إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 27للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما اشتد أذى كفار مكة للمسلمين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر عدد منهم، لكن أبا بكر الصديق مكث في مكة رغبة منه في التخفيف عن المستضعفين من المؤمنين، فلما أن عجز عن ذلك استأذن النبي في الهجرة إلى الحبشة، فلما خرج وإذا هو في طريق هجرته عرض عليه ابن الدغنة أنه سيجيره، فعاد أبو بكر إلى مكة في جوار ابن الدغنة، ولكنه رد عليه جواره بعد حين، وآثر أن يصبر على الأذى مع سائر المؤمنين حتى يأذن الله بنصره لعباده المؤمنين.

    1.   

    ما يجب على المؤمنة من الستر والحجاب وعدم إظهار زينتها

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة المباركة من يوم الجمعة المبارك ندرس السيرة النبوية العطرة من كتاب هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب.

    وبين يدي الدرس أحد الأبناء قال لي: يا شيخ! إن تبرجاً عجيباً ظهر الآن في النساء فهل من نصيحة؟! فأجبته.

    وأقول: يا معشر المؤمنات! إن المسلمة المؤمنة الربانية التي ترجو الله والدار الآخرة لا تبدي محاسنها ولا تظهر ما أمرها ربها بستره وتغطيته، فإن كانت عجوزاً لا تحيض ولا تحبل لكبر سنها فإن لها رخصة من ربها، وإليكن أيتها المؤمنات هذه الرخصة كما هي مبينة في سورة النور من كتاب الله رب العالمين، قال تعالى:

    وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]، فهذه الآية الكريمة ذات النور الإلهي تخبرنا بأمر القواعد من النساء، والقواعد: جمع قاعد، وهي التي قعدت عن الحيض والحمل؛ لكبر سنها.

    وبين ذلك بقوله تعالى: اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا . أي: آيسات من أن يتزوجن أو يقربهن الفحول؛ وذلكلكبر سنهن فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ ، أي: لا حرج، ولا إثم عليهن إن وضعن ثيابهن على المشجب، وخرجن بدون ثياب. أية ثياب هذه التي يضعنها على المشجب ويخرجن بدونها؟ إنها الثياب التي كن يسترن بها وجوههن وأعناقهن ورقابهن وشعورهن ألا وهي الخمار، أما أن تخرج عارية فما حدث هذا في البشرية، فلا يفهمن مؤمن ولا مؤمنة من قوله تعالى: (أن يضعن ثيابهن) الخروج بلا ثياب؛ إذ هذا محرم على الرجال فضلاً عن النساء، ولما كان هذا بعيداً عن ذوق الإيمان والمؤمنين لم يكن هناك حاجة إلى أن يُفصّل، فالثياب التي لا حرج ولا إثم على المؤمنة أن تضعها في بيتها وتخرج بدونها لحاجتها تلك التي كانت تستر بها وجهها ومحاسنها.

    وقوله عز وجل: (غير متبرجات بزينة) أي: حال كونهن غير متبرجات بزينة، فلهن أن يضعن ثيابهن ويخرجن وليس على وجوههن ما يستر الوجوه، ومع هذا لا بد أن يكنّ غير متبرجات بزينة، فلا كحل في العينين ولا أحمر في الخدين ولا في الشفتين، ولا حلية في العنق، ولا أسورة في الأيدي ولا في الأذان، هذا الأمر من مولاهن العليم ببواطنهن وظواهرهن، الرحيم بهن وبعباده المؤمنين، فإذنه تعالى لأمته الكبيرة السن أن تخرج بدون خمار ليس معناه أن من حقها استغلال هذه الرخصة وعمل المحسنات والمجملات في عينيها وفي رأسها وفي أذنيها وفي صدرها.

    وأخيراً: وأعظم من هذا: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ، والاستعفاف يكون بمواصلة الحجاب كما هو وإن بلغت المرأة في السن المائة والعشرين، وقد رأينا مؤمنات في المدينة أعمارهن تقارب المائة وزيادة وهي ملتفة بملاءتها السوداء لا يظهر منها شيء.

    وكل دعوة إلى كشف الوجه ذي المحاسن والجمال هي دعوة إلى العهر والزنا، فالمؤمنات لا تخرج إحداهن إلا من حاجة، وإذا خرجت سترت محاسنها، ولا تمس طيباً يشم ريحه منها، وقد جاء في هذا وعيد شديد، وأنها كالزانية، وعليها أن تلبس الثياب التفلة التي لا تلفت النظر إليها، لا أن تتفنن في الثياب حتى يُنظر إليها وتفتن غيرها.

    هذا هو الطريق فمن سلكه نجا، ومن أعرض عنه وأدبر ولم يلتفت إليه هلك مع الهالكين. وأنتم أيها السامعون! ويا أيتها السامعات! عليكم البلاغ، فبلغوا!

    1.   

    تفل رافضي على قبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    من غريب ما بلغنا اليوم من أحد رجالات الأمن في المسجد النبوي: أن رافضياً تفل على عمر رضي الله عنه اليوم ثم اعتذر وقال: أنا لا أتفل إلا على عمر أما أبا بكر فلا!! أسألكم بالله أي جهل أعظم من هذا؟

    وأنا لا أعجب ومن حقكم أن لا تعجبوا، وقد تقرر عندنا وأصبح من عقائدنا: أن علة الهبوط والسقوط هي الجهل، فما علموهم وما فهموهم، وما أحسنوا تعليمهم، وما أظهروا عقائدهم ولا أبرزوها؛ ليشاهدها صاحبها متفقة مع القرآن.

    مستحيل أن يعرف الله عز وجل وجلاله وكماله ومرضاته ومحابه ومساخطه ويقف هذا الموقف المزري، ونقول له: إذا كنت تتفل على قبر ميت لتشفي صدرك، فأنت مريض تحتاج إلى علاج. اسأل أهل العلم وقل: علمتني أمي بغض فلان وفلان فهل هذا دين الله؟ ونحن نعلمك، ويعلمك المؤمنون، ونحن لا نبصق على يهودي ولا نصراني ولا كافر ولا مشرك ولا.. ولا، فكيف نهبط وندعي الإسلام ثم نتفل حتى على الأموات.

    أعوذ بالله من هذا السقوط والهبوط! فهذه هي ظلمة الجهل.

    1.   

    هجرة أبي بكر الصديق الأولى

    قال: [هجرة أبي بكر الصديق الأولى] إذ كان له هجرتان. وقد عرفنا من كانت لهم هجرتان فهاجروا أول هجرة إلى الحبشة ثم عادوا إليها ثانية.

    [إن أبا بكر لما هاجر ذلك العدد الكبير من المسلمين إلى بلاد الحبشة] وعلى رأسهم عثمان ذو النورين رضي الله عنه، ورقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن أبي طالب من الدوحة النبوية، عندما لم يطيقوا التعذيب والتنكيل والاضطهاد والسخرية من رجالات قريش الكافرين المشركين، ولم يأذن لهم رسول الله في أن يسبوا أحداً، أو يغتالوه، أو يضعوا حجراً في طريقه فيشفوا بذلك صدورهم، ولكن كان يقول لهم: أقيموا الصلاة واصبروا، فلما لم يطيقوا العذاب قال لهم: إن هناك ملكاً صالحاً في بلاد كذا فاذهبوا إليه لتأمنوا، فهاجروا، فلما هاجر ذلك العدد إلى الحبشة بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطلح مع قريش وأن قريشاً دخلت في الإسلام فعادوا ليجدوا مكة أشد ظلمة مما كانت عليه، فهاجروا مرة أخرى.

    قال: [ورأى اشتداد ضغط المشركين على المسلمين مع قلة الناصر] بل وعدمه [وأنه لم يقدر على أن يدفع عن أحد من المسلمين قرر الهجرة إلى الحبشة، وفعلاً استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يهاجر فأذن له، فخرج حتى إذا سار مسافة قرابة اليومين من مكة لقيه ابن الدغنة وهو يومها سيد الأحابيش] والأحابيش هم بنو الحارث من كنانة والهون بن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق بن خزاعة تحالفوا جميعاً بوادٍ يقال له: الأحبش ببطن مكة فقيل لهم: الأحابيش.

    [فقال له: إلى أين يا أبا بكر ؟ قال: أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي. فقال ابن الدغنة : ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري. فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير، وحينئذ كفوا عنه فلم يعرضوا له بسوء] هذا ما يسمى بالجوار، والآن هناك ما يسمى باللجوء السياسي، فإذا سياسي في بلد ما اضطهد أو ضيق عليه أو فر هارباً قبلوه لاجئاً سياسياً في بلاد الكفر أو بلاد الإسلام، أما الذي كان عند العرب في الجاهلية وأقره الإسلام هو الجوار.

    وعندما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة هرب أحد المشركين واختبأ في بيت أم هانئ وقال: أجيريني يا أم هانئ ! فجاء علي أخوها فوجده فقال: أخرجيه لأقتله، فقالت له: لا تقتله فقد أجرته! وذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها: ( أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ )، فخلدت هذه الكلمة، وتركوه.

    [وكان لـأبي بكر مسجد عند باب داره يصلي فيه ويقرأ القرآن] أي مكاناً للسجود؛ لا أنه مبني بناية المساجد [فيبكي] ولذلك لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه ليصلي بالناس قالت عائشة لمن وفد يطلب الصديق : إن أبي رجل بكاء فلا يصلي بالناس، أي: لا يتمالك نفسه، فاطلبوا غيره. فكرر النبي صلى الله عليه وسلم الطلب ثلاث مرات ثم تقدم أبو بكر بالناس [فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء] عندما يمرون به الأطفال الصغار والعبيد والنساء يصغين ويسمعن هذا القرآن.

    [ويعجبون لما يرون من هيئته وبكائه وقراءته، وبلغ قريشاً ذلك، فأتوا إلى ابن الدغنة وقالوا له: إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا؛ إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يرق ويبكي، وكانت له هيئة، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم] حماية للمجتمع -كما يقال- [فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء] رجالات قريش قالوا لـابن الدغنة المجير: مر أبا بكر أن يدخل في بيته ويصنع ما يشاء، أما عند الباب والنساء والأطفال يمرون به فهو يفسد علينا أمورنا وعقيدتنا ومجتمعنا.

    [فذهب ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال له: يا أبا بكر ! إني لم أجرك لتؤذي قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. فقال أبو بكر : أو أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علي جواري، قال: فرددته، فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش!] هذه البيانات الرسمية [إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم.

    فمرّ بـأبي بكر -وهو عامد إلى الكعبة- سفيه من سفهاء قريش فحثا على رأس أبي بكر تراباً، ومر بـأبي بكر رجل من قريش -ولعله الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل - فقال له أبو بكر : ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك] رفض أن يغير المنكر [ومضى أبو بكر وهو يقول: أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك!!] أي ما أعظم حلمك! فعبده عند بيته يقرأ كتابه ويصلي له، ويمر المشركون به فيسخرون منه ويرمون عليه التراب ولم يُنزل بهم عقوبته، ولو شاء لخسف بهم الأرض، ولكنه الحليم العليم.

    1.   

    نتائج وعبر من مقطوعة (هجرة أبي بكر الصديق الأولى)

    قال: [نتائج وعبر: لهذه المقطوعة من السيرة نتائج وعبر نجملها فيما يأتي:]

    أولاً: هجرة أبي بكر مثلٌ حي لكل مؤمن يضطهد في بلده

    قال: [أولاً: هجرة أبي بكر مثلٌ حي لكل مؤمن يضطهد في بلده، فيخرج منه طالباً لعزة نفسه وحرية عمله الإسلامي] كل مؤمن يضطهد في بلده ويحال بينه وبين عبادة ربه تجب عليه الهجرة، عليه أن ينتقل من مكان إلى آخر؛ ليعبد الله عز وجل بحرية، وهذه الهجرة فريضة، فأيما مؤمن أو مؤمنة يحال بينه وبين أن يعبد الله عز وجل وجبت عليه الهجرة، وليس معنى الهجرة أن تنتقل من إقليم إلى آخر، ولكن قد يكون من بلد إلى بلد، أو من قرية إلى أخرى، أو من سهل إلى جبل؛ إذ المطلوب منك أن تعبد الله -وهو سر حياتك وعلة وجودك- فإذا تعطلت هذه العبادة فلا خير في البقاء في هذا المكان، ارحل إلى مكان آخر، والمهاجرون لهم فضيلة دون فضيلة المجاهدين بل تساويها أحياناً.

    ومما نذكر في هذا الشأن: أنه لما كان بعض الأصحاب في سفح أوروبا الجنوبي بعد أن اجتازوا البحر الأبيض، توفي أحد المجاهدين، وخرج معه إلى المقبرة عدد قليل، ولما استشهد آخر خرجت البلاد كلها معه، فقال لهم أحد الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم: والله لا أبالي أن أموت شهيداً أو مهاجراً؛ إذ فضل الهجرة كفضل الجهاد أو مساوياً له، وقرأ آية سورة الحج: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:58-59].

    فليس هناك فرق كبير بين المهاجر والمجاهد؛ والسر هو أن المهاجر يعبد الله، والمجاهد يدعو إلى عبادة الله؛ لأنه يقاتل من أجل أن يعبد الله.

    أما العاجزون من النساء والأطفال وكبار السن فقد جاء العفو عنهم في كتاب الله، قال تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:98-99]، إذ ليس كل أحد يستطيع الهجرة، فالمرأة لا تستطيع، والطفل الصغير لا يستطيع، والعاجز عن الركوب أو المشي؛ لمرض أو كبر لا يستطيع، فهؤلاء رجّاهم الله وقال: فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ [النساء:99].

    ثانياً: بيان فضل أبي بكر وما كان عليه من الإيمان والتقوى

    قال: [ثانياً: بيان فضل أبي بكر وما كان عليه من الإيمان والتقوى] وتعرفون أيضاً ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله: ( لو وضع إيمان أبي بكر في كفة ووضع إيمان الأمة كلها في كفة لرجح إيمان أبي بكر ).

    وهناك ممن ينتسب إلى المسلمين من يكره أبا بكر ويبغضه ويكفره ويلعنه، ويبلغه أن هذا الموقف كفر مخرج من الملة ويرضى بذلك؛ استجابة لأئمته ودعاته، هؤلاء أبقار أم ماذا؟! إنهم أضل من الحيوانات.

    لو قال لك أحد من الناس: إن اعتقادك في كذا كفر، هل تبيت في راحة؟ والله لا تستطيع، حتى تسأل وتتحقق، كيف أعيش كافراً؟! لكن لما كانت المكرة مجوسية؛ لإعادة دولة المجوس تحملوا كل شيء في سبيلها، ولكن العار هو كون هذا يعود على الإسلام والمسلمين.

    إذاً: من نتائج هذه المقطوعة: بيان فضل أبي بكر وما كان عليه من الإيمان والتقوى، والإيمان والتقوى بهما تتحقق ولاية الرحمن، فمن أصبح ولياً لله لا يخاف ولا يحزن، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، آمنوا إيماناً إذا عرضناه على القرآن وافق عليه، وأمضى وصدق أنه مؤمن، ليس دعوى فقط، فالإيمان الصادق إيمان يوافقه القرآن ويرضى به.

    والتقوى هي خوف من الله يملأ قلب الخائف حباً لله، ويُوجد له قوة دافعة إلى أن يطيع الله في الأمر والنهي، ولو أمره بقتل نفسه لقتلها، أو أمره أن يخرج من أهله وماله خرج، تلك هي التقوى: طاعة الله وطاعة رسوله في الأمر والنهي معاً.

    توكل أبي بكر على ربه واعتماده عليه

    قال: [ثالثاً: في رد أبي بكر جوار ابن الدغنة ورضاه بجوار ربه مثل عالٍ في التوكل على الله تعالى] أما رد عليه جواره؟ قال ابن الدغنة : يا أبا بكر إني لم أجرك لتؤذي قومك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، فأني لا أريد أن ينقض جواري، فقال: لك جوارك يا ابن الدغنة ورضيت بجوار ربي. التوكل هنا واضح وأنه اعتمد على الله.

    صبر أبي بكر على قومه منتظراً عقوبة الله أن تحل بالظالمين

    قال: [رابعاً: وقول أبي بكر : ربي ما أحلمك ثلاثاً] رب بمعنى: يا رب! والله ليس ببعيد حتى نناديه بياء النداء، فالله لا ينادى، ولكن ينادى بأعلى صوت من هو بعيد، حتى يسمع الصوت، فالصديق كان يقول: رب ما أحلمك، أي: ما أشد وأعظم حلمك -ثلاثاً- [بعدما وضع السفيه على رأسه التراب وشكاته إلى الرجل القرشي ورده عليه] شكا أبو بكر -من باب الأسباب- إلى رجل من قريش وخيب ظنه رده عليه [بقوله: أنت فعلت ذلك بنفسك: عبرة لكل مؤمن يضطهد في ذات الله، فيصبر على أذى قومه ينتظر عقوبة الله تعالى تحل بالظالمين].

    هذه العبر الأربعة أخذناها من هجرة أبي بكر والآن إلى شعب أبي طالب ، وتعرفون أن مكة كلها شعاب؛ لأنها جبال وبين الجبال أودية، وأهل مكة أعرف بشعابها، وهذا المثل سائر إلى يوم القيامة، ولـأبي طالب شعب - أبو علي عم النبي صلى الله عليه وسلم- الذي كفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربى في بيته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتيماً، قال الله عز وجل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6]، والحمد لله أنا دائماً أفضح لكم نفسي؛ لتنشرح صدوركم، فكلما قرأت سورة والضحى أجد هذه الآيات وأنا كذلك، فوالله لقد وجدني يتيماً فآوني أعمامي وأخوالي، ووجدني عائلاً لا أملك شيئاً فأغناني، ووجدني ضالاً أشد الضلال لا أعرف شيئاً فعلمني. فالحمد لله، قال الله عز وجل:

    أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8]، إذاً: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9]، ووالله ما قهرنا يتيماً قط. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:10]، ولا نهرنا سائلاً والحمد لله! وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، وها نحن نحدث الليل والنهار، فالحمد لله.

    1.   

    في شعب أبي طالب

    قال [في شعب أبي طالب : إنه لما رأت قريش انتشار الإسلام وكثرة من يدخل فيه، وبلغها ما لقي المهاجرون في بلاد الحبشة من إكرام وتأمين مع عودة وفدها خائباً لم يحصل على طائل] فقد تقدم أن قريشاً بعثت وفداً برئاسة عمرو بن العاص إلى النجاشي ملك الحبشة، وقلنا إن عمراً كان أعظم سياسي في العالم بكامله في الإسلام والجاهلية، ولكن جعفر استطاع أن يحبط كل عمله، وبالتالي خاب وفد قريش وعاد في كرب، ولم ينجح في المطالبة بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه [اشتد حنقها] أي حنق قريش، والحنق كالخنق [على الإسلام والمسلمين، فقامت باتخاذ إجراء انتقامي ظالم جائر، ما كان لها أن تتخذه لولا ما أصابها من خيبة أمل جعلها تفكر هذا التفكير وتعمل هذا العمل الشرير] ما هو هذا الإجراء؟

    قال: [اجتمع رجالها واتخذوا قراراً بكتابة كتاب يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم، وفعلاً كتبوا صحيفة بذلك، وتعاهدوا عليها وتواثقوا، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة تأكيداً لأمرهم بذلك. وكتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده] إجراء من أفظع الإجراءات.

    [ولما فعلت قريش هذا الفعل القبيح الجائر انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى شعب أبي طالب ، ودخلوا فيه برجالهم ونسائهم وأطفالهم، إلا ما كان من الطاغية أبي لهب فإنه لم يدخل معهم؛ لأنه ظاهر قريشاً على عملهم الإجرامي هذا، وكانت سنة سبع من البعثة] هذه الاتفاقية [واستمر الحصار في الشعب لبني هاشم وبني المطلب ثلاث سنوات] إلى العاشرة [عانوا فيها الجوع والحرمان ما لا يخطر ببال، إنهم من شدة الجوع أكلوا ورق الشجر، وكان يُسمع -من بعيد- بكاء أطفالهم من الجوع] حصار ما عرفته الدنيا، جمعوا بني هاشم وبني المطلب هنالك ومنعوا الدخول عليهم والخروج منهم، وهو إجراء وقائي -كما يقولون-!

    [ولما أراد الله تعالى تفريج كربهم -بعد أن ضربوا الرقم القياسي في الصبر والاحتساب- قيض الله جل جلاله رجالاً من ذوي المروءة والحسب وعلى رأسهم هشام بن عمرو بن ربيعة ، إذ هو الذي مشى إلى رجال من قريش عرف فيهم عدم رضاهم على قرار قريش الجائر، فاستثار شعورهم وحملهم على أن يتعاونوا على نقض الصحيفة] المعلقة في الكعبة [وكانوا خمسة رجال، ولما اجتمعت قريش في أنديتها، قام أحدهم -وهو زهير بن أبي أمية - وأقبل على الناس وقال: يا أهل مكة! أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا يبتاع منهم، والله لا أقعدن حتى تنشق هذه الصحيفة الظالمة، وقام أحد الرجال الخمسة فقال مثلما قال الأول، وقام ثالث مؤيداً، وقام رابع بنفس الروح، وتقدم المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا كلمة] هذه الأرضة محبوبة لنا، وهي العثة، فقد أكلت الصحيفة إلا كلمة واحدة هي [باسمك اللهم] لأنهم إذا كتبوا عقودهم صدّروها بكلمة (باسمك اللهم)، فهم مؤمنون بالله، وباسمه فعلوا، لكن حاشا لله ما أذن لهم بهذا، لكن الأرضة لم تأكل هذه الكلمة لأن فيها اسم الله [وكان أبو جهل يسمع ويرى ما يجري في القضية، فلم يتمالك اللعين حتى قال: هذا أمر دبر بليل .. ومزقت الصحيفة وبطل مفعولها، ويومئذ خرج بنو هاشم وبنو المطلب من الشعب.

    ومن آيات النبوة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عمه أبا طالب بأن الأرضة قد أكلت كلمات الباطل والجور فيها وأبقت كلمة الحق فيها، وهي (باسمك اللهم)، وكان الأمر كذلك، فإنهم لما انتزعوا الصحيفة من جدار الكعبة لم يجدوا فيها إلا جملة (باسمك اللهم)، وبذلك وبخهم أبو طالب على صنيعهم فطأطئوا رؤوسهم، ولم يجيبوا بشيء وقال في هذا أبو طالب شعراً وهو قوله:

    وقد كان في أمر الصحيفة عبرة متى يخبر غائب القوم يعجب

    محا الله منها كفرهم وعقوقهم وما نقموا من ناطق الحق معرب

    فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب] هذا من هذا.

    وأبو طالب هو الآن في النار، إي والله، وسبب دخوله النار مع هذا الإحسان والكمال؛ لأنه مات على غير عقيدة التوحيد، مات على غير لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلهذا تقرر عندنا وأصبح من الضروريات العلمية أن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، وذلك لقول الله عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] وقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فلذلك نعمل جهدنا على أن لا يموت ميت بيننا وهو لا يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

    وبالمناسبة: ندعو مسئولينا -حفظهم الله وأيدهم- إلى أن يوظفوا عقلاء ربانيين حلماء علماء في المستشفيات مهمتهم تلقين الموتى كلمة التوحيد، وقد يموت الشخص -وكثير من يموت- ولا يجد من يلقنه لا إله إلا الله، وأشجعهم بأن النصارى يقومون به، ففي مشافي النصارى نساء ورجال من الرهبان يجلسون إلى سرير المحتضر يلقنونه ميتة الكفر! من أحق بهذا نحن أم هم؟ وإن هبط المسلمون وما فعلوا هذا فهل نحن مثلهم.

    فلهذا يجب أن يوظف في كل مستشفى عدد من النساء والرجال يتجولون فيها بحسب ساعات الدوام، وعلى الذين لهم مستشفيات خاصة أيضاً أن يوظفوا رجلاً وامرأة -على الأقل- ليطوفوا بأسرة المرضى، فإذا رأوا المحتضر يحتضر جلسوا إليه ولقنوه حتى يتوفاه الله.

    وهذه الكلمة لا يوجد من ينقلها ولا ينشرها؛ لأن فيها الخير والصلاح!!

    والطريقة هي كالتالي: المستشفى فيها موظفون: الممرضين والممرضات والكناسين والطباخين وهم بالعشرات، وكذلك يجب أن يوجد اثنان أو ثلاثة من النساء الطاهرات، ومن الفحول الرجال على قدر سعة المستشفى، مهمتهم أي غرفة في المستشفى علموا أن السرير الفلاني فيها صاحبه يحتضر -من طريق الأطباء- فيجلسوا إلى جنبه ويلقنوه لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، فإذا أفاق المحتضر وقال: لا إله إلا الله، سكت الملقن، ثم ينتظر إن استفاق وقال: أعطوني ماء أو تكلم أعاد عليه التلقين: مرتين أو ثلاثة حتى ينطق بالشهادة مرة أخرى، ولا يقول الملقن للمحتضر: قل! لا. لأنه قد يقول: لا أقول! فيموت إلى جهنم، وإنما يكون إلى جنبه ويلقنه: لا إله إلا الله! فإذا قالها المحتضر سكت الملقن حتى يموت ذلك الشخص، وإذا عاود الكلام بأمور الدنيا أعادها له؛ حتى يختم له بكلمة التوحيد فيكون ضامناً على الله دخول الجنة.

    هذا يجب أن يبلّغ هذه الليلة، وليس هو بالعنف والشدة، ولكن بالرفق واللين، فيذهب إلى صاحب المستشفى أو مديرها ويقال له: من فضلك: لقد سمعنا في المسجد نظرية حق وصدق، وهي: لو أنكم توظفون رجلاً أو رجلين من الصالحين وامرأة أو امرأتين مهمتهم تلقين المحتضر الشهادتين، يتناوبون على ذلك الليل والنهار كسائر الأعمال.

    وبهذا يرفعنا الله إلى مستوى ما كنا لنصل إليه إلا بهذه، ويدفع عنا من الكرب والبلاء ما لا يقدر على دفعه إلا هو؛ لأننا استجبنا. وإن شاء الله سنُبشر ونخبركم بأنهم فعلوا.

    1.   

    نتائج وعبر من مقطوعة (في شعب أبي طالب)

    قال: [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً هي كالتالي:

    أولاً: بيان ما وصلت إليه قريش في الظلم والتعسف والجور، وذلك باتخاذ قرار المقاطعة الجائر الهادم لكل خلق وقيمة إنسانية.

    ثانياً: بيان ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من أذىً واضطهاد من كفار قريش.

    ثالثاً: بيان صبر المسلمين وجلدهم وذلك في ذات الله عز وجل.

    رابعاً: بيان أن أهل المروءة والكرم لا يخلو منهم زمان ولا مكان، والحمد لله]. وأخذنا هذه العبرة من الخمسة.

    [خامساً: تجلي آية النبوة المحمدية في أكل الأرضة الصحيفة الجائرة إلا اسم الله تعالى] لو لم يكن الرسول على حق ما كانت الأرضة لتأكل الصحيفة حتى لا تبقي منها إلا كلمة باسمك اللهم فقط [وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فكان الأمر كما أخبر، إذ نزعت الصحيفة فلم يجدوا فيها إلا جملة: (باسمك اللهم) وما عدا ذلك أكلته الأرضة] والرسول أخبر بهذا جماعته في الشعب قبل أن تعلم قريش به.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ..