إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 4للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله عز وجل في كتابه الكريم القصاص على عباده، حتى لا يكون أمره خاضعاً لاجتهادات البشر وأهواء الحكام والقضاة، وحتى لا تضيع الحقوق والدماء، وجعل سبحانه وتعالى إقامة القصاص من شأن ولي الأمر ولم يتركه لولي الدم أو غيره، ولكنه أعطى ولي الدم الحق في طلب القصاص، أو الاكتفاء بقبول الدية، أو العفو عن كل ذلك.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداءات السابقة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان.

    وقبل الشروع في هذا النداء الرابع من تلك النداءات الرحمانية أعيد إلى ذاكرة المستمعين والمستمعات، أن أول نداء كان في وجوب الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104]. وقلنا: إن العلماء .. إن المربين .. إن الهداة .. إن الدعاة خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب الأدب معهم، ويحرم الهزؤ بهم والسخرية منهم، وكأولئك عامة المؤمنين والمؤمنات، فلا يحل لمؤمن أن يسيء الأدب مع أخيه، لا بنظرة شزرة، ولا بصوت رفيع، ولا بهمز ولا لمز، ولا بتعيير ولا بعيب، فكل ذلك حرام وفسق، وهذه أمة الإخاء والمودة، ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله ). ولكن ما عرفنا فلا تلوموننا، ومن عرف لم يقف موقفاً يغضب عليه مولاه، والجهل هو الذي ضر بنا.

    والنداء الثاني يحمل الاستعانة، والاستعانة لا تكون بالأعداء ولا برجال القبيلة ولا بالدينار والدرهم، وإنما تكون الاستعانة بالصبر والصلاة؛ إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153].

    وبالأمس لامني لائم وقال: لو تعلم الناس كيف يصلون، فإنهم يسيئون في صلاتهم، فقلت: مرحباً، أيها المستمعون! ويا أيتها المستمعات! اعلموا أن الصلاة المولدة للنور .. للطاقة .. للحسنات التي تكون عوناً للعبد على قهر نفسه وإذلالها، وإبعاد الشياطين وطردهم هي الصلاة ذات الخشوع؛ إذ قال تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]. فجوابي لهذا الابن واسمعوا جميعاً، لستم في حاجة إلى أن ندرس الصلاة شهراً أو شهرين أو ثلاثة أشهر كما مضى، فقد درسنا ثلاثة أشهر كيف نصلي، وقضينا الشتاء بكامله في كتاب الصلاة، وكلمتي واحدة، فكما نصلي مع الإمام يجب أن نصلي إذا كنا وحدنا، لا أن نصلي مع الإمام ونطمئن في الركوع والسجود وإذا صلينا وحدنا أسرعنا الله أكبر .. سمع الله ولمن حمده .. ربنا ولك الحمد كالخائنين، و( أسوأ الناس سرقة من يسرق في صلاته ). ولا نحتاج أبداً إلى أن نتعلم شهرين أو ثلاثة كيف نصلي، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ). فصل إلى جنب عالم ولا تحتاج أن تدرس كيف تصلي، وهذا الإمام يصلي بنا الصلوات الخمس، فإن صليت دون صلاته فصلاتك مدخولة، ولا تنتج لك طاقة، فالقضية قضية إيمان صادق، فاعرفوا أن الصلاة كما نصلي مع الإمام، فمن قدم أو أخر أو زاد أو نقص أو خفف أو استعجل فصلاته باطلة.

    ودائماً نقول: معنى باطلة: أنها لا تنتج الطاقة، ولا تولد النور، فلهذا صاحب الصلاة الباطلة والله في المسجد يعصي الله، وقبل أن يخرج يقول السوء ويحدث الباطل، ويخرج من المسجد يرتكب الذنوب؛ لأن صلاته ما ولدت له النور الذي ينبغي أن يظهر على سمعه وبصره ولسانه، فصلى وخرج وكأنه لم يصل، وعند الباب يقول الباطل ويرتكب المنكر.

    فلنصل كما يصلي إمامنا، إلا القراءة إذا لم تطيلها فلك ذلك، وأما الركوع والسجود والخشوع والطمأنينة فكما نصلي مع الإمام.

    آخر نداء هو نداء أمس وهو: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]. ووالله أن من لم يشكر الله ما عبده؛ لأن شكر الله بالقلب واللسان والأركان، أي: الجوارح، فحياة المؤمنين موقوفة على الله، فهم لله شاكرون عابدون، ومن لم يشكره ما عبده، وقد عرفتم أننا أمرنا بأن نأكل من الطيبات؛ لأن الخبائث تعوقنا عن الوصول إلى الكمال، وتحول بيننا وبين رضا الرحمن، فلا نأكل إلا ما كان حلالاً طيباً، وإذا أكلنا لا نسرف؛ إذ قال تعالى لنا: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]. والإسراف مجاوزة الحد، فإذا كنت تكتفي بسبع لقمات فلا تزد الثامنة، وإذا كنت تكتفي بعشر فلا تزد الحادية عشرة، وإذا كنت تكتفي بكأس الماء فلا تشرب كأسين، وهكذا، فلا تتجاوز الحد في أكلك ولا شربك، بل ولا نومك ولا قيامك ولا قعودك، بل القصد القصد! والعدل العدل! وقد وصفنا الله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]. فالمطلوب هنا الوسطية، فلا إفراط ولا تفريط، ولا إهمال ولا غلو، بل شعار هذه الأمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    إذاً: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]، أي: واشكروا له إنعامه من الماء والطعام وكل جزئيات الحياة، فهي منه إفضال وإنعام، فلنشكر الله على كل نعمة إن كنا نعبده، ومن قال: لا أعبد لا يشكر.

    وأخيراً: أذكركم ونفسي بأن هذا البدن نعمة، تشكر ببذل هذه الطاقة البدنية في طاعة الله، وقد وهبك الله رجلين تمشي بهما، فإياك أن تمشي بهما خطوة واحدة إلى معصية الله، فذلك لا يحل لك، ووهبك لساناً فصيحاً تبين وتفصح به، فإياك أن تقول كلمة تغضب الله عز وجل باللسان الذي خلقه، وإذا أعطاك ديناراً أو درهماً فإياك أن تنفقه فيما يغضبه، وهكذا تجدنا كلنا لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    1.   

    القصاص والدية والعفو

    قال: [ النداء الرابع: في القصاص والدية والعفو ] وقد علمنا أن هذه النداءات الإلهية ما تركت جزءاً من نظام الحياة إلا ذكرت له بابه وبينته، وما من مؤمن يحتوي هذه النداءات حفظاً وفهماً ويعمل بها ويطبقها إلا سادنا ودعي في السماء عظيماً، ونداءات الرحمن تسعون نداء، وهذه التسعون النداء ما تركت جانباً من جوانب حياة البشر إلا تعرضت له بالبيان والإصلاح والهداية، وسبحان الله! فهي مرة في الصبر، ومرة في الطعام، ومرة في القصاص، وأخرى في الصيام، وأخرى في الجهاد؛ حتى لا تمل، وهذا على نهج القرآن الكريم، لم تجمع فيه القصص في سورة واحدة، ولا الأحكام في سورة واحدة، ولا العقيدة في سورة واحدة، وإنما هو نور تنتقل فيه من كوكب إلى كوكب؛ حتى لا تمل أبداً.

    وهيا نحفظ هذا النداء كما حفظنا النداءات التي قبله، واعلموا أن الجائزة عظيمة، فلا تستهن بحفظ نداء من هذه النداءات، فحفظ واحد منها والله خير لك من أن تحفظ مليون دولار في صندوقك أو في بنك أو عند جيرانك، فهذه آيات الله عز وجل.

    وهذا النداء في القصاص والدية والعفو، والمؤمن العامي والمؤمنة العامية يعرفان القصاص، ويعرفان الدية، ويعرفان العفو، وكأنهما درسا في كلية الحقوق، بل أعظم من ذلك وأسهل، فهما لم يسافرا، ولا دخلا المدرسة، وسبحان الله العظيم! ولهذا كان أصحاب الرسول وذلك الجيل كلهم علماء، وأكثرهم لا يقرأ ولا يكتب، ووالله ما عرفوا مدرسة ولا كلية، وكانوا علماء ربانيين.

    [ الآية (178) من سورة البقرة:

    أعوذ بالله من الشيطان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178] ] فلا تملوا، فأنتم تدرسون القانون .. قانون السماء .. قانون الرحمن الرحيم، فلا تقل: أنا عامي لن أدرس القانون، وإنما فقط احفظ المادة وافهم مراد الله منها، وهي مبينة ومفسرة بالقرآن والسنة.

    وكلام الله غذاء روحي، ينسينا آلام المرض وآلام الفقر والتعب، وسبحان الله! فنحن والله عندنا كلام ربنا وخالقنا، وليس هناك نعمة أعظم من هذه النعمة، فهذا كلام الله خالق السماوات والأرض، ومرسل الرسل، ومنزل الأنبياء، والمنعم علينا بوجودنا، وبوجود كل شيء حولنا، وعندنا والله كلامه بالحرف الواحد.

    معنى قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص)

    قبل الدخول في الشرح الواسع أهون عليكم بعض الشيء؛ لتفهموا وتحفظوا!

    معنى (كتب عليكم القصاص): أي: فرض فرضاً مكتوباً في الكتاب؛ حتى لا يتلاعب به أحد، والقصاص: المقاصة، يداً بيد .. نعجة بنعجة .. كبشاً بكبش .. ثوباً بثوب، والذي كتبه علينا هو الله، ولم يقل: كتبت عليكم القصاص؛ ليبقى حبه يملأ قلوب عباده؛ لأن القصاص فيه آلام وجراحات ودماء، وسبحان الله العظيم! ويكون الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ، جمع قتيل، ولم يقل: في قتلاكم أيضاً، ثم بين هذا فقال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ . فمن قتل حراً يقتل به، والعبد إذا قتل عبداً يقتل به، والأنثى إذا قتلت أنثى تقتل بها، وأما أن تقتلوا الحر بالعبد فلا، أو تقتلوا المرأة بالرجل فلا، ولكن الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178].

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ...) الآية

    سبب نزول هذه الآية: أن قبيلتين عظيمتين في الجزيرة كان بينهما صراعات، وفازت إحداهما بالشرف والعلو والقوة، فأصبحت تلك القبيلة المنتصرة إذا قتل منها عبد من عبيدها تقتل حراً من أحرار تلك القبيلة؛ لأنها قوية، وإذا قتلت منهم امرأة يقتلون رجلاً بها، ولا يقتلون امرأة، فأبطل الله هذا ومسحه من ديوان القانون الإسلامي، فأنزل قوله من سورة المائدة: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45].

    بيان نسخ قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ...) الآية

    هذه الآية التي تلوناها منسوخة، لكن فيها بيان ما كان عليه أهل الجاهلية، فخفف تعالى ذلك الثقل وذلك الحمل، فقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178]. وليس الحر بالعبد، أو العبد بالحر، وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]. فلا نقتل بالمرأة رجلاً، أو إذا قتل رجل امرأة لا يقتل، فالقصاص هو هذا، الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178].

    وهذا اللفظ - معاشر المستمعين والمستمعات!- منسوخ، ومعنى منسوخ: أن الحكم رفع، والآيات تتلى، والحسنات تتوالى، والأنوار تتزايد، وقد نسخته آية: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]. والنفس سواء كانت ذكراً أو أنثى، أو حراً أو عبداً، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45]. هذا هو الحكم الذي هو ماض إلى يوم القيامة، فمن كسر سنك تكسر سنه، ولست أنت الذي تكسرها، ولكن الطبيب هو الذي يكسرها، ومن قطع أصبعك تقطع أصبعه. هذا هو القصاص.

    والآية الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178] هذه خاصة بالقتلى، الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]. وهذا القدر منسوخ، رفع حكمه وبقي اللفظ نوراً وهداية للخلق، والحرف بعشر حسنات.

    معنى قوله: (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان)

    قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178]. فمن عفا عن أخيه في قطع يده أو أذنه أو لسانه أو قتل أبيه أو أخيه ورضي بالدية فليقبل العفو، وقوله: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي: يطالب بالدية أو بالقصاص حتى يحصل عليها بالتي هي أحسن، وليس بالتكبر والصياح والضجيج والتهديد والتهويل، بل اتبع من لك عليه حق بالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة والغلظة والسب والشتم كما تعرف طبائع البشر.

    والذي عليه أن يؤدي ذلك الحق والمعروف وهو الدية فيجب أن يؤديها أيضاً بإحسان، لا بالعنف والشدة والمماطلة وتجزئة الدية إلى قرون، ونحن ما عندنا أو غير ذلك، أو أن يحوله إلى شمال أفريقيا أو مكان بعيد ليأخذ الدية، أو أن يقول له: بعد كذا أو بعد كذا، بل يجب أن يؤدي ذلك الواجب الذي وجب عليه لأخيه وهو الدية بإحسان، فهذا كله حرمه الله، فمن أراد أن يأخذ حقه فليطلبه بالمعروف، ومن أراد أن يؤدي ذاك الحق فليؤده بإحسان، فليس عندنا غلظة ولا شدة ولا عنترية ولا سب ولا شتم ولا غير ذلك، فربنا واحد، ومالكنا واحد، وهو الذي شرع لنا هذا، فنطالب بحقنا بحسب ما شرع لنا.

    تخفيف الله عن هذه الأمة في أحكام القتل والجروح

    قال تعالى: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:178].

    ووجه التخفيف والرحمة هو: أن نعلم أن شريعة موسى في بني إسرائيل وإلى آخر عهدهم هي أن القاتل يقتل، ولا تقبل منه دية ولا يعفى عنه، ولكن يقطع رأسه، حتى لو قال أهل المقتول: عفونا، فلا عفو أبداً، ولا يقبل منهم هذا، ولو قال أهل القتيل: خذوا مليارات أو خذوا القرية بكاملها واتركوا أخانا حياً لا يقبل أبداً، وليس هناك إلا القصاص، وهذه شدة؛ لأن الحكيم العليم عرف أن تلك الأمة توغلت في الشر والفساد والظلم والاعتداء، ولا يؤدبها إلا العصا، وأن وضعهم لا يتلاءم معه إلا هذا، فقد قست قلوبهم. ومن هنا كان إذا قتل قاتل في بني إسرائيل لو جاء أهل الإقليم كلهم يستشفعون فلا شفاعة، ولو خرجوا من أموالهم كلها له حتى لا يقتل لا يقبل منهم، بل لابد من القصاص، وخفف الله عنا هذا.

    ثانياً: شريعة عيسى عليه السلام كان فيها نسخ بالنسبة إلى بني إسرائيل، وهو منهم عليه السلام، فنسخ الله ما شاء وأبقى ما شاء، ومن جملة ما نسخ أن المسيحي إذا قتل أخاه فيجب أن يقول أهله: عفونا ويطأطئون رءوسهم، فلا دية ولا قصاص، فلا يقول أهل القاتل: خذوا الدية، ولا يقول أهل القتيل: يجب أن نقتل من قتل، فلا دية ولا قصاص، ولكن العفو، ونحن أعطانا الثلاثة، وخيرنا فيها، فإن شئنا القصاص قاصصنا، وإن شئنا العفو عفونا وأثابنا الله، وإن شئنا أخذ الدية أخذناها، وهذا تخفيف من الله ورحمة، وصدق الله العظيم القائل: تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ . وهذه رحمة لا توجد في الشريعة الموسوية أو العيسوية، وإنما توجد في الشريعة المحمدية، وهذا فضل الله ورحمته. فديننا أوسع، وقد أعرض المسلمون عنه؛ لأن العدو جهلهم وأبعدهم عنها.

    حكم من رضي بالعفو أو الدية ثم قتل القاتل

    قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178]. هذا فيمن يعلن عن العفو ويقول: عفونا وبعد ذلك يقتل، أو يأخذ القصاص وبعد ذلك يقتل، فهذا يترك لله يعذبه، فقد خان ونكث، وليس هذا شأن المؤمن، بل من أول يوم يقول: نريد القصاص في ابننا أو أخينا، وأما أن يقول: عفونا وتغتاله، أو يقول: قبلنا الدية فأخذوها ثم يقتل فهذا لا يتلاءم مع وضع هذه الأمة السامية، العارفة بربها، الشاعرة بكمالها.

    شريعتكم أيها المسلمون! أسمى وأعلى وأرفع من شرائع ما سبق؛ لهذه الكمالات التي اختص الله بها هذه الأمة، فاليهود إذا قتل أحدهم آخر ليس هناك إلا القتل، والنصارى إذا قتل أحدهم الآخر ليس هناك إلا العفو، ولا دية ولا قصاص، ونحن إن شئنا عفونا، وإن شئنا أخذنا الدية، وإن شئنا قاصصنا، وكل هذا أعطانا الله لأنه أخبرنا بأنه خفف عنا ورحمنا، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ . والذي يتلصص وبعدما يعفو أو يأخذ الدية ينتكس ويقتل فهذا نتركه لله، والله يتولى عذابه، فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فافهموا هذا.

    1.   

    الحكمة من مشروعية القصاص

    أولاً: أن القصاص عليه مدار حياة الأمن والاستقرار في المجتمع

    قال: [ هل تدري أيها القارئ الكريم! ] لهذه النداءات [ والمستمع ] لها [ المستفيد ] منها [ لماذا نادى الله تعالى عباده المؤمنين؟ إنه ناداهم ليعلمهم حكماً شرعياً ] وهو القصاص والعفو والدية؛ إذ [ عليه مدار حياة الأمن والاستقرار في المجتمع الإسلامي المبارك ] فهم لم يكونوا يعرفون هذا الحكم الشرعي، بل كانوا إذا قتلت القبيلة المنتصرة عشرين لا تقتل الضعيفة إلا واحداً مثلاً، وإذا قتلت الضعيفة امرأة يقتلون رجلاً، وإذا قتلت عبداً يقتلون حراً، وقد عطل المسلمون هذه الأحكام؛ لأنهم جهلوها، فعطلوها.

    ثانياً: أن القصاص الشرعي يحقق العدل والمساواة

    قال: [ وهذا الحكم هو فرضه تعالى على المؤمنين القصاص في القتلى، فقد كان حيان من العرب يرى أحدهما أنه أشرف من ] الحي [ الثاني، فيقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة، فأبطل الله تعالى هذا الحكم الجاهلي، وأعلمهم أن العدل هو أن يقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى ] فهذا هو العدل، وهذه هي المساواة، وهذه هي الديمقراطية التي ينطقون بها، ولا يفهمون معناها، فالعدل هو أن يقتل حر بحر، وعبد بعبد، وأنثى بأنثى، فإن قتل عبد بحر أو أنثى برجل لم تتحقق المساواة [ فكفوا عن ذلك الحكم الجاهلي، وأصبح الحر يقتل بالحر لا بالعبد، والعبد يقتل بالعبد لا بالحر، والأنثى تقتل بالأنثى لا بالرجل، وبقي الأمر هكذا حتى نزلت آية المائدة ].

    والمائدة هي السفرة، وأنتم تسمونها سفرة، وسميت هذه السورة بالسفرة لأن جماعة عيسى عليه السلام لم يتربوا في حجور الصالحين، فلما اتبعوه وآمنوا به قالوا: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:112]؟ وهذا الكلام لا يقوله مسلم لرسول الله، وإنما هو كلام البربر؛ لأنهم ما تربوا في حجور الصالحين، فقد عاش بنو إسرائيل في ظروف دائماً نشبهها بظروفنا، فقد كان كل شيء عندهم مباحاً لما هبطوا، فبعث الله عيسى لعل وعسى أن يعودوا، فتركوه وقالوا: ساحر وابن زنا ودجال، وآمن به بعض المؤمنين، ولما كان المجتمع هابطاً قالوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا [المائدة:112-113]. فهم إلى الآن لم يعلموا أنه صادق، والذي يعرف هذا لا يتألم من مجتمعنا الهابط؛ لأنه إذا هبط المجتمع يقول أكبر من هذا. سبحان الله العظيم! فهم إلى الآن لم يصدقوا أنه رسول الله، فرفع يديه وقام بين يدي ربه.

    وابن كثير رسم الصورة فقال: فضم قدميه - ما فرج رجليه - ووقف بين يدي ربه يسأله ويقول: رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ [المائدة:114]. ومازال يدعو حتى قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115].

    فالذين شاهدوا المائدة وأكلوها وكفروا عذابهم فوق كل عذاب؛ لأن هذا أعجب عجيبة! فهم قالوا: نزل علينا مائدة من السماء فنزلت المائدة، فلهذا سميت سورة المائدة بالمائدة.

    ومازال عيد الفصح إلى الآن عند النصارى، يحتفلون فيه بهذه المائدة، وهم كافرون.

    وتسمى السورة أيضاً بـ(سورة العقود) أيضاً لابتدائها بالأمر بالوفاء بالعقود.

    [ وهو قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا [المائدة:45] ] أي: في التوراة [ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] ] فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:45]. وهذه لنا نحن، وأما عندهم فليس هناك تصدق [ فأصبح الحكم العادل النافذ ] الماضي [ هو أن يقتل القاتل سواء قتل رجلاً أو امرأة ] قتل [ حراً أو عبداً، إلا أن يعفو أهل القتيل عن القاتل فلا يطالبوا بقتله، إما لرضاهم بالدية، وإما لاختيارهم أجر الآخرة عن أجر الدنيا، فتركوا القصاص والدية معاً ] فهذا شأنهم فقد أذن الله لهم في ذلك.

    1.   

    بيان أن المطالبة بالدية تكون بالمعروف والأداء يكون بإحسان

    [ ثم أخبر ] الله [ تعالى المؤمنين بأن من عفي له من أخيه شيء بأن تنازل الولي عن القتل قصاصاً ورضي بالدية فعلى المطالب بالدية أن يطلبها بالمعروف ] لا بالعنترية والسب والشتم [ وهو الرفق واللين وعدم الشدة والعنف، وعلى مؤديها ] أي: مؤدي الدية [ أن يؤديها بإحسان، لا بالمماطلة والتأخير، أو الانتقاص ] منها [ وعدم الوفاء ] وهذا الجاهلون يفعلونه [ ثم أخبر تعالى عباده المؤمنين ] وأنتم منهم، فنحن مؤمنون، ولا يقول أحد: أنا مؤمن إن شاء الله، بل مؤمن جازماً بذلك [ بأنه رحمة بهم خفف عنهم، فخير ولي الدم ] أي: الذي قتل له ابنه أو أخوه [ بين العفو أو أخذ الدية أو القصاص ] كما علمتم، فهم مخيرون، ولم يخير اليهود ولا النصارى، بل كانت شريعة اليهود القتل، وشريعة النصارى العفو [ في حين أن أهل الكتاب قد شدد عليهم، فاليهود لا دية عندهم ولا عفو، بل القصاص فقط، والنصارى لا قصاص ولا دية، ولكن العفو فقط. وهذا بناء على ما علم الله تعالى من حالهم، فشرع لهم ما يناسبهم تأديباً وتربية لهم ] فاليهود غلاظ فناسبهم القتل، والنصارى لينين، حتى قال عيسى: من صفعك في خدك الأيمن فأدر له الأيسر، فليس هناك قصاص، بل زد أعطه ليضربك [ وقوله تعالى في آخر الآية: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ [البقرة:178] أي: بعد أن رضي بالدية وقبلها وقتل القاتل، فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178]. وهو عذاب الآخرة، بحيث لا تقبل منه دية، وإنما يتعين قتله إلا أن يرى الإمام ] إمام المسلمين [ عدم قتله ودفع دية من قتله ] لما يشاهد من حالة القبائل أو الشعب فله ذلك؛ لأن قوله تعالى: فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178] مجمل، وهو في الآخرة؛ لأنه لا شك أنه قاتل ظلماً وعدواناً، وأما في القضاء فمادام قد قتل بعد ما قبل الدية فإنه يقتل، ولا دية هنا حتى لا يتلاعب بذلك، فيقتل فقط، إلا إذا رأى الإمام عدم قتله، مثل أن يخاف أن يترتب عليه مفسدة أخرى، كأن تتعصب القبائل أو الجماعات أو غير ذلك، فينظر في هذا ويهدئ الموقف، ويقول: خذوا الدية منه واتركوه؛ لأن الإمام نائب عن الله عز وجل.

    1.   

    خلاف علماء أهل السنة في جملة من المسائل المتعلقة بالقصاص

    قال: [ وأخيراً: اعلم أيها القارئ الكريم! ] والمستمع المستفيد [ أن هناك خلافاً بين فقهاء الإسلام من أهل السنة والجماعة ] وأهل السنة والجماعة هم المذاهب الأربعة فقط الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة، ومن خرج عنهم فهو خارجي، وأولهم أبو حنيفة فقد عاش مع التابعين، ويمكن أنه أدرك صحابياً، ومالك عاش مع ثلاثمائة تابعي من الذين عرفوا الصحابة، والشافعي تلميذه، وأحمد تلميذ الشافعي ، فهؤلاء الأئمة احتووا الشريعة الإسلامية، ولم يخرج شيء عنهم أبداً، فأصبحت العبرة بهم، لا بالشذوذ، فمن شذ لا قيمة لشذوذه، والرسول يقول: ( يد الله مع الجماعة ).

    قال: [ وهي في المسائل الآتية ].

    المسألة الأولى: حكم قتل الحر بالعبد

    قال: [أولاً: في قتل الحر بالعبد ] والآن ليس عندنا عبيد، ومن يوم أن تركنا الجهاد وتركنا البشرية تعيش في الكفر والضلال لم يعد يوجد العبيد، فالعبيد يأتون من أسرى الحرب، ورحمة بهم نلطف بهم ونحسن إليهم ونعلمهم فيصبحون أحراراً ربانيين، وإذا لم يوجد الجهاد لم يوجد العبيد. وعلى كل حال قد يقع الجهاد غداً، ونحن نتعلم الحكم، والأمر لله [ حيث ذهب الجمهور ] مالك والشافعي وأحمد ووراءهم بلايين التلاميذ والعلماء [ أن الحر إذا قتل عبداً لا يقتل به، ولكن يدفع قيمته لمالكه بحجة أن العبد يباع ويقوم بقيمة ] فأنت لما تحتاج أن تبيع عبدك تبيعه بالمال، ومادام فيه عوض موجود فلا نقتل هذا المؤمن، فدعه يذكر الله ويعبده ويجاهد في سبيل الله، وهذا معقول، فالعبد يباع في السوق، وأيما مؤمن عنده عبد واحتاج إليه يبيعه، ويشتريه القريب والعبيد، وهذا أمر أجازه الله. فمن هنا إذا الحر قتل العبد لم يقتل به؛ لأن العبد مقوم بقيمة مائة ألف أو مائتين، فتعطى لسيد العبد المقتول [ فلذا من العدل أن لا يقتل حر به، ولكن يعطى مالكه قيمة مثله، وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أنه يقتل به الحر أخذاً بظاهر الآية: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] ] وهذه نفس وهذه نفس، والجمهور أرقى، فقالوا: يا أبا حنيفة هذا العبد يباع بقيمة وقد اشتري بها، فلا نقتل المؤمن، بل ندفع قيمة العبد [ والذي يظهر ] وخذوا هذه من شيخكم [ أن الأمر يرجع إلى الإمام، فإن خاف فتنة واضطراباً أخذ بالآية، وهي القصاص، وإن لم يخف ذلك ] وسكن الشعب وهدأ [ أخذ بمذهب الجمهور، وهو دفع قيمته لمالكه لا غير ] وبهذا جمعنا بين المذاهب، ولم نصبح مذاهب أربعة، ووالله إننا لمذهب واحد، وعلى هذا منهاج المسلم، وقد درسه المسلمون أكثر من عشرين سنة، فلم يقل الحنفي: أنا حنفي ما أقرأ هذا الكتاب، ولا قال المالكي: نحن مالكية ما ندرس هذا الكتاب، ولا الشافعي يقول: نحن شافعية، والحمد لله، لأنه جمع بين ما هو الحق بين المذاهب الأربعة، ومدلل بالكتاب والسنة، فلهذا ذلك الضغط الذي عاشت فيه الأمة انتهى، ولم يعد يقرأ الكتاب المالكي ويتركه الحنفي، كما كان عندما تقسمنا وتجزأنا وهبطنا بأنفسنا، بل أنا مسلم، قل لي: قال ربي وقال نبيي وأثبت لي ذلك حتى أعمل به، وهذا ليس شرطاً أن يكون قاله أبو حنيفة أو أحمد أبداً، فالحمد لله هناك الآن تخفيف كبير.

    وأزيدكم بياناً، يجلس الرجل في الحج على كرسي هنا أو في مكة فلا يأتيه الرجل ويقول: أنا شافعي، فهل يصح مني كذا وكذا؟ فيقول: أنت شافعي لا، ولا يأتيه آخر ويقول: أنا مالكي وقد رميت بعد كذا فما الحكم؟ فيقول كذا وكذا، ولا يأتيه حنبلي ويقول: أنا حنبلي وقد فعلت كذا وكذا، ويفتيهم كلهم حسب مذاهبهم، ويرضى بتمزيقهم وقسمتهم؛ إذ لم يؤذن له في هذا، فأنت إذا كان عندك قال الله وقال رسوله، وفهمت عن الله وعن الرسول فلا ترضى بتقسيم الأمة، فنحن لا نقبل كلمة أنا شافعي أو حنفي أو مالكي يفتيني، بل أنت مسلم فنعطيك حكم الله، فأسلم قلبك وارض به لله، وما زالت الغفوة كما هي، لكن هناك نور والحمد لله.

    المسألة الثانية: حكم قتل الرجل بالمرأة

    [ ثانياً: ذهب البعض كـالحسن البصري وعطاء وهما تابعيان إلى أن الرجل لا يقتل بالمرأة، ولكن تدفع الدية، ورد هذا الجمهور، وقالوا بالقصاص؛ لآية المائدة: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] ] الآية. فلا التفات إلى رجلين من التابعين خالفوا الجمهور [ ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) ] واحفظوا هذه الكلمة: ( المسلمون تتكافأ دماؤهم )، أي: متكافئة، مهما كان الشخص، أبيض أو أسود، فقير أو غني، عالم أو جاهل، شريف أو وضيع، ذكر أو أنثى، فدماؤهم متكافئة، وليس هناك دم أشرف من دم. بل ( المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد واحدة على من سواهم ).

    المسألة الثالثة: حكم قتل الجماعة بالواحد

    [ ثالثاً: ذهب الجمهور إلى أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد يقتلون به ] فلو أن حياً كاملاً تآمروا واشتركوا في قتل واحد، هذا بالسكين وهذا بالمقص وهذا بالعصا، وساهموا في قتله يقتلون كلهم به؛ وذلك [ لقول عمر رضي الله عنه ] وأرضاه، ذاك الذي أشبه أن يكون نبياً، وقال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لو كان في أمتي محدثون -أي: من تحدثهم الملائكة- لكان منهم عمر )، ( وما سلك عمر فجاً - أي: شارعاً واسعاً- إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه ). ( وما قال عمر في شيء أظنه كذا، إلا كان كما ظن ). وقد عرفتم أنه وصل إلى هذه المرتبة؛ لأنه ترفع عن الأكل والشرب والعبث [ في غلام ] صغير [ قتله سبعة ] تآمروا عليه [ فقتلهم، وقال: ( لو تمالأ عليه أهل صنعاء ) ] كلهم [ ( لقتلتهم ) ] وليس سبعة أنفار فقط، فلهذا ذهب الجمهور إلى أنه إن اشترك عشرة أو عشرون أو قرية كاملة في قتل واحد أنهم يقتلون كلهم.

    1.   

    كما يكون القصاص بالنفس يكون بالأعضاء كذلك

    قال: [ تنبيه: القصاص كما يكون بالنفس يكون بالأعضاء؛ لآية المائدة: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ [المائدة:45] ] فلو أن شخصاً ضرب أخاه ففقأ عينه ففيها نصف الدية، وإذا طالب بالقصاص فالطبيب والممرضون يفقئون عينه ويعالجونه، وإن قال: الدية تكفيني أخذ الدية، وإن قال: عفونا عن أخينا تم العفو، وهذا لا يوجد في غير شريعة محمد، وإن قطع الأنف قطع أنفه، وإن شاء عفا وعمل أنفاً من ذهب، وكان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مجاهد ضرب في أنفه فقطع في المعارك، فعمل أنفاً من نحاس فتعفن، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الذهب، فالذهب يتلاءم مع جسم الآدمي، ومن ذلك أسنان الذهب، هذا أبو القاسم قبل أن يعرف الناس الذهب، فمن قطع أنفه له أن يقطع أنف الثاني، وليس هو الذي يباشر القطع كالجاهلية، بل الإمام والقاضي والطبيب هو من يقطع أنف الآخر، أما أيام هذه العصور الهابطة فلا قضاء، فلو وجده يفعل كذا فعل به كذا، ولو قتل أخاه قام فقتله، وهذا ليس من حقه هو، فالقصاص يقيمه إمام المسلمين [ والعفو يكون في النفس والأعضاء، والدية كذلك ].

    1.   

    مقدار الدية

    قال: [ ودية الرجل الحر مائة بعير أو ألف مثقال ذهب ] والآن عشرين مثقالاً يساوي سبعين جراماً، وهذه كمية كبيرة [ أو اثنا عشر ألف درهم فضة ] هذه دية الحر الرجل [ ودية المرأة على النصف من دية الرجل. ولمزيد البيان اقرأ أيها القارئ الكريم! الفصل العاشر من الجنايات وأحكامها من كتاب منهاج المسلم للمؤلف ].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.