقد تطلّق المرأة اليوم بسبب نقصان ملح أو يبوسة خبز أو باستعصاء باب صعب عليه فتحه، فيخبط هؤلاء خبط عشواء، ويتصرفون تصرف الحمقاء، فيقعون في الإثم.

    1.   

    أسباب كثرة الطلاق في هذا الزمان

    .

    فقدان قوامة الرجل على المرأة

    عباد الله: لقد كثر الطلاق اليوم لما فقدت قوامة الرجل في بعض المجتمعات؛ إبِّان غفلة وتقهقر عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، وركن فئام من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت مفاهيم العشرة، وأفسدت الحياة الزوجية من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وتولَّى كبر تلك المفاهيم: الإعلام بشتى صوره؛ من خلال مشاهدات متكررة، يقعد فيها مفاهيم خاطئة، ومبادئ مقلوبة في العشرة الزوجية، حتى وضع بعض الزوجات تأريخهن، ولرب منظرٍ تشهده ألف امرأة في مرة واحدة، فإذا استقر في وعيهن، وطافت به خواطرهن وأفكارهن؛ سلبهن قرارهن ووقورهن كما استنهل في واقعهن ألف مرة، بألف صورة، في ألف حادثة؛ فلا تعجبوا حينئذ إذا استأسد الحمل، واستنوق الجمل!

    والعجب كل العجب! أنه في ثنايا المناقشة، يُقرر الإعلاميون أن دور الإعلام مع المرأة إنما هو كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية والتسمم بمكروبها، بزعم أنها تكسب صاحبها مناعة تقيه من أن يعدى بوبائها.

    وحقيقة الأمر عباد الله! أنهم بالذي وطئوا زادت العقد، وأن ما يذكره الإعلاميون هو التعرف لعدوى الوباء في عنفوان شدته، ولقد صدق من قال:

    وكانت دوائي وهي دائي بعينه      كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

    والواقع أيها المسلمون! أن داخل البيت المسلم يتأثر بخارجه، وتيارات الميوعة والجهالة إذا عصفت في الخارج تسللت إلى الداخل، فلم ينجو من بلائه إلا من عصم الله.

    الحياة الزوجية حياة اجتماعية! ولا بد لكل اجتماع من رئيس يُرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرئاسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بما أودع الله فيه من ذلك، وإن ما تتلقاه المرأة من الأجواء المحيطة بها على منازعة الرجل قوامته لمن الانحراف الصرف والضلال المبين.

    ألا وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق ولا عقد ارتفاق بجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجل، وكلٌ من الزوجين بشر تام، له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] ، كما أن قوامة الرجل لا تعني استغنائه عن زوجه، فالله عز وجل يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187].

    عباد الله! لقد كَثُرَ الطلاق اليوم لما صار المطلق أحد رجلين: إما رجل أعمل سلطته وأهمل عاطفته؛ فكان في بيته سيداً، ولكنه لم يذق طعم المحبة والسعادة، ولا عرف الصفا والهناء، وإما رجل تبع عاطفته فأطاعها وأهمل سلطته فأضاعها؛ فعاش في داره عبداً رقيقاً، فصار شر مغلوب لمن غلب.

    كثرة الحسدة والواشين

    لقد كثر الطلاق اليوم لما كثر الحسدة والواشون، فنكسوا الطباع، وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والالتئام عللاً للتباغض والانقسام، ولربما كان لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سبباً مباشراً في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب، وقد تتدخل الأم أو الأخ أو الأخت، فيحار الزوج من يقدِّم: أيقدم والديه الذي عرفاه وليداً وربياه صغيرا؟ أم يقدم الزوجة التي هجرت أهلها وفارقت عشها من أجله؟

    إن هذه لمرتقاة صعبة؛ أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمر من المر، وأوجعها أضيق من الضيق، إن مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية لهي مكمن خطرٍ لدى كثير من الأسر، فما بال أولئك يهجمون على البيوت فيأتونها من ظهورها، ويمزقون ستارها، ويهتكون حجابها، وينتزعون الخرائج من أكنافها، والفرائد من أصدافها، ويوقدون العداوة والبغضاء بين الزوجين، ماذا يكون أثر هؤلاء في البيوت التي تتكون منها الأمة وفي الأمة المكونة من البيوتات؟

    إنه لا يغيب عن ذهن عاقل أن شرهم مستطيل، وأن ما يفعلونه فتنة في الأرض وفساد كبير.

    عباد الله! إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، بعيدة الآماد، فرحم الله رجلاً محمود السيرة، طيب السريرة، سهلاً رفيقاً بيناً رؤوفاً رحيماً بأهله، لا يكلف زوجته من الأمر شططاً، وبارك الله في امرأة لا تتطلب من زوجها طلباً، ولا تحدث عنده لفظاً، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشرها } رواه أبو داود ، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: {إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت } رواه ابن حبان .

    ولهذا كله يفهم الرجل أن أفضل ما يستصحبه في حياته، ويستعين به على واجباته، الزوجة اللطيفة العشرة، القويمة الخلق؛ وهي التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره، إن هذه الزوجة هي دعامة البيت السعيد، وركنه العتيق، فالصالحات قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34].

    بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه كان غفاراً.

    1.   

    المثالية في العشرة الزوجية

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فيا أيها الناس! إن أحدنا لتمر عليه فترات لا يرضى فيها عن نفسه، ولكنه يتحملها ويتعلم بما يخبره من المعاذير، وإذا كان الأمر كذلك؛ فليكن هذا هو الشأن بين الزوجين، يلتمس كلٌ منهما لقرينه المعاذير، فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات، ولا بد من غض الطرف عن الهفوات والزلات حتى تستقيم العشرة:

    فمن ذا الذي ما ساء قط      ومن له الحسنى فقط

    وجميل من الزوجين أن يعاشر بعضهما بعضاً على هذه القاعدة السمحة، فإن الزوج إذا كان في كل أموره معاتباً زوجه؛ لم يلق الذي لا يعاتبه.

    وإذا هي لم تشرب مراراً على القذى     ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

    وجماع ذلك:

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها      كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

    إنه لا شيء يخفف أثقال الحياة وأوزار المتاعب عن كاهل الزوجين كمثل أحدهما للآخر، ولا شيء يعادل للإنسان عن مصابه في نفسه وغيره مثل المرأة للرجل والرجل للمرأة، فيشعر المصاب منهما بأن له نفساً أخرى تمده بالقوة وتشاطره مصيبته.

    عشرة خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم

    هذه أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم، كانت له في المحنة قلباً مع قلبه العظيم، وكانت لنفسه صلى الله عليه وسلم كقول: نعم! فكأنها لم تنطق قط "لا" إلا في الشهادتين، وما زالت -رضي الله عنها- تعطيه من معاني التأييد والتهوين، كأنما تلد له المسرات من عواقبها كما تلد ذرية من أحشائها بمالها تواسيه وبكلامها تسليه: [[كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتقرئ الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ]].

    العشرة الزوجية بين أم سليم وأبي طلحة

    وحدث أنس بن مالك رضي الله عنه عن أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية رضي الله عنه، قال: {مرض ابن لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير ، فبينا أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيئت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه، فرجع من المسجد، وقد تطيبت له وتصنعت، فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان، وقدمت له عشاءه، فتعشى هو وأصحابه، ثم أتما ليلتهما على أتم وأوفق ما يكون، فلما كان آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة ! ألم ترَ إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طلبت إليهم شق عليهم، قال أبو طلحة : ما أنصفوا! قالت: فإن ابنك فلان كان عارية من الله فقبضه الله إليه، فاسترجع وحمد الله، وقال: والله لا أدعك تغلبينني على الصبر حتى إذا أصبح غداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: بارك الله لكم في ليلتكما }.

    الله أكبر! بمثل هذا فلتكن العشرة أيها الأزواج.. بمثل هذا فلتكن الحياة الهانئة السعيدة بالنفس والمال والولد.

    حقوق مشتركة بين الزوجين

    ثم اعلموا رحمكم الله! أن لكلا الزوجين حقاً على الآخر؛ فحق الزوجة على الزوج: أن ينفق عليها، ولا يُكلفها من الأمر ما لا يطيق، وأن يسكنها في بيت يصلح لمثلها، وأن يعلمها ويؤدبها ويغار عليها ويصونها، وألا يتخونها ولا يتلمس عثراتها، وأن يعاشرها بالمعروف، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {استوصوا بالنساء خيراً }، وسئل صلوات الله وسلامه عليه: {ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت } رواه أبو داود .

    ومن حق الزوج على زوجته: أن تطيعه في المعروف، وأن تتابعه في مسكنه، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، وألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه، وألا تخرج بغير إذنه، وأن تشكر له نعمته عليها ولا تكفرها، وأن تدبر منزله وتهيأ أسباب المعيشة به، وأن تحفظه في دينه وعرضه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة } رواه الترمذي والحاكم .

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    اللهم أعز الإسلام المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدائك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم انصر من نصر المسلمين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.

    اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين من المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.