إسلام ويب

هادم البيوتللشيخ : سعود الشريم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، بعيدة الآمال، تقوم على حقوق متبادلة من كلا الطرفين، وإن اختلال تلك العلاقة يشعل نار الفرقة، ويعكر صفو العشرة، مما يلجئ الزوجين أحياناً إلى اتخاذ القرار المر ألا وهو الطلاق، وهي كلمة تصدر حينما يتعذر العيش تحت ظل وارف، وأسباب ذلك كثيرة منها ضعف قوامة الرجل، وفقدان البيت لروح التدين، والمفاهيم الفاسدة الدخيلة عبر وسائل الإعلام ونحوها.

    1.   

    آثار انحلال الرابطة الزوجية

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعــد:

    فيا أيها الناس! اتقوا الله، اتقوه حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي؛ فإن أجسامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

    عباد الله: يحكي واقع كثير من الناس اليوم صوراً شتى من اللاَّمبالاة بقيم الألفاظ، ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء لا يلقي لها بالاً؛ ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، استحقر بعضهم حجم الكلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك أن النار بالعيدان تذكى، وأن الحرب مبدؤها كلام.

    أيها الناس: أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تكون مِعْولاً صلباً يهدم به صرح أُسَر وبيوتات؟!

    أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تنقل صاحبها من سعادة وهناء إلى محنة وشقاء؟!

    أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تحرك أفراداً وجماعات، وتنشئ تزلفاً وشفاعات؛ لرأب ما صدعت، وجمع ما فرقت؟!

    أتدرون أي كلمة هذه؟

    إنها كلمة أبكت عيوناً، وأجهشت قلوباً، وروعت أفئدة، إنها كلمة صغيرة الحجم؛ لكنها جليلة الخطب، إنها كلمة ترعد الفرائص بوقعها، وتقلب الفرح ترحاً والبسمة غصةً، إنها كلمة الطلاق، إنها كلمة الطلاق.. وما أدراك ما الطلاق؟ كلمة الوداع والفراق، والنـزاع والشقاق، فلله كم هدَّمت من بيوت للمسلمين! وكم قطَّعت من أواصر للأرحام والمحبين! يا لها من ساعة رهيبة، ولحظة أسيفة يوم تسمع المرأة طلاقها، فتكفكف دموعها، وتودع زوجها!

    يا لها من لحظة تجف فيها المآقي حين تقف المرأة على باب دارها لتلقي النظرات الأخيرة؛ نظرات الوداع على عش الزوجية المليء بالأيام والذكريات!

    يا لها من لحظة عصيبة حين تقتلع السعادة أطنابها من رحاب ذلك البيت المسلم المبارك!

    طريق السعادة الزوجية

    عباد الله: العشرة الزوجية ضرب خاص من المحبة في النفس ليس له في أنواعه ضريب، فهو الذي يسكن به الزوجان، وهو الذي يلتقي به بشران؛ فيكون كل منهما متمماً لوجود الآخر، ينتجان بلقائهما بشراً مثلهما وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72].

    إن اختلال العشرة بين الزوجين يذكي نار الفرقة، وكثرة الخصام تضرم أوارها، ولو أحب الأزواج أنفسهم حباً صادقاً، وسكن بعضهم إلى بعض لَوَادَّ كل منهما الآخر، ووادَّ لأجله أهله وعشيرته؛ لأن المودة بين الزوجين سبب من أسباب سعادة البشر، وسبب من أسباب سعادة العشيرة، وسعادة للأمة المؤلفة من العشائر المؤلفة من الأزواج، فهذا التآلف والتأليف هو الذي يتكون منه مزاج الأمة؛ كما يكون عليه من اعتدال وكمال يكون كمالاً في بنية الأمة واعتدالاً، وقرة عين لمجموعها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال يكون مرضاً للأمة يوردها موارد الهلكة، فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه لأمته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي }.

    المرأة الصالحة خير متاع الدنيا

    عباد الله: لقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: {فاظفر بذات الدين تربت يداك } هذه هي الزوجة التي يحث الشارع على تحصيلها والرضا بها، ويدعو على من أراد غيرها، وزهد فيها، ورغب عنها، ومن المعلوم بداهة أنه لا يرغب بالظفر بذات الدين إلا من كان قلبه معلقاً بالدين، وكانت نفسه من النفوس الزكية، ومن هذه حاله فلا غرو أن يرزق المودة بينه وبين زوجه؛ لأنها من ثمرات المشاكلة في السجايا والصفات الفاضلة، وعلى العكس من ذلك المشاكلة في الصفات الرديئة، والسجايا الدنيئة؛ فهي لا تثمر محبة، ولا تورث تودداً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {خير متاع الدنيا المرأة الصالحة } رواه مسلم .

    إنه متى كان الدين بين كل زوج وزوجته فمهما اختلفا وتدابرا، وتعقدت نفساهما، فإن كل عقدة من العقد لا تزيد إلا ومعها طريقة حلها، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة، والرحمة والمغفرة، وهو العهد والوفاء، وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق ما تكون به منحطة أو وضيعة، ومن كانت هذه حاله فلن يستنكف أن يكون ممتثلاً لما أُمر به من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها } وقوله صلى الله عليه وسلم: {استوصوا بالنساء خيراً } وثمرة الدين في المرأة يظهر في مثل قول عائشة رضي الله عنها: [[يا معشر النساء! لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن؛ لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها ]].

    فما أجهل الرجل يسيء معاملة امرأته! وما أحمق المرأة تسيء معاملة بعلها!

    الحياة الزوجية أفراح وأتراح

    أيها الناس: الطلاق كلمة لا ينازع أحد في جدواها، وحاجة الزوجين إليها حينما يتعذر العيش تحت ظل وارف، وإذا بلغ النفور بينهما مبلغاً يصعب معه التودد؛ فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان؛ كما اجتمعا بهذا القصد وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً [النساء:130].

    إن الله عز وجل لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنان أنهما مخلوق واحد يعيشان في أوهام، إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر برأسه؟ وكيف تريد هي منه أن يحس بقلبها؟ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] إن النسيم لا يهب عليلاً داخل البيت على الدوام، فقد يتعكر الجو، وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وَهْمٍ، ومن العقل توطين النفوس على قبول بعض المضايقات، وترك التعليق المرير عليها فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر }.

    ومن يتتبع جاهداً كل عثرة     يجدْها ولا يسلم له الدهر صاحب

    بيد أن بيوتات كثيرة فقدت روح التدين، فهي تتنفس في جو من الشراسة النكر، واكتنفتها أزمات عقلية وخلقية واجتماعية؛ فقد تطلق المرأة اليوم في رطل لحم؛ علق الرجل به طلاقها إن قامت بشرائه، فيخبط هؤلاء خبط عشواء ويتصرفون تصرف الحمقى؛ فيقعون في الإثم والحيف.

    1.   

    أسباب انتشار الطلاق

    عباد الله: لقد كثر الطلاق اليوم لما فقدت قوامة الرجل في بعض المجتمعات، إبان غفلة وتقهقر عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، وركن فئام من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت مفاهيم العشرة وأفسدت الحياة الزوجية، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وتولَّى كبر تلك المفاهيم الإعلام بشتى صوره، من خلال مشاهدات متكررة، يقعِّد فيها مفاهيم خاطئة، ومبادئ مقلوبة بالعشرة الزوجية، حتى وضع بعض الزوجات تاريخهنَّ، ولرُبَّ منظر تشهده ألف امرأة بمرة واحدة، فإذا استقرَّ في وعيهنَّ، وطافت به الخواطر والأفكار سلبهن القرار والوقار؛ فمثَّلنه ألف مرة؛ بألف طريقة في ألف حادثة، فلا تعجبوا حينئذ إذا استأسد الحمل واستنوق الجمل!

    والعجب كل العجب أنه في ثنايا المناقشة، يقرر الإعلاميون أن دور الإعلام مع المرأة إنما هو كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية، والتسمم بميكروبها، بزعم أنها تكسب صاحبها مناعة تقيه من أن يعدى بوبائها، وحقيقة الأمر أنهم بالذي وضعوا زادت العقد، وإن ما يذكره الإعلاميون هو التعرض لعدوى الوباء في عنفوان شدته، ولقد صدق القائل:

    وكانت دوائي وهي دائي بعينه     كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

    والواقع -أيها المسلمون- أن داخل البيت المسلم يتأثر بخارجه، وتيارات الميوعة والجهالة إذا عصفت في الخارج تسللت إلى الداخل، فلم ينجُ من بلائها إلا من عصم الله.

    أهمية قوامة الرجل

    الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس؛ يُرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرئاسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بما أودع الله فيه من ذلك، وإن ما تتلقنه المرأة من الأجواء المحيطة بها على منازعة الرجل قوامته لمن الانحراف الصرف، والضلال المبين، وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق، ولا عقد ارتفاق لجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجل، وكل من الزوجين بشر تام له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] كما أن قوامة الرجل لا تعني استغناءه عن زوجه؛ فالله عز وجل يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187].

    عباد الله: كثر الطلاق اليوم، لما صار المطَلِّق أحد رجلين:

    إما رجل أعمل سلطته، وأهمل عاطفته؛ فكان في بيته سيداً، ولكنه لم يذق طعم المحبة والسعادة، ولا عرف الصفاء والهناء.

    وإما رجل تبع عاطفته فأطاعها، وأهمل سلطته فأضاعها، فعاش في داره عبداً رقيقاً.

    كثرة الحاسدين والواشين

    لقد كثر الطلاق اليوم لما كثر الحسدة والواشون، والكذبة والنمامون، فنكثوا الطباع وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والالتئام عللاً للتباغض والانقسام، ولربما كان لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سبباً مباشراً في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب، وقد تتدخل الأم، أو الأخ أو الأخت فيحار الزوج من يقدم: والديه اللذين عرفاه وليداً وربياه صغيراً، أم زوجه التي هجرت أهلها وفارقت عشها من أجله؟ إن هذا لمرتقاة صعبة؛ أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمر من المر، إن مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية لهي مكمن خطر لدى كثير من الأسر، فما بال أولئك يهجمون على البيوت فيأتونها من ظهروها، ويمزقون ستارها، ويهتكون حجابها، وينتزعون الخرائط من أكنافها، والفرائد من أصدافها، ويوقعون العداوة والبغضاء بين الأزواج، ماذا يكون أثر أولئك في البيوت التي تتكون منها الأمة، ومن الأمة المكونة من البيوتات؟ إنه لا يغيب عن فهم عاقل أن شره مستطير، وأن ما يفعلونه فتنة في الأرض وفساد كبير.

    1.   

    عمق الجذور في العلاقة الزوجية

    عباد الله: إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، بعيدة الآمال، فرحم الله رجلاً محمود السيرة، طيب السريرة، سهلاً رفيقاً، ليناً رءوفاً، رحيماً بأهله؛ لا يكلف زوجته من الأمر شططاً، وبارك الله في امرأة لا تطلب من زوجها غلطاً ولا تحدث عنده لغطاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن شر الناس عند الله منـزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشرها ) رواه أبو داود . وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت ) رواه ابن حبان .

    وبهذا كله يفهم الرجل أن أفضل ما يستصحبه في حياته، ويستعين به على واجباته: الزوجة اللطيفة العشرة، القويمة الخلق، وهي التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره، إن هذه الزوجة هي دعامة البيت السعيد، وركنه العتيد فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    مواقف للسلف في العشرة الزوجية

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه؛ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فيا أيها الناس! إن أحدنا لتمر عليه فترات لا يرضى فيها عن نفسه، ولكنه يتحملها ويتعلل بما يحضره من المعاذير، وإذا كان الأمر كذلك فليكن هذا هو الشأن بين الزوجين؛ يلتمس كل منهما لقرينه المعاذير؛ فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات، ولابد من غض الطرف عن الهفوات والزلات؛ حتى تستقيم العشرة

    من ذا الذي ما ساء قط     ومن له الحسنى فقط

    خديجة تواسي الرسول صلى الله عليه وسلم وتسليه

    ولا شيء يخفف أثقال الحياة، وأوزار المتاعب عن كاهل الزوجين كمثل أحدهما للآخر، ولا شيء يبعد الإنسان عن مصائبه في نفسه وغيره مثل المرأة للرجل، والرجل للمرأة، فيشعر المصاب منهما بأن له نفساً أخرى تمده بالقوة، وتشاطره مصيبته، فهذه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، كانت له في المحنة قلباً مع قلبه العظيم، وكانت لنفسه صلى الله عليه وسلم كقول "نعم" فكأنها لم تنطق قط "لا" إلا في الشهادتين، وما زالت رضي الله عنها تعطيه من معاني التأييد والتهوين، كأنما تلد له المسرات من عواطفها كما تلد الذرية من أحشائها، بمالها تواسيه، وبكلامها تسليه: [[كلا والله، لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ]].

    موقف أم سليم بنت ملحان

    وحدث أنس بن مالك رضي الله عنه عن أمه أم سليم بنت ملحان الأنصاري رضي الله عنها قال: {مرض أخ لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير ، فبينما أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيأت أم سليم أمره وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه، فرجع من المسجد وقد تطيبت له وتصنعت فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان، وقدمت له عشاءه؛ فتعشى هو وأصحابه، ثم أتما ليلتهما على أتم وأوفق ما يكون، فلما كان آخر الليل. قالت: يا أبا طلحة ! ألم تر إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طلبت إليهم شق عليهم! قال أبو طلحة : ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك فلان كان عارية من الله فقبضه إليه؛ فاسترجع وحمد الله وقال: والله لا أدعك تغلبينني على الصبر، حتى إذا أصبح؛ غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: بارك الله لكما في ليلتكما } الله أكبر! بمثل هذا فلتكن العشرة أيها الأزواج! بمثل هذا فلتكن الحياة الهانئة السعيدة بالنفس والولد، والمال والأوطان.

    1.   

    الحقوق الزوجية

    واعلموا رحمكم الله: أن لكلا الزوجين حقاً على الآخر: فحق الزوجة على الزوج أن ينفق عليها ولا يكلفها من الأمر ما لا تطيق، وأن يسكنها في بيت يصلح لمثلها، وأن يعلمها، ويؤدبها، ويغار عليها، ويصونها، وألا يتخونها، ولا يلتمس عثراتها، وأن يعاشرها بالمعروف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً ) وسئل صلوات الله وسلامه عليه: (ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ) رواه أبو داود .

    ومن حق الزوج على زوجته أن تطيعه في المعروف، وأن تتابعه في مسكنه، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، وألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه، وألا تخرج بغير إذنه، وأن تشكر له نعمته عليها ولا تكفرها، وأن تدبر منـزله، وتهيئ أسباب المعيشة به، وأن تحفظه في دينه وعرضه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض، دخلت الجنة ) رواه الترمذي والحاكم .

    هذا وصلوا -رحمكم الله- على أفضل البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً ) اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء! اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها، ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم ما سألناك من خير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

    عباد الله: اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.