إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 1للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو معلم البشرية الأول، ومنبع الأخلاق الكريمة والسجايا الحميد، ما ترك من خير إلا ودل الأمة عليه، أو شر إلا وحذرها منه، فكان حقاً على كل مسلم أن يتأدب معه صلى الله عليه وسلم غاية الأدب قولاً وفعلاً، سواء كان ممن عاصره من الصحابة، أو كان ممن جاء بعدهم من التابعين وأتباعهم إلى يوم الدين.

    1.   

    ما اشتملت عليه نداءات الرحمن في القرآن الكريم

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع كتاب حديث العهد قديم الوعد، هذا الكتاب فتح الله تعالى به علينا جميعاً، وهو نداءات الرحمن لأهل الإيمان، هذا هو عنوان الكتاب، والكتاب يقرأ من عنوانه كما يقول الحكماء، فعنوان الكتاب: نداءات الرحمن لأهل الإيمان. فكل مؤمن ومؤمنة منادى من قبل ذي العرش العظيم الله جل جلاله وعظم سلطانه، فبشرى عبد أو أمة يناديه ربه جل جلاله وعظم سلطانه.

    والله تعالى لما ينادي العبد من عبيده -وهو المؤمن لا الكافر- يناديه إما ليأمره بما يحقق سعادته وكماله، ويهيئه لسعادة آخرته، أو يناديه لينهاه عما يضره .. عما يفسده .. عما يرديه ويشقيه في الدنيا وفي الآخرة، أو يناديه ليبشره، فينشرح صدره، وتطيب نفسه، وتعذب حياة الإيمان والطهر في نفسه، أو يناديه ليحذره .. لينذره من عواقب السوء والأضرار المهلكة، ويفعل به هذا لأنه وليه، فالعبد المؤمن ولي الله، وأولياء الله لا يهملهم ولا يتركهم، كما لا يخذلهم ولا يرديهم ولا يشقيهم؛ لأنهم أولياؤه، فكتاب نداءات الرحمن هو كتاب اشتمل على كل نداء لله تعالى في كتابه القرآن الكريم، فقد اشتمل على كل نداء من نداءات الله عز وجل لعباده المؤمنين والمؤمنات في القرآن العظيم. وهذه النداءات تسعون نداءً، باستثناء النداء التاسع والثمانين فإنه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أمته مرادة به، وهو قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق:1]. فقد افتتح النداء بالحضرة المحمدية، ولكن المقصود الأول هذه الأمة، وهذه النداءات غفل عنها العالم الإسلامي منذ مئات القرون، مع أنها اشتملت على الآداب الرفيعة والأخلاق السامية والمعاملات النافعة، دعوة إليها وبياناً لها، والمعاملات الفاسدة الضارة تحذيراً منها وتنبيهاً لها، واشتملت على آداب الحرب والسلم، وعلى المعاهدات، وعلى الأموال والاقتصاد بجميع أنواعه.

    وخلاصة القول: إنها ما تركت شيئاً من شأنه أن يسعد هذه الأمة أو يشقيها إلا تضمنته واشتملت عليه.

    وبعد التأمل رأينا أن واجب كل مؤمن أن يوجد هذا الكتاب عند مخدته التي ينام عليها، وقبل أن يغمض عينيه يسمع نداء من ربه، وبذلك تكمل قطعاً آدابه وأخلاقه، وتحسن معاملاته، ويعظم قدره، ويعلو شأنه في الملكوت الأعلى، فهذا سلم الرقي إلى الملكوت الأعلى.

    ومن هنا أردنا أن ندرس بعض هذه النداءات في هذه الأيام الرمضانية؛ لأعلمكم كيف تستفيدون من هذا الكتاب، وسيطبع إن شاء الله ويوزع علينا كما حصل في كتاب المسجد وبيت المسلم، فقد وزعتم منه سبعين ألف نسخة، وهذا فتح الله عز وجل، وهذا يجب أن يطبع منه لألف مليون مسلم، ولا حرج أبداً، فأنت منادى يا بني! فإذا ناداك سيدك فقل: سمعت، وقد علمتم ما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فقد قال: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا فأعرها سمعك، أي: أعطها سمعك يا عبد الله! فأنت منادى مادمت مؤمناً بالله ولقائه، فإنه يأمرك أو ينهاك، يبشرك أو يحذرك، ولن تجد من يقوم بهذا سوى الله؛ لأنه وليك وأنت مولاه.

    إذاً: بسم الله، ندرس هذه الأيام إن شاء الله نداءات الرحمن، ومن الجائز أن نواصل دراستها، فهي كلام الله، وهي حاوية للفقه والأدب والعقيدة، وكل ما نفتقر إليه في الرقي إلى الملكوت الأعلى، ولا بأس أن أسمعكم المقدمة.

    1.   

    مقدمة كتاب نداءات الرحمن لأهل الإيمان

    [ بسم الله الرحمن الرحيم

    مقدمة الكتاب:

    الحمد لله البر الرحيم، ذي الإنعام والإفضال على عباده المؤمنين به وبلقائه، القانتين له، المستجيبين لندائه، والصلاة والسلام على رسوله الرءوف بالمؤمنين الرحيم، وعلى آله الطاهرين وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وبعد: فهذه نداءات الرحمن لعباده المؤمنين البالغة تسعين نداءً، حواها كتابه القرآن الكريم، قد يسر الله تعالى لي جمعها في هذا المؤلف الصغير، كما يسر لي شرحها، وبيان ما تحتويه من علم وهداية لعباده المؤمنين المتقين.

    هذا وليعلم القارئ الكريم والمستمع المستفيد ] وقلنا: المستمع المستفيد؛ لأن واجب المؤمن إذا كان لا يحسن القراءة أن يقول لأخيه المؤمن: اقرأ علي نداءات ربي، فأنا منادى ولم أعرف بم ناداني ربي، وأنت والحمد لله تحسن القراءة فاقرأ علي، وهذا ليس فيه نقص للآدمي، وشرفه لا يمنعه أن يقول: اقرأ علي، وهذا غير ممكن أبداً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم ولا فخر، وإمام الأنبياء وسيد المرسلين، وقد قال لـابن أم عبد : ( يا ابن أم عبد ! اقرأ علي شيئاً من القرآن، فقال عبد الله : أعليك أنزل وعليك أقرأ؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري ). وقد نددنا وصحنا وقلنا: أيكم أيها المستمعون الأبرار! شاهد رجلاً لا يحسن القرآن وقال لأخيه: من فضلك تعال اقرأ علي شيئاً من القرآن؟ ما وجدنا أحداً، فنحن نقرأ على الميت؛ لأنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل ولا يأخذ ولا يعطي، والذي هو في حاجة إلى القرآن لا يقرأ عليه، وهذه علامة هبوط هذه الأمة من قرون، فبعد ما كانت السائدة القائدة الرائدة الهادية الحاكمة هبطت إلى هذا الحضيض، وسبب هبوطها ضعف إيمانها، وبعدها عن مصدري علمها وهدايتها الكتاب والسنة، وهذه حجة، وإلا فدلوني على مؤمن يقول: من فضلك يا سيد! اقرأ علي شيئاً من كلام ربي، سواء في الشارع أو في البيت أو في البستان أو في السيارة، وأسمعني من فضلك كلمات من كلام ربي، ووالله لو كنا نحب الله وكنا نرغب في جواره والملكوت الأعلى لكان هذا شائعاً بيننا، فمولاك أنزل إليك كتاباً، حوى كل نعم العلم والمعرفة، وأنت لا تريد يوماً أن تقول: اقرأ علي شيئاً من القرآن، وتجمع القراء ليقرءوه على الميت. فليفهم السامعون ما وصلنا إليه وما زلنا، وليس هناك أبداً محاولة إلى السمو [ أن هذه النداءات التسعين قد اشتملت على ما يهم المسلم في أمور دينه ودنياه، وما يجب أن يعلمه ويعمل به؛ ليكمل ويسعد في دنياه، ويفلح ويفوز في آخرته، وذلك بالنجاة من النار، ودخول الجنة دار الأبرار ] فليس عندنا فوز إلا هذا، وليس فوز الكرة ولا التمثيل، كما هو الآن [ إذ هذه النداءات الرحمانية ] منسوبة إلى الرحمن عز وجل [ بينت العقيدة السلفية المنجية، و] بينت [ العبادات الدينية المزكية ] المطهرة [ للنفس البشرية، كما بينت الأخلاق الإسلامية الفاضلة، والآداب الشرعية السامية، والمعاملات النافعة للانتفاع بها، والضارة لاجتنابها، كما بينت الأحكام الخاصة والعامة، وذلك في الأموال والدماء والحدود، وفي الجهاد والمعاهدات في الحرب والسلم ] وهذه هي الشريعة بكاملها [ وقد ابتدأت تلك النداءات الرحمانية الإيمانية بالأدب الرفيع، الذي بدونه يهبط الإنسان إلى مستوى الحيوان، وختمت بالتوبة النصوح المنجية من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وسنعرض تلك النداءات الأول فالأول كما هي في كتاب الله الحكيم، مصحوبة برقم الآية واسم السورة، وعنوان هدايتها التي أناطها بها منزلها العليم الحكيم، الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    أهمية الأسس القويمة والقيم الرفيعة في بناء لأمم

    وأخيراً: أهيب بكل مؤمن ومؤمنة أن يقرأ هذه النداءات أو يستمع إليها؛ فإنها منقذة بإذن الله تعالى من الجهل، ورافعة إلى أعلى درجات العلم، والله تعالى أسأل لي ولهما ] أي: المؤمن والمؤمنة [ عافيته ومغفرته ورحمته ورضوانه، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] فكيف أنتم مع هذا الكتاب؟ وهل أنتم في حاجة إليه.

    أقول لكم: لو وضع هذا عند اليهود ليرفعهم، وليحقق هدفهم في إقامة مملكة إسرائيل من النيل إلى الفرات وفاجأهم أحدهم بمثل هذا لكادوا يطيرون من الفرح؛ لأن لهم أملاً يسعون في تحقيقه، وأما أمة الإسلام فلا أمل لها، ولا نجد لها أملاً، وكل ما يهمها هو الأكل والشرب والنكاح واللباس والأغاني.

    ولا بأس أن تتعلموا السياسة ما دامت الفرصة متاحة، فأوروبا وعلى سبيل المثال فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وأسبانيا، وحتى بلجيكا وهولندا لما كانوا يعملون على استعمار الشعوب واستغلالها والاستيلاء عليها كانت آدابهم رفيعة، وآمالهم عظيمة، وعدلهم بارزاً سائداً؛ لأنهم يسودون أمماً، ويستحيل أن يهبطوا مثل تلك الأمم ويسودونها، ولما كان العالم الإسلامي ينشر الهدى وهمته متعلقة بهداية البشرية وإنقاذها كانوا على أحسن ما يكونوا أدباً وخلقاً، وعدلاً وصدقاً، ووفاءً وزهداً، وطهراً وصفاءً، فلما هبطوا لم يكن لهم أمل إلا الأكل والشرب والنكاح، فهذه هي آمالهم، حتى بناتنا نبعث بهن إلى المدارس لهذا الغرض التافه، ووالله العظيم إنكم لتفعلون هذا، وأما الأولاد الذكور فلا تسأل، فهم في المدارس والكليات والجامعات لا هدف لهم إلا الحياة والوظيفة.

    فالدول الاستعمارية لما كانت تعمل على استعباد الشعوب واستغلالها والتحكم فيها كانت سامية في أخلاقها وآدابها وغير ذلك، ولما تخلت وخرجت من المستعمرات أخذوا يهبطون، والآن فيهم الجرائم في الفحش والباطل والخيانة بعشرات الآلاف، وقد طفحت منها أوروبا وأمريكا، وليس هذا كلاماً باطلاً.

    وأؤيد هذه القضية بمثال: كان أحد رجال المباحث أو المخابرات يعمل في الدولة الفرنسية في بلد مستعمر لها، وكان يتزيا بزي العرب البرنس والعمامة والزي الإسلامي واللحية، وكان يركب في القطار في الدرجة الأولى؛ لأنه مسئول، والبطاقة في جيبه، وكان يركب معه بعض النصارى الفرنسيين؛ لأنهم في الدرجة الأولى، وكانوا لا يركبون مع عوام الناس وفقرائهم، وكان هذا لكثرة سهره الليل يتنقل من إقليم إلى آخر يحتاج إلى النوم، فكان إذا أراد أن يطرد الفرنسيات والفرنسيين من الغرفة الخاصة في القطار يتناوم وكأنما النوم أخذه، وكانت لحيته كثة وطويلة وجميلة، فكان يحكها ويخرج قملة ويرميها - وإن كان القمل في ذلك الوقت عاماً في البشرية كلها- فلما تأتي على الفرنسي أو الفرنسية يفزع ويصرخ، ويبدأ يسب ويشتم، فكان رجل المخابرات الحكيم لما يصل القطار أول محطة ينادي المسئولين: خذوا هؤلاء حتى أرجع، فيوقفهم.

    والشاهد من هذا: في ليلة من الليالي كانوا يظنون أنه عربي لا يحسن الفرنسية، فأخذوا يسبون ويشتمون هذه الأمة، ويقولون: إنها متأخرة هابطة كما تعرفون وهو يسمع، ثم انبرى إليهم وأدبهم، وهو أفصح منهم؛ لأنه قد درسها دراسة، وكان من جملة ما قال ذاك الفرنسي: لو كنتم شيئاً لما حكمناكم ولا سدناكم، فقال المسلم: اسمع، لو كان أجدادنا الذين حكمهم أجدادكم مثلنا والله ما دخلتم بلادنا، ولو كان أجدادك الذين غزوا ودخلوا واستعمروا مثلك والله ما دخلوا ولا حكموا. وهذا بيت القصيد، فآباء الفرنسي وأجداده كانوا أدباء، رافعين مقامات الأدب، وكانوا عدلاء رحماء، فلهذا سودهم الله وحكمهم في أمة هبطت، يأكل بعضها بعضاً، والآن لما هبطوا فسوف يخرجون.

    والمسلمون اليوم لا يتحركون؛ لأنهم ليس لهم أمل أبداً إلا الأكل والشرب والحياة، ولو كان لهم أمل كاليهود لبذلوا كل شيء، فنحن لم نر يهوديين يتقاتلان، بل كلمتهما واحدة، وصوتهما واحد، ورسالة كهذه تقرأ في كل بيت؛ لأنهم يهدفون إلى هدف واحد، ألا وهو إعادة مملكة بني إسرائيل. وأوروبا لما كانت تغزو كل عام وتفتح من جديد كانت في ذلك المستوى، وقد هبطت الآن وعادت إليها جميع الرذائل، وانتهى منها ذلك الشرف وذلك الكمال، فلما يريد المسلمون أن يعودوا إلى إصلاح الدنيا وإنقاذ البشرية فوالله لن يبقى من يسب أخاه، ولا من يطعن فيه، ولا من ينتقده، ولا من يؤذيه، ولا غير ذلك، ووالله ليقل الترف والشره، والطمع في الدنيا والتكالب عليها، وترتفع آمالهم إلى السماء، وتتغير حياتهم في أربعين يوماً. فحتى نصبح قادة وسادة ننقذ البشرية لا بد وأن نكون مثالاً حياً للكمال البشري، فافهموا هذه، فلو درستم في كليات السياسة أربعين عاماً لما حصلتم على هذه.

    1.   

    الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    والآن: بسم الله الرحمن الرحيم.

    [ النداء الأول: في الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ] وهذا النداء بدأ به الله، فأول نداء بيا أيها الذين آمنوا هو هذا النداء؛ لأن الذي لا يتأدب مع رسول الله هو حيوان هابط ممزق متلاش، لا وجود له ولا قيمة، فإذا لم يتأدب المؤمنون مع نبيهم فإنهم لا يطيعونه ولا يضحون بما يدعوهم إليه من حمل الرسالة وإبلاغها، وهذا السر قد أسمعناه السامعين، وقلنا: سر فرض الله تعالى على المؤمنين والمؤمنات حب نبيهم حباً حقيقياً مهما بعدوا عنه، وأن من لم يحب رسول ليس بمؤمن، مع أن الرسول يموت؛ لأن حبه عقيدة، فمن لم يحب رسول الله فهو كافر، وعليه لعنة الله، ولا يدخل دار السلام، ورسول جميل، وهو والله أجمل الخلق، وهو أديب، ووالله ما وصل أحد إلى مستواه في الأدب، وقل ما شئت، ولكنه يموت، ولكن يبقى هذا الحب، وقد فرض الله تعالى حب رسوله من أجل أن يطاع؛ إذ لو كنا لا نحبه فلن نطيعه، وإلى الآن الذي لا تحبه لا تطيعه، والذي تحبه تطيعه، فعلة فرض الحب هو أن يطاع، وهذه الطاعة هي سلم سعادة الآدمي وكماله، فحب الرسول واجب من أجل الطاعة، فثمرة الطاعة وفائدتها هي أن يكمل الآدمي ويسعد في الدنيا والآخرة، وليس وراء ذلك شيء، بل هي فقط من أجل أن تكمل - يا آدمي- في آدابك وأخلاقك وتسعد في حياتك ومماتك. هذه هي طاعة الله والرسول.

    فالأدب الأول من النداءات: الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ الآية 104 من سورة البقرة.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104] ]. وهيا نحفظ هذا النداء، فنحن في حاجة إليه، ووالله لئن تحفظه يا من لم يحفظه قبل وتصلي به نافلتك في الليل والنهار لكأنما كسبت به أعظم كسب في هذه الدنيا، فهيا نتغنى بهذا النداء ونتلذذ به، فهذا كلام الله سيدكم ومولاكم، وربكم ورب العالمين الذي تشتاقون إلى النظر إلى وجهه، هذا كلام رب العالمين، فلنتلذذ به، لا أن نردد غناء العواهر وكلامهن كما هو الواقع، والمغنون يفوزون في ديار العالم الإسلامي بميداليات الذهب، ويسمون فنانين، وهم قتالون لروح الإيمان.

    فاحفظوا هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104]. وصلوا بها النوافل والفرائض ولا تخافوا، فهي آية كاملة.

    [ هذا نداء الله تعالى لعباده المؤمنين ] لا الكافرين ولا المشركين، ولا الملاحدة ولا العلمانيين، وإنما هو للمؤمنين به تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن الكريم، وبلقائه حيث الجزاء بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم، فهو نداء الله تعالى لعباده المؤمنين [ ناداهم بعنوان الإيمان ] فلم يقل: يا بني هاشم! يا بني عدنان! يا بني قحطان! وإنما ناداهم بعنوان الإيمان، وليس بعنوان الإسلام، فلم يقل: يا أيها الذين أسلموا! لأن الإسلام قد يكون نفاقاً، فلا يكون أهلاً لأن يرتقي إلى أن يناديه الرحمن، وإنما إذا آمن فقد أصبح أهلاً لأن يسمع النداء ويفهم ما يقال له بعده [ لأن المؤمن حي بإيمانه، يسمع ويعقل ويقدر على الفعل والترك ] والقول [ بخلاف الكافر، فإنه لا يسمع ولا يعقل، ولا يفعل إن أُمر، ولا يترك إن نُهي ] لأنه ميت، والمستمعون يسلمون بهذه القضية، فالحي هو الذي إذا ناديته سمع النداء، وإذا أمرته فعل، وإذا نهيته انتهى، فهذا هو الحي الذي يصلح للنداء، وأما الميت إذا ناديته فإنه لا يسمع، وإذا أمرته لا يفعل، وإذا نهيته لا يترك، فلا فائدة لندائه، وقد عرف الأبناء والمؤمنات في هذه الحلقة معرفة يقينية أن المؤمن الحق حي والكافر ميت، فلهذا لا نقلد الكافر، ولا نأتسي به، ولا نعشقه ولا نحبه، ولا نتزيا بزيه، ولا نتكلم بلسانه أبداً؛ لأنه ميت، فلهذا لا نقلده، وفي الإمكان إحياء الكافر، وفي إمكانك أنت أن تحييه إذا نفخت فيه الروح، فقل له: ارفع رأسك يا عبد الله! يا مسيو! وانظر هذه الكواكب من كوكبها؟ وهذه الأفلاك فوقك من أدارها؟ وهذه الشموس والأقمار من أنارها؟ وطأطئ رأسك وانظر إلى هذه الأرض من بسطها؟ ومن نصب الجبال عليها؟ ومن أوجد هذه الحيوانات فيها؟ وغير ذلك من الأسئلة، فيقول: ها لا أدري، فقل له: كيف لا تدري وأنت الرجل الفحل العاقل تطير في السماء وتغوص في الماء ولا تدري؟ إن الذي فعل ذلك الله رب العالمين وخالق الأكوان كلها أجمعين، فإذا قال: عرفني به، فأنا لا أعرفه، فقل له: تعال، إن الذي خلق هذا يسمع كلامك هذا الآن والله - وسبحان الله! فهو والله يسمعه- ويراك ويبصرك الآن، ويعرف ما في جيبك، بل ما في قلبك، وهو الذي رزقك منه، وطعامك وشرابك من فضله، وحياتك ومماتك بيده، فسيقول لك: دلني ما أفعل معه، وكيف أحبه وأطيعه؟ فقل له: قم اغتسل، وتطهر بالماء؛ لأنك كنت نجساً، ثم قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وادخل في حظيرة الإسلام، فتجده بعد ذلك يسمع ويطيع ويفعل؛ لأنه قد حيي، وأما وهو ميت فلن يفعل شيئاً، ولا أحد يقول للميت: قم صل، فهذا ليس معقولاً، ولينقل السامعون والسامعات هذه الحقيقة، ولا يقولوا: إنهم ليسوا في حاجة إليها، فعلموا الناس أن المؤمن بحق حي، مستعد لأن يعطيك ويأخذ منك، ولأن يفهم عنك، والكافر ميت، لا يسمع ولا يعقل ولا يبصر، والله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل:80-81] .

    وجوب التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم باختيار الألفاظ المناسبة عند مخاطبته

    قال: [ واعلم أيها القارئ لهذا النداء أن الله تعالى إذا نادى عباده المؤمنين إنما يناديهم ليأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم، أو لينهاهم عما فيه شقاؤهم ونقصانهم، أو ] يناديهم [ ليبشرهم، أو ينذرهم، أو ليعلمهم ما ينفعهم ] وصدقوا هذا الكلام، فهو والله لكما سمعتم، فاقبلوه ولا تردوه؛ لأن الله تنزه عن اللهو واللعب والباطل، فهو أيها المؤمنون! لا ينادي لا لشيء، فهذا مستحيل، فلهذا إذا سمعت القاري يقرأ ولو في الإذاعة أو الراديو وأنت تمشي: ( يا أيها الذين آمنوا!) فأعطها أذنك، واسمع، فأنت منادى يا عبد الله! إن كنت مؤمناً، وإذا كان الإيمان صورياً فقط فلست بالمنادى، لأن الله ينادي الأحياء لا الأموات [ ولنستمع إلى عبد الله بن مسعود ] الهذلي [ رضي الله عنه وقد قال له رجل ] من عامة الناس: [ اعهد إلي يا عبد الله! ] هذا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وممكن بعد وفاة أبي بكر وعمر ، وهذه الكلمة لا نقولها نحن الآن، فمن منا ذهب إلى الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: يا سماحة الشيخ! أنا مسافر فاعهد إلي بشيء؟ فلن يقول هذا إلا عبد لو قال له: آمرك بكذا لفعل ولو تمزق، ولو قال: أنهاك عن كذا لتركه ولو ضاعت حياته، لأنه طالب للهداية، وراغب فيها، لا أننا نصبها صباً عليه وأذناه لا تسمعان، بل هو مستعد للعمل. وقوله: اعهد إلي يا عبد الله ! أي: أوصني بشيء أقوم به يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم! [ فقال له: إذا سمعت الله ] تعالى [ يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك ] أي: أعطها سمعك، من الإعارة، والإعارة معروفة، ويا ليتني أختبر بعض الأبناء هنا وهو غافل ونحن نقرأ: ( يا أيها الذين آمنوا) ونرى هل يسمع أم لا؟ وأنتم تسمعون في الإذاعة .. في الراديو .. في كل جهة القاري يقرأ، فإذا سمعت: (يا أيها الذين آمنوا) فاستمع حتى يكمل؛ لتعرف ما المراد، فإذا قال: اتقوا الله، قل: اللهم أطعنا واتقينا أو وفقنا، وإذا قال: لا تشربوا الخمر فلا نشربها [ فإنه خير يؤمر به، أو شر ينهى عنه ] فأوجز له العبارة، ونحن زدنا أكثر من هذا، فزدنا: أو علم يعلمك، أو بشارة يبشرك، أو شر ينذرك، وهو أوجز له، فقال: إما خير يأمرك به أو شر ينهاك عنه [ وقد نادى الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية ] أي: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104] [ لينهاهم عن كلمة راعنا، ويرشدهم إلى كلمة انظرنا ] فاعرفوا هذا [ وذلك لأن المنافقين من اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: راعنا، وهي في لغتهم العبرية بمعنى الاستهزاء والسخرية ] فنهاهم عن كلمة راعنا؛ لأن فيها سوء الأدب مع رسول الله، وأمرنا ببديلها، وهو: انظرنا؛ لأن مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد كان يجلس فيها منافقو اليهود والعرب، والمنافقون يظهرون أنهم مسلمون، وكانوا يصلون وقلوبهم لا تؤمن بالله ولا بلقائه، ولا برسول الله ولا بكتابه، بل هم كفار كبلايين الكفار، ولكن اضطرتهم الظروف إلى أن ينافقوا حتى تحفظ دماؤهم وأموالهم، هذا هو السر، فهؤلاء المنافقون من اليهود يقولون: راعنا يا رسول الله! حتى نفهم، ولا تستعجل، وشوهدوا يدخل أحدهم رأسه في ثيابه ويضحك مع زميله؛ لأنها في اللغة العبرية كلمة استهزاء وسخرية، فوجدوا نظيرها في العربية فاستغلوها، وكان العرب المسلمون لا يعرفونها؛ لأن هذه الكلمة واضحة عندهم، فراعنا عندهم بمعنى: أمهلنا حتى نسمع ونفهم، فكانوا يقولونها، ولما يقول أبو بكر أو عمر : راعنا يا رسول الله! كان اليهودي يدخل رأسه في ثيابه ويضحك، وهذا من مكر اليهود [ فكانوا بذلك يستهزئون بالرسول صلى الله عليه وسلم ويسخرون منه، والاستهزاء بالرسول والسخرية منه كفر، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا إليه يتعلمون الكتاب والحكمة: راعنا، وليقولوا بدلها وهي في العربية بمعناها: انظرنا، بمعنى: أمهلنا ولا تعجل علينا؛ حتى نحفظ أو نفهم ما تقول لنا ] ومن هنا أنزل الله تعالى هذه الآية تحمل هذا النداء: لا تقولوا بعد الآن راعنا، وقولوا: انظرنا؛ لأن الله عز وجل لا يحب أن يؤذى رسوله، وقد قدمنا ما سمعتم من أن أذية الرسول كفر ولو بالكلمة، فالمستهزئ برسول الله لا يبقى له إيمان يدخل به الجنة، فهذا مستحيل.

    ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاث مرات، حتى إذا سلم يسلم ثلاث مرات، لأنه أمر بالبلاغ، ويمكن أن المرة الأولى ما فهم كلامه أو ما سمع، فكان إذا تكلم تكلم ثلاثاً، وإذا سلم سلم ثلاثاً، صلى الله عليه وسلم [ وأمرهم بالإصغاء والسماع عند تلقي العلم والمعرفة والتأدب في ذلك ] كما نحن الآن والحمد لله، فأنتم على منهج رسول الله وأصحابه، فليس هناك من يغني الآن بيننا، أو من يقول: دعني أنام [ وأعلمهم أن للكافرين وهم المستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم والساخرون منه من اليهود وغيرهم عذاباً أليماً، أي: شديداً موجعاً، وقد ينالهم في الدنيا قبل الآخرة.

    خطورة الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل

    وفي هذه الآية الكريمة: بيان ] الله لعباده المؤمنين بـ[ وجوب الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرمة الإساءة إليه بقول أو عمل، هذا مع الجهل وعدم العلم ] هذا إن كان لا يدري، لأن الصحابة لما قالوا: راعنا ما كانوا يدرون أنها سخرية واستهزاء، فلهذا ما توعدهم، وإنما فقط أمرهم وعلمهم، فلما علموا فلو أعادها واحد منهم لكفر. والآن كل مؤمن ومؤمنة يعرف أن إساءة الأدب مع الرسول كفر، وأن الاستهزاء به أو السخرية منه كفر كتكذيبه، ومع أن هذا كفر فهناك من يسبونه؛ لأنهم ما عرفوا [ وأما مع العلم بأن اللفظة أو الحركة فيها إساءة أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك هو الكفر بعينه، والعياذ بالله تعالى، وكما أن إساءة الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمة، وقد تكون كفراً مع التعمد والقصد، فإن إساءة الأدب مع المربي والمعلم والمرشد والأمير محرمة أيضاً ] وأنتم لا تقبلون هذه، مع أن المربي خليفة رسول الله، والرسول لا يوجد في كل بيت وفي كل بلد يربي الناس، بل خلفاؤه من بعده هم الذين يربون، فكما تحرم إساءة الأدب مع رسول الله فإنها والله تحرم مع المربي ومع المعلم ومع المرشد ومع الأمير، وحتى لو كانوا ثلاثة وأمروا أحدهم في الطريق فيجب أن يحترم الأمير؛ لأن الشخص الذي هبط وأصبح يسيء الأدب مع من هو أكمل منه ومن هو في حاجة إليه فقد أصبح حيواناً لا وزن له ولا قيمة عند الله.

    ومن التعليم الذي ورثه المسلمون من الغربيين أنهم يعلمون الطلاب في المدارس كيف يستهزئون بالمعلمين؛ تنشيطاً لهم، ويسخرون منهم، وبعيني رأيت وبأذني سمعت، فيقال للمربي الكلام البذيء، وليس بعيداً وأنت على الكرسي أن يسبوك ويشتموك، ويقولون عنك: إنك وهابي، منتن، عميل، ذنب، مادي، طماع، وغير ذلك؛ حتى تقوم الدنيا والله العظيم، وكل هذا لأننا ما عرفنا، ولا ربينا في حجور الصالحين، وإنما عشنا هكذا على الضياع، ونحن نسمع كلام الأحزاب والجماعات في أي بلد إسلامي في بعضهم البعض والعياذ بالله، حتى العامي يقول: هذا عميل.

    وإليكم قصة أخرى: حملتني الغيرة أيام الفتوة والشبيبة في الديار الجزائرية تحت راية فرنسا الكافرة فأصدرت جريدة سميتها الداعي، ووالله يا أبنائي! كان راتبي ثمانين ريالاً، وكان لي أسرة، وطول حياتي ما مددت يدي لمؤمن ولا سألته، فكان راتبي ثمانين ريالاً، ومنها أطبع هذه الجريدة خمسة آلاف نسخة، وكنت أكتبها بيدي، ولم يشاركني فيها أحد، وكانوا لا يشاركونني؛ لأنهم يتهمونني أني كذا ومن جماعة كذا، وهذا مرض في الأمة، وما زال إلى الآن ينمو ويزيد؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، فكنت أبيع الجريدة بنفسي، واستدعتني الحكومة، فلم أجد من يذهب معي إلى الحاكم، وكانوا كما قلت لكم أدباء؛ لأنهم حاكمون سادة، فلاطفوني وأكرموني، ولو كان الحاكم من هذا النوع الآن لأغمي عليك.

    والشاهد من هذا: أني كنت أركب القطار البلدي من البيت إلى المدرسة، وإذا باثنين في المقعد المقابل أخرج أحدهما جريدة الداعي من جيبه وأخذ يقرأ، فقال له زميله: لا تقرأ هذه، صاحب هذه الجريدة عميل، وهذه جريدة استعمارية، وكان يتكلم وأنا مندهش، وأتساءل من أين جاء بهذا الكلام؟ فهي والله ليست استعمارية ولا غيره، وأنا صاحبها، وأنا أرى هذا ولست بأعمى، فمن أين أتى بهذا الكلام؟ ووالله ما زال العرب والمسلمون على هذا النمط إلى الآن، يتكلمون بما لا يعلمون، فلا تقل يا عبد الله! كلمة حتى تستأذن ربك أيأذن لك أم لا ؟ وتنظر هل فيها خير أم شر؟ فلا تفتر وتكذب وتقول ما لا تعلم وتصرف المؤمنين عن دعوة الحق، وما تأخرت دعوة الإصلاح في العالم الإسلامي إلا لهذه المناوآت، فإذا كنت مؤمناً فتكلم بما تعلم، ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ). ونحن مزقنا الجمعيات، ومزقنا الأعراض، ومزقنا الدعوة، وشتتنا المسلمين بالكلام فقط، وأقمنا حرباً كلامية، والعلوم ينفع بعضها بعضاً، ولو غششتكم لمشينا في القراءة، وقرأنا الكلام المكتوب والسلام عليكم.

    [ كما أن عيب المؤمن أو احتقاره أو الهزء به أو السخرية منه محرمة ] والناس لا يعرفون هذا [ وفاعلها فاسق إن لم يتب من ذلك ] فقد قال تعالى: بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]. وإن شاء الله لا يبقى مؤمن يستهزئ بمؤمن، ولا يسخر منه، ولا يحتقره، ولا يعيبه، ولا يكذب عليه من الحاضرين وجميع المسلمين [ ولنقرأ قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11] ] فبعد ما كان عبد الله المؤمن أصبح الفاسق، وأقبح اسم هو هذا، فالفاسق هو الذي خرج عن طاعة الله ورسوله، ولم يمتثل الأمر ولم يجتنب النهي، بل فسق كما تفسق الحية من جحرها، وخرج عن النظام [ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] ] فيا أيها المستمعون والمستمعات! [ ألا فلنحذر إساءة الأدب مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا ذكر الله تعالى أو تلي كتابه يجب أن نصغي ونخشى، ولا نرفع أصواتنا أو نضحك، وإذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حديثه يجب أن نصغي، ويظهر علينا إجلاله واحترامه، وحبه وتقديره، وهذه ثمرة هذا النداء الإلهي الذي أكرمنا الله تعالى بحفظه وفهم معناه، فلنجتنيها ولننتفع بها، ولنحمد الله تعالى عليها ونشكره، وهو أهل الحمد والشكر والثناء. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    معاشر المستمعين! اعرفوا وجوب الأدب مع الله ورسوله والمؤمنين، وبخاصة رسول الله والمعلمين والمربين والأمراء السائدين، فلنأخذ بهذا الأدب، ورزقكم الله هذا الأدب وغيره، والسلام عليكم ورحمة الله.