إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 24للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن النقمة التي كانت في نفوس كفار قريش، والعذاب الذي كانوا يصبونه على المؤمنين، لم يكن مقتصراً على المستضعفين منهم دون غيرهم، ولكنه طال حتى النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكان كبارات أهل مكة وصناديدهم لا يتركون مناسبة يمكنهم النيل فيها من رسول الله إلا اهتبلوها، ولا يجدون نوعاً من الأذى يستطيعون به إيلام النبي إلا فعلوه، ولكن الله عز وجل خص هؤلاء الصناديد بعقوبات في الدنيا، فكانوا آية للمعتبرين، فضلاً عما ادخره الله لهم من عذاب الجحيم في الآخرة، جزاء ما كانوا يمكرون.

    1.   

    خيبة المشركين تتحول إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فقد انتهى بنا الدرس إلى مقطوعة [خيبة المشركين تتحول إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين] هؤلاء المشركين الذين خابوا على رأسهم أبو جهل عمرو بن هشام ، فقد فعلوا ما استطاعوا أن يفعلوه من أجل إيقاف هذه الدعوة، وإسكات النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وقد عرفنا تلك المساومات التي تمت، فلما فشلوا وخابوا، وعرفوا أن الوسائل السلمية لا تنفع، كشفوا عن وجوههم وعذبوا المؤمنين عذاباً ما عذبه أحد غيرهم.

    [إنه بعد أن بذلت قريش كل ما في وسعها من قوة وحيلة في إطفاء أنوار الدعوة المحمدية وباءت بخيبة مريرة] من ثم [حولت ذلك إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين] وهم أقلية يومها، وهؤلاء الذين نكلت بهم وعذبتهم [كـبلال ] مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـبلال كان مولى من الموالي، ولكن الله رفع شأنه وأعلى قدره؛ لصبره على مر العذاب وأليمه، وما تراجع أبداً، بل مضى في طريقه يعلنها واضحة صريحة: أنه أحد لا أعبد إلا الله.

    عمار ووالده ياسر وأمه سمية ] هذه أسرة كلها عذبت؛ الأب والابن والأم، وما كانوا من أشراف قريش ولكن موالي مستضعفين [و صهيب الرومي ، وخباب بن الأرت وعامر بن فهيرة ، وأبي فكيهة ، ومن النساء زنيرة والنهدية وأم عبيس ] هؤلاء كلهم أذاقتهم قريش مر العذاب؛ انتقاماً منهم؛ لأنها فشلت في المحاولات السلمية، فأرادوا أن يُسكتوا الرسول صلى الله عليه وسلم بكل وسيلة، فعرضوا عليه الملك ورفض، وعرضوا عليه النساء، وعرضوا عليه الأموال.. وكل ما حاولوا أن يسكتوه به ما أسكته، فمن هنا اشتد غضبهم وأخذوا يعذبون وينكلون بالمستضعفين من المؤمنين.

    [أما بلال فكان مملوكاً لـأمية بن خلف الجمحي ] كان عبداً له؛ إذ كان الناس يملكون العبيد [وكان يعذبه بإلقائه في الرمضاء] وهي الأرض الحارة، وذلك في أيام الصيف وقت القيلولة [على وجهه وظهره، ويضع الصخرة العظيمة على صدره، وذلك إذا حميت الشمس وقت الظهيرة، ويقول له: لا تزال هكذا] أي تعذب في الرمضاء على ظهرك وبطنك [حتى تموت أو تكفر بمحمد] صلى الله عليه وسلم [وتعبد اللات والعزى] أي: كما عبدوها هم [و بلال صابر يردد كلمة] وهي [أحدٌ أحد، وأخيراً استبدله أبو بكر الصديق بعبد مشرك] عنده [وأعتقه رضي الله تعالى عنهما] وهذه من مكارم أبي بكر رضي الله عنه، فقد استبدله بعبد عنده يملكه لكنه مشرك، وخلص بلال من تلك الفتنة.

    [وأما عمار وأمه ووالده ياسر ، فقد كانوا يخرجونهم إلى الأبطح] المعروف الآن [إذا حميت الرمضاء] واشتدت حرارتها [يعذبونهم بحر الرمضاء] الملتهب [فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فقال: ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) فمات ياسر تحت العذاب رحمه الله رحمة واسعة] ولا يفوتني أن أقول: إن هذا العذاب صدر من كفرة مشركين وثنيين، لا علم لهم ولا بصيرة ولا قراءة، ويبلغنا اليوم عن إخواننا المسلمين أنهم يعذبون عذاباً هذا العذاب ليس شيئاً بالنسبة إليه، ولهذا كما قال القائل: (كفار قريش يعتبرون أشراف الكفار)، ووالله إن عذاباً يصب على المسلمين في سجونهم أشد من عذاب المشركين للمؤمنين، وهم يدّعون الإسلام والإيمان أيضاً.

    [وأما سمية فقد أغلظت القول لـأبي جهل ] أي: قالت كلمة قاسية غليظة لم يطقها أبو جهل [عليه لعائن الله، فطعنها بحربة في قبلها فماتت شهيدة] طعنها بحربة في فرجها فماتت [وكانت أول شهيدة في الإسلام]. اللهم اجمعنا بهم في دار السلام.

    [وشدد أعداء الله العذاب على عمار ونوعوا العذاب عليه، فمرة بالجر، ومرة بوضع الصخرة على صدره، وأخرى بالغمس في الماء إلى حد الاختناق ويقولون له: لا نتركك حتى تسب محمداً] صلى الله عليه وسلم [وتقول في اللات والعزى خيراً] أي تمدحها، واللات والعزى صنمان يعبدان بين المشركين [وفعل ما طلبوه منه] أي: أعطاهم ما طلبوا، فسب النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه، ومدح اللات والعزى بلسانه، وقلبه لم يصل إليه من ذلك شيء [فتركوه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي] لما خلص من عذابهم بما أعطاهم وهو سب النبي صلى الله عليه وسلم ومدح اللات والعزى أتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، وحق له أن يبكي [فقال] له النبي صلى الله عليه وسلم [( ما وراءك؟ فقال: شر يا رسول الله )] عندما بكى بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم استفهمه: ما وراءك؟ فقال: شر يا رسول الله [( كان الأمر كذا وكذا )] أي: ألزموني أن أقول فيك كذا، وأقول في اللات والعزى كذا تحت العذاب [( فقال )] له الرسول صلى الله عليه وسلم: [( كيف تجد قلبك؟ )] الآن وساعة ما كنت تعطيهم ما طلبوا [( قال: أجده مطمئناً بالإيمان )] أي: ساكناً لا قلق ولا اضطراب، لا وسواس ولا شك ولا هواجس [( فقال: إن عادوا يا عمار فعد )] أي: إن عادوا إليك يعذبونك حتى تقول ما طلبوا منك فعد وأعطهم [وأنزل الله تعالى فيه قوله من سورة النحل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]].

    أما ما يؤثر عن والده وهو تحت العذاب، هو أنهم طالبوه بأن يسب النبي صلى الله عليه وسلم أو يمدح اللات والعزى فقال: (والله ما كنت لألوث لساني بالكفر بعد أن طهره الله بالإيمان)، ومات تحت العذاب.

    وفي بلاد المسلمين يحرقون للشبيبة وجوهها بالحديد والنار، فماذا يصنعون؟ نقول لهم: إذا كنت تعذب في ذات الله فاحلق وأنت كاره لذلك وقلبك مطمئن بأن هذا الهدي المحمدي ينبغي أن يوجد وأن يكون بين المؤمنين، فمن لا يطيق العذاب يكفيه هذه الفتيا الإلهية: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] ولا حرج، وإن عادوا عد كما قالها الرسول صلى الله عليه وسلم لـعمار ، وهكذا في أي زمان أو مكان عذب فيه المؤمن وطلب منه كلمة من أجل أن يخفف عنه العذاب فلا بأس أن يقولها؛ لأنها باللسان فقط وقلبه مؤمن مطمئن ثابت، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106] فهذا الذي يؤاخذ، هذا الذي يعذب يوم القيامة؛ لأنه فرح بكلمة الكفر وتلذذ بها، وصدره منشرح لما قال.

    [وأما خباب فقد أسلم سادس ستة، فقد عذبه المشركون عذاباً شديداً؛ إذ كانوا يلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالحجارة المحماة بالنار ويلوون رأسه] وما رده ذلك عن الإسلام.

    [وأما عامر بن فهيرة فقد أسلم قديماً قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم] بمكة [وكان من المستضعفين فعُذب عذاباً شديداً، ولم يرده ذلك عن دينه] بل صبر واحتسب [وكان يرعى غنماً لـأبي بكر ] رضي الله عنه [وكان يروح بها على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر -وهما في الغار طوال المدة التي كانا فيها في الغار-] لأن قريشاً أصدرت حكمها بالإعدام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، فبعد أن اجتمعوا وتداولوا هذه القضية من كل جانب، اتفقت الكلمة على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مع الرسول ربه عز وجل.

    وفجأة طُوقت الدار بأربعين شاباً، يريدون بذلك أن يوزعوا دمه على القبائل كلها، حتى لا يبقى لبني هاشم ما يطالبون به، ومن عجيب ما كان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعلي -ابن عمه-: نم على فراشي. حتى إذا شاهدوه ظنوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ حفنة من تراب وخرج ورمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه! فما زالوا ينفضون التراب ويزيلونه من أعينهم حتى مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار أبي بكر الصديق ، وقد اتفق معه من قبل على الهجرة، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: الصحبة الصحبة يا رسول الله؛ إذ سبق المهاجرون الأولون وأبو بكر صابر يريد أن يبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقول له: الصحبة يا رسول الله! أصحبك في هجرتك، أو اصحبني في هجرتك.

    فلما أُعد لهم الطعام الكافي -والتي قامت بهذا هي أسماء بنت أبي بكر الصديق - ولما لم تجد ما تربط به الكيس شقت نطاقها نصفين وربطت ببعضه، فمن ثم لقبت بذات النطاقين، فإذا قيل: من الصحابية الملقبة بذات النطاقين؟ قل: إنها أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها.

    وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر إلى جبل يقال جبل ثور وفيه غار، فدخلا فيه ثلاثة أيام، كان وقتها عامر بن فهيرة يروح عليهم في الليل بالغنم فيحلب لهم ويعطيهم، وهذه فضيلة من فضائل عامر بن فهيرة .

    ولعل بعض السامعين لا يعرفون دار الأرقم، دار الأرقم هذه لما منعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من أن يعلنوا عن إيمانهم ويجاهروا به، ومنعوهم من المسجد والبيت، اضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ينزل بدار رجل من المؤمنين يقال له: الأرقم بن أبي الأرقم ومكث فيه، ومن أراده أتى إليه في ذلك البيت، حتى أسلم حمزة وعمر رضي الله عنهما، وحينئذ خرجوا جهرة، ونزل قول الله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:94-95].

    [وأما أبو فكيهة واسمه أفلح أو يسار فقد كان عبداً لـصفوان بن أمية بن خلف الجمحي أسلم مع بلال ، فأخذه أمية بن خلف عليه لعائن الله وربط في رجليه حبلاً وأمر به فجر ثم ألقاه في الرمضاء، ومر به جعل -حشرة معروفة- فقال له أمية : أليس هذا ربك؟ فقال: الله ربي وربك ورب هذا، فخنقه خنقاً شديداً] على هذا الرد الذي رده [وكان معه أخوه أبي بن خلف فيقول: زده عذاباً حتى يأتي محمد] صلى الله عليه وسلم [فيخلصه بسحره] وهذه الكلمات يمليها الشيطان، ولهذا يوجد هذا الكلام الآن بالحرف الواحد، فالذين يُعذبون في العالم من المسلمين يُقال لهم هذا الكلام، بل وأكثر من هذا الكلام [ولم يزالوا يعذبونه كذلك حتى أغمي عليه فظنوه مات، ثم أفاق، فاشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه].

    [وأما النساء زنيرة وأم عبيس ولبيبة والنهدية فقد عُذبن كذلك أشد العذاب من قبل مواليهن] وأسيادهن [ولم يرجعن عن دينهن، فرضي الله عنهن وأرضاهن].

    1.   

    نتائج وعبر من خيبة المشركين في عدائهم للدعوة المحمدية

    قال: [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نذكرها إزاء الأرقام التالية] وقد أجملت في أربعة أرقام [أولاً: تقرير وتأكيد معنى قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]] إياك أن تفهم أنك ستقول: آمنت، وتجاهر بإسلامك وإيمانك ثم لا تمتحن! فلا بد من ذلك، قال الله عز وجل: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] لا بد من التمحيص. وقد دل على هذا ما سمعتم.

    [ثانياً: بيان ما لاقاه المستضعفون المؤمنون من ألوان العذاب] ليكون ذلك عبرة نعتبر بها [ولم يردهم ذلك عن دينهم] لاقوا مر العذاب لكن هل انتكس أحد منهم وارتد، وكفر بالله ورسوله؟ لا.

    [ثالثاً: بيان أن أول شهيد في الإسلام كان سمية أم عمار رضي الله عنها.

    رابعاً: بيان ما كان عليه طغاة المشركين من شدة وغلظة وحنق على المسلمين، وما أنزلوه من عذاب بالمستضعفين من الموالي والعبيد نساء ورجالاً].

    وقد بلغنا أن عذاباً ما عرفته البشرية يصب على المسلمين في البوسنة والهرسك، ولا لوم ولا عتاب! فهم كفار، والكافر يفعل ما طاب له، فكيف يخاف الله رب العالمين وما آمن به؟ وكيف يخاف نقم الله وما آمن بالله؟! إن المحنة محنة الكفر! أما الإسلام والمسلمون فوالله لا يصدر عنهم عذاب مثل هذا العذاب أبداً، فقد أمرنا إذا أردنا أن نقتل بأن نحسن القتلة، وإذا أردنا أن نذبح بأن نحسن الذبحة، أما التمزيق والتقطيع والعذاب فلا يعرفه الإسلام، ولن يكون بين المسلمين، إن المسلمون هم الذين أسلموا وحسن إسلامهم، وعرفوا الله وآمنوا به واستقاموا على منهجه، أما دعوى الإسلام فلا قيمة لها.

    1.   

    المستهزئون بالحبيب صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله تعالى بهم من أليم العذاب

    قال: [المستهزئون بالحبيب صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله تعالى بهم من أليم العذاب] عرفنا ما أصاب المستضعفين، فهيا بنا نعرف ما نال سيد المرسلين، وما أنزل الله تعالى من العذاب بمن آذاه.

    [إن تلك النقمة -التي أنزلها المشركون بالمستضعفين من المؤمنين- لم تكن في الحقيقة خاصة بالمستضعفين، بل هي عامة في كل المؤمنين] في مكة [وعلى رأسهم سيد العالمين، الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن الأحرار من المؤمنين كان لهم من المنعة ما جعل المشركين لا يقدرون على أن يعذبوهم مثل تعذيب المستضعفين من العبيد والإماء والموالي والأغراب] فالأحرار من المؤمنين في مكة ليسوا كالعبيد والموالي، فقريش تهابهم وتخافهم لأجل من وراءهم من رجالات.

    [وإلا فإنه لم يسلم مؤمن واحد من التعذيب والاضطهاد والاستهزاء به والسخرية منه. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سُخر منه واستهزئ به، وسب وشتم، ونال منه المشركون ما لم ينالوه من كثير من المؤمنين، وكان شر من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم من عناهم الله تعالى بقوله من سورة الحجر: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:95-96]] كفاه إياهم؛ إذ جمعهم الله في بدر وهلكوا فيها، ثم رٌموا وألقي بهم في القليب المعروف.

    [وها هي ذي أسماؤهم عليهم لعائن الله مع بيان حالهم نهاية حياتهم

    [أولاً: أبو لهب : وهو عبد العزى بن عبد المطلب ، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أشد الناس تكذيباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم أذى له، حتى إنه كان يطرح العذرة والنتن على باب النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان مجاوراً له] بيته بجوار بيته [وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجد ذلك يقول: (أي جوار هذا يا بني عبد المطلب؟)] يعني: إذا كان يفعل بالجار هذا الفعل فأي جوار بقي؟! لا قيمة إذاً للجوار.

    [ومر حمزة مرة بـأبي لهب ] وحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً وهو أخ لـأبي لهب [وهو يطرح العذرة على باب النبي صلى الله عليه وسلم] والعذرة هي الخِرء [فأخذها وطرحها على رأس أبي لهب ] يعني أنت وضعتها على عتبة الباب وأنا أضعها على رأسك، هذا حمزة فأين هو الآن؟ في دار السلام، وأين مضجعه؟ عند أحد. وهو سيد الشهداء رضي الله عنه.

    [وكانت امرأته أم جميل العوراء ] امرأة أبي لهب يقال لها أم جميل وهي عوراء [مثله] أي مثل زوجها [في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة بغضه، وقد لقبها الرحمن في كتابه بحمالة الحطب] لقبها الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه في كتابه -أي: القرآن العظيم- بحمالة الحطب [وهي القائلة:

    مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا] تغني بهذا لتشفي به صدرها.

    فلا تقول محمداً، ولكن: مذمماً، وأمره أبينا أي: رفضنا، ودينه قلينا يعني تركنا.

    [قالت هذا لما نزلت سورة المسد تحمل البشرى لها ولزوجها بالهلاك في الدنيا والخلود في النار في الآخرة، فقد أتت تطلب الرسول صلى الله عليه وسلم -وفي يدها فهر- أي: حجر كبير على قد الكف، وتقف عليه ولم تره حيث ذهب الله ببصرها] جاءت بحجر تريد أن تضرب به النبي صلى الله عليه وسلم وعندما وصلت عميت فلم تره.

    [ورأت أبا بكر فقالت له: أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني] والهجاء معروف، فلما نزلت سورة المسد وفيها حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:4-5] قالت أم جميل لـأبي بكر : بلغني أن صاحبك يهجوني [ووالله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه] يعني تضرب فم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي نطق بالهجاء -كما تزعم هي- عجب! [أما والله إني لشاعرة] ادعت أنها فحلة تنضم الشعر وتقوله [ثم قالت:

    مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا] أي تركنا، هذا هو شعرها.

    [وأخذ الله جل جلاله أبا لهب بمكة إذ أصابه بمرض خبيث يقال له: مرض العدسة، وكان ذلك يوم هزيمة المشركين ببدر] فلم يحضر بدراً، لكن أصيب بهذا المرض في مكة [فما إن بلغه خبر هزيمة قومه حتى أصيب بمرض العدسة] لما سمع أن المشركين انهزموا في وقعة بدر من شدة الألم والكرب أصيب بهذا المرض (مرض العدسة) [فمات شر ميتة حتى إنهم لم يقدروا على تغسيله، فصبوا عليه الماء من بعيد من شدة الرائحة الكريهة التي تفوح من جسمه الذي نضج وتهرى بصورة لم يعرف لها نظير] وكيف لا والله يقول: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1].

    [ثانياً: الوليد بن المغيرة المخزومي ] من بني مخزوم، من جماعة أبي جهل [وهو القائل لقريش: إن الناس يأتونكم في الحج فيسألونكم عن محمد، فلا تختلف أقوالكم فيه بأن يقول بعض: هو شاعر، وآخر يقول هو كاهن، و.... و...، ولكن قولوا كلمة واحدة: هو ساحر] يعني الحج مقبل، ووفود الحجاج من كل جهة، فإياكم أن تختلفوا في تسميته، ولكن قولوا: كلمة واحدة، وهي: أنه ساحر، حتى لا يُتابع ويمشى وراءه أو يقبل دينه [لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته، وكان سبب هلاكه: أن وطئ سهماً فخدشه فتورمت رجله، ومات بذلك شر ميتة، وكفى الله رسوله شره وشر كل مستهزئ بحبيبه صلى الله عليه وسلم.

    [ثالثاً] هذه قائمة بالمجرمين العظام [أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي : وكان من أشد الناس عداوة للرسول صلى الله عليه وسلم واسمه عمرو ، وكنيته أبو الحكم ، وكناه المسلمون بـأبي جهل لخبثه وسوء أفعاله وقبيح صنائعه، هلك ببدر قتله ابنا عفراء ] شابان مؤمنان هما اللذان قتلاه [واحتز رأسه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه] لما سقط كالبعير عبد الله بن مسعود أراد أن يأخذ رأسه، ويقول للرسول صلى الله عليه وسلم هذا هو الطاغية فرعون هذه الأمة، فحاول وما استطاع؛ لأن عبد الله بن مسعود كان رجلاً ضعيفاً قصير القامة، فلما حاول أن يقطع رأس أبي جهل لم يستطع، فقال أبو جهل : خذ سيفي واقطع رأسي بسيفي، فأخذ سيف أبي جهل وقطع به رأسه [إذ كان يُعيره بابن راعية الغنم] كان أبو جهل يُعير عبد الله بن مسعود ويسخر منه بمكة ويقول له: يا ابن راعية الغنم.

    [وهو القائل: لئن سب محمد آلهتنا سببنا إلهه، فأنزل الله تعالى من سورة الأنعام قوله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108].

    رابعاً: النضر بن الحارث : وكان من أشد الناس تكذيباً للنبي صلى الله عليه وسلم وأذىً له ولأصحابه، وكان يقرأ كتب الفرس ويخالط اليهود والنصارى، ولما سمع ذكر النبي] صلى الله عليه وسلم [المنتظر وقُرب مبعثه قال: إن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم، مصداقُ قوله هذا في قوله تعالى من سورة فاطر إذ قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:42-43]] لمخالطته اليهود والنصارى علم أن نبي آخر الزمان قد أظل زمانه، فهو يقول: إن جاءنا نذير لنكونن أهدى من اليهود والنصارى، فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا [فاطر:42] والعياذ بالله تعالى اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43].

    [وهو القائل: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]] النضر بن الحارث هو الذي قال هذه الكلمة، وسجلها الله في كتابه [وهو المعني بقوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [المعارج:1-3]، وهو المعني بقول الله تعالى من سورة لقمان: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا [لقمان:6]] نزلت ثلاث آيات في النضر بن الحارث ؛ لأنه تنصر وتهود وعاش مع أهل الأديان الأخرى.

    [هلك هذا الطاغية ببدر إذ أسره المقداد بن الأسود ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه لكثرة شره، فقتله علي رضي الله عنه.

    خامساً: عقبة بن أبي معيط : الأموي ، وكان من أشد الناس أذىً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعداوة له وللمسلمين، وهو الذي وضع سلا الجزور بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند البيت ورجالات قريش يضحكون حتى جاءت فاطمة وكانت] يومها [جويرية صغيرة فنحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالت منه سباً وانصرفت رضي الله عنها وأرضاها] بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حول الكعبة خرج عقبة بن أبي معيط إلى الصفا فوجد سلا لناقة ولدت هناك، فجاء به ووضعه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، ورجالات قريش يضحكون ويتمرغون على الأرض، فجاءت فاطمة وكانت صغيرة فنزعته من على ظهر أبيها، ثم نالت منهم سباً وشتماً، وكانوا لا يستطيعون أن يفعلوا مع بنت كهذه شيئاً.

    [هلك هذا الطاغية الخبيث ببدر حيث أُسر بها وصلب، وهو أول مصلوب في الإسلام، وكان أحيمراً أزرق العينين، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعاقر ناقة صالح قدار بن سالف عليهما معاً لعائن الله] الرسول صلى الله عليه وسلم قال عنه: هذا كـقدار بن سالف الذي عقر ناقة صالح في الزمان الأول.

    [سادساً: الأسود بن عبد يغوث الزهري : كان من المستهزئين، وكان إذا رأى فقراء المسلمين قال لأصحابه: هؤلاء ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى] سبحان الله! وكان ما قال، فراسة عجيبة! [وكان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم مستهزئاً به: أما كُلِّمت] اليوم [من السماء يا محمد؟!] يستهزئ بالوحي؛ لأنه لم يؤمن به [خرج عدو الله من أهله يوماً فأصابه السموم فاسود وجهه، وأصابته الآكلة (مرض) فامتلأ جسمه قيحاً فمات شر ميتة، فلا رحمه الله، ولا خفف عنه -يوماً- عذابه.

    سابعاً: الحارث بن قيس السهمي : وكان أحد المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم الذين لا يبرحون يؤذونه طوال حياتهم، وكان لجهله وشدة شغفه بالأوثان يأخذ الحجر يعبده، فإذا رأى غيره أحسن منه تركه وعبد غيره مما رآه أحسن في نظره، وكان يقول: قد غر محمد أصحابه ووعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر. وفيه نزل قوله تعالى من سورة الجاثية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:23-24]] هذه نزلت في هذا الطاغية.

    [وهلك هذا الطاغية الملحد الدهري بالذبحة، إذ أكل حوتاً مملوحاً فلم يزل يشرب حتى مات، وقد امتلأ رأسه قيحاً فكانت ميتته شر ميتة وأنكرها].

    ثامناً: أبي وأمية ابنا خلف ] أخوان شقيقان [وكانا من أشد الناس أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعداوة له ولأصحابه، واستهزاء بدين الله؛ إذ جاء أبي عليه لعائن الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم، ففتته بيده وقال] للرسول صلى الله عليه وسلم [زعمت أن ربك يحيي هذا العظم! وفيه نزلت آية يس: قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79]].

    [وضع عقبة بن أبي معيط طعاماً ودعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( لا أحضره حتى تشهد أن لا إله إلا الله ) ففعل، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أمية بن خلف لـعقبة : أقلت كذا وكذا؟ فقال: إنما قلت ذلك لطعامنا، فنزلت آية الفرقان: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:27-28]] لأن اتخاذه هو الذي سبب له هذا الهلاك [ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:29].

    وهلك أمية يوم بدر مرذولاً مخزياً شر ميتة، وهلك أخوه أبي بطريق مكة، إذ ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم بحربة في ترقوته في أحد، فهلك بها في طريقه إلى جهنم وبئس المصير.

    عاشراً: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة : وكان ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، ويعين أبا جهل على ذلك، هلك ] هذا الطاغية [ببدر على يد حمزة عم الحبيب صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن حمزة ومن ترضى عن حمزة] مؤمناً [موقناً موحداً لا يشرك بالله شيئاً.

    الحادي عشر: العاص بن وائل السهمي : والد عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان من المستهزئين، وهو القائل لما مات القاسم بن النبي صلى الله عليه وسلم: إن محمداً أبتر لا يعيش له ولد ذكر، فأنزل الله تعالى في سورة التكاثر: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]] أي: إن مبغضك هو الأبتر لست أنت.

    وقد [هلك] العاص (العاصي) اسماً ومسمى معاً [بمكة بسبب لدغة في رجله انتفخت لها رجله حتى صارت كعنق البعير، فمات بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بشهر وكذا يوماً .. هلك إلى جهنم وبئس المصير.

    الثاني عشر والثالث عشر: نبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان: وكانا من المستهزئين المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أيضاً، وكانا إذا لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولان له: أما وجد الله من يبعثُهُ غيرك؟ إن هاهنا من هو أسن منك وأيسر. هلك كل منهما ببدر، فقتل علي رضي الله عنه منبهاً والآخر لا يدرى من قتله، فإلى سخط الله وعذابه دائماً وأبداً، وذلك جزاء المستهزئين.

    الرابع عشر: الأسود بن المطلب بن أسد : ويكنى أبا زمعة ، كان من المستهزئين؛ إذ كان مع أصحابه يتغامزن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض، ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر، ويصفرون به ويصفقون؛ لهواً وضحكاً وسخرية، دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمى ويثكل ولده] أي: يفقد ولده [فعمي وثكل ولده ومات بمكة، والناس يتجهزون لأحد وهو يحرض الكفار على الخروج مع ما هو عليه من المرض من شدة بغضه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودين الله، فهلك أعمى أثكل إلى جهنم وبئس المصير.

    الخامس عشر: طعيمة بن عدي بن نوفل : كان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشتمونه ويكذبونه، أسر ببدر وقتل صبراً بها، فإلى جهنم وبئس المصير.

    السادس عشر: مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان : من المستهزئين، وكان سفيهاً، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فمات بمكة بعدما امتلأ رأسه قيحاً، فإلى جهنم وبئس المصير.

    السابع عشر: ركانة بن عبد يزيد : وكان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به، فقال يوماً للرسول صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، بلغني عنك أمر ولست بكذاب، فإن صرعتني علمت أنك صادق -ولم يكن يقدر على صرعه أحد- فصارعه النبي صلى الله عليه وسلم وصرعه ثلاث مرات، ودعاه إلى الإسلام، فأبى أن يُسلم وقال: لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقبلي) فأقبلت تخد الأرض، فقال ركانة : ما رأيت سحراً أعظم من هذا، مُرها فلترجع، فأمرها صلى الله عليه وسلم فعادت إلى مكانها، فقال ركانة : هذا سحر عظيم.

    قال ابن الأثير : هؤلاء أشد عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عداهم من رؤساء قريش كانوا أقل عداوة من هؤلاء كـعتبة وشيبة ابني ربيعة وغيرهما.

    وهناك جماعة كانوا شديدي الأذى والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولكنهم آمنوا وأسلموا وحسن أسلامهم كـأبي سفيان بن حرب والحكم بن أبي العاص ، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخي أم سلمة لأبيها رضي الله عنهما].

    1.   

    نتائج وعبر من عاقبة المستهزئين بالله أو آياته أو رسوله

    [نتائج وعبر:

    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة من النتائج والعبر ما نوجزه فيما يلي:

    أولاً: تقرير أن الاستهزاء بالله أو آياته أو رسوله كفر موجب للخلود في العذاب كما أن الاستهزاء بالمؤمنين موجب لغضب الله وسخطه على فاعله.

    ثانياً: بيان ما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين، وكيف قابله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر حتى نصره الله فأعزه وأعز دينه وأذل المشركين وأبطل دينهم.

    ثالثاً: تقرير سنة الله في أن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

    رابعاً: بيان صدق وعد الله تعالى لرسوله في قوله: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95] فقد كفاه إياهم بأن أهلكهم كلهم والرسول صلى الله عليه وسلم يشاهد هلاكهم، وفي فترة وجيزة، وزمن قليل.

    خامساً: إن الآيات والمعجزات لا تستلزم الإيمان فقد رأى ركانة أعظم آية وما آمن].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.