إسلام ويب

في رحاب الجنةللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الجنة هي سلعة الله الغالية، وهي التي تسابق لأجلها المتسابقون، وشمر لأجلها المشمرون، وذهب لأجلها الشهداء الصالحون، وزهقت لأجلها أنفس كثيرة... فمادام أن الجنة بهذه المثابة؛ فيا ترى ما هي أوصافها؟ هذا هو ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله، وفي الأخير تحدث عن العمل للجنة، والتضحية من أجلها، والاستعداد لها، وذكر نماذج لذلك.

    1.   

    الجنة وأوصافها

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المسلمون: معنا وإياكم في هذا المجلس المبارك -بإذن الله- وهذا المكان الذي تحفه الملائكة إلى السماء الدنيا، ونسأل الله في هذا المكان أن يذكرنا فيمن عنده، وأن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا.

    إن الموضوع مشوق ومحفز للنفوس، تطرب إليه الأرواح، والمؤمن يتمنى أن لو سمع مثل هذا الحديث صباح مساء، إنه: في رحاب الجنة.

    أرجو منك -أيها السامع وأيتها السامعة- أن ننسى الدنيا قليلاً، أو أن نخرج منها لحظات، وكل منا ينسى أشغاله، وينسى أهل بيته، ليعش كل منا وهو يسمع هذه الأحاديث في الجنة، حتى إن الصحابة كما يقول حنظلة: [إذا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنا نرى الجنة والنار رأي العين].

    هلا كنا كما كانوا؛ نرى الجنة الآن رأي العين، نعيش وإياكم عند أنهارها، في قصورها، داخل خيامها، ونعيش وإياكم ونحن نتحدث عن صفاتها، وفي رحابها.

    يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحد الأعراب عما يقول في الصلاة فقال: (أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، قال: وحولها ندندن) هذا مطلوبنا، وهذه غايتنا، نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار .

    الجنة التي مات لأجلها الأولون، وذهب لأجلها الشهداء الصالحون، زهقت لأجلها أنفس، وذهبت لأجلها أرواح، إنها الجنة سلعة الله: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

    عرضها السماوات والأرض

    سوف نبدأ وإياكم بشيء من أوصافها، ثم لا تعجب حين تسمع أن عمير بن الحمام؛ وهو رجل كبير، قبل بدر يسمع صفة من صفاتها، وهي: أن عرضها كعرض السماء والأرض، فقال: (بخ بخ! قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما حملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا شيء إلا رجاء أن أكون من أهلها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يزف إليه بشارة: فإنك من أهلها) الله أكبر! الله أكبر! يبشر إنساناً من أهل الأرض أنه من أهل الجنة، هل يريد حياة في الدنيا بعدها؟! هل يريد أن يعيش في الدنيا؟! إذا كانت الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) فلم يعيش الإنسان إذا علم أنه من أهل الجنة؟!

    فإذا به يقول عندما سمع أنه من أهل الجنة، وأنه ليس بينه وبين دخولها إلا أن يقتل في المعركة، وكانت في يده تمرات فقال لنفسه: والله إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل التمرات. وهي تمرة أو تمرتان فقط، فألقاها وتقدم إلى المعركة فقاتل حتى قتل.. إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] ومهما عملت في الدنيا من صلاة، وصيام، وعبادة، وقيام ليل فلا تظن أن هذا هو ثمن الجنة، فالجنة أغلى بكثير.. (والله لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا...).

    الجنة أغلى من أن يكون عملنا ثمناً لها، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة من عنده) فأعمالنا إنما هي سبب لرحمة الله التي هي السبب الحقيقي لدخول الجنة.

    اسمع إلى الجنة، وتخيل وتصور أنك قد تجاوزت الحساب، وتصور أن موازينك قد ثقلت بالحسنات، وتصور أنك قد جزت الصراط ولم يبق على دخول الجنان إلا فتح أبوابها، ثم يؤذن لهم بالدخول.

    أبواب الجنة ومن يفتحها

    الجنة لها ثمانية أبواب، تصور أنك تنتظر دخولها وهي تتلألأ من بعيد، وريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً، لو ابتعدت عنها أربعين سنة شممت رائحتها.

    الجنة.. من الذي يفتح له بابها؟ ثمانية أبواب بين مصراعي الباب مسيرة أربعين عاماً.

    يخرج أفضل الناس وخير الخلق، سيد ولد آدم يوم القيامة محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا به يأخذ حلقة من حلقات أبواب الجنة، فيقول الملك: من أنت؟ فيقول: أنا محمد، بكل أدب وتواضع عليه الصلاة والسلام، فيقول الملك: لك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك. فتصور أن الباب قد فتح، وتخيل أنك تنظر إلى ذلك الباب، وأنك تنتظر الإذن لتدخل إلى تلك الجنان.. يقول الإمام أحمد بن حنبل لما سُئل: متى يجد العبد طعم الراحة؟

    العبد في الدنيا في أذى وهم وبلاء وفتن، وهو صابر على العبادة.. متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال الإمام أحمد: عند أول قدم يضعها في الجنة.

    تخيل وأنت تسمع الملائكة تسلم على المؤمنين وهم يدخلون مع آبائهم، ومع أزواجهم وذرياتهم من صلح منهم، كل عائلة إذا كانت صالحة تدخل، كل واحد يقبض بيد الآخر، مع زوجاته، مع أحبابه، مع ذريته، مع آبائهم، يقبض أحدهم بيد الآخر.. وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [الرعد:23] وتستقبلهم الملائكة عند الأبواب تقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد:24] على أي شيء صبروا؟ على صلاة الفجر، وعلى قيام الليل، صبروا على صيام التطوع، صبروا على ذكر الله، صبروا على قراءة القرآن.. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24].

    أصحاب الجنة

    لن يدخل الجنة شيخ كبير، ولا امرأة عجوز، فكلهم يرجعون مرة أخرى شباباً، يرجعون بقوة وشباب، جرداً مرداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين عاماً، تخيل وهم يدخلون الجنان ماذا يرون؟ وماذا يشاهدون؟ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ [الإنسان:20] مهما أخبرتك فالأمر أعظم، مهما تصورت فهي أكبر.. وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [الإنسان:20] تخيل وأنت تدخل، أرضها بيضاء كالمرآة، تربتها الزعفران واللؤلؤ والياقوت.

    تقول: وهل أعرف مكاني إذا دخلت فيها؟ أقول: إذا دخلت إلى الجنة تعرف مكان قصرك أكثر مما تعرف بيتك في الدنيا.

    أما من ينتظرك في ذلك القصر؛ وفي تلك الخيام، وما ينتظرك من النعيم مهما تصورت فلن تعلم.. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن [السجدة:17] مفاجآت وجوائز ونعيم عظيم لن تتصوره.. (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

    أتعلم أن أدنى أهل الجنة منزلة، آخر من يخرج من النار ويدخل إلى الجنة: رجل له مثل ملك الدنيا وعشرة أمثالها!

    فيا من تقاتلوا لأجل الدنيا، ونسوا الصلاة، وفرطوا في الأذكار، وهجروا القرآن لأجل حفنة من الدنيا، اعلموا أن آخر أهل الدنيا دخولاً الجنة؛ له مثل الدنيا وعشر أمثالها.

    (يدخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فيراه نائماً على حصير قد أثر في جنبه، فبكى عمر، فقال صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟ قال: ملوك كسرى والروم ينامون على الديباج والحرير وأنت تنام على حصير! قال: ويحك يا بن الخطاب أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟).

    مناديل سعد.. أرأيت المناديل التي ترمى ولا يؤبه لها.. (مناديل سعد في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس).

    جاء في حديث: (لو أن ما يحمل ظفر من الجنة بدا -لو واحد يحمل بظفره شيئاً من الجنة، فيخرجه من الجنة، أتعرف ما الذي يحصل؟- لتزخرفت خوافق السماوات والأرض).

    وفي حديث آخر: (لو أن امرأة من الحور العين اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    تصور نفسك أيها العبد المؤمن الصادق! يا من تحافظ على صلاة الفجر! يا من لك ورد من القرآن! يا من تصلي شيئاً من الليل! يا من ترفع يديك تطلب النجاة من الله! تصور نفسك وقد دخلت الجنان، تنعم فيها ولا تبأس، لا تظمأ فيها ولا تضحى، تصور ما الذي تراه؟! لا شمس في الجنة، سبحان ربي! من أين يأتي الضوء؟! وفيها ظلال، سبحان الله! ومن أين يأتي الظلال إذا لم يكن فيها شمس؟! لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [الإنسان:13] أي: لا شمس، ولا برد، من أين تأتي الأنوار؟! يقول شيخ الإسلام: نور يأتي من قبل عرش الرحمن فيضيء لأهل الجنان. الله أكبر!

    أنهار الجنة

    تصور نفسك وقد دخلت، ما في الجنة شجرة إلا وساقها ذهب، حصباؤها الزعفران واللؤلؤ والياقوت، تمر على أنهار من لبن، أنهار من خمر، كل منكم يرى هذا بعينه، لبن لا كلبن الدنيا، خمر لا كخمر الدنيا، عسل مصفى يجري على الأرض، أتتصور هذا! مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً [محمد:15].

    تخيل أنك تجلس على ضفاف نهر من هذه الأنهار، نهر من لبن، نهر من عسل، نهر من خمر لا كخمر الدنيا.. (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) قال بعض أهل العلم: لا يدخل الجنة إذا لم يتب، وقال بعضهم: إذا دخل الجنة فإنه لا يشربها داخل الجنة، ومن قال: لا يدخل الجنة، قال: إذا استحل شرب الخمر..

    ونهر من عسل، نهر من لبن أبيض من لبننا، وأحلى من طعمه في الدنيا، تخيل أنك تجلس على هذه الأنهار.. أنهار الدنيا تجري في أخاديد، أما أنهار الجنة فلا أخاديد لها، تقول: وكيف تجري؟! وكيف تسير على أرض الجنة؟! أقول لك: تسكب على أرض الجنة سكباً.

    قال تعالى: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [الواقعة:27-28] أتعرف ما هو السدر؟ إنه شجر فيه شوك لكنه في الجنة مخضود، ذهب شوكه وصار مكان كل شوكة ثمرة، تفتق هذه الثمرة من أكثر من سبعين لوناً لم نرَ مثلها في الدنيا: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ [الواقعة:28-31] مائة عام يسير الراكب الجواد في هذا الظل لا يقطعه، أتتصور هذا! أتتخيل هذا يا عبد الله! أي شجرة هذه؟!

    يجلسون على الأرائك، إذا اشتهى ثمرة من الشجرة لا يقوم من مجلسه، تدنو له الثمرة إلى مجلسه، فيقطفها فيأكلها إذا شاء، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.. وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:32-34] فرش ترفع من ديباج (حرير) أسرة يجلس ويتكأ عليها.

    يجتمع أهل الجنان يتحدثون، فإذا بهم يتذاكرون الدنيا، وأحزانها، ومصائبها وآلامها، يوم صبروا على الجهاد، وصبروا على طاعة الله، يوم جلسوا في المساجد يذكرون الله، يذكر بعضهم بعضاً.. أتذكرون القيام في رمضان؟ أتذكرون مجالس الذكر في ذلك المسجد؟ أتذكرون حين ذهبنا إلى العمرة وحججنا بيت الله؟ أتذكرون أيام الجهاد؟ قَالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] أي: خائفين من الله فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27].

    الشوق إلى الجنة

    سعد بن خيثمة استهم هو وأبوه في معركة بدر من يذهب للجهاد؟ لم يكن في البيت إلا رجلان؛ الأب والابن، من يجلس مع النساء؟ لا بد أن يذهب واحد ويبقى الآخر، فاستهم سعد مع أبيه خيثمة، فوقع السهم على الابن سعد، فقال له أبوه: يا بني! آثرني اليوم واذهب في المعركة الأخرى. فقال الابن لأبيه: يا أبت! لو كان غير الجنة لفعلت، أما الجنة فلا أؤثر بها أحداً، فدخل سعد المعركة وقاتل حتى استشهد في سبيل الله، أما أبوه فلم يصبر وانتظر أحداً فخرج مع المقاتلين واستشهد في سبيل الله.. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].

    يأتي جبريل إلى رسول الله ويخيره؛ وقد جاءت منيته، واقتربت وفاته: أتريد أن تعيش أكثر أم تلتحق بالرفيق الأعلى؟ ماذا سيختار. هل سيختار هذه الدنيا الفانية؟ هل سيختار هذه الدنيا التي فيها الهم والغم والنكد والأحزان والأمراض؟ قال: بل الرفيق الأعلى، وحقاً كما قال، قبض عليه الصلاة والسلام، واختار الآخرة على هذه الدنيا الفانية.. مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96].

    الحور العين

    تخيلوا أيها الرجال! أيها المؤمنون! ما للرجل في الجنة من الحور العين، الحورية الواحدة على رأسها تاج فيه لؤلؤ وياقوت، الياقوتة الواحدة خير من الدنيا وما فيها، تلبس سبعين حلة، هذه الحورية يرى مخ ساقها من وراء الحلل واللحم. أرأيت إلى نعومتها وجمالها؟

    يغنين لأزواجهن، بل أخبر الله أنهن: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56].. إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً [الواقعة:35-36] مهما وطأها الرجل ترجع بكراً.. عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] نفس السن: لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:38] أي: لأهل الصلاة، لأهل الذكر، الذين صبروا عن الحرام، وغضوا أبصارهم عن الحرام.

    وإذا سأل النساء: هذا للرجال فمالنا؟ أما المرأة الصالحة إذا دخلت الجنة فإنها تكون سيدة على الحور العين، وجمالها لا يقارن بجمال الحور العين، وحسنها وكرامتها أعظم بكثير من الحور العين، لمن هذا؟ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة:38-40] قال بعضهم يصف تلك الحور:

    فلو أن حوراً في الدياجي تبسمت     لجلَّى دجى الظلماء في الأرض نورها

    ولو مُزِجَ الماء الأجاج بريقهـا     لأصبح عذباً سلسبيلاً بحورها

    ونصيفها -أي: خمارها- خير من الدنيا وما فيها.

    يا من فرط في الصلاة لأجل شيء من الدنيا! يا من ضيع القرآن من أجل حطام الدنيا! ألا تعقل.. ألا تفكر.. ألا تنتبه لنفسك؟!

    مالك بن دينار قال له رجل: رأيت فيما يرى النائم.. رأى رؤيا يُكلم عابداً زاهداً، تقياً لله، رجلاً ورعاً يسمى مالك بن دينار، يقول له رجل: يا إمام! رأيت فيما يرى النائم أن منادياً ينادي: الرحيل الرحيل، فما رأيت رجلاً يرتحل إلا محمد بن واسع؛ أحد الصالحين، أحد العباد، أحد الزهاد، يقول: ما رأيت أحداً يرتحل إلا محمد بن واسع . فصاح مالك وبكى، ومن شدة البكاء سقط على الأرض مغشياً عليه.. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10] هناك من سبق، هناك من وصل، هناك من بشر بالجنة وهو على الأرض يمشي.. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة:11-12] ألسابقون بجمع المال، أم السابقون بالشهوات، أم السابقون بالطعام والشراب؟ لا وربي، بل السابقون بقيام الليل، بالصلوات الخمس، بصلاة الفجر في الجماعات، السابقون بذكر الله.

    يمشي النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فإذا به يقول للصحابة: (سبق المفردون، قالوا: من المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة) فأين الذاكرون؟ النخلة في الدنيا يزرعها الإنسان شهوراً، ويتعب عليها شهوراً؛ لأجل أن يحصل على شيء من ثمارها وربما لا يحصل، أما في الجنة فما من شجرة إلا وساقها ذهب، ونخلة بالجنة لا تريد منك إلا ثواني معدودة.. (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) الله أكبر!

    كم تنتظر في الدنيا لأجل بيت من البيوت، أو شقة تسكنها؟ كم تجمع، وكم تتعب، وكم تنصب، ولا بد منها، هذه متطلبات الدنيا والحياة، أما بيوت الجنة؛ فلبنة من ذهب ولبنة من فضة.. لا كذهب الدنيا وفضتها، وملاطها ممسوحة بالمسك، الله أكبر!

    ما راحتها، ما جمالها، ما منظرها؟ إنه ذهب وفضة ومسك.. كيف تحصل على بيت في الجنة؟ (من قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات بني له بيت في الجنة) كم مرة فعلتها اليوم؟ كم مرة صنعتها اليوم؟

    أرأيت كم نحن مفرطون في الأجور والحسنات، وكم ضيعنا من الأوقات، وكم ضيعنا من الأعمار؟

    إن بعض الناس لا يحلو له في سيارته من بيته إلى العمل، أو في أي مشوار إلا أن يضع أشرطة الأغاني والطرب والموسيقى، ولو استغل هذه الأوقات بذكر الله، وبقراءة القرآن، وباستماع الدروس والمواعظ، لكم قد بنيت له بيوت وبيوت في الجنة، وغرست له أشجار وأشجار في الجنة، ولكن: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56].

    طعام أهل الجنة وشرابهم

    أخي الكريم: في الجنة طعام وشراب، ما تشتهية؛ لكن لا من جوع ولا من عطش، لا من ظمأ ولا من نصب، ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، يقول الله جل وعلا: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:21] غلمان يمشون في الجنة؛ خدم لأهل الجنة، الذين يدخلون الجنة لهم غلمان إذا رأيتهم في الجنة حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، يمرون على أهل الجنان بأكواب وأباريق؛ وقوارير من فضة، وكيف تكون القوارير من فضة؟ القوارير من زجاج، نعم هي قوارير لكنها من فضة، إن لم تتصور هذا فصدق، فسوف تراه -بإذن الله- في الجنة، يمرون عليهم بالكئوس، بالقوراير، بالطعام والشراب، وهم على الأرائك يتحدثون ويتسامرون ويتكلمون.

    حديث أهل الجنة

    فإذا بقائل يخرج بينهم فيسألهم سؤالاً غريباً، إنه حديث أهل الجنة بعضهم لبعض، وانظر إلى هذا الحديث العجيب الذي أخبرنا الله عنه، يقول: أيها الإخوة: يا أصحابي! يا إخواني! يا رفقائي! من منكم رأى فلان بن فلان؟ هذا كان صاحباً لي في الدنيا، فهل رآه أحد؟ هل اطلع على مكانه أحد؟ فلا أحد يجيب، لم يره أحد! يقول هذا الرجل، وهذا الصاحب: كنت أصاحبه في الدنيا، ولما أقبلت على الهداية، وتبت إلى الله، وأقبلت على حلق العلم والذكر والصلاة كان يصدني، وكان يمنعني، وكان يحرضني على المعاصي.

    ولما أرادت تلك الفتاة أن تتحجب، وأن تلتزم بدين الله وبشرع الله، وأن تقبل على الصلاة وتلتزم مع الصالحات؛ جاءتها فلانة فقالت لها: يا فلانة! ضحكوا عليك، يا فلانة! استهزءوا بك، يا فلانة! غرروا بك، لنتمتع بشبابنا، لنتمتع مع الرجال الشباب، ثم بعدها نتوب.

    وجاء ذلك الشاب وأراد أن يضيع هذا الصالح فقال له: يا فلان اصبر! لنلهو بهذه الدنيا؛ لنتمتع بها، ثم بعدها نتوب، لكنه بفضل الله ما سمع كلامه، وأصر على التوبة، وتمسك بالهداية، واختلط بالصالحين، والتزمت هي مع الصالحات، وتحجبت وتسترت، وما سمع أحد منهما كلام ذلك الرجل الضال، أو تلك الفتاة الضالة، فإذا به يسأل: هل رآه منكم أحد؟ ما رآه أحد.

    وفجأة تُكشف لهم النار وهم في الجنة، إنا لله وإنا إليه راجعون! إنها النار بلظاها وسمومها وحرها، لا يصلهم منها شيء ولكنهم يرونها، فإذا به يرى صاحبه في النار يحترق، أو هي ترى صاحبتها في النار تحترق، فإذا بالحديث بين هذا وهذا، كلاهما يرى الآخر، هذا يحدث هذا، وهذا يرد على هذا، الله أكبر! يقول له: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56] وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:57] أي: لولا أن الله ثبتني وعصمني وصبرت مع الصالحين لكنت معك الآن في النار.. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ [الصافات:50-51] في الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات:51] صاحب يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:52-53] متى سيأتينا الموت؟ إلى الآن في الحياة متسع، أنت شباب تمتع بهذه الدنيا، يغرر به أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:53] هل تصدق بالحساب؟ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات:54] انكشفت النار.. فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:55-57] نعمة الله، هو الذي يثبت، وهو الذي يهدي، وهو الذي يعصم.

    وجعل الله لك أسباباً: صحبة صالحة، مساجد، حلق علم، ذكر الله، قراءة قرآن.. وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:57] ثم يلتفت إلى أهل الجنة وهو سعيد متمتع فيقول: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ [الصافات:58] هل حقاً ليس في الجنة موت: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:58-61] لمثل هذا الموقف، لمثل هذا النعيم، لمثل تلك الجنان فليعمل العاملون، لا مرض، لا سقم، لا هم، لا غم، لا مصائب.

    تخيل وأنت في الجنة متنعم، تلهو وتمرح، وتأكل وتشرب، وتجامع ما شئت من النساء، حتى النوم ليس هناك نوم في الجنة، حتى النوم منعوا من النوم لأنه موتة صغرى، وليس في الجنة موت حتى يتنعموا بما يشاءون في تلك الجنان.

    الزيادة لأهل الجنة

    1.   

    العمل للجنة

    ألا تستحق هذه الجنة -أيها الأخ الكريم- ركعات آخر الليل؟ ألا تستحق هذه الجنة أن نقوم لصلاة الفجر؟

    ألا تستحق منا هذه الجنة -أيتها النساء- أن نستتر لله ونعف أنفسنا لله؟ ألا تستحق هذه الجنة أن نتقي الله في السر والعلن؟

    فحي على جنات عدن فإنها     منازلنا الأولى وفيها المخيم

    وحي على روضاتها وخيامهـا     وحي على عيش بها ليس يسئم

    فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى     صريع الأماني عن قليل ستندم

    أفق قد دنى الوقت الذي ليس بعده      سوى جنة أو حر نار تضرم

    أخي الكريم: عمرو بن الجموح لما سمع بالجنة وأوصافها وكان أعرج، نودي للجهاد وقد عذره الله عز وجل: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ [النور:61] فقال لأبنائه: جهزوني للجهاد، الأمر فيه جنة عرضها السموات والأرض، قال: جهزوني، قالوا: يا أبانا قد عذرك الله، قال: جهزوني، قالوا: يا أبانا قد عذرك الله، قال: والله لأطأن بعرجتي هذه الجنة، تمنعوني عن الجهاد! فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: دعوه..! فدخل، فإذا به يقتل في سبيل الله، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لكأني أنظر إليه يمشي برجلين سليمتين في الجنة).

    وهذا عبد الله بن غالب رآه مالك بن دينار في معركة من المعارك، وهو يقول: إني أرى ما ليس لي عليه صبر، يرى شيئاً ما رآه الناس، قال: إني أرى ما ليس لي عليه صبر، ثم قال لمن حوله: روحوا بنا إلى الجنة، روحوا بنا إلى الجنة، فكسر غمد سيفه، فلا زال يقاتل حتى قتل.

    أسمعت بـجعفر الطيار؟ جعفر بن أبي طالب، الذي هاجر بدينه، ثم جاء إلى المدينة فأمَّره النبي صلى الله عليه وسلم في مؤتة، فأخذ الراية بيده اليمنى فقطعت، ثم أخذ الراية بيده اليسرى فقطعت، ما ولى، وما أدبر، ولا هرب، ثم أخذ راية الإسلام بعضديه وضمها وثبتت الراية، فتكسرت الرماح على ظهره وصدره وهو يقول:

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها     كافرة بعيدة أنسابها

    ثم لفظ الشهادتين واستشهد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيته يطير بجناحين في الجنة).

    لِمَ يفعلون كل هذا؟ لأنهم سمعوا قول الله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

    اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم .

    1.   

    الأسئلة

    الأقصى الجريح

    السؤال: هل من كلمة حول الأقصى؟

    الجواب: أنا سوف أتكلم، وإن كنت أول المقصرين، الأقصى يئن تحت وطأة اليهود عشرات السنين وعقود من الزمن، المشكلة ليست فقط في الأقصى.. حرمات كثيرة للمسلمين تنتهك اليوم، والمسلمون أكثر الأمم اليوم ولا شأن لهم، ولا دور لهم في الأمم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، قد أوهن قلوبكم حبكم الدنيا، وكراهيتكم الموت) نعم. نحن اليوم نفرح بأن هذا الجمع أتى للمحاضرة، وقد لا تكرر هذه الجموع كثيراً، وكم يبلغ هذا الجمع؟ مائتان، ثلاث مائة، خمس مائة، ألف، نحن نعلم أن بعض جموع المسلمين تبلغ عشرين وثلاثين ألفاً، يجتمعون لأجل لعب كرة القدم، ويجتمع ألوف من البشر من أول الليل إلى آخره لأجل مطربة ومغنية، ويجتمع كثير من المسلمين بالألوف لأجل تفاهات الدنيا، ولكن من منهم يجتمع لأجل ذكر الله؟! القليل القليل (قد أوهن قلوبكم حب الدنيا وكراهية الموت).

    يجب علينا أن نجاهد في سبيل الله لنحرر الأقصى، ولكن أين الجهاد؟ وأين عدته؟ من يفتح لهم الباب؟ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].

    ومجالس الذكر اليوم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من أعظم الإعداد.. نشر الدين، ونشر الصلاح بين الناس، والصحوة الإسلامية اليوم هي التي تقض مضاجعهم، لِمَ يحاربوننا بالإعلام، وبالجنس، وبالفساد، والمخدرات والمسكرات؟ لأنهم يخافون من الصحوة الإسلامية، يخافون من امتلاء المساجد، يخافون من أهل الدين والصلاح وحفظة القرآن، يخافون من الذين يجتمعون على مثل هذه المجالس، لكن نقول: هذه هي البداية، البداية الآن بملء هذه المساجد، حلق العلم، نشر الدين، الشريط الإسلامي، نشر الحجاب بين النساء، هذه هي البداية، وهو الإعداد الحقيقي اليوم حتى نؤسس في قلوبنا الإيمان، وحب الجهاد، والاستعداد له، وبإذن الله جل وعلا لن يقف أمام المسلمين يهود ولا غيرهم، فهم أذل وأخس وأقل من أن يقفوا أمام جموع المسلمين، لكن إذا صدق المسلمون ورجعوا إلى دينهم وتوكلوا على ربهم.. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:249] بإذن من؟ بإذن الله، إذا كانت هذه الفئة القليلة متقية لله عز وجل.

    كيف يكون الإعداد؟

    السؤال: نرجو منكم الدعاء للمجاهدين، وكيف يكون الإعداد السري؟

    الجواب: اللهم ثبت قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم انصرهم على عدوهم يا رب العالمين.

    اللهم من أراد بنا وبالإسلام والمسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميره، ورد كيده في نحره.

    أما بالنسبة للإعداد السري فأولاً: لا بد أن يعد كل إنسان منا نفسه، نحن الآن نقول: نريد الجهاد، وإخراج اليهود، والأعداء في الشيشان وفي كشمير وفي غيرها من البلاد، نعم. ولكن أول الجهاد جهاد النفس في صلاة الفجر، أين نحن اليوم في صفوف صلاة الفجر؟! أمة لا يصلى الفجر منها في المساجد إلا ربع المصلين أو عشر المصلين أمة لا ينصرها الله، أمة ظهرت فيها الأغاني والملاهي، وانتشر فيها الفساد لا ينصرها الله، كيف ينصرنا الله عز وجل وإلى الآن ما انتصرنا على شهواتنا، ولا على أنفسنا؟!

    فأول الجهاد: هو إعداد النفس للجهاد، أعد نفسك إيمانياً، عقائدياً، تربوياً، علم هذه النفس أن تتربى.. متى بدأ الجهاد في العصر النبوي؟ ثلاث عشرة سنة في مكة إعداد، ثم سنتان في المدينة ثم بعدها إذن لهم في القتال، حتى قال الصحابة في مكة: ائذن لنا يا رسول الله نقاتل. قال: لا. لم يؤذن لي.

    وأنا لا أقول: ليس هناك جهاد، الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة، والإعداد يجب أن يمضى إلى قيام الساعة، الإعداد بالنفس والبدن والمال، لكن ابدأ بأول قضية: فأعد نفسك بالإيمان، جاهد نفسك في قيام الليل، في صلاة الفجر، جاهد نفسك عن المعاصي والذنوب، ثم بعدها كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، قال: أعظم غزو اليوم الغزو الثقافي، كل بلاد الإسلام الآن مغزوة، نعم. إن كانت فلسطين، وإن كانت كشمير والشيشان قد سلبت وطرد أهلها، وحرموا من ديارهم وعذبوا وقوتلوا، فليست هذه البلاد هي المغزوة فقط، بل كل البلاد اليوم مستباحة، إن لم تستبح بالقوة العسكرية استبيحت بالشهوات، بالجنس، بالخمور، بالمخدرات، الغزو الثقافي اليوم يطرق كل بيت عن طريق الفضائيات.. أين المجاهدون بالكلمة؟ أين الدعاة الناصحون؟ أين المخلصون الذين ينشرون دين الله؟ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) كلمة قد تكون بالجهاد، وقد تكون بالمال، وقد تكون بالنفس.

    المهم أن الإعداد يكون بكل طريق، ويكون بكل وسيلة، وأول الجهاد جهاد النفس، نعد أنفسنا ونربيها أولاً على طاعة الله، وننشر الدين والخير بين الناس؛ لعل الله عز وجل أن يأتينا بجيل يحبون الموت كما يحب هذا الجيل الحياة، والله أعلم.

    السؤال: ما المقصود بكلمة الإعداد السري؟

    الجواب: لعل كلمة (السري) مخيفة، في الدين -ولله الحمد- كل شيء علن، حتى قال أبو بكر: (يا رسول الله ائذن لي بالمجاهرة، قال: لا بعد) هذا فقط في بداية الدعوة، ثم لما أذن لـأبي بكر أن يقوم كان أول خطيب في الإسلام، جهر أبو بكر بالدعوة وإلى اليوم الدعوة في جهر بفضل الله عز وجل هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33] نحن اتفاقياتنا ومعاهداتنا منشورة في كل المساجد (القرآن) ليس عندنا إلا قال الله وقال رسوله، نبايع على هذا ونعيش على هذا ونموت على هذا، القرآن والسنة، ليس لدينا شيء نخفيه، ندعو الناس إلى عبادة الله وترك عبادة غيره، التزام سنة رسول الله وترك الأهواء والبدع، لا ندعو إلى غير هذا، ديننا واضح ومنهجنا صريح وندعو إلى الله عز وجل في رابعة النهار، ولا نخشى في الله لومة لائم.

    تتبع عورات العلماء

    السؤال: هل من كلمة تطرق بها أسماع الذين يتتبعون عورات العلماء؟

    الجواب: يقول أحد السلف: إذا رأيتم الرجل منشغلاً بعيوب غيره عن عيب نفسه، فاعلموا أنه قد مُكر به. إذا بدأ الرجل ينشغل بعيوب العلماء وطلبة العلم، ويتتبع عثرات الدعاة فقد هلك.

    وأخص هؤلاء؛ لأنهم أفضل الناس، ومن أفضل من العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله، الذين يبلغون دين الله، ويرتبطون مباشرة مع الله، من أفضل منهم؟ إنهم صفوة الله في خلقه، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه! لا تتتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيته) الله يتكفل بتتبع عورته، وأي تتبع للعورات من رجل يبحث في عالم من علماء أهل السنة، متمسك بأصول أهل السنة والجماعة يبحث في كتبه ويتصفح أشرطته، لا لطلب العلم، ولا للاستفادة، ولا للهدى ولكن يبحث عن السقطات والزلات، أعوذ بالله! من الذي لا يخطئ؟ لا معصوم بعد رسول الله إلا كتاب الله جل وعلا، هل هناك معصوم؟ هل هناك رجل لا يخطئ أو لا يزل؟ للأسف، لقد انشغل ومكر به ولم يوفق للخير، نسأل الله أن يهدينا وإياه.

    حكم الدخول على النساء

    السؤال: ما حكم الدخول على النساء؟

    الجواب: يقول النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث يكفيه: (إياكم والدخول على النساء ) يخاطب الرجال الشرفاء، الأنقياء الأتقياء الصالحين، يقول: (إياكم والدخول على النساء! قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ -وهو قريب الزوج، كأخيه أو ابن عمه- قال: الحمو الموت) أي: هذا أخطر؛ لأن المرأة إذا أحبت رجلاً لصفات، فقد تحب أخاه؛ لأن الصفات تتشابه، والعادات تتشابه بين الإخوان، ولهذا قد تحبه.

    أقسام العلماء

    السؤال: كم أقسام العلماء؟

    الجواب: العلماء ثلاثة أقسام: عالم أمة وعالم دولة، وعالم ملة، أما عالم الأمة فهو الذي يرى إلى الناس ماذا يريدون ويفتي بهواه، إن أرادوا الأمر مباحاً أباح لهم، وإن أرادوه حراماً حرمه، وإن أرادوا الجواز أجاز لهم، وهذا موجود، بعض الناس يسأل عن مبتغى السائل فيجيبهم، وعالم آخر عالم دولة، ما تملي له السلطات الرسمية بالفتوى فيفتي، يشتري به ثمناً قليلاً، نسأل الله أن يعافينا، والعالم الثالث هو المطلوب، وهو نور لهذه الأمة، وهم ورثة الأنبياء، عالم ملة لا يفتي إلا بما رآه هو الحق في دين الله عز وجل، لا يشتري به ثمناً قليلاً، ولو كان الأمر على قطع رقبته، لا يخافون في الله لومة لائم، هذا هو العالم الذي يريده الله عز وجل، والله جل وعلا يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] فإن كان من الناس من أفتى بهواه أو بخلاف شرع الله؛ لأجل غرض من الدنيا، أو هوى يصيبه، فليتق الله، وليتب، وليبين: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:160] يبين الخطأ الذي وقع فيه، ويفتي بالحق مرة أخرى فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:160] والله عز وجل قد فتح باب التوبة للناس حتى تطلع الشمس من مغربها.

    وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010757227

    عدد مرات الحفظ

    722012475