إسلام ويب

البشارة العظيمةللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وذلك عندما ينظر الناظر فيرى المنكرات قد انتشرت في الأرض، ولكنه يستبشر عندما يعلم أن الله ناصر دينه، ومُعْلٍ كلمته ولو كره الكافرون.

    1.   

    تبشير الملائكة للوط عليه السلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهي ليست محاضرة كما ذكر المقدم، ولكنها كلمة إن شاء الله، وكما قيل: خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، فإن أصبت فمن الله عز وجل، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان.

    أيها الإخوة الكرام: العنوان: (البشارة العظيمة) والله جلَّ وعلا يقول: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223] والمؤمنون مبشَّرون من الله جل وعلا ومن النبي صلى الله عليه وسلم ببشائر عظيمة، وهذه بعض منها وإلا فهي أكبر وأكثر وأعظم، وسوف تسمع بعضها أيها الأخ الكريم.

    أُبَشِّر كل داعية إلى الله، وكل مصلح، وكل آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، وأبشر كل مُصْلِحَة، وكل آمِرَة بالمعروف وناهِيَةٍ عن المنكر، أبشركم جميعاً أيها الإخوة بأن هذا الدين منتصر، وأن الله عز وجل مُعْلٍ دينه، وناصرٌ كتابه جل وعلا، وأن هذا الدين مهما حاولوا إطفاء نوره فلن يستطيعوا: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32] بل قال عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47].

    إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإن الإنسان ليصيبه الحزن والكآبة عندما ينظر في الناس فيرى المنكرات، والفساد ينتشر في الأرض، ويرى فلاناً الذي كان يصلي الفجر في جماعة؛ اليوم لا يصلي حتى ولا في بيته، ونرى ذلك الذي كان ينادي للصلاة؛ اليوم يرفع صوته بالغناء، ويرى الذي كان يحفظ القرآن؛ قد ارتد عن سبيل الله، إن القلب ليحزن وإن الصدر ليضيق من هول ما يرى.

    بل عندما يدعو الإنسانُ الناسَ إلى الله جل علا، ولَمَّا يدعو الداعية إلى الله بالمعروف وينهى عن المنكر ويرى الصدود والإعراض؛ يصيبه بعض الحزن والكآبة، فإذا فتح الجرائد وسمع أخبار الناس: المسلمون يُذَبَّحون ويُقَتَّلون، وتستباح دماؤهم وتُسْلَب أراضيهم وأموالُهم؛ يصيب الإنسان منا الضيق والحزن والكآبة، ثم ماذا؟

    ثم أبشر يا عبد الله! فإن نصر الله قريب.

    حب قوم لوط لفاحشتهم

    هذا لوط عليه السلام يصيب قومه داءٌ عظيم، أتعرف ما هذا الداء؟

    داء إتيان الذكور: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165] يأتون فاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين، يأتون الذكران أجلكم الله، وهذا حادث في بعض الدول في هذه الأيام للأسف!

    فإذا به يأمر قومه وينهاهم ولكن للأسف لا مجيب ولا مستجيب.

    فتأتي الملائكة في صورة ضيوف -واسمع لهذا الخبر فلكأنه يحكي واقعاً قريباً من واقعنا- فيسمع القوم بأن هناك ذكوراً ورجالاً قد دخلوا؛ فارتفعت الشهوة، وعَمِي البصر، وذهب العقل، وانمسخت الفطرة؛ فجاءوا إليه يهرعون ويركضون ويسرعون، قرعوا الباب على لوط، ففزع منهم: وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [هود:77-78].

    وتَخَيَّلْ نفسك يا عبد الله! وأنت في مثل هذه الحالة التي فيها لوط، قوم لا يعرفون الزواج، ولا يعرفون نكاح النساء، لا يعرفون -أجلكم الله- إلا نكاح الرجال بعضهم بعضاً، حتى لما طرقوا عليه الباب قال لهم: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] اتقوا الله، ألا رجل واحد رشيد؟!

    يتبعون الشهوات، بل يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فإذا جاءت مواطن الشهوات أتى الجميع يطلبون شهوتهم وتكالبوا وتآلبوا وتآمروا؛ وكادوا لأجل ذلك أن ينشروا الفاحشة في المجتمع.

    ولأجل أن يقضوا الشهوات ويتمتعوا بشهواتهم جاءوا من بعيد يهرعون ويركضون، طرقوا الباب وقالوا للوط: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود:77-78] هؤلاء بناتي إي: تزوجوا بناتي، اتركوا هذه القذارة والنجاسة، فقد أعطاكم الله الحلال، أما ترضون إلا بالحرام؟!

    فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] لا والله يا لوط! ليس هناك في القوم رشيد للأسف!

    للأسف بعضهم يحصل على أرفع الشهادات، وأعلى المناصب وأكبر المنابر يركبها ويعتليها ثم هو ليس برشيد ليتكلم عن نفسه فكيف يتكلم عن غيره؟! أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78].

    أتعرف بِمَ ردوا عليه؟!

    قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ [هود:79] تعلم يا لوط أننا لا نقبل بالزواج، ولا نرضى بالحلال، ولا نرضى إلا بالحرام والشهوات: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79].

    التفت لوطٌ عليه السلام إلى الضيوف، فحزن وضاق صدره، فضيحة! فهم ضيوفه! ثم قال: قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [هود:80] لو أن لي في هذه الظروف قوة أتَقَوَّى بـها على رد هؤلاء الأعداء: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80] رحم الله لوطاً! لقد آوى إلى ركن شديد، أتعرف أي ركن هذا أيها الداعية؟!

    آوى إلى ركن الله، ليست هناك أسباب مادية، ضاعت القوة، جُوْبِهَ من جميع الجهات: مِن فوقه، ومِن أسفل منه، ومِن أمامه، ومن خلفه، أغلقوا كل الأبواب في وجهه، أرغموه على الفساد، وقالوا اقتحِموا بيته بالفساد؛ ولكنه آوى إلى ركن شديد.

    أليس الصبح بقريب

    هنا تكلمت الملائكة ونطقت بإذن الله: قَالُوا يَا لُوطُ [هود:81] من هنا بدأ الفرج وبدأت البشائر: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ [هود:81] تدخلت القوة من السماء، وأذن الله عز وجل بالانفراج، وبدأت البشائر: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْك [هود:1].

    أيها الداعية إلى الله: لا تنظر ولا تقرأ الأخبار والإحصائيات والتقارير: كم عندهم من الصواريخ! ومن الأسلحة! ومن الجيوش الجرارة! ومن الأموال الهائلة! والدعاة إلى الله لا يملكون إلا ألسنتهم، وبعض الأقلام! لا تظن أنه لا مقارنة ولا سبيل للنصر، فإن النصر من عند الله وحده.

    يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [هود:81] وبدأت الآن خطة النصر: يا لوط اخرج في الليل.

    ولربما يعمل الدعاة إلى الله أحياناً في الليل، ولا يملكون إلا العمل في الظلام بعض الأحيان، وبعض الأحيان يدعون إلى الله بالسر، بل بعضهم في روسيا الاتحادية والجمهوريات الشيوعية كانوا يعملون في السراديب.

    فإذا بلوط عليه السلام يؤمر بالخروج ليلاً، قال: لِمَ؟

    قالت الملائكة: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ [هود:81] سوف يأتي الفجر أيها النبي الكريم -أيها الداعية إلى الله! سوف يأتي الفجر- فإذا بلوط عليه السلام يستبطئ الفجر.. الفجر بعيد.. والليل طويل.. ولكن الملائكة ترد على لوط فتقول له: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81].

    1.   

    بشائر من العهد المكي

    أيها الداعية إلى الله! مهما طال الليل فإن نهايته الفجر، وقد آذن الفجر بالقدوم، وسوف تأتي الشمس بعد الفجر.

    أيها الداعية إلى الله! أبشر بالنصر من الله جل وعلا، وابذل ما تستطيع، فإذا أيست وبذلت جهدك وقصارى طاقتك فاعلم أن الله سوف يأتيك بالنصر: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف:110].

    بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالنصر

    شاب في العهد المكي لم يتجاوز عمره العشرين سنة يرى محمداً صلى الله عليه وسلم -وتَخَيَّلْ هذه الصورة- أفضل الخلق وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فيأتيه هذا الشاب الصغير وقد أنهكه التعب، وآلمه الأسى واستبطأ النصر، فقال: (يا رسول الله! ادعُ لنا، استنصر لنا) ضاقت بهم الأمور، وتَخَيَّلْ صورتهم: هذا يُجَرُّ في الرمضاء في شدة الحر، وذلك يُضْرَب، وذاك يُطْفأ الجمر بجلده، وتلك يُطْعَن في فرجها برمح فتخرج روحها أمام ولدها، وذلك يُعَذَّب وتُعَذَّب أمُّه أمامه، وهذا يُضْرَب بالأسواق، وهذا هو وبناته الصغار يتضاغون من الجوع، وما يجد إلا أوراق الشجر يأكلها هو وبناته، عذاب وأي عذاب!

    فإذا بمحمد صلى الله عليه وسلم يتغير لون وجهه، ثم يقول له مغضباً: (إنه كان فيمن كان قبلكم، يؤتي بالرجل فتُحفر له الحفرة، فيُوضع فيها، ويُنشر بالمنشار على مفرق رأسه) تَخَيَّلْ أنك هذا الرجل في حفرة والمنشار على مفرق الرأس، ثم قال: (فينشر ).

    هل هو مخدر؟!

    هل هو غائب عن الدنيا؟! لا يا عبد الله! الدم يسيل، والجسد يتعذب، والروح لم تخرج، قال: (فينشر حتى يفلق فلقتين، ويؤتى بأمشاط الحديد، فيمشط ما بين لحمه وعظمه، لا يرده ذلك عن دينه؛ ولكنكم قوم تستعجلون) تستعجلون، اصبروا فما هي إلا سنوات.

    بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش بهزيمتهم

    كان محمد عليه الصلاة والسلام في العهد المكي -واسمع لهذا الخبر- يطوف حول البيت، فإذا بالمشركين يغمزونه، فإذا به يستغفلهم ويمضي، فيأتي في الشوط الثاني يطوف حول الكعبة -وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً- فإذا بهم يغمزونه فيستغفلهم، ثم في الشوط الثالث يغمزونه ويضحكون عليه، فإذا به يستغفلهم، ثم يأتيهم وهم يضحكون، فيقول: (تسمعون معشر قريش؟! فسكتوا، قال: أما والذي نفس محمد بيده! لقد جئتكم بالذَّبح -عندي القتل والموت، أُمِرْت أن أقاتل الناس- يقول الصحابي الراوي: والله لكأن على رءوسهم الطير) عزة المؤمن.

    أبْشِر يا عبد الله! فإنك مهما كنتَ وحيداً فإن في قلبك هيبة، وإن في قلبك رحمة، وإنك إن مَشَيت في تلك المجتمعات الفاسدة والضالة وبين الضالين المجرمين فإن الله يوقع في قلوبهم منك الخوف والرهبة.

    فإذا بأشقى القوم، من كان قبل قليل يسبه ويشتمه، يقول له: (انصرف أبا القاسم راشداً -وانظر إليه حين قال: أبا القاسم ولم يقل: محمد- فوالله ما كنت جهولاً) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    ألا تسمع يا عبد الله! أن الآلاف المؤلفة من الناس بعد أكثر من أربعين سنة من الشيوعية الحمراء التي تقول: إن القرآن جريـمة، والأذان عقوبته لا تعد ولا تحصى، وإظهار دين الإسلام وشعائره جريمة يعاقِب عليها القانون، حفظوا دينهم، كيف حفظوه؟! وكيف أمِنوا من هذه الفتن وهذا الفساد بعد أن انكسرت الشيوعية؟!

    يَخْرُجُ مِن موسكو -الشيوعية بلدِ الحديد والنار- آلاف مؤلفة كلهم يكبرون ويهللون ويقولون: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) يخرجون يحجون إلى بيت الله الحرام.

    والشاهد رآهم بأم عينيه في سيارات لا يتحمل أحدٌ أن يدخل فيها ولا ليوم واحد، وهم يأتون أشهراً طويلة وأياماً عديدة مديدة ليحجون إلى بيت الله الحرام، رأيت أحدهم -أيها الأخ الكريم- يحمل أمه العجوز وبيده شيخاً كبيراً وهو كبير في السن، ويحمل أمه على ظهره يطوف قرابة ساعة، بكل نشاط وبكل حب ورغبة في دين الله، يطوف بها حول البيت في وسط الزحام، وهو متشوق إلى جنة الرحمن، إنه نَصْر الله يا عبد الله، وَعَدَ اللهُ عز وجل: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21].

    هذا محمد عليه الصلاة والسلام وصل إلى وضع لم نصل إلى ربعه يسجد عند الكعبة فيقول أحد المشركين: " من يذهب إلى سلى جزور بني فلان فيرميه على محمد " فيقوم أشقى القوم -والمسلمون حوله لا يظهرون إسلامهم، لا يستطيع أحدهم أن يلتفت نحو الرسول- ويأتي بسلى الجزور -قذارة- ويرميها على ظهر محمد صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، ولم يستطع عليه الصلاة والسلام أن يرفع رأسه من السجود، والصحابة ينظرون ولا أحد يتحرك وانظر يا عبد الله! إلى الضعف الذي مر به المسلمون.

    وتنطلق فاطمة وهي بنت صغيرة تركض إلى أبيها رضي الله عنها، فإذا بأبيها ساجد عند الكعبة وعلى ظهره النجاسات والقذارات، فإذا بها تزيل القذر عن ظهر أبيها وهي تبكي، فأتم عليه الصلاة والسلام صلاته والمشركون ينظرون، والبنت تبكي، والصحابة مستخفون بإسلامهم، لا يستطيع أحد منهم أن يحرك ساكناً، فإذا به يلتفت إلى القوم ويستقبلهم، ثم يرفع يديه إلى السماء وهو يقول: (اللهم عليك بـعمرو بن هشام، اللهم عليك بـعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بـالوليد بن ربيعة، اللهم عليك بفلان وفلان -عدَّدهم واحداً واحداً، فسكت القوم- قال الراوي: والله لقد رأيتهم كلهم صرعى يوم بدر) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45] سيأتي يوم يُهزمون فيه، دعهم يتكلمون، ويغمزون، ويسخرون، دعهم يكيدون لك المكائد فإنما هم يحاربون الله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17].

    بشارة لأهل الأعمال الصالحة

    أبشر أيها العبد الصالح!

    أبشر يا من تصلي الفجر!

    أبشر يا من تشهد الشهادتين وتأتي بشروطها وأركانها وتحقِّقُها في قلبك قبل أن تقولها بلسانك!

    أبشر يا عبد الله، يا من تصوم رمضان! يا من تؤدي زكاة مالك! يا من حججت إلى بيت الله!

    أبشروا يا أهل القرآن!

    أبشروا يا أهل الإسلام! بِمَ؟!

    إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] أبشر يا من استقمت على دين الله: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا [فصلت:30] أتعرف متى؟

    إنها ساعة الوفاة وساعة الاحتضار: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ملائكة بيض الوجوه، تقول: أَلَّا تَخَافُوا أي: لا تخف مما سوف يأتيك ويَقْدُم عليك.

    أتعرف ما الذي ستقدم عليه؟!

    حفرة ضيقة مظلمة، لا أنيس فيها ولا جليس، ثم يأتي يومٌ مقداره خمسون ألف سنة، الشمس فيه على رءوس الخلائق، يوم فيه حساب ونقاش وعذاب، ومن هناك إما إلى جنة وإما إلى نار، فتقول الملائكة: أَلَّا تَخَافُوا .

    ثم يتذكر ما مضى وما خلَّف من الدنيا فتقول الملائكة له: وَلا تَحْزَنُوا لا يصيبنك الحزن على أولادك وأهل بيتك الذين خلفتهم وتركتهم، فالله يتولى الصالحين، ثم تبشرهم الملائكة: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأبشروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    أبشر بالجنة إن كنت صادقاً! فإن النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام مر على الصحابة وأخبرهم: (أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فخاف الصحابة، فقال لهم يبشرهم عليه الصلاة والسلام: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبر الصحابة -الله أكبر! الله أكبر! كل الأمم السابقة ثلاثة أرباع، وهذه الأمة لوحدها تأخذ ربع الجنة، بشارة عظيمة وأي بشارة!- ثم قال لهم: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبر الصحابة: الله أكبر! الله أكبر! ثم جاءت البشارة الثالثة قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    نعم. خير أمة، ولهذا كان نصف الجنة من هذه الأمة، والنصف الآخر من الأمم السابقة جميعاً، بشارة وأي بشارة! وَأبشروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    ومن بعض نعيمها وبعض صفاتها، لمن؟

    لمن التزم بأركان الإسلام، وترك الكبائر ولم يصر على الصغائر، لمن إذا وقع في الذنب تاب ورجع إلى الله جل وعلا.

    أبشر يا عبد الله! فكلما توضأت وشهدت الشهادتين، فُتِحَت لك أبواب الجنة في السماء.

    الصحابة يوماً من الأيام يأتون بحرير -حرير طبيعي- فإذا بهم يتفكرون بالنظر إليه ويرغبون به، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه) المناديل التي ترمى والتي لا يكون لها في الدنيا قيمة خير من هذه؟!

    1.   

    آخر أهل الجنة دخولاً

    أريدك يا عبد الله في هذه الجلسة أن تتَخَيَّلْ وأن تستبشر بوعود الله جل وعلا، يقول عليه الصلاة والسلام: (لو أن ظفراً مما في الجنة بدا -لو حملنا من الجنة شيئاً بالظفر أتعرف ماذا يحصل؟- لتزخرفت طوابق السموات والأرض).

    إذا بموسى يسأل عن أدنى أهل الجنة منزلة -كما في صحيح مسلم - وهي قصة عجيبة! وخبرها عجيب! أريدك أن تستبشر يا عبد الله فهذا أدنى أهل الجنة: (يخرج من النار يكبو مرة، ويمشي مرة، وتصفعه النار مرة، حتى إذا نجا منها التفت إليها وقال: تبارك الذي نجاني منك) فإذا به يظن أنه لم يعطَ أحد أفضل مما أعطي هو، يظن أنه أفضل أهل الدنيا عطاءً؛ لأنه تخلص من النار: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز [آل عمران:18] ووالله ليس الفوز بالملايين ولا بالعمارات ولا بالعقارات ولا بالسفر إلى دول الكفر والإباحيات، لا يا عبد الله ليس الفوز بهذا، ولن تنجو بالحصول على أعلى الشهادات وأعلى المناصب والمراكز، بل الفوز: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    (فإذا به يرى شجرة من بعيد -اسمع القصة- فيسأل ربه يقول: يا ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، أستظل بظلها -أنهكه الحر، ظِلُّ جهنم يا عبد الله لا بارد ولا كريم، ظِلٌّ مِن يحموم- وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول الله: عبدي! هل عسيتَ إذا أعطيتكها أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: يا ربِّ! أعاهدك أن لا أسألك غيرها -نجا من جهنم، وجلس تحت ظل شجرة، ويشرب من الماء! ماذا يريد أكثر من هذا؟!- فإذا بربنا جل وعلا برحمته يقربه من هذه الشجرة.

    فإذا به ينظر إلى شجرة أخرى أجمل منها وأفضل وأحسن فيقول: يا ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، أستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول له: عبدي! ألم تعاهدني أنك لا تسألني غيرها؟ ما أغدرك -ما أغدر ابن آدم، كلما رأى نعمة أكبر نسي عهده الذي بينه وبين الله- فإذا بالرب جل وعلا يقول: هل عسيت إن أعطيتكها ألا تسألني غيرها؟ فيقول: أعاهدك يا ربِّ! وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه.

    يا إخوان: الشجرة خارج الجنة، وليس له صبر عليها فكيف إذا دخل، فإذا به يقربه من الشجرة الثانية، فينظر إلى شجرة ثالثة -أين الثالثة؟- عند باب الجنة فيقول: يا ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، أستظل بظلها، وأشرب من مائها فيقول له: عبدي! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: أعاهدك ربِّ أن لا أسألك غيرها، فيقربه الله من الشجرة الثالثة، فلما يجلس يسمع أصوات أهل الجنة ...) الله أكبر! أصوات ماذا يا عبد الله؟

    إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ [يس:55] ما شغلهم وما حديثهم؟

    الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ [يس:55] مع مَن؟

    هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ [يس:56] مع الحور العين يا عبد الله! حُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ [الواقعة:22-23] الواحدة كاللؤلؤة.

    عبد الله! هذه اللؤلؤة لو عانقتها -كما في بعض الروايات- أربعين سنة ما تشبع، من جمالها وحسنها (على رأسها التاج، الياقوتة الواحدة فيه خير من الدنيا وما فيها، لو اطلعَت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولملأته ريحاً، ولنصيفها -خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها).

    أما النساء الصالحات فهن السيدات للحور العين، وهن أجمل من الحور العين في الجنة، تَخَيَّلْ إلى منظرهن يا عبد الله: (يُرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم) ما أجملها! وما ألطفها! وما أنعمها! عبد الله! حور عين: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [يس:56].

    (يسمع أصواتهم فيقول: ربِّ أدخلني إياها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه) ما هناك صبر يا أخي، صبر على ماذا؟! على أصوات أهل الجنة؟! أم على رائحتها التي تشم من على بعد أربعين سنة! أم على أنهارها التي تتفجر؟! تَخَيَّلْ! نهر من لبن؟! أم نهر من خمر؟! أم نهر من عسل؟!

    تَخَيَّلْ نهر العسل هل تتصوره يا عبد الله؟!

    أم هل تتصور نهر اللبن؟!

    أم هل تتصور الكوثر الذي ماؤه أحلى من العسل وأبيض من اللبن؟! الآن تصور نهر أبيض من اللبن يجري، هل رأيت شيئاً أبيض من اللبن، أم هل ذقت شيئاً أحلى من العسل؟ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] هذا النهر يجري في الجنة.

    والكوثر نهر يجري في الجنة (حافتاه قباب اللؤلؤ، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت) تَخَيَّلْ أنك تجلس على ضفاف هذا النهر مع زوجتك من الحور العين أو زوجتك الصالحة في الدنيا، تَخَيَّلْ يا عبد الله! وأنت على أرض الجنة البيضاء، كقرص نقي من المسك الأذفر.

    هذه الجنة يا عبد الله ليس فيها شمس، كيف يرون؟! أم كيف ينظرون؟!

    قال شيخ الإسلام: "الضوء والنور يأتيان من قِبَل عرش الرحمن" لأنه سقف الجنة.

    (يقول: يا ربِّ! أدخلنيها -هذا آخر أهل الجنة دخولاً- فيقول الله جل وعلا: ادخل الجنة، فيقول: يا ربِّ! وكيف وقد أخذ الناس مآخذهم ونزلوا منازلهم؟! -أين أدخل؟! ماذا لي في الجنة يا ربِّ؟! كل شيء أخذوه في الجنة- فيقول الرب جل وعلا: تمنَّ يا عبدي، فيتمنى، والله يذكره الله: سَل كذا، فيسأل، سَل كذا، فيسأل -ويذكره الرب بكل شيء، فيسأل كل ما ذكره الله به- فيقول الله جل وعلا: لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين -أدخل آخر الناس دخولاً الجنة ولي عشرة أمثال الدنيا؟!- فيضحك عليه الصلاة والسلام، فيقول الصحابة: مِمَّ تضحك يا رسول الله؟! قال: مِن ضَحِك الله جل وعلا في عبده) ضَحِكَ الله له، ولم يُعْدَم خيراً من ربه إن ضحك.

    ويضحك ربنا ضحكاً يليق بجلاله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] لا كضحكنا؛ لكنه ضحك يليق به جل وعلا.

    (فضحك الرب جل وعلا وقال: إني لا أسخر منك، ولا أستهزئ منك؛ ولكني على ما أشاء قادر، فيدخله الرب جل وعلا فيأتي بيته فتستقبله زوجتان من الحور العين، فتقولان له: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك) هذا أدنى أهل الجنة منزلة وله مثل الدنيا عشر مرات.

    يا من يتكالب على الدنيا وينسى صلاة الفجر، يا من يلهث وراء الشهوات والـملذات ويترك صلاة العصر، اتركوا الدنيا (فما الدنيا في الآخرة إلاَّ كما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بِمَ يرجع) خذ من الدنيا على قدر حالك، وعلى قدر ما يوصلك إلى الله جل وعلا.

    أبشر يا من تخرج من بيتك لصلاة الفجر: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) نور تام يوم القيامة.

    أبشر يا عبد الله، هذا أدنى أهل الجنة منزلة، كيف بمن هو أعلاها؟! (قال موسى: يا ربَِّ! -اسمع الآن إلى أعلى أهل الجنة منزلة- فأعلاهم منزلةً) أعلى أهل الجنة منزلة.

    وهل تظن يا عبد الله أنك تستطيع أن تتصور كيف يكون أعلى أهل الجنة منزلة؟!

    فالرب جل وعلا لم يجب موسى على هذا السؤال، وكيف يتصور موسى أعلى أهل الجنة منزلة؟ لن يستطيع.

    قال: (أولئك الذين غرسْتُ كرامتهم بيدي -ما غرسَتْ كرامتهم الملائكة ولا الأنبياء، بل الله جل وعلا هو من غرس كرامتهم قال: وختمْتُ عليها، فلم تَرَ عين، ولم تسمع أذن، وما خطر على قلب بشر) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] ما تعلم النفس ولا يخطر على القلب.

    أبشر يا عبد الله، يا من حافظت على أركان الإسلام، يا من اتقيت الله جل وعلا أبشر بهذه الجنة إن كنت مستقيماً، ومت على لا إله إلا الله.

    النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد الصحابة: (من قال (لا إله إلا الله) مخلصاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) أي: جاء بشروطها وأركانها، لا يقول (لا إله إلا الله) وهو يأتي المشعوذين والكهان والسحرة والكفرة، ويعتقد أن غير الله جل وعلا يعلم الغيب، ويعتقد النفع والضر في غير الله جل وعلا، أو في غير ما جعله الله سبباً للضر والنفع، فإذا به يقول (لا إله إلا الله)! فلا تنفعه (لا إله إلا الله).

    قال: (أفلا أبشر الناس؟! قال: لا. فيتكلوا) وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن حالنا وعن حال كثير من الناس:

    لم لا تصلي؟!

    قال: أقول: (لا إله إلا الله).

    كَذَبَ بقوله: (لا إله إلا الله).

    وإذا بالحديث الآخر يقول: (مَن قال (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وأقام الصلاة، وصام رمضان؛ أدخله الله الجنة) فإذا بالصحابة يتعجبون! -يكفي هذا الأمر- فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن للمجاهد مائة درجة -للمجاهد في سبيل الله- ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض).

    وكان يحث أصحابه ويقول: (إذا سألتم الله -لا تسألوا أدنى أهل الجنة منزلة- فسلوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن).

    وإذا بالصحابي يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (سلني -ماذا تريد؟- قال: أسألك مرافقتك في الجنة) أعلى منزلة في الجنة.

    أبشروا يا عباد الله! أبشروا برحمة الله جل وعلا! وأبشروا أيها الدعاة إلى الله بنصر من الله جل وعلا فإنه قادم لا محالة.

    نصر الله قادم قادم، ومهما طال الليل فإن الفجر قريب، وكما قال الله جل علا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81].

    أقول هذا القول.

    وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    من بشائر نصرة هذا الدين

    السؤال: لو تذكُر لنا بعض البشارات التي بشر بها الرسول صلى الله عليه وسلم بنصرة هذا الدين؟

    الجواب: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من الفتوح التي سوف تفتح مدينتا روميا والقسطنطينية، وقد فُتحت إحداهما، بل وهذا الخبر لعله يكون فيه شيء من عدم التأكد والثبوت، ومن الروايات التي جاءت في التبشير بالنصر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سوف يُظهر الله عز وجل هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، ثم انظر ماذا قال! قال: (عزاً يعز به الله الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله) مَن الذي يعز؟ الله جل وعلا، لا أنت، ولا قوتك، ولا أموالك، ولا كلامك، هذه أسباب فقط، فإذا كتب الله أن ينتصر هذا الدين فسوف ينتصر.

    ثم انظر إلى تاريخ الإسلام، وانظر أيضاً إلى واقعنا الآن وقبل سنوات.

    قبل أيام جاءني رجل بصور لكاريكاتيرات قبل أكثر من ثلاثين سنة في إحدى الجرائد الكويتية، هذه الكاريكاتيرات كانت في بداية الستينات كلها بأقبح الأساليب، وأسوأ الألفاظ، وبرسومات -يا إخوة- لا يستطيع أحد أن يراها فضلاً عن أن يذكرها، كلها تصوِّر الاستهزاء بالملتزمين في ذلك الزمن، وكان الاسم الذي يطلق على الملتزمين أيام الستينات في الكويت: (المُلاَّ مُصْلِح) وبأنه عنده بار للمسكرات -أجلَّكم الله- وبأنه في بعض الرسومات أمام التلفاز ينهى أهله عن النظر وهو ينظر، وأمور لا أستطيع أن أذكرها احتراماً لبيت الله جل وعلا، أساليب قذرة ووقحة كانت تُنشر في الجرائد على الملتزمين أيام الستينات في هذا البلد.

    كان الملتحي إذا دخل الجامعة يصوَّر في الجريدة: القِرَدة تغزو الجامعة!

    ولما انتقبت امرأة الجامعة رُسِمَت صورتُها في كاريكاتير إحدى الصحف وعليها شَعرة، وأمامها متبرجة تخاطبها فتقول لها: هذه الشعرة مِن لحية مَن؟ انظر! ألفاظ وقحة قبيحة فيها سب للدين، وشتم للملتزمين.

    كان الملتزم إذا قصر ثيابه أمام الناس إلى سنوات يُستهزأ به في المجالس، ويُسخر منه في الطرقات.

    وكان إذا التحى بعضهم لا يُزَوج.

    بل والله أدركتُ شاباً كان يشتكي لي في أوائل الثمانينات وأواخر السبعينات يقول: إن أبي هددني إذا أطلقت اللحية أن يطردني من البيت.

    كان هذا في زمنٍ في هذا المجتمع.

    بل كانت المتبرجة التي تصل كامل ثيابها إلى فخذيها تدخل إلى بيت الله مع أبيها، كان هذا هو الحال الموجود في هذه البلد.

    الآن انظر إلى الحال كيف تبدل بفضل الله جل وعلا، انظر إلى المدارس والنقابات والانتخابات في كل مكان يحوز على الأصوات الأكثر الملتزمون.

    بل الآن أصبح كل من أراد أن يحصل على منصب أو سمعة جميلة يلتحي ويسبل إزاره ويتظاهر بالدين، وبعضهم يتظاهروا، وبعضهم صادق، بل أكثرهم صادقون، لكن بعضهم يتظاهر بالدين لأجل أن يحصل على المناصب وينجح في الانتخابات، أليس هذا دليل أيها الإخوة على نصرة دين الله جل وعلا.

    لا يغرنك أيها الأخ الكريم! بعض ما تراه من انتشار المخدرات وهذه الستلايتات التي تغزو البيوت والصحون الهوائية وبعض الأفلام الداعرة وبعض المقالات في الجرائد من العلمانيين الذين يجحدون الحكم بالله جل وعلا، وبما أنزل الله جل وعلا، لا تغرنك هذه الهجمات فإن الساحة لدين الله وإن بشارات النصر في هذا المجتمع وغيره من المجتمعات تبشر بخير.

    انظر الآن إلى الشباب في كل عطلة بإذن الله جل وعلا بفضل الله أين يتوجهون؟! إلى حلقات القرآن.

    قبل ثلاث أو أربع سنوات لم نسمع في المساجد بحلقات لكتاب الله، أما اليوم أولياء الأمور حتى الذي لا يصلي يجبر ابنه على حفظ كتاب الله، تعال إلى هؤلاء؛ لأنهم جربوا فما وجدوا آمَن على أولادهم من هؤلاء الملتزمين.

    إنه نصر لدين الله جل وعلا: (حتى لا يدع الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخل الله فيه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل).

    قبل سنوات مصلَّيات النساء في رمضان -إذا حضرن- صف أو صفين، الآن كل المساجد تشتكي من ضيق في مصليات النساء، ألا يدل على أن هناك من تعمل في وسط النساء بالدعوة إلى الله، بل مِنْهن كما أعلم مَن تحفظ كتاب الله كاملاً وطالبة للعلم وداعية إلى الله تفوق كثيراً من الرجال، أليس هذا نصر لدين الله جل وعلا؟!

    أبشر يا عبد الله! إن الصحوة اليوم تتفجر في جميع الدول وفي جميع البلاد، اقرأ الجرائد، كل الدول الآن تنادي بالعودة إلى دين الله جل وعلا، جرَّبوا القومية، جرَّبوا الديمقراطية، جرَّبوا الماركسية، جرَّبوا جميع الدعوات والنعرات، فعلِموا أنها كلها خائبة ولا تحقق السعادة في الدنيا والآخرة، فإذا بهم يطالبون -حتى بعض غير الملتزمين ترى صورهم في الجرائد- بالحكم بما أنزل الله وبالعودة إلى دين الله.

    من كان يظن يوماً من الأيام أن تركيا يحكمها رجل إسلامي كما يقولون، دعك مما عليه من سلبيات وغيرها؛ ولكن من كان يظن أن تركيا تصل إلى هذه الحال، تركيا التي تحارب فيها اللغة العربية، ويمنع فيها الأذان وليس فيها حلقة للقرآن، الآن تتفجر حلقات القرآن في كل مكان بفضل الله جل وعلا.

    إنه دين الله يا عبد الله، لا تظن أن الدبابات والصواريخ النووية والكيماوية والسياسات والجيوش تقف أمام دين الله.

    إذا كتب الله أن ينصر الدين ينصره: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] بل إذا شاء الله يجبر على الاستقامة.

    بل الله عز وجل لما نصر عبده الذي جاء يدعو قومه إلى الله من أقصى المدينة قتلوه، أتعرف ماذا قال الله جل وعلا لهذا الشاب الذي كان يدعو قومه إلى الخير فقتلوه، بعثه الله في الجنة فإذا به يقول: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27] وقال الله جل وعلا في نصرته: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ [يس:28] ما أنزل الله لأجله ملَكاً، لِمَ يا ربِّ؟! أليس هو عبدك؟! ألم يُقْتَل في سبيلك؟! ألم تذهب روحه لأجلك يا ربِّ؟! لِمَ لَمْ تنزل له ملائكة تقاتل؟! قال: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس:28-29] صيحة واحدة، فالأمر لا يحتاج إلى ملائكة ولا إلى جند تنزل من السماء، لا. ما هي إلا صيحة واحدة فإذا بالقوم كلهم خامدون، ولا تسمع منهم صوتاً ولا حراكاً وهمساً.

    فهي قوة الله جل وعلا، فاستعن بالله، وتوكل على الله، وابذل الأسباب.

    لابد أن نحقق كلام الله جل وعلا، وندعو إلى الله بالتي هي أحسن، نأمر الناس بالمعروف، ننهى عن المنكر، ننشر كلام الله وأحاديث محمد صلى الله عليه وسلم بين الناس، نعظ الناس بالتي هي أحسن، أما النصر فهذا ليس من عندك ولا من عند أحد من الناس: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126] والله أعلم.

    وسائل دفع ضعف الإيمان

    السؤال: أحس بضعف الإيمان، وزوجي رجل ملتزم بالدين، ودائماً يحثني على الالتزام، وعلى أن أحافظ على الصلاة؛ ولكني لا أهتم بكلامه، وخصوصاً عند صلاة الفجر يوقظني فأرده بعنف، فبماذا تنصحني جزاك الله خيراً؟

    الجواب: اتقي الله، اتقي الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (والله لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) ما هناك جنة بدون إيمان.

    هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي بُشر بالجنة كان يسأل حذيفة: [أسَمَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المنافقين؟!] هل أنا اسمي موجود في سِجِل المنافقين؟!

    عثمان رضي الله عنه يقول: [والله لو كنتُ بين الجنة والنار، ولا أدري إلى أيهما أصير، لتمنيت أن أكون رماداً] رماداً وهو مبشر بالجنة، اشترى الجنة ثلاث مرات، كان عثمان يبكي إذا ذُكِر له الموت والقبر.

    هل تأمن هذه المرأة من النفاق؟! هل تأمن أن تُسْلَبَ الإيمان قبل الموت؟! هل تأمن لَمَّا تنام عن صلاة الفجر وتطلع الشمس ألا يقبض الله روحها؟!

    من يأمن يا عباد الله؟! أليس هناك من الناس مَن قَبَض الله روحه وقد نام عن الصلاة؟! كثيرون، بل منهم مَن يموت هذه الأيام والأيام السابقة -كما ذكروا في الجرائد وتسمعون من أحاديث الناس- بسبب تعاطى جرعات زائدة من المخدرات! كيف يلقى الله جل وعلا؟!

    هل يأمن هذا الإنسان وهذه المرأة هل تأمن أنها إذا فتحت التلفاز أن يقبض الله روحها وهي على هذه الحال؟! وما مات إنسان إلا بعث على ما مات عليه.

    إذاً: فلتتقي الله جل وعلا، ولترجعي إلى كلام الله جل وعلا، ولتفتحي المصحف، فإن أفضل علاج لضعف الإيمان وأولى وأول علاج وأنجع علاج: كلام الله جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً [الأنفال:2] لكن أي تلاوة؟ تلاوة التدبر، والفهم، والتعقل والاستشعار.

    لَمَّا يقول الله: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَان [الانفطار:6] مَن يُخاطـب الربُّ؟! يُخاطـبك أنت: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6] ما الذي غرك بربك؟! ما الذي غرك به يا عبد الله؟!

    عندما يقرأ الإنسان: (يا أيها الذين آمنوا) يقف! ينتبه! ويستعد للرجوع إلى كتاب الله!

    وكما قرأ الشيخ الفاضل قول الله جل وعلا: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30] متى يذكرونه؟!

    يوم القيامة، أو إذا مات له ميت، أو إذا مرض له مريض، يقول: نذهب للشيخ يقرأ عليه، أما هل له ورد في الليل يقرأه، أو يقوم به آخر الليل، (مَن قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين).

    إذاً: علينا الرجوع إلى كتاب الله جل وعلا، وإحيائه في قلوبنا وفي بيوتنا. والله أعلم.

    حكم استخدام السحر

    السؤال: ما حكم الزوجة التي تهدد زوجها بالسحر، وأيضاً تقطع الرحم؟

    الجواب: أما السحر فهو كفر، والله جل وعلا يقول: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر [البقرة:102] .

    وقال الله: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102].

    فالسحر كفر، فإذا شاءت المرأة أن تكفر بالله العظيم فالله جل وعلا يقول: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29].

    جئت إلى رجل يصلي معنا حتى الفجر، يريد أن يذهب بابنه إلى ساحر دجال، قلت: ما الذي يدعوك لهذا؟! قال: لكل شيء سبب، وهذا هو علاج مرض ولدي، قلت: اتق الله. وللأسف أنه يصلي معنا حتى الفجر.

    بل كثير ممن يقرأ القرآن يغلق المصحف، ثم يذهب إلى هؤلاء المشعوذين والكهنة، للأسف.

    وكما قال عليه الصلاة والسلام: (مَن أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً) أربعون يوماً وهو يُصلي كل يوم خمس صلوات، يعني: (40×5) = (200) صلاة، كلها تذهب في لمح البصر؛ لأنه سأله وقال: (فإن صدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) نسأل الله العافية.

    إذاً: السحر كفر، بل هذه المرأة لعل الله عز وجل يعاقبها في الدنيا قبل الآخرة! وكم رأينا من الناس ممن يتعاطى السحر، ابتلاه الله عز وجل بالسحر، بل يقول كثير من أهل العلم: إن بيوت السحرة من أحقر البيوت، وحال الساحرين من أسوأ الأحوال.

    لا تظن أنه -يا أخي الكريم- عندما يؤدي له الجن مطلبه أنه يرضى الجني بهذا الأمر، لا ليسو خدماً عنده، ولا يستعبدهم هو، ولكنه هو الذي يستجيب لهم قبل أن يستجيبوا له.

    بعض الجن يجبر الساحر -أجلَّكم الله- أن يكتب آياتٍ تحت نعاله، ويدخل بها في الحمام.

    وبعضهم يكتب القرآن بالنجاسات.

    وبعضهم يقرأها بالمقلوب، استهزاءً بكلام الله.

    وبعضهم يذبح لغير الله.

    وبعض السحرة يأتي محارمه، بطلب منهم، نسأل الله العافية.

    يا إخوة: السحرة حالهم لا يعلم به إلا الله جل وعلا، بل بعض من يحدثني ممن دخل إلى بيوت السحرة يقول: والله تجد الرائحة المنتنة من خارج البيت، يعيشون في قذر ووسخ، أتعرف لِمَه؟ لأنهم يتعاملون مع سفلة الجن، وسفلة الجن لا طعام لهم ولا شراب ولا ملذة إلا في هذه النجاسات والوساخات، ولهذا بعض السحرة يُروى عنه أنه لا يستنجي -أجلَّكم الله- ولا يغتسل من الجنابة أعاذنا الله.

    إذاً: هذه حالهم، كيف نذهب إلى هؤلاء ونستنجد بهم؟!

    ولم أر في حياتي أعظم فرية     طبيب يداوي الناس وهو عليلُ

    هو يريد من ينجيه من هذه الوساخات والنجاسات، والكفر بالله جل وعلا.

    فلتتقي الله هذه المرأة، فهي في الحقيقة لا تهدد زوجها، وإنما هي تهدد دينها وإيمانها بالله جل وعلا، ولربما كتب الله عليها هذا الوزر وإن لم تسحر. والله أعلم.

    حكم تارك الصلاة

    السؤال: ما الحكم في من يخشون على أنفسهم المرض وهم يصلون، ولكن يصلون في البيت، وأيضاً ما حكم بعض الشباب الذين يتركون الصلوات تركاً كلياً؟

    الجواب: يا أيها الأخ الكريم: الموضوع كان (البشارة العظيمة) انتبه! وقف معي! كم سنة سوف نعيش في الدنيا؟

    متوسط الناس: الستين أو السبعين، أكثرهم ستين سنة.

    أخي الكريم: أول عشر سنوات ذهبت من عمرك طفولة، ما تدري عنها شيئاً.

    وآخر عشر سنوات شيخوخة، تنتقل من مستشفى إلى آخر، هذا أغلب الناس.

    يبقى لك أربعون سنة يا عبد الله! إن كنت من أقل الناس نوماً فإنك ربع اليوم تنام، ست ساعات في اليوم الواحد. فعشر سنوات ذهبت في النوم.

    بقيت لك ثلاثون سنة، الثلاثون سنة هذه يا عبد الله بين نعيم وبؤس، وبين سعادة وشقاء.

    هذه الدنيا يا عبد الله! لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] الصالح وغير الصالح، كل الناس في كبد، كل الناس يغدو، حتى ولو كان جالساً في البيت ويأتيه المال، لا بد أن يتعس، حتى أهل الملايين يشقَون في هذه الدنيا.

    عبد الله! هذه الثلاثون سنة التي سوف تعيشها -بعد أن حسبناها- هل تقدَّر بوقوفك عند الله خمسين ألف سنة؟! فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ [المعارج:4] اضربها في ألف! لو تعيش ألف سنة فما لها من قيمة أمام خمسون ألفاً ستقفها!

    وكيف تقف؟! تقف حافي القدمين، والشمس على الرأس قدر ميل، والعرق يتصبب، ومنهم من يصل العرق إلى فمه، ومنهم من يلجمه العرق، هل تتَخَيَّلْ هذا يا عبد الله؟! هذا الرجل الذي وقف هذه الوقفة خمسين ألف سنة ماذا بعدها؟!

    يذهبون إلى الأنبياء يشفعون لهم، حتى إن الكفار يقولون: يقضي بيننا الله بأي شيء! مللنا من الوقوف خمسين ألف سنة! فيقضي بهم الله جل وعلا، ولكن إلى أين؟ يأتي به الرب فينظر إليه، فأول ما يحاسَب به الصلاة، وهذا للمصلين، أما غير المصلين فقد انتهى أمرهم، فإنهم يحشرون مع فرعون وهامان وأمية بن خلف وصناديد الكفر.

    هذا الذي لا يصلي؛ لأنه كافر بالله العظيم، هذا لا يحشر مع المؤمنين أصلاً.

    أما المؤمنون فإنهم يأتون إلى الله جل وعلا، فأول ما يحاسب الله المؤمنين عن صلاتهم، ينظر كيف هي، خشوع، خضوع، أوقاتها، أركانها، واجباتها، فإن صَلُحَت الصلاة -أتَمَّها- صلح سائر العمل، أبشر! أبشر! يُتجاوز عنك فيما هو غير الصلاة. وإن فَسَدَت صلاته -أعوذ بالله- مثل أن يصلي الفجر بعد شروق الشمس، والعصر ينقرها قبل المغرب، والمغرب ما يتذكر إلا قبل العشاء، ويجمع فيها صلاتان أو ثلاث، وإن فَسَدَت صلاته فَسَدَ سائر عمله، حتى قال عليه الصلاة والسلام -اسمع إلى هذا الحديث-: (فمن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له -كيف تلقى الله جل وعلا بهذا الحديث- فلا صلاة له إلا بعذر من خوف أو مرض) حربٌ لا يستطيع أحد أن يخرج من البيت، أو مرض، ورجلٌ كبير في السن أُسْقِط في الفراش، أو مريض لا يستطيع الذهاب إلى المسجد، هذا معذور، أما غيره فلا يُعذر.

    أراك تذهب إلى العمل وتسرع إلى المطاعم والمشارب، بل بعضهم يركض كل ليلة، ولكن يسمع النداء فلا يجيب، والله جل وعلا يقول: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43].

    ثانياً: تَخَيَّلْ يا عبد الله! أنك تصلي في البيت سبعاً وعشرين سنة وحالك كمن صلى في المسجد سنة واحدة؛ لأنها بسبع وعشرين درجة.

    عبد الله! الأمر ليس فيه مقارنة.

    عبد الله! أنت إذا صليت في الجماعة اسمع إلى ما يكتب لك من أجر: (كل خطوة تأتيها من البيت إلى المسجد يكتب الله لك بها حسنة أو يحط بها عنك خطيئة) أما الذي يصلي في البيت أيُّ فضل؟ وأيُّ أجر؟ وأيُّ فضيلة يحصل عليها؟

    فالله.. الله.. بالصلاة على وقتها، والله جل علا يقول: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59].

    حافظ يا أخي الكريم على الصلوات، فهي عمود الإسلام، اجتهد في أمر صلاتك، لا تترخص فيها، حتى قال عمر: [أيها الناس لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة] هذا لا ينتمي إلى الإسلام هذا ولا يجب أن يَنْتَمي للمسلمين.

    بل قال ابن مسعود: [لقد رأيتُنا -أي: في صلاة الجماعة- وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق] كان عندهم الذي يتخلف عن صلاة الجماعة منافق معلوم النفاق.

    فالله.. الله.. في صلاة الجماعة يا عباد الله؛ حتى يُنال بها سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام.

    حكم الدراسة للنساء

    السؤال: يريد والداي أن يدرسا أختي -لعله يقصد جامعة أو نحو ذلك- وبعد ذلك يوظفانها، وأنا أعترض على ذلك، مع العلم أني خائف من كلامي وجدالي معهم؛ لأني لا أريد أن أغضبهم، فماذا أفعل؟

    الجواب: هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل:

    فإن كانت الدراسة لا بأس بها، مثل: الثانوية المدارس ليس فيها منكر، وهذه الطالبة عندما تخرج متحجبة وملتزمة بدينها فإن شاء الله لا حرج؛ لأنه من بر الوالدين إذا كان في الدراسة خير.

    أما العمل: فكل بحسبه: فإن كان العمل الذي سوف تدخل فيه شر وفسادً أو يؤدي إلى ما هو منكر محرم مثل: اختلاط بعض الموظفات في بعض اللجان، أو مقابلتهن لبعض المراجعين من الرجال، أو خروجهن من بيوتهن بغير إذن، أو تبرجهن في بعض الأماكن، أو غيرها من الأمور؛ إذا كانت وظيفتها تؤدي إلى منكر، فَسَدُّ الذرائع بعدم توظيفها.

    والله.. والله.. بالنصيحة، انصح أختك، انصح والديك، فكم من الرجال اليوم يبكي الدم لأنه فرط في ابنته وعرضه.

    كم من الرجال اليوم عندما يُتَّصل عليه ويقال له: قبضنا على ابنتك أو أختك في الشقة أو في ذلك المكان تسود الدنيا في وجهه، تَخَيَّلْ كيف يعيش على وجه الأرض! أم كيف يخفي رأسه! أم كيف يجلس مع الناس!

    والله أيها الإخوة الكرام هذا الرجل الموت خير له من الحياة، وباطن الأرض خير له من ظاهرها لو سمع يوماً من الأيام أن ابنته قبض عليها مع فلان الفلاني.

    بل نعلم أن بعض المصلين الغافلين مَن يترك ابنته ليس فقط تذهب للدوام والعمل، بل تذهب في بعض الكليات المختلطة من الصباح إلى آخر الليل، ومع مَن تذهب؟! لا يدري، مع مَن ترجع؟! لا يدري، أين تذهب هناك؟! لا يدري!

    وأخبرني بعض شهود العيان، يقول: ينزلها أباها من السيارة عند الكلية ويذهب، ثم تركب مع واحد آخر. وهذه أحاديث منتشرة وأخبار كثيرة.

    أنت الآن أيها الأخ الكريم في مجتمع فيه شهوات، والبنت فيها شهوة، أما أنك تترك الحبل على الغارب وتترك الأمور هكذا ثقةً ببنتك فلا، وليست هذه ثقة بل هي غفلة أيها الإخوة.

    هذه البنت الشابة التي رؤيت في إحدى المزارع عندما قُبِض عليها في الليل مع فتيات وشباب في منطقة قريبة عندنا، وأخبرني الضابط الذي كان يحقق في الأمر قال: سألناها: كيف خرجتِ من البيت؟ قالت: إن والدي يظنان أنني من أفضل النساء التزاماً وعفة وشرفاً. يعني: كيف خرجتِ؟! قالت: قلت لهم: سوف أذهب إلى عرس لإحدى صديقاتي، وإذا بها تضحك على والديها، وتذهب إلى مكان آخر.

    والله لا لوم عليها، ولكن اللوم الأكبر على والدها الغافل، وعلى أخيها الساذج. تخرج البنت إلى عرس إلى آخر الليل، مع من؟! لوحدها؟! مصيبة! وماذا تلبس؟! المصيبة أعظم!

    بعض الناس -للأسف- كما سمعنا عن بعض الرجال، وما أدري هل بقي شيء من رجولتهم؟! يسمح لبنته أن تسافر إلى بلاد أخرى غربية كافرة بدون محرم بحجة الدراسة، ويقول: هذه مهنة شريفة، وهن نساء شريفات، تذهب لتدرس هناك، وأنا أعرف بنتي، وأنا واثق منها، لن تفعل شيئاً -إن شاء الله- ولن يصيبها شيء، الله أكبر! وهل بنتك أشرف من الصحابيات؟! قال: (يا رسول الله! إني كنت أريد أن أذهب معك في غزو كذا وكذا، وزوجتي ذهبت حَاجَّةً، وليس معها محرم، قال: اذهب فحج معها) اترك الجهاد، اذهب فحج معها، وهل تأمَنْ عليها أكثر من الصحابيات؟!

    انتبه! الأمر خطير، والمرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان، فاحرص على حجابها وسترها، وإن كان ستراً لك.

    فالله.. الله.. بالنصيحة، والله.. الله.. بالإكثار منها والانتباه لهذه الأمور، وليس عليك إلا التذكير، فهي مسئولية الوالد، ولعل الله عز وجل أن ينفع بنصيحتك ودعائك.

    أدنى أهل النار عذاباً

    السؤال: يا شيخ: ما هي أدنى منزلة لأهل النار؟

    الجواب: ذكرنا أدنى أهل الجنة منزلة، واسمع الآن إلى أدنى أهل النار منزلة، واترك أعلى أهل النار.

    أما أدنى أهل النار منزلة فهو رجل توضع في رجليه جمرة واحدة من النار.

    وتَخَيَّلْ الآن الجمرة وقد وضعت في رجلك! تحرقك، لكن تعرف ما الذي يحصل؟

    انظر! الجمرة توضع في الرِّجل، أعلى مكان أو أبعد مكان عن هذه الجمرة ما هو في الجسم؟ الرأس، فعندما توضع في رجله يغلي دماغه، أرأيت الماء كيف يغلي داخل القدر، فإن الدماغ يغلي مثله، هذا والجمرة أبعد ما تكون عن الرأس، ما الذي تتَخَيَّلْ حصوله لبطنه؟! وماذا تتَخَيَّلْ أن يحصل لقدمه؟!

    الأمر شديد! وهو يظن أنه أشد أهل النار عذاباً، وما يظن أن أحداً يتعذب أكثر منه. هذا أدنى أهل النار عذاباً يا عبد الله!

    ومساكين بعض الناس يقول: يا أخي أجلس قليلاً، ثم أخرج، ومن يضمن لك يا عبد الله؟! إذا كان مَن يقذف في النار يصل إلى قعرها بعد سبعون سنة: (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ).

    نعم. أبشر واحذر عقوبة الله جل وعلا! فلا تقل: الأمر بسيط، المهم أنني أدخل الجنة، لا يا عبد الله، اطلب من الله النجاة من النار، ومن سأل الله أو استعاذ بالله عز وجل من النار كل يوم ثلاثاً، قالت النار: اللهم أجره مني، اللهم أجره مني، اللهم أجره مني.