إسلام ويب

حرب الإدمانللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله جل وعلا أحل لعباده الطيبات من المآكل والمشارب، وحرم عليهم الخبائث التي تعود عليهم بالضرر في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وقد وصف الله النبي صلى الله عليه وسلم بوصف جميل فقال: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وقد حذرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من كل الخبائث والمحرمات، ومنها: إدمان المخدرات والأمور المذهبة للعقل والمال والعرض.

    1.   

    سبب الوقوع في المخدرات وعاقبة مدمنيها

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصبحه.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام: هذه رسالة موجهة إلى مدمن، ولعلكم تجدون أسلوبي في الحديث أسلوباً غير مباشر للحاضرين، ولكن لعل السامع منكم أن يستفيد من كلماتي.

    أيها الأخ الكريم! أيها الأخ العزيز! أوجه إليك هذه الكلمات، يا من وقعت في حبائل المخدرات! يا من بدأت تتعاطى بل أصبحت مدمناً! أوجه إليك هذا الحديث، فأرع لي سمعك، وتوقف معي دقائق، واستمع لي، ولن تخسر شيئاً إذا لم تستفد من كلامي.

    لو سألت أكثر المدمنين في هذا الزمن، وأكثر المتعاطين: لم تتعاطون المخدرات؟ ولمَ أدمنتم عليها؟ ولمَ وقعتم في حبالها؟

    لأجابك أكثرهم أبحث عن السعادة، أبحث عن الراحة، أريد الطمأنينة.

    اسأله السؤال الثاني: هل وجدتها؟

    وأنا أظن بل أجزم بأن أكثر من تعمق في المخدرات، وأدمن عليها، سوف يجيبك بهذه الإجابة، ويقول: كلا. والله، لا زلت أبحث عنها.

    أتبحث عن هذه السعادة الموهومة؟!

    جلست يوماً من الأيام أنصح شاباً، سلم نفسه بجريمة قتل عمد -قتل رجلاً ثم سلم نفسه- جلست معه أحدثه عن التوبة، وأخوفه من الله جل وعلا، وأنصحه فيما فعل، فقال لي: يا شيخ! ما تقول؟ أنا سبع سنوات مدمن للمخدرات.

    قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سبع سنوات وانظر إلى النهاية.

    قال: نعم. يا شيخ، سبع سنوات أنا مدمن لهذه المخدرات.

    قلت له: بماذا كنت تشعر؟ قال: كنت أشعر كأنني أطير في الهواء.

    قلت له: ثم ماذا؟ قال: ثم عذاب وألم وحسرة.

    يقول: وهكذا سبع سنوات لم تنته إلا بالقتل، وسَلَمَ نفسه ينتظر القصاص، تعرف لم؟

    لأن الله جل وعلا يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً [طـه:124] نعم يعيش يأكل يشرب، يلبس، ينام، يستيقظ، يمشي، يتحرك، لكن انظر إلى عيشته: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى [طـه:124-125].

    السماء تفطرت، والأرض تزلزلت، والجبال نسفت، والبحار احترقت وسجرت، والقبور قد بعثرت، والوحوش حشرت، والولدان قد صارت رءوسهم شيباً، ويمشي هذه الرجل المسكين على صراط أدق من الشعر وهو أعمى، وأحدَّ من السيف، وجهنم تلهب من تحته، ويقول: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [طـه:125] أي: في الدنيا.

    انظر إلى السبب: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا [طـه:126] تذكر ذلك المجلس الذي سمعت فيه بعض الآيات، تذكر ذلك الشريط الذي أهدي إليك فاستمعت إليه، لكنك نسيت: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طـه:126].

    أخي الكريم! أخي العزيز! تذكر وأنت تقدم على تعاطي تلك المخدرات، وأنت تقدم على استقائها، وأنت تُقدم على تجرعها، تذكر يا أخي العزيز! أنك تتعرض لغضب الرب جل علا، واعلم أنك لو مت وأنت على هذه الحال، ما دخلت الجنة (ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: وذكر منهم: ومدمن خمر) الخمر الذي يذهب العقل، ويتفرع منه المخدر هذا الزمن.

    تذكر يا أخي العزيز! وأنت تتجرع هذه المخدرات وتتعاطاها، أن المصير في النهاية وفي الخاتمة أنك تتجرع من ماء صديد: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم:15-16] نهاية المخدرات والإدمان، عذاب في الدنيا، ثم حسرة، ثم موت، ثم جهنم: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم:16] قيح وصديد.

    تتشقق الجلود، فتخرج قيحاً يتسابق أهل النار إليه ليأكلوه وليشربوا منه: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17] بل جاء في الحديث الصحيح: أن شارب الخمر يسقى من ردغة الخبال، وهي عصارة أهل النار، وتخيل مم تخرج؟

    تخرج بعضها من قيح الجلود، ويخرج بعضها الآخر من الفروج، ويخرج بعضها من الأفواه والفم.

    عصارة أهل النار، يتسابق إليها شارب الخمر والمسكر والمخدر ليشربوها، تذكر إن كنت من المتعاطين هذا المصير: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ [الدخان:43-44] كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان:45].

    عندما يأكلون منه البطون تغلي، أرأيت القدر كيف يغلي بالماء؟ هكذا البطن يغلي ويفور من ذلك الطعام، وكما في الحديث: (لو أن قطرة من الزقوم سقطت على الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم) فكيف بمن تكون طعامه؟!

    تذكر وأنت تقدم على هذه المعصية وذلك الإثم، تذكر هذا المصير: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ [الدخان:43-47] الملائكة تدفعه دفعاً، لكن إلى أين؟ إلى قعر جهنم: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان:47].

    ثم ماذا يا رب؟

    ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان:48] فإذا صب على الرأس يدخل الحميم إلى المعدة والأمعاء، فيقطعها، إنا لله وإنا إليه راجعون!

    هل تعدل تلك الجلسات، وهذه الهلوسة، وتلك السهرات، وهذه الحبوب، ذلك العذاب؟

    1.   

    صور لمن لاقوا عقوبة المخدرات الدنيوية

    أخي الكريم! أما في الدنيا فعذاب وألم، وأظن أنك تستمع إليّ الآن وتقول لي: يا شيخ! من قال لك؟ نحن نفرح ونتمتع، نحن نسعد ونلهو، نحن نطير في الهواء، أقول لك: كذبت، ولم تصدق نفسك، فإن هذه السعادة سعادة موهومة.

    أذكرك بتلك اللحظات التي تتقلب فيها على الفراش، أذكرك بوقت تكون فيه أنت لوحدك في غرفة مظلمة، تحس أن الدنيا قد ضاقت عليك بما رحبت، أذكرك لما نقصت عليك المادة ولم تحصل على بعض الحبوب، كيف تألمت؟! وكيف تعذبت؟!

    أذكرك يا أخي! وأنت تحاسب نفسك وتعاتبها، ماذا تفعلين إذا قدمت على الجبار؟

    صليت المغرب يوماً، فجاءني شاب قال لي: يا شيخ! أريد الحديث معك، قلت له: تفضل، قال: لا. عندي شخص آخر يريد أن يجلس معك، قلت: الآن؟

    قال: لا. بعد أن يخرج الناس.

    فلما خرج الناس بعد صلاة المغرب جلست معه في زاوية المسجد، فإذا بالثاني يخرج لي هوية من جيبه، فنظرت إليها.

    قال لي: يا شيخ! انظر إلى الصورة!

    نظرت إلى الصورة -وأنا في المسجد- فإذا فيها وجه حسن جميل مضيء، والذي أمامي وجه مخيف مفزع قبيح مظلم.

    قال لي: يا شيخ! أرأيت الصورة؟

    قلت: نعم.

    قال: هذا أنا.

    قلت: مستحيل!

    قال: والله وأنا في بيت الله هذه الصورة صورتي.

    قلت: يا أخي! ليس في وجهك شبه أبداً، وما أحببت أخبره أن الصورة أجمل وأحسن بكثير من الوجه الذي أمامي.. نور في الصورة وظلام أمامي.

    قلت له: حدثني عن خبرك؟

    قال لي: يا شيخ! كان لي رفقة عند بيتي، فجئتهم يوماً من الأيام، أشرب معهم الشاي كالعادة، يقول: لكن الشاي لم يكن كالعادة، وأحسست فيه بلذة.

    يقول: فجئت في اليوم الثاني أرجو أن أشرب من نفس الشاي، فشربت منه وأحسست بلذة أكبر، وكأن نفسي أصبحت خفيفة، وهكذا في اليوم الثالث والرابع، حتى أدمنت على شرب هذا الشاي، ولكن لا أدري ما الذي به؟!

    يقول: وفي يوم من الأيام قدمت إليهم أسألهم عن هذا الشاي.

    قالوا لي: يا فلان! أتعرف ماذا بهذا الشاي؟

    قلت: لا.

    قالوا: به حبوب، قلت: ماذا يعني حبوب؟

    قالوا: حبوب مخدرات.

    فقلت: الآن أنا لا أستطيع أن أتخلص منه فما الحل؟

    قالوا: نعطيك منها لا تخاف، الحبوب متوفرة.

    قلت: إذاً أعطوني.

    قالوا: ادفع الثمن! أوقعوه الآن في حبالهم.

    قال لهم: ليس عندي أموال.

    فقلت له: ومن أين كنت تأتي بالمال؟

    قال لي: يا شيخ! كنت أطلب من الوالدة، من الوالد، وكانوا يعطوني في بادئ الأمر.

    قلت: ثم ماذا؟

    قال: بدأت أسرق منهما.

    ثم من غيرهما، ثم أستدين وأسرق..!!

    قلت: إلى أي درجة؟

    قال: ثم قالوا: لي يوماً من الأيام؟ إن أثقلتك الأموال فهناك طريقة أخرى.

    قلت: ما هي هذه الطريقة؟

    قالوا لي: تروج لنا المخدرات ونحن نعطيك.

    قال: كيف؟ علموني الطريقة.

    يقول: ثم بدأت أروج المخدرات وأنا لا أشعر.

    قلت له: لِمَ لا تتوب؟

    قال: يا شيخ! جربت التوبة، ولكن..!

    قلت: ما الذي منعك؟ قال: السلاح.

    قلت: ماذا تقصد؟

    قال: يهددوني بالقتل إن لم أستمر في هذا الترويج.

    وهذا الرجل إن استمر على حاله يبعث عند الله جل وعلا، أتعرف كيف؟

    وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً [الفرقان:27-28]. يا ليتني ما عرفتهم! يا ليتني ما جلست معهم! يا ليتني ما صاحبتهم! يا ليتني ما سلمت على فلان يوماً من الأيام! لكن ولات ساعة مندم: يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً [الفرقان:28] يسميه عند الرب جل وعلا: يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:28-29].

    إذا دخل هذا الشاب وأمثاله إلى جهنم يقول: يا رب! لي طلب، فما هو طلبه؟ رَبَّنَا أَرِنَا [فصلت:29] يرى من؟ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ [فصلت:29].

    يا رب! أريد أن أرى ذلك الرجل الذي أعطاني الحبة أول مرة؟ وسقاني ذلك الكأس؟ وعلمني طريق المخدر؟

    يا رب! أريد أن أراه إما في المحشر وإما في جهنم، يتمنى أن يراه.. تظن لمَ؟

    أليصافحه، أليصادقه، أليعانقه بعد فراق طويل؟

    لا. اسمع لماذا يطلب رؤيته يوم القيامة: رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا [فصلت:29] أطأ عليهما برجلي، ولِمَ؟

    لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت:29].

    لكن الآن لا ينفعه كل هذا، لطالما جاءك الصالحون، وأعطوك الشريط، وأهدوك تلك الكلمات، ونصحوك تلك النصائح، ولكن أبيت وعصيت واستكبرت إلا أن تستمر مع هؤلاء: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] إلى أين؟ إلى جهنم.

    كلما دخل رجل لعن صاحبه: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً [الأعراف:38] إذا تجمعوا كلهم في جنهم؛ ماذا يطلبون؟ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا [الأعراف:38].

    يقول في جهنم: يا رب! يا رب! هؤلاء الذين دلوني على تلك المجالس وتلك المستنقعات.

    يا رب! هؤلاء الذين أعطوني هذه الحبوب، وعرفوني ذلك الطريق.

    يا رب! فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ [الأعراف:38] يا رب! ضاعف لهم العذاب في النار.

    ماذا يقول الرب؟ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38].

    أتظن يا أخي الحبيب! أن القضية تنتهي عند حبة وتقف؟ لا. القضية أكبر وأدهى وأمر، فالحبة هي الخطوة الأولى للإدمان، وهذه هي بداية الطريق، وإلا فالطريق مظلم وموحش، رأيت صورةً من الصور، عرضها أحد المشايخ الفضلاء لشاب مدمن، مات أثناء إدمانه لأن الإدمان -ولعلك وأنت تسمعني تعرف هذه الحقيقة- يحتاج إليه الإنسان كل يوم أكثر من الذي قبله، يحتاج أن يزيد ويزيد، حتى يصل إلى حد يقتل الإنسان نفسه.

    وكم نسمع في الأخبار: أن شاباً وجدت جثته في مزبلة، وآخر في محرقة، وثالث رُمي في المسجد، ورابع عند المستشفى، وخامس قبل شهر قتل ورمي في الصحراء، وسادس.. وسابع...

    وإحصائيات القتلى تزداد يوماً بعد يوم، لا تقل: لا. أنا أضمن نفسي.

    لا تقل: لا. أنا سوف أتوب قبل الموت، وما يدريك فقد يذهب عقلك ثم تسقط على الأرض وتفارق الدنيا، أحدثك عن الصورة التي رأيت، أتعرف كيف مات هذا الشاب؟

    أيها الأخ العزيز! هذا شاب وهو يتعاطى المخدرات، وزاد في جرعة الإدمان والتعاطي فسقط على الأرض وأحس بألم وتعصر حتى انفجر مخه، وبدأ يسيل ما في مخه من أنفه، ورأيته بالصورة، انظر كيف تعذب في الدنيا قبل الآخرة.

    إن رأيت المنظر لا تتحمله ولعلك ما تطيق طعاماً بعده، أتعرف لِمَ؟

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طـه:124].

    وآخر رأيت صورته جالس في شقته داخل غرفته، كان يتعاطى، حاله حال المتعاطين المدمنين، ولكنه زاد في الجرعة شيئاً ما، يريد أن يتلذذ، يريد أن يشعر بتلك السعادة، وإذا به يتعاطى جرعة زائدة، فإذا به يموت في غرفته، ما شعر به أحد، ما صلى عليه أحد، ما دفنه أحد، ظل أياماً في غرفته ميتاً، أنتنت الجيفة.

    أتعرف كيف عرفوا قصته؟

    وجدوا رائحة منتنة تخرج من الغرفة، والذباب قد تجمع على الباب، كسروا الباب، فإذا بهذه الجثة التي ظلت أياماً والنمل يأكلها من كل جانب، ورأيت هذا المنظر بعيني أيها الإخوة.

    منظر ما أقبحه! في هيئة الساجد، على أدوات المخدرات، والنمل يأكله من كل جانب! أعوذ بالله من تلك الميتة، أرأيت إلى خاتمتهم! هل هذا عاش بسعادة كان يرجوها، أين السعادة؟! أين النعيم؟!

    يا مسكين! يا من تبكي الليالي والأيام! اجلس مع بعض الصالحين، حدث بعض الأخيار، قل للذين يبكون في الصلاة، ويقرءون القرآن، ويسافرون إلى العمرة: هل وجدتم تلك السعادة التي أبحث عنها؟

    أتعرف ماذا سيقولون لك؟

    يقولون: لو كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه إنهم والله لفي عيش طيب.

    الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] تقول: أنا ضامن نفسي إن شاء الله ألا أموت وأنا أتعاطى المخدر، اسمع الإحصائيات لوزارة الداخلية: أكثر من ألف وتسعين شخصاً ماتوا بسبب المخدرات في الكويت ، من الذي يضمن لك أنك لا تكون أحد هذه الأرقام القادمة؟

    أخي الكريم: إن كثيراً من المتعاطين يفقد عقله فيفعل ما لا يفعله أي عاقل، بل لو كان يدري عن نفسه لقتل نفسه قبل أن يفعل هذه الفعلة، وكم سمعنا من أخبار متعاطيي المخدرات من أتى على محارمه، واسمع يا رعاك الله! اسمع فتح الله قلبك للإيمان، اسمع إلى قصة هذا المدمن، الذي كان شاباً صغيراً لم يعرف شيئاً عن الإدمان يوماً من الأيام.

    تُوفي أبوه فرعته أمه، كانت تعطيه بعض المال، ليبحث عن حرفة له ليعمل بها، وكانت أمه المسكينة تبحث له عن السعادة.

    هذا الشاب تعرف على رفقة سيئة؛ بدأ بالتدخين، ثم بدأ يدمن معهم المخدرات، ووقع في ذلك الوحل وأمه لا تدري، دخلت عليه يوماً من الأيام في الغرفة، فإذا بها تجده في وضع غريب، يشرب دخاناً ليس كالدخان الذي تعرفه -الحشيش- عرفت الخبر، نصحته، ذكرته بالله، خوفته بيوم القيامة والنار والقبر، لكنه ما خاف من عذاب الله جل وعلا.

    جاءها يوماً من الأيام وطلب منها المال، فقالت له: يا بني! لن أعطيك المال، وأنت على هذه الحالة؟ تب إلى الله ثم أعطيك المال.

    قال: أعطيني رغماً عنك.

    وأنتم تعرفون أن المدمن على المخدرات إذا انقطع عن الإدمان لا يشعر بنفسه، ويصبح كالوحش المفترس.

    جاءها يوماً من الأيام، قال: تعطيني؟ قالت: لن أعطيك، ضربها وأخذ ذهبها، وباعه واشترى به المخدر، بكت أمه عذاباً وحسرة وألماً.

    أيها المدمن! تذكر هذه الأم المسكينة، التي خلفتها في البيت وهي تبكي عليك، تذكر كم كانت ترعاك، وكم كانت تسهر على من أجلك.

    كم كانت تفرح وتتمنى أن تكون مثل فلان الطبيب، وفلان المهندس، وفلان الداعية، وفلان المصلي الراكع الساجد، كانت تسمع أخبار جاراتها: هذه ولد لها حفظ القرآن، وآخر ذهب إلى العمرة، وثالث يدعو إلى الله، ورابع صار طبيباً، والآخر صار مهندساً، وهذا يدرس الناس في المدارس.

    أما أنت تذكر يا أخي الكريم! واعلم أن أمك تبكي عليك دماً وأنت لا تدري.

    جاء يوماً من الأيام وقد فقد عقله، فدخل على أمه في الغرفة، قال لها: أريد مالاً، قالت له: لن أعطيك؟ أخذ يضربها، قالت له: ماذا تريد؟

    أتعرف ماذا كان يريد في تلك الحالة؟ وأُجِلُّ المسجد عن هذه الحكايات، ولكن لا بد من إخبارك بها.

    هذا الشاب فقد صوابه وأراد أن يهتك عرض أمه!

    واسمحوا لي رواية القصة أيها الإخوة! فإن المجتمعات مليئة بهذه القصص!

    حاول أن يعتدي على أمه.. مزق ثيابها.. هربت أمه من البيت، إلى أين وهي تبكي لا تدري أين تسير؟

    توجهت إلى بيت ابنتها المتزوجة، دخلت بثيابها ممزقة، وهي تحدث نفسها: ماذا أقول لابنتي؟ ماذا أقول لزوجها؟

    دخلت وهي تقول لهم: دخل علينا لص البيت وأراد أن يسرق الأموال، فهربت ولجأت إليكما، كذبت عليهما -قلب الأم- وفي الصباح أخبرت ابنتها بالخبر الصحيح.

    ظلت أياماً في بيت ابنتها وما رجعت إلى البيت، وبعد أيام قالت لابنتها: نرجع إلى البيت، رحمت ابنها وتذكرته، عطفت الأم على الولد، فهي لا تنسى ولدها مهما كان.

    رجعت إلى البيت هي وابنتها، فإذا بالبيت قد بيع أثاثه وأجهزته كلها، باع الولد كل ما في البيت ليشتري بعض الحبوب.

    أرأيت نهاية التعاطي والإدمان، واسمع فلم تنته القصة..

    هذه الأم دخلت البيت وجلست تبكي على حال ابنها، وفي لحظة من اللحظات دخل الابن إلى الشقة، فإذا به يجد أمه وأخته، وابنة أخته الصغيرة، دخل على أمه وحاول أن يضربها على ما فعلت فيه، قال: أعطوني المال.

    قالت الأم: لن نعطيك شيئاً؟

    قال: أنا محتاج إلى المال، أريد أن أشتري...

    قالت: والله ما نعطيك، فإذا به يحاول الاعتداء على أخته، ويهدد أمه، إما أن تعطيني شيئاً من المال وإلا اعتديت عليها، بكت أمه.. صاحت.. استغاثت.. استنجدت.. وأخذ هو يضرب أخته حتى يواقعها.. مزق ثيابها.. والأم المسكينة لا تدري ماذا تفعل؟

    ابنها أو ابنتها، أو العار، أو الفضيحة، أخذت تتصارع الأم في قلبها ماذا تفعل؟

    والبنت الصغيرة تنظر إلى أمها وتبكي، ماذا يفعل خالها؟! ماذا يفعل بأمها؟!

    ما كان من الأم إلا أن ذهبت إلى المطبخ وأخذت سكيناً وهي تصارع نفسها، والولد قد فقد وعيه، ولا يدري ماذا يفعل؟

    فجاءت إلى ابنها وفلذة كبدها، وطعنته عدة طعنات، وأخته تنظر، والبنت الصغيرة تنظر ما الذي جرى، بعد ثوان معدودة... الغرفة تسيل بالدماء، الرجل مات، أخته ممزقة الثياب، البنت الصغيرة تبكي، الأم منطرحة على الفراش تبكي.. مآساة.. وأي مأساة.

    أيها المدمن! انتبه، فإنك تضيع نفسك وأهلك، وكثير منهم من باع عرضه، وكثير منهم من أرغم زوجته على وحل الدعارة، لتقبض بعض الأموال ليشتري المخدرات.

    1.   

    طريق الخلاص من الإدمان

    أيها الأخ الكريم! أيها الأخ العزيز! ما الحل وما النجاة؟

    أتعرف ما النجاة؟

    إنها في قول الله جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    أيها الأخ العزيز! أقبل على الله جل وعلا، لا تقل: لا أستطيع.. لا أتحمل.

    ألقيت محاضرة يوماً من الأيام وجاءني شاب بعد المحاضرة، حسن الوجه، مطلق اللحية، مقصر الإزار، فيه سيماء الصلاح، فقال لي: يا شيخ! أريد أن تذهب معي إلى مكان.

    قلت له: وأي مكان؟

    قال: مكان فيه أهل مخدرات.

    قلت: ولِمَ أنت الذي ترسلني إلى هذا المكان؟

    قال لي: يا شيخ! أنا الذي أمامك كنت يوماً من الأيام مدمناً للمخدرات، يقول: كنت يومياً أتعاطى المخدرات ولا أستطيع الخلاص منها.

    قلت له: والآن؟ قال: الآن الحمد لله، أدعو إلى الله جل وعلا، أقرأ القرآن، أحضر حلق العلم، أحضر مع الصالحين، أجلس معهم، أبر والدي.

    قلت له: والآن.. هل أنت سعيد أم كنت أسعد في الماضي؟

    قال: يا شيخ! ما أحسست بالسعادة إلا هذه الأيام التي توجهت فيها إلى الله جل وعلا.

    وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    أتريد الهداية؟ تريد التوبة..؟ تريد صفحة جديدة بينك وبين الله؟

    وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا [آل عمران:135] قاطع تلك المجالس، فارق تلك الصحبة، أقبل على الصالحين، اجلس معهم، قل لهم: إني أقبلت على الله جل وعلا، فدلوني.. خذوا بيدي، قم آخر الليل، صلِّ ركعتين في السحر، فإن الرب ينزل، يقول: (هل من داع فاستجيب له، هل من مستغفر فاغفر له؟) صلِّ ركعتين في السحر، وأقبل على الله، واسجد بين يديه، ثم لتدمع تلك العينان، لعل الله أن يغسل ذنوبك.

    يا نفس توبي فإن الموت قد حانا     واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا

    أما ترين المنايا كيف تلقطنا      لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا

    أما تذكر يوم رفعت سماعة الهاتف، فقيل لك: أتعرف فلاناً؟

    الذي كان معنا، في الدواوين في الشوارع، في الدراسة، تذكره جيداً..

    اذكره جيداً قبل أيام كنت معه، في حادث سيارة انقلب بها، وفارق الدنيا، إنا لله وإنا إليه راجعون!

    أما ترين المنايا كيف تلقطنا      لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا

    وفي كل يوم لنا ميت نشيعه     نرى بمصرعه آثار موتانا

    أقبل على الله جل وعلا، تعرف على الصالحين، افتح كتاب الله تبارك وتعالى، لتكن همتك عالية، هذه الهمة -همة الحبوب والتعاطي والإدمان- همة أنت تعرفها، همة خسيسة، ما أخسها وما أقذرها وما أنجسها!

    لتكن همتك أن تضحي بهذا الجسد -الذي طالما تعاطى ذلك المخدر- لله جل وعلا.

    همتك يا أخي العزيز! ألا تموت إلا شهيداً في سبيل الله.

    اسمع إلى هذا الشاب الذي ابتلي في دينه، وانظر إلى همته، يسمى عبد الله بن حذافة ، كان أميراً لسرية، وأنا أقص عليك هذه القصة لترفع همتك أيها الشاب، ولتترك هذا الماضي المظلم، ولتقبل على الله جل علا بهمة تناطح الجبال.

    هذا الشاب كان يقود سرية من سرايا المسلمين، قبض عليهم النصارى، وكان فيهم عبد الله قائدهم.

    فجاء ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة ، قال له: أتريد أن ترجع إلى أهلك؟ قال: نعم، قال: أشاطرك نصف ملكي، من أموال، ونساء، وقصور؛ بشرط واحد.

    قال: ما هو؟

    قال: أن تتنصر، تغير دينك من الإسلام إلى النصرانية .

    فضحك عبد الله بن حذافة ، وقال: والله لو أعطيتني الدنيا بما فيها على أن أترك هذا الدين طرفة عين ما تركته.

    قال الملك: أدخلوه الحبس -السجن- فإذا بهم يدخلون عليه امرأة من أجمل النساء، وأغروها بالمال، فتعرت وتجملت أمامه، وحاولت أن تفتنه، فإذا بها تخرج بعد زمن، تقول للملك: لا أدري أأدخلتموني على بشر أم حجر، لا يدري أنا أثنى أم ذكر؟

    فغضب الملك.

    انظر إلى الهمة، انظر إلى الصبر على الدين، انظر إلى لذة الطاعة!

    جيء بالقدور فأحميت ووضع فيها الزيت، قدر كبير وتحته النار تشتعل، والزيت يغلي، فجيء بـعبد الله بن حذافة ، وجيء بصاحب له من أصحابه، فإذا به ينزل حياً في قدر الزيت الذي يغلي، فاحترق حتى طفحت عظامه، وشوي جلده.

    قال الملك: الآن دورك، بكى عبد الله .

    قال له الملك: خفت الآن من الموت؟

    قال: لا. والله ما خفت، ولكن صاحبي هذا كان ينافسني دوماً في طاعة الله، أما الآن فقد سبقني إلى الجنة، يا ليتني كنت مكانه، والله الذي لا إله غيره لو كان عندي أرواح بعدد شعرات جسمي، لتمنيت أن تخرج كلها في سبيل الله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23]. أرأيت الهمة العالية؟!

    يتقلب على الفراش يحلم أن هذه الرقبة تطير في سبيل الله، ربما تقول لي: ياشيخ! هذا في الأزمان الماضية، وهذا في الزمن القديم، أما اليوم فمستحيل، فأقول لك: أحدثك بقصة في هذا الزمن.

    شاب مولع بالأغاني والطرب والنساء والمخدرات والخمور، كل معصية في الدنيا ارتكبها، لا تخطر على بالك معصية إلا وقد فعلها.

    يقول الشاب عن نفسه: ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، مللت الحياة، مللت الدنيا، وتتعجب عندما تسمع: أن أعلى نسب الانتحار هي في الدول المتحضرة، لِمَ؟

    يشنق نفسه، يقطع شرايينه بالموس؛ لينزف الدم ثم يموت، يرمي نفسه من أعلى عمارة، يضع مسدساً على رأسه، فيطلق طلقة يموت منها، ما السبب؟

    يقول: الشاب، ضاقت عليّ الأرض بما رحبت: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طـه:124] يقول: خرجت من البيت.. سافرت.. لا أدري إلى أين؟

    يقول: خطرت على بالي فكرة أن أذهب إلى أخي في بلد آخر.

    يقول: طرقت الباب على أخي، وكان أخوه صالحاً.

    قال أخوه: ما الذي جاء بك؟

    قال: يا أخي! مللت الدنيا، مللت الحياة، جئتك أمتع نفسي.

    قال أخوه: تفضل عندي..

    يقول: أخوه نام تلك الليلة، وفي الفجر جاء رجل يوقظه للصلاة، كل يوم كان يوقظ أهل البيت، يا أهل البيت صلاة الفجر، صلاة الفجر، قام الرجل فزعاً فأيقظ الشاب.

    قال: ماذا تريد؟

    قال: صلاة الفجر!

    قال: دعني.

    قال: لِمَ؟

    قال: دعني فأنا لا أصلي أصلاً..!

    قال: أعوذ بالله.

    قال: اتركني أنا لا أصلي؟!

    قال: لِمَ لا تصلي.. ألست بمسلم؟

    قال: اتركني أنام أنا لا أصلي.

    قال: جرِّبِ الصلاة مرة!

    يقول: فذهب الرجل وجلس يفكر على الفراش، ويتردد في أذنه جرب الصلاة مرة!

    يقول: قام الشاب، واغتسل من الجنابة، ثم ذهب إلى المسجد، فإذا به يصلي، ثم يرجع إلى البيت يقول لأخيه: يا أخي! وجدتها.

    قال: ماذا وجدت؟

    قال: وجدت السعادة.

    قال: أين؟

    قال: وجدتها في الصلاة، وجدتها في السجود، وجدتها في الركوع..!!

    أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] قال الشاب بعد أيام جلس فيها عند أخيه: سوف أرجع إلى أمي.

    قال له: ارجع.

    يقول: ذهب إلى أمه وطرق الباب، قالت أمه: ما الذي جاء بك مسرعاً هذه المرة؟

    قال: يا أماه! وجدت السعادة في الصلاة وفي القرآن وفي العبادة، فرحت أمه، ظل أياماً مع أمه، ثم قال: يا أماه! أريد السفر.

    قالت: إلى أين يا بني؟

    قال لها: يا أماه! أريد أن أذهب إلى الجهاد في سبيل الله.

    قالت أمه: لِمَ؟

    قال: يا أماه! جسدي طالما عصى الله جل وعلا، وأريد أن أضحي بهذا الجسد لله عز وجل، قالت أمه: ما منعتك وأنت تسافر للمعصية، أفأمنعك وأنت تسافر للطاعة.. اذهب يا بني!

    ذهب إلى الجهاد، وتدرب ثم دخل في المعركة، وفي ذلك اليوم، كان يحمل السلاح وبجنبه صاحب له، حميت المعركة واشتدت، فأصيب صاحبه بشظية، حمل صاحبه ليسعفه، أسرع به، لكن صاحبه استشهد في ذلك الموقع.

    حفر القبر لصاحبه، أنزل صاحبه في القبر، ما غسله، ما كفنه، وهكذا الشهيد، يبعث عند الله وجرحه يثعب دماً في المحشر، اللون لون الدم، والريح ريح مسك، دمه يشهد له في المحشر، أنزل صاحبه في القبر ما دفنه، قال: اللهم إني أسألك أن لا تغرب شمس هذا اليوم إلا وقد قبلتني شهيداً في سبيلك.

    لما أنزل صاحبه اشتدت المعركة مرة ثانية، أسرع إلى سلاحه، تقدم في المعركة.. خاضها.. أقبل بصدره في القتال.. وبعد لحظات.. فإذا به يفارق الحياة الدنيا، ويدفن في القبر الذي حفره مع صاحبه: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    1.   

    رسالة إلى مدمن

    إنني سائلك أن تفكر في هذه الكلمات، وأن تكثر التفكر فيها، لا تنم هذه الليلة إلا وأنت تفكر في كل كلمة قلتها، إن نهايتها عذاب في الدنيا، وخاتمة سوء، ثم عذاب قبر، ثم وقوف بين يدي الجبار، ثم الزقوم والحميم، تذكر إن تبت إلى الله جل وعلا، فسعادة في الدنيا، ثم قصور في الجنة، نهر من لبن، ونهر من عسل، ونهر من خمر تقول: ما أتحمل..

    أقول لك: اصبر في الله جل وعلا حتى تسمع تلك الكلمات، عند أبواب الجنان، تقول لك الملائكة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] الصبر.

    اصبر يا أخي الكريم! فارق تلك الصحبة، أقبل على الله جل وعلا، اشغل فراغك بقراءة القرآن، بالدعوة إلى الله، بالعلم النافع، بصلة الأرحام، ببر الوالدين، اشغل وقتك بما ينفعك عند الله جل وعلا، واعلم أنك إذا تبت فإن النهاية: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [الإنسان:12-13].

    وقبل أن أختم حديثي: لي وإياك لقاء، لقاء ليس على هذه الأرض، قد تكون على هذه الأرض ولكن أنا على يقين، بأننا سوف نلتقي يوم القيامة، إما أن نتخاصم عند الله جل وعلا، وإما أن نكون تحت ظل عرش الرحمن تبارك وتعالى، فاختر لنفسك أي الطريقين: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3]. سوف نلتقي يوم القيامة فإن تخاصمنا فعلّك تقول: يا رب ما جاءني من نذير فأقبل على الله جل وعلا، فأقول: بلى يا رب! سمع حديثي من ذلك الجهاز، وبهذا الشريط، سمع إلى كلامي، وتلوت عليه آياتك يا رب،!وأحاديث رسولك، وحذرته من ذلك المصير لكنه أبى، أو تأتيني يوم القيامة تحت ظل عرش الرحمن.

    فتقول لي: يا شيخ! أتذكر تلك المحاضرة؟

    أقول لك: وأي محاضرة؟

    تقول لي: يا شيخ! أتذكر محاضرة: رسالة إلى مدمن؟

    أقول لك: لعلي أذكرها.

    تقول لي: يا شيخ! والله ما إن سمعتها إلا وبدأت صفحة جديدة بيني وبين الله.

    أقول لك: صحيح..؟!

    تقول لي: نعم. يا شيخ! كانت البداية صعبة، ولكن الله عز وجل أعانني: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] يا شيخ أقبلت على الله، فإذا بالرب جل وعلا يقبل عليّ؛ أصبحت أقرأ القرآن، وحفظته في عدة شهور، صرت داعياً إلى الله تبارك وتعالى، تعرفت على الصالحين، غيرت هذه الحياة كلها، شعرت بالسعادة التي كنت أبحث عنها، ثم ختم الله لي خاتمة حسنة، وهأنذا اليوم يغفر الله لي ما مضى، لعلنا نتعانق تحت ظل عرشه جل وعلا.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يجمعني وإياك تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    وسيلة النجاة من المخدرات

    السؤال: أنا شاب محتار وقعت في المخدرات بسبب أصحاب سيئين، ولا أعرف كيف أنجو من هذه المخدرات التي دمرت حياتي كلها، وأخشى من الفضيحة أمام والدي وأمام الناس، فما الحل؟

    الجواب: الحل ذكرته لك في طيات الكلام، ما السبب؟

    الصحبة، لا حل إلا بهجرها وبتركها تقول: ليس لي بديل، أقول لك: أخطأت، فالصالحون بفضل الله في كل مكان، تجدهم في المساجد، تجدهم في المدارس، تجدهم في الكليات، تجدهم في لجان خيرية إسلامية، تجدهم بفضل الله عز وجل في كل طريق، الصالحون موجودون، ولكن أين من يقبل عليهم؟

    تقول: يا شيخ! تعودت على هؤلاء، أقول لك: كما تعودت على هؤلاء فتعود على غيرهم، وإلا فالنهاية مؤلمة: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف:67] كل شلة، كل ديوانية، كل مجموعة، كل رفقة، كل صحبة.. يوم القيامة أعداء، كل الناس عموماً وما استثنى إلا صنفاً واحداً: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] الذين يتقون الله: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:68] اهجرهم لله سبحانه وتعالى، رجل قتل مائة نفس، ماذا قال له العالم؟

    قال: له إنك بأرض سوء فاتركها، واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله، فاعبد الله معهم.

    إنك في ديوانية سوء، فاتركها إلى ديوانية كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله، إنك مع صحبة سوء، فاتركها واذهب إلى صحبة فلان وفلان، فإنهم يعبدون الله، إذاً ليس هناك حل إلا أن تهجر هذه الصحبة لله جل وعلا (ومن يتصبر يصبره الله جل وعلا).

    نصيحة لجار يتعاطي المخدرات

    السؤال: لي جار أعرفه أنه يتعاطى المخدرات، فما الحل معه؟

    الجواب: إذا كنت تستطيع أن تنصحه وتحذره، فالكلمة الطيبة صدقة: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33] أنقذه يا أخي الكريم! فإنه مسكين يعيش في عذاب، ما يأكل هذه الحبوب إلا لأنه يتعذب.. يتحسر.. يتقطع، أنقذه وانتشله من هذا الوحل، ما تعرف أن تحسن الحديث، أعطه بعض الأشرطة الإسلامية، بعض الكتيبات، دله على الصالحين، أخبر بعض الدعاة إلى الله ليأتوا إليه وينصحوه في الله جل وعلا، لتبرأ ذمتك أمام الله تبارك وتعالى، وإلا فأنت مسئول عنه وعن أمثاله.