إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 5للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله عز وجل على أمة الإسلام الصيام كما فرضه على من سبقها من الأمم، فعلم بذلك أن مشقة الصيام ليست أمراً اختصت به هذه الأمة وحدها، إلا أن الله عز وجل اختص هذه الأمة بصيام رمضان، وأنزل عليها فيه خير كتبه، وجعل في لياليه ليلة تعدل في الفضل ألف شهر ليس فيها هذه الليلة، وهذا من عظيم فضل الله تعالى ومنته على هذه الآمة.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداء السابق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان.

    وبالأمس كان النداء بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178]. وعلمنا مما علمنا ربنا في هذا النداء أنه لابد من المساواة، فلا يقتل الحر بالعبد، ولا الأنثى بالرجل، ولكن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى.

    وعلمنا أن هذا سببه: أنه كان هناك حيان من أحياء العرب، حي قاهر للآخر ومتعال عليه ومتسلط، فإذا قتل من الحي الغالب امرأة أبى إلا أن يقتل بدلها رجلاً، وإذا قتل عبد من ذلك الحي الغالب يأبى أن يقتل عبداً بل يقتل حراً، واستمر هذا زمناً، ثم جاءت أنوار الله وهداية الرحمن في هذا الدين الإسلامي، فأبطل الله تلك العادة الجاهلية، وأصبح الحر بالحر والأنثى بالأنثى والرجل بالرجل.

    ثم علمنا من هذه الآية الكريمة أن من قتل له قتيل أنه مخير بين ثلاثة: إن شاء عفا وأجره على الله، وقد أحيا نفساً تعبد ربه، فله أجرها ما عبدت الله ولو ألف سنة، وإن شاء أخذ دية قننها وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم كما علمنا، وإن شاء اقتص، فيقدم القاتل بين يدي الإمام ويقتل، فهذا فيه تخفيف من الله عنا ورحمة منه بنا. ويدلك على ذلك أن اليهود كان لا عفو عندهم ولا دية، بل القتل؛ وذلك لغلظ أكبادهم، وشدة إيغالهم في الشر والفساد، والنصارى دونهم، فلا قصاص ولا دية، وإنما هو العفو، فمن مات أبوه أو أخوه أو ولده ليس له إلا أن يقول: عفونا لله تعالى، فجاءت هذه الملة القيمة ففتحت باب الرحمة على مصراعيه، فمن شاء أن يأخذ الدية فليتفضل، ومن شاء أن يعفو فليتفضل، ومن أراد أن يقتص فليقتص، إلا أن الإمام هو الذي يجري هذه الأحكام.

    وفي هذا يقول تعالى: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ .

    ثم تنبيه إلهي: إذا رضي أخونا بالدية فيجب أن نسلمها وافية كاملة بلا مماطلة ولا مناقصة، ولا نحيل على فلان ولا إلى البلد الفلاني، بل يجب أن نؤديها وافية بكل أدب واحترام، وعلى من يتسلم الدية أيضاً ويأخذها كذلك عليه أن يتسلمها بأدب واحترام، لا بعنف وشدة وغضب، ومن أخذ الدية ثم قتل فهذا أمره إلى الله وعذابه في الآخرة، والجمهور على أنه يقتل ولا دية فيه أيضاً، هذا ما علمناه، زادنا الله علماً من هذا النداء الرابع من نداءات الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه.

    وإليكم النداء وتأملوا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى . وهذا الجزء نسخ بآية المائدة: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ .

    وقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ بأن رضي بالدية فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . فالذي يطالب بالدية يجب أن يطالب بالمعروف، ولا يقول: نريد ملء الأرض ذهباً، أو لا أقبل مائة ألف، ومن أراد أن يؤدي الدية فليؤديها أيضاً بإحسان، فهذا واجب الله علينا، وبذلك رقينا وسمونا، وأصبحنا والله خير أمة أخرجت للناس.

    ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ . ووجه الرحمة أنه لو فرض علينا القصاص دون الدية للزم القتل، وكذلك من التخفيف: أنه لم يلزمنا بالدية بل وشرع العفو.

    فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ بأن أخذ الدية ثم قتل فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ فقد نقض العهد ونكثه، ولا يحل لمؤمن أن يقدم على مثل هذا بأن يعطي عهداً وعفواً ثم يقتل، أو يأخذ الدية ثم يقتل، حتى لا تبقى نافذة من نوافذ الشر والفساد في أمة الإسلام.

    1.   

    فريضة الصيام وآثاره على نفس الصائم

    والآن مع النداء الخامس من نداءات الرحمن: [ النداء الخامس: في فريضة الصيام وآثاره على نفس الصائم

    الآية (183) من سورة البقرة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] ].

    تشريف الله للمؤمنين بندائه لهم

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ! ] الذي يقرأ النداءات التي جمعت في كتاب [ والمستمع ] الذي يصغي ويستمع إلى القارئ وهو يقرأ، وكلاهما مخاطب منادى، أحبا أم كرها، فعلى هذا أن يحسن القراءة وعلى هذا أيضاً أن يحسن الاستماع، حتى يؤدي كل منهما واجباً أوجبه الله تعالى عليه [ أنك بإيمانك منادى بهذا النداء الإلهي ] ولولا أنك مؤمن لما ناداك الله، ولما دخلت في قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ وأنه لشرف لك وأي شرف ] فهو سمو وكمال، فمن نحن وما قيمتنا حتى ينادينا الجبار جل جلاله وعظم سلطانه ليعلمنا وليرشدنا، وليأمرنا بما فيه سعادتنا، ولينهانا عما فيه شقاؤنا؟ فجبريل له ستمائة جناح، وقد سد الأفق، وأن مدن سدوم وعمورة رفعها من الأرض إلى السماء وقلبها، ونحن لا قيمة لنا لولا أن الله تعالى رفع من شأننا، وأعلى من قيمتنا، وأنزل كتابه إلينا، وبعث رسوله فينا؛ من أجل أن نكمل ونسعد، فالحمد لله أن أصبحنا أهلاً لأن ينادينا الله، فلا تستخف بالنداء، فهو أمر عظيم، وقد مثلنا: لو أن حاكماً من حكام الناس يناديك بين الناس: يا فلان! تشعر بارتفاع وعزة؛ وهذا أمر فطري من طبائعنا، فقد ناداه الملك، فكيف بالذي يناديه ملك الملوك، رب السماوات والأرض، الذي يكور الليل على النهار، والنهار على الليل، والذي سخر الشمس والقمر يجريان إلى نهاية الحياة؟ فالشمس أكبر من الأرض بمليون ونصف المليون مرة، وهي كوكب ناري لا تنطفئ أبداً، فلا إله إلا الله! رغم أنف الشياطين [ فأصغ بأذنك تسمع، وأحضر جميع أحاسيسك وافهم، ووطن النفس على أن تعمل بما تعلم ] وليس مجرد سماع فقط [ فإن في ذلك ] الإصرار والفهم والعمل [ لحاقك ] أي: ما يلحقك [ بعظماء العباد ] وليس مجاناً وبلا شيء [ فقد روى مالك في الموطأ ] وهو أول كتاب ألف في هذه الأمة بعد القرآن العظيم [ أن من علم وعمل بما علم وعلمه غيره دعي في السماء عظيماً ] وإذا كتبت الجريدة وقالت: فلان فنان المملكة فإنه يفرح بذلك، والذي ينادى في الملكوت الأعلى وفي عالم القدس والطهر: عظم شأن فلان؛ لأنه علم وعمل ما نهتز له ولا نطرب، ونحن نتسابق في المسابقات لنبرز فيها، حتى في اللعب، ولا نلام في هذا، فنحن قد هبطنا، فبعد أن كنا في علياء السماء نزلنا إلى الأرض، واقرءوا قول الله تعالى في سورة الأعراف: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:175-176]. فالذي يرفعنا هو الآيات القرآنية، وهذه النداءات هي التي رفعت البشرية إلى هذا المستوى، وقد سمعنا أن كبيراً من العلماء الصناعيين قال: لو تقدم الإسلام بكذا قرن لكنا الآن فوق هذا المستوى، وهذه الكهرباء نتيجة هذه الأمة بإيمانها وإسلامها وطهارتها، وقبل نزول هذا القرآن كانت البشرية لاصقة بالأرض، وكانت كالبهائم يأكل بعضها بعضاً، وما إن لاحت في أفق السماء هذه الآيات حتى أخذت البشرية ترتقي وترتفع، وفي خمسة وعشرين سنة فقط عم الإسلام شبه المعمورة.

    والمفروض أن من حفظ نداءً في هذا المجلس وفهمه ينبغي أن يبلغه غيره، فإن كان له أسرة ففي البيت يجلس معهم ويعلمهم، وإن كان له زميل أو رفيق في الشارع يعلمه، وإن كان له صحبة مع جماعة في عمل يقول: سمعنا نداء حفظناه البارحة هو كذا وكذا، فاحفظوه وتعلموه، وبذلك ينتشر النور، ولكننا لم نعط هذه الأنوار قيمتها ولم نبال بحفظها والعمل بها أو لا، والحياة ماشية، وهذا هو الطابع الذي طبعونا به، ونحن نقول هذا فقط للتحسر والتأسف.

    الإخبار بما كتب على الأمم السابقة من الصيام فيه تخفيف ومواساة لأفراد هذه الأمة

    قال: [ هذا النداء الموجه للمؤمنين والمؤمنات يحمل فرضية صيام رمضان ] على كل مؤمن ومؤمنة [ ولما كان في الصوم مشقة ] قطعاً [ لأن ترك المعتاد من الأكل والشرب شاق على النفس ] ومن شك فلينظر إلى الذين يدخنون فإنهم يحاولون أن يتركوا الدخان ويقولون: ما استطعنا، وتدفعه النفس وتحركه، والأكل والشرب من باب أولى، وقد اعتاد العام كاملاً أن يأكل ويشرب، ثم فجأة يؤمر بأن لا يأكل ولا يشرب. وهذا شاق [ لذا هونه الله تعالى على عباده المؤمنين بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] ] وليس عليكم وحدكم، فالأمم التي سبقتكم فرض الله عليها الصيام أيضاً [ أي: المؤمنين الأولين أتباع الرسل عليهم السلام. وهذا على حد قول العامة ] من الناس: [ المصيبة إذا عمت خفت ] أو هانت ونحتج بكلام العوام؛ لأنه مأخوذ من أهل العلم وصاغوه صياغات، فالمصيبة إذا عمت خفت أو هانت، وقلنا هذا لأنه قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، أي: فصوموا، ثم قال: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] ليهون علينا، أننا لسنا أول من صام وترك الطعام والشراب لله، فقد سبقتنا أمم صامت.

    ما يلزم الصائم الإمساك عنه حال صيامه

    قال: [ والصيام ] الذي كتبه الله علينا [ معناه: الإمساك ] أي: الامتناع، فأمسك عن الشيء امتنع [ عن الأكل ] ولو حبة عنب، وليس معناه الغداء في صحفة [ والشرب ] ولو قطرة ماء، فكل ما هو أكل وشرب سواء قل أو كثر ممنوع؛ لأنه صيام وامتحان [ والجماع ] أي: مخالطة الزوجة [ وذلك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ] لقول الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]. والليل مبدؤه غروب الشمس، فإن سقط قرصها في الأفق دخل الليل، والفجر فجران، فجر كاذب وفجر صادق، فالفجر الكاذب إذا كنت جالساً تحت النخلة أو في الحوش أو في السطح أيام الصيف ترى بياضاً يأتي هكذا فتقول: طلع الفجر، وبعد أربع دقائق أو خمس فجأة يأتي ظلام كامل، ثم بعدها بخمس دقائق ينبلج الفجر هكذا أفقاً.

    معنى النية

    قال: [ بنية الصيام ].

    النية: هي قصد الفعل وعزم القلب على فعله، وهذه النية لا تكون باللفظ كأن تقول: نويت أن أصوم رمضان أو نويت أن أصوم غداً، ولا أن تقول: نويت أن أصلي العصر أو نويت أن أعتكف، بل دع هذا لله علام الغيوب، وأضمر ذلك في نفسك بأنك تريد أن تصوم، ولست في حاجة إلى أن تجهر وتقول: أريد أن أصوم. فالنية: عزم القلب والتصميم على الفعل، وهي شرط في صحة الصلاة، بل شرط في صحة أية عبادة حتى الوضوء، ولو دخلت الحمام سبعين مرة أو انغمست في البحر ولم تنوي رفع الجنابة فوالله ما ترتفع، وأنت جنب، ولا ينفعك ولو غطست في الماء سبعين مرة، فلا بد من النية، وفي الحديث الصحيح: ( إنما الأعمال بالنيات ). وهذا حصر كامل، إنما الأعمال بالنيات. فهذه النية لا بد منها، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

    معنى قوله تعالى: (الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)

    قوله تعالى في سورة البقرة: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] فهم أحد كرام الصحابة ورجالهم وأبطالهم أنها خيوط حقيقية، فوضع عند رأسه في فراشه خيطان أسود وأبيض، وصار كلما ينام قليلاً يقوم ينظر الخيطين، فلما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنك يا فلان! لعريض القفا)، أي: قفاك عريض كما بين السماء والأرض؛ لأن الذي يضع الفجر تحت قفاه قفاه عريض.

    شهر الصيام عند أمة الإسلام هو شهر رمضان

    قال: [ وقد بين تعالى شهر الصيام ] فلما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] بينه تعالى [ بقوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ] فعرفنا أن الصيام الواجب المطلوب على المؤمنين والمؤمنات هو صيام شهر رمضان، فنزول القرآن كان فيه، وأول آية نزلت في غار حراء بجبال مكة الطاهرة كانت: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]. وقد كانت والله في رمضان؛ لأن الوحي ابتدأ في ربيع الأول والثاني وجماد الأول والثاني ورجب وشعبان، وكان الوحي في هذه الستة الأشهر مناماً؛ حتى يألف ويعتاد ويقوى على المفاجأة، إذ سيفاجئه ملك، وفي رمضان وهو الشهر السابع فاجأه في غار حراء سيد الملائكة جبريل عليه السلام [ وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم ] فالرسول يبين للناس، ولكن الله بين الشهر بنفسه، وشهر رمضان الذي بين شوال وشعبان، وسمي رمضان لأنه مأخوذ من الرمضاء، وهي الحرارة؛ لأنه شرع أو فرض في أيام الحر [ بقوله: ( بني الإسلام ) ] أي: الدين الإسلامي [ ( على خمس ) ] قواعد كقواعد البناء التي يبنى عليها البناء، ثم بينها فقال: [ ( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) ] وهذه القاعدة الأولى [ ( وإقام الصلاة ) ] وهي القاعدة الثانية [ ( وإيتاء الزكاة ) ] وهي القاعدة الثالثة [ ( وحج البيت ) ] وهي القاعدة الرابعة [ ( وصوم رمضان ) ] وهي القاعدة الخامسة. وهذا حديث مسلم ، فأخر الصيام عن الحج.

    من يباح لهم الفطر في رمضان

    قال: [ ومن ] مظاهر [ رحمة الله تعالى ] الإلهية [ بعباده المؤمنين ] من أمثالكم [ أن للمريض والمسافر أن يفطرا ] فالمسافر الذي يركب الجمل أو البغل أو الحمار ويجتاز الجبال والصحارى لا يستطيع أن يصوم؛ لأنه يعطش ويجوع، فيفطر [ ويقضيا ما أفطراه بعد الشفاء، والعودة إلى البلد ] فالمسافر إذا عاد إلى بلده واستراح يقض ما أفطره، والمريض الذي لا يقوى على أن يصوم لا يمتنع من الأكل والشرب، بل يفطر، وإذا شفاه الله يقض، وهذا من مظاهر الرحمة الإلهية [ كما أن الحائض والنفساء تفطران وتقضيان بعد الطهارة من الحيض ودم النفاس ] بل حتى المرضع إذا خافت على ولدها أو على نفسها تفطر أيضاً وتقضي، وكذلك الحامل إذا كان بطنها ممتلئاً بالجنين أو بجنينين إذا كانت لا تستطيع الصيام فتفطر أيضاً وتقضي، وكذلك الشيخ الكبير أيضاً يفطر كما سيأتي [ إذ قال تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185] ] أي: فعليه قضاء عدة من أيام غير التي سبقت من الشهر الآتي [ وأما المريض الذي لا يرجى برؤه ] كأن يقول الأطباء: هذا مرض مزمن لا يفارقه [ والشيخ الكبير الهرم فإنهما لا يصومان ] بالمرة [ و] لكن [ يطعمان عن كل يوم مداً من طعام ] من دقيق أو بر أو رز أو تمر، والمد الحفنة [ للفقراء والمساكين ].

    فضل الصيام وما يترتب على أدائه من الأجر

    قال: [ واعلم أيها القارئ والمستمع! أن الصيام من أفضل العبادات، وأعظمها أجراً؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ). والخلوف رائحة الفم المتغيرة بطول الصيام ] وبقلة الطعام والشراب، فيصاب ذاك النفس برائحة كريهة، لأنه ما نظفه كل ساعتين أو ثلاث بالأكل والشرب، فهذا الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك، حتى إن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله كان يكره الاستياك بعد الزوال، ويقول: لا تستاك بعد الزوال، ودع الرائحة ما دام يحبها الله، فمن فعل كما فعل فله ذلك، ومن استاك فله ذلك، والمسك ليس القطران، وإنما هو ذو الرائحة الطيبة، وأصله من دم غزال يوجد في جبال التبت بالهند، وهو عبارة عن دملة تكون في الغزالة أو الغزال، وتؤثر عليه وتؤلمه حتى تنضج، فيتحكك هكذا على الصخرة فيخرج القيح، وذاك هو المسك، فالقيح هو المسك، فيأتي طلاب الرزق يجمعونه من الصخور، وفي هذا يقول القائل:

    وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال

    أي: ليس في ذلك عجب.

    هذا المسك، وهو أذكى رائحة من جميع العطور، ولا يساويه البخور ولا غيره [ وقال صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ] وهذه الجائزة لا بد من التوبة الصادقة معها، فإذا دخل رمضان ونويت أن تصومه فانو التوبة من كل ذنب مضى، ولا تعد إليه أبداً، فإن حققت هذه التوبة فالجائزة والله كما أخبر الرسول: أن يغفر لك ما تقدم من ذنبك مهما كان ذلك الذنب، وأما وأنت مصر فلا.

    الأيام التي يستحب صيامها

    قال: [ ورغب صلى الله عليه وسلم في صيام ستة أيام من شوال، وصيام التاسع والعاشر من شهر المحرم، ويوم التاسع من شهر ذي الحجة، وهو يوم عرفة، فقال صلى الله عليه وسلم: (صيام عاشوراء ) ] أي: اليوم العاشر من محرم [ (يكفر ذنوب سنة، وصيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين الماضية والآتية ) ] أيضاً، ولا تعجب من الجوائز؛ فإن الله غني ذو فضل عظيم [ ورغب في صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الأيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنها كصيام الدهر) ] لأن الحسنة بعشر أمثالها، فاليوم بعشرة، والثلاثة الأيام من الشهر بشهر، فتكون كصيام الدهر، وأبو هريرة يقول: ( أوصاني حبيبي .. خليلي أن أصلي أربع ركعات في الضحى، وأن أصلي الوتر قبل أن أنام، وأن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر). فقد عرف عجزه وضعفه فأعطاه هذه العطية، فلا يقوم الليل، بل يصلي ما شاء الله قبل أن ينام، وفي الضحى ركعتين أو أربع، ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وما زال الصالحون على هذا المنهج إلى يوم القيامة [ كما كان صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس ] ولم يأمر بصيامهما ولا رغب فيهما، ولكن كان يصومهما، فمن كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتسي به فليصم الإثنين والخميس، وعلل صيامه الإثنين بقوله: (لأنه يوم ولدت فيه وبعثت فيه). ويوم الخميس بقوله: ( تعرض الأعمال على الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم).

    ما يبطل به الصيام

    قال: [ واعلم أيها القارئ الكريم أن من أكل ] في رمضان [ أو شرب أو جامع ] امرأته متعمداً وتلطخت نفسه بلطخة لا يزيلها ماء النيل بكامله إلا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم: إما صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً أو عتق رقبة [ وهو صائم فسد صومه ] لأنها ذنب عظيم، فالمؤمنون صائمون، وهو يستهويه الشيطان ويدفعه إلى أن يتعدى حد الله ويفطر في رمضان.

    ويقصد بالأكل والشرب كل ما يصل إلى الحلق أو المعدة، ولو من طريق الأذن أو الأنف أو الفم، فهذه منافذ تصل إلى الحلق، فلهذا يحسن بمن يستعمل القطرة أن يستعملها في الليل، وعلى المؤمنات أن لا يكتحلن في أول النهار؛ لأن الكحل يتحلل شيئاً فشيئاً ويصل إلى الحلق، فالمؤمنة تكتحل بعد العصر، فلا يتحلل ويصل حتى يؤذن المغرب، أو تكتحل بعد صلاة المغرب أو مع العشاء، وأما الاكتحال في أول النهار فيفسد صومها، وكذلك غير الاكتحال كالقطرة في الأنف أو العين أو الأذن، وأصحاب الإبر الأولى أن يستعملوها بالليل، فإن كان مريضاً ولا بد فلا بأس، فإن استعمل إبر للتغذية بطل الصيام، فتجوز إبر التغذية للعلاج فقط، وأما للغذاء فلا يصح، ويستعملها بالليل.

    وأما البخاخ فقد أفتى العلماء بجوازه؛ لأنه ليس أكلاً ولا شرباً، وإنما هو هواء وصاحبه مضطر إليه؛ لما فيه من ضيق النفس، فلنقبل ما آتانا الله من طريق علمائنا.

    [ وأن من اغتاب ] أي: تكلم في مؤمن وهو غائب، أو قال في مؤمن كلمة لو سمعها ذاك المؤمن لغضب وتأثر بها، هذا هو الاغتياب، فلا تتحدث عن أخيك وهو غائب عن المجلس وتذمه أو تشتمه أو تعيره أو تذكره بسوء حتى ولو كان ذلك فيه، فقد قال أحد الصحابة رضي الله عنهم: ( أرأيت يا رسول الله! إذا كان في أخي ما قلت؟ ) كأن أقول: أعمش وهو أعمش حقيقة؟ ( قال: نعم، إن كان فيه ما قلت فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما قلت فقد بهته ). والبهتان أعظم، ولهذا فلنحرص في مجالسنا أيها المؤمنون! ويا أيتها المؤمنات! ألا نذكر فيها مؤمناً ولا مؤمنة إلا بخير فقط، ومن أراد أن ينصح أو يوجه يذهب إلى صاحبه ويقول له، ولا يتحدث به في مجالس الناس، هذه هي الغيبة [ أو نم أو سب مؤمناً بطل أجره ] فيخرج صفر اليدين ولا حسنة، فحسناته قد تبخرت وتلاشت. ومعنى نم أي: نقل الحديث من أجل الأذية، كأن يقول: فلان سبك .. فلان شتمك .. فلان كذا؛ حتى يثير العداوة والبغضاء بين المؤمنين. هذا النمام.

    ومما يؤثر عن السلف: أنه كان عبداً يباع في سوق العبيد وكان صاحبه مؤمناً، فإذا جاء أحد يساومه في ثمنه قال: بكذا على شرط أنه نمام، فكان الناس يهربون من شرائه؛ لأنه نمام، فجاء شخص شحيح مثلي فسأل عن ثمنه فقال: بألف ريال، والعبيد يساوون مائة ألف، فقال: دعه ينم، أنا محتاج إليه، فاشتراه بأرخص قيمة، ومضت الأيام، فجاء لامرأة سيده وقال لها: يا ست! - وهذه لغة مصرية، أي: يا سيدة!- تريدين أن يحبكِ زوجكِ؟ قالت: نعم. قال: خذي من لحيته شعيرات وبخري بها كالبخور، فيصبح يحبكِ أكثر النساء، فسألته كيف تصنع؟ فقال: في الليل عندما ينام ائت بمقص وقصي، أو بسكين واحلقي، وقال لسيده: أنا أرى ربة البيت ليست راضية عنك، فاحذرها يا سيدي! فأنا خائف منها، فتناوم الفحل في الظلام والليل وإذا بالسيدة بسكينها تقترب منه، فما إن رفع رأسه ووجد بيدها السكين ضربها بعصاه وقتلها؛ لأنها تريد قتله، فجاء أهل المرأة ووجدوا أن ابنتهم مقتولة، فصارت مقتلة بين الجانبين بسبب النميمة، فقد نم إليه ونم إليها الحديث الباطل.

    من فوائد الصوم الروحية والصحية والاجتماعية

    قال: [ واعلم أن للصوم فوائد روحية واجتماعية وصحية ] وبدنية أيضاً، وإليكم بيانها: [ ومن الفوائد الروحية: أن الصيام يعود على الصبر ويقوي عليه ] فالذي يستطيع في الأيام الطويلة أن يمتنع عن الأكل والشرب صبراً واحتساباً يستطيع أن يصبر في أي موطن، ويقوى على الصبر في أي مكان؛ لأنه تمرن عليه [ ويعلم ضبط النفس، ويساعد عليه ] فلا تتهاوى وتسقط في كل ما تريد، ويكبح جماحها [ ويوجد في النفس ملكة التقوى.

    ومن الفوائد الاجتماعية: أنه يربي الأمة على النظام والاتحاد وحب العدل والمساواة، ويكون في الصائم عاطفة الرحمة وخلق الإحسان، كما يصون المجتمع من الشرور والمفاسد.

    ومن الفوائد الصحية: أنه يطهر الأمعاء، ويصلح المعدة، وينظف البدن من الفضلات ] أي: فضلات الطعام [ والرواسب ] المترسبة في أمعائه، فهذا الجوع ينفيها ويسقطها ويبعدها [ ويخفف من وطأة السمن، وثقل البطن بالشحم ] والآن يخففون السمن بما يسمونه بالريجيم، وهي كلمة إنجليزية، وكانوا من قبل يخففون السمن بالحمية، فكان أهل السمن يحتمون أشهراً معدودة بتخفيف الأكل والشرب، فيرتاحون وتعود حالهم كأحسن ما تكون بالصيام [ وفي الحديث الحسن: ] ( سافروا تغنموا ) و[ ( صوموا تصحوا ) ] والواقع يشهد لهذا.

    حكم النية في الصوم وصفتها

    قال: [ وأخيراً أيها القارئ والمستمع! لا تنس النية؛ فإنها شرط في صحة الصوم ] حتى صوم التطوع والنافلة [ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا صيام ) ] أي: يقبل ويثاب عليه صاحبه [ ( لمن لم يبيت الصيام بالليل ). وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات ) ] والصيام عمل تقوم به الجوارح كاملة. وجاء في السنة: أن الإنسان إذا لم ينو الصوم في الليل واستيقظ على عادته بعد الصلاة يتناول الإفطار، فسأل فقالت ربة البيت: والله ليس عندنا شيء، يجوز أن ينوي الصيام ويصبح ويظل صائماً ويعطى أجر الصائم، لأنه ما أكل شيئاً ولم يفطر وإن كانت النية حدثت الآن؛ لأن هذا الصيام تطوع، وليس صيام فرض. والأصل فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أهل بيته في الصباح ويسأل: ( هل عندكم شيء؟ فإن قالوا: نعم، أكل وحمد الله، وإن قالوا: ما عندنا، قال: إذاً أنا صائم ). فبدل أن يظل جائعاً لا لشيء يصوم. ونحن الآن السُفر في كل جانب، فيا ليتنا فقط نحمد الله، فحتى لفظ الحمد لله شححنا به، والمفروض أننا طول النهار نردد: الحمد لله، فنحن نطير كالملائكة في السماء، ومسافة الشهرين والثلاثة نقطعها في ساعة أو ساعتين ولا نحمد الله، وعندنا ألوان الطعام والشراب، ويتفجر الماء في الحيطان كأننا في الجنة، وعندنا فواكه الصيف في الشتاء، وفواكه الشتاء في الصيف، ووالله لكأنها الجنة، ولكن قل من يقول: الحمد لله، وقد لقيت منذ سنوات مؤمناً تغدينا معه، ما إن وضعت السفرة إلا وهو يقول: الحمد لله ويرددها حتى فرغنا من الأكل، هذا في بريدة، ولقيت الأسبوع الماضي آخر في الرياض وهو عالم ليس أمياً كذاك، كان والله من ساعة ما بدأنا في الطعام وهو يردد الحمد لله حتى فرغنا، ونحن لا نعطي لكلمة الحمد لله قيمتها، فلو تعطى الدنيا بما فيها وتقول: الحمد لله، فقولك: الحمد لله أفضل مما أعطيت من الدنيا، وحسبك أن الله حمد نفسه بنفسه فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]. فإن شاء الله نحمد الله دائماً، وإياكم أن تنسوا.

    [ واعلم أن صيام رمضان تكفي فيه النية من أول ليلة منه ] ولا يحتاج إلى تجديد النية في كل ليلة، ولك أن تجددها، ولكنها ليست لازمة ولا واجبة، بل النية أول ليلة أن تصوم رمضان وتعزم هكذا [ إلا أن يفطر لعلة مرض أو سفر فإنه يعيد النية ليلة بدئه الصيام ] واستئنافه له. فإذا مرضت فأفطرت يومين أو أسبوعاً وعدت للصيام فجدد النية؛ لأنها قد انقطعت، وكذلك إذا سافرت أياماً فأفطرت ثم عدت للصيام فلا بد من النية، وكذلك الحائض أيضاً إذا حاضت أسبوعاً فتفطر، ثم تستأنف الصوم وتنوي، فلا بد من النية، وكذلك النفساء إذا طهرت تنوي الصيام وتصوم، وأما إذا لم ينقطع الصيام فتكفيك النية في أول ليلة من ليالي رمضان على أنك صائم رمضان.

    حكم من أكل أو شرب ناسياً

    اعلم أن من أكل أو شرب ناسياً لا كفارة عليه، وإنما سقاه الله وأطعمه، وإن كان فرضاً فالإمام مالك يستحب أن يقضيه؛ ليكمل العدة، والله قال: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة:185]. فالإمام مالك يستحب القضاء، وغيره لا يراه، والاستحباب أفضل؛ لتكمل العدة ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً، فهذا أفضل من أن تصوم سبعاً وعشرين يوماً أو ثمان وعشرين يوماً، وهذا كلام معقول.

    وأما في النفل فلا خلاف أبداً، فمن أكل أو شرب حتى شبع وتذكر أنه صائم فيواصل صومه ولا حرج، وأكثر ما يصيبنا هذا في الشاي والقهوة، فقد يكون صائماً متطوعاً ويأتي صاحب القهوة يصب فيشرب أخونا ولا يدري، ثم يتذكر أنه صائم، فلا شيء عليه، ويواصل صيامه إلى الليل، ولا كفارة عليه.

    حكم من أفطر متعمداً في نهار رمضان

    أما من أكل أو شرب أو جامع متعمداً فعليه قضاء ذلك اليوم أولاً والكفارة، والكفارة: وهي صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً أو عتق رقبة إن وجدت وقدر على ذلك، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند الدكة وهو يرتعد فزعاً فقال: ( هلكت يا رسول الله؟ قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي. قال: اعتق رقبة. قال: من أين لنا؟ قال: فصم شهرين متتابعين. قال: أنا ما استطعت أن أصوم يوماً واحداً وأتيت أهلي، فكيف شهرين؟ قال: أطعم ستين مسكيناً؟ قال: ومن أين لنا؟ فخرج الرسول من بيته وجاء بكمية تمر ستين صاعاً - ستين مداً- فقال: تصدق بهذا على الفقراء، قال: والله ما بين لابتيها أفقر منا )، أي: لمن أعطيها وما بين جبلي المدينة أحد وعير أفقر منا. فقال: (أطعمه أهلك). هذا هو الكمال المحمدي والرحمة المحمدية.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.