إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 23للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد المحاولات المستميتة التي قام بها صناديد قريش لثني النبي صلى الله عليه وسلم عن مواصلة دعوته، والاستمرار في نشر رسالته، وبعد أن أعيتهم الحيلة، وبلغ يأسهم منه مبلغه، عادوا على أتباعه من المؤمنين المستضعفين ونكلوا بهم، وأذاقوهم صنوف العذاب، علهم يظفرون بواحد منهم يضعف فيرتد عن دينه، فيوهن من عزائم المسلمين، ويفت في عضدهم، ولكن الله عز وجل أنزل على عباده المؤمنين من الصبر أضعاف ما نزل بهم من العذاب، ليتم نوره سبحانه ولو كره الكافرون.

    1.   

    تابع المحاولة الرابعة من محاولات المشركين لثني النبي عن الاستمرار في دعوته

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فقد انتهى بنا الدرس إلى العرض الخامس من عروض قريش على النبي صلى الله عليه وسلم للتنازل عن دعوته؛ إذ تقدمت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم بعدة عروض، درسنا منها أربعة عروض وهذا هو العرض الخامس والأخير. ولنرجع إلى العرض الرابع وكله خير.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [وعرض رابع:

    إنه لما أعيت الحيل قريش] والحيل جمع حيلة، وهو ما استعملته قريش لإحباط الدعوة، وإطفاء النور الإلهي [ولم تجد ما تدفع به دعوة الحق التي عشت أبصارها عن أنوارها الساطعة] ومعنى (عشت أبصارها): ضعفت، فما استطاعت أن تبصر النور [بعثت وفداً إلى يثرب (المدينة)] لأن بها علماء اليهود، تستفتيهم وتسألهم [ليجلي لها حقيقة الموقف بواسطة أحبار اليهود] أي: علماء اليهود [لأنهم أهل كتاب، وذوو علم بالأديان] السابقة.

    [ويتكون الوفد من النضر بن الحارث -شيطان قريش- أميراً] عليه لعائن الله [و عقبة بن أبي معيط مساعداً له] وهو شر منه أيضاً [وقالوا لهما] أي: قالت قريش لوفدها أو لرجلي وفدها [اسألا أحبار اليهود عن محمد صلى الله عليه وسلم، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله الذي يقول] لما كونوا هذا الوفد في ناديهم، أو في دار الحكومة عهدوا إليه بأن يقول هذا [ودعوته التي يدعو إليها؛ فإنهم أهل كتاب، وعندهم علم بالأنبياء ليس عندنا] أي: نحن العرب لجهلنا.

    [فخرجا] أي: وفد قريش: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط [حتى أتيا المدينة] وكانت يومها تسمى: يثرب، وفي القرآن ذكر لفظ يثرب في سورة الأحزاب [فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهم أحبار يهود] أي: علماء اليهود [سلوه] أي: النبي صلى الله عليه وسلم [عن ثلاث] أي: ثلاث مسائل [نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول] أي: يتكلم بالباطل، فيقول من عنده ما يقول [فروا فيه رأيكم] إذا تبين أنه غير نبي، روا ما ترون فيه، إما بقتله أو هجره أو ما إلى ذلك.

    [سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟] وهم أصحاب الكهف الثمانية، أو السبعة والكلب الثامن [فإنه قد كان لهم حديث عجب] يعنون: أصحاب الكهف، والراجح أنهم سبعة وثامنهم كلبهم [وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها] والمراد من هذا هو ذو القرنين عليه السلام [ما كان نبؤه] أي: ما كان خبره، والغالب أنه كان نبياً [وسلوه عن الروح ما هي؟] سلوه عن الروح ما هي الروح؟ وأين مستقرها؟ وما هي ظواهرها، وكيف يُستدل بها؟

    [فإن أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو متقول] أي: يقول من عند نفسه ما شاء أن يقول [فاصنعوا في أمره ما بدا لكم] عندها الأمر إليكم. واليهود في هذا الموقف كانوا صادقين، أدوا الأمانة كما هي.

    [وعاد الوفد إلى قريش، وقال لهم: جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم] وهو كذلك لو امتثلوا [قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم بها فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا رأيكم فيه] والمفروض أن يسلموا بعد ذلك وينتهي الخلاف، فما دام أنهم بعثوا وفدهم يستفسر ثم جاء بالأمر كما هو، لم يكفرون إذاً؟ أو يواصلون الكفر والحرب؟ إنه قضاء الله وقدره.

    [وسألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( غداً أخبركم )] لم يكن عنده خبر، ولا بيان ولا علم؛ إذ يتلقى معارفه من الله، فلما قالوا له ما قالوا، قال لهم: ( غداً أخبركم )، منتظراً الوحي من الله عز وجل [ولم يستثن، وانصرفوا عنه. وحبس الله الوحي عنه؛ لعدم استثنائه قرابة نصف شهر حتى حزن صلى الله عليه وسلم] وأكثرنا لا يعرف إن شاء الله، ومن ثَم كما قلت لكم: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء سأفعل إلا قال إن شاء الله، وكل عمل يُرجى عمله في المستقبل، واجب على المؤمن أن يقول فيه: إن شاء الله، وانظر كيف عوقب رسول الله صلى الله عليه وسلم بانقطاع الوحي عنه نصف شهر، ولا تسأل عن ما تم في هذه الأيام، إن أم جميل العوراء كانت تغني في الشوارع فرحاً بذلك، وقال المشركون: تركه شيطانه الذي كان يأتيه، وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً لم نحزنه نحن، ثم أنزل الله تبارك وتعالى عزاء كاملاً له في سورة الضحى، فقال عز وجل:

    وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3]، كما زعم المبطلون. أقسم له بأنه ما تركه ولا أبغضه، وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى:4]، أي: لا تحزن ولا تكرب ولا تأسف، ثم: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8]، كيف إذاً يتركك، ويُقبل قول من قال: قلاه وأبغضه وتركه، والسورة كانت عزاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تربية وتأديباً وتعليماً للمؤمنين.

    ثم قال عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5]، فقال: كيف أرضى وأحد من أمتي في النار؟!

    إن كل من آمن بهذا النبي الكريم وعبد الله وحده لا يبقى في النار أبداً، وإن زنا وإن سرق، فإذا كان مؤمناً صادقاً في إيمانه موحداً لربه، لم يشرك بالله شيئاً، وإن دخل النار فإنه يخرج منها.

    [وفرحت قريش، وقالوا الكثير من القول حتى قالوا: قلاه شيطانه الذي كان يأتيه، ثم أنزل الله تعلى سورة (والضحى)، ينفي فيها ما قالته قريش وادعاه بعضهم من غلاة المبغضين له صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى قد قلاه، أي: تركه وأضاعه مبغضاً له، وأنزل سورة (الكهف)] وبالمناسبة فقد سبق نبينا صلى الله عليه وسلم نبي الله سليمان، فقد قال ذات مرة: لأطوفن الليلة بمائة جارية تلد كل منهما ولداً يقاتل في سبيل الله ولم يستثن، فعوقب، فلم تلد من تلك الجواري إلا واحدة فقط، وولدت طفلاً مشلولاً، ثم تاب؛ لأنه لم يستثن.

    أتدري ما قيمة الاستثناء؟ إنه عندما تقول أنت لأفعلن كذا وكذا .. أنسيت أنك مربوب، وأنك محكوم، وأن حركاتك وسكناتك لم تخلقها أنت؟ ولكن الله وهبك إياها، كيف تستر الله وتغطيه، وتصبح إلهاً وتقول: أفعل!! هذا عيب كبير! قد يؤدي بالعبد إلى الكفر، فأنت عبد الله المربوب، أنى لك أن تغطي الله وتجحده، وهو الذي يدير الملكوت كله؟! ويتصرف في الخلق أجمعين، ولولا حلم الله عز وجل لضرب بهذا الإنسان.

    إذاً يجب أن تقول: إن شاء الله، سأسافر، أو سأتزوج، أو سأبني، أو سأقول.. وإلا والله ما كان شيء، وقد نزل هذا في سورة الكهف، قال الله عز وجل: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24].

    ومن هنا إذا قلت: والله لأفعلن، وما قلت إن شاء الله، وحنثت ولم تفعل، تلطخت النفس بلطخة منتنة عفنة من الإثم، ولا يزيل هذا إلا ما بيّن الله تعالى، من كفارة اليمين.

    فإذا قال العبد: والله لا أفعل، ثم انهزم وفعل، أو قال: والله لأفعلن، ولم يفعل، فإثمه كبير عظيم، ولا يزيل هذا الإثم إلا ما وضع الله عز وجل من أداة الإزالة، وهو: أن يعتق رقبة، فإن عجز أطعم عشرة مساكين، فإن عجز كساهم كسوة، فإن عجز صام ثلاثة أيام، ولا يزيل هذا الإثم إلا هذه الكفارة.

    هذا هو السر؛ لأنه لما قال: والله لأفعلن! كان لا يملك أن يفعل أو لا يفعل، فالله هو الذي يدير الملكوت جل جلاله وعظم سلطانه.

    وحسبنا أن الله أدب سليمان النبي الرسول، وأدب سيد الأنبياء وإمامهم صلى الله عليه وسلم، وقد هبطت الأمة حتى أن بعضنا -في بعض الأحيان- إذا قلت له: إن شاء الله، يقول لك: لا تقل: إن شاء الله! وكثير من المسئولين -بلغنا- في العالم العربي بالذات إذا قال العبد عندهم: إن شاء الله، قالوا: لا تقل: إن شاء الله، بل يجب أن تفعل! لأنهم جهلوا وما عرفوا.

    قال: [وفيها بيان حديث أصحاب الكهف تفصيلاً] قال الله عز وجل: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ [الكهف:13-14] [وفيها أيضاً خبر الرجل الطوافة وهو الإسكندر ذو القرنين ] والطوافة: كثير الطواف، يطوف ليفتح العالم ليس أنه يطوف بالبيت.

    وقد امتحن -أيضاً- ذو القرنين امتحاناً إلهياً، قال الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف:83-86] هذه مادة الاختبار: يا ذا القرنين إما أن تعذب هذه الأمة أو تتخذ فيهم حسناً. فكيف خرج؟ وما هو الجواب؟

    قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:87-88].

    كان امتحان له عند توليته الحكم، أي: ماذا ستفعل يا ذا القرنين ، وكيف ستدير الأمور؟ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ يوم القيامة فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:87-88] ويا ليت هذه ترفع إلى الحكام في العالم.

    فقد امتحن لما وصل إلى أقصى الغرب وملَكَ، فقال الله تعالى له بواسطة الوحي: يا ذا القرنين ماذا ستفعل مع هؤلاء؟ وماذا ستصنع بهم؟ فأجاب هذا الجواب الذي يجب أن يعرفه كل حاكم على وجه الأرض، قال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أي: اعتدى وفسق وخرج عن الحق والعدل فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:87-88]، وكل صاحب بيت يجب أن يكون هذا موقفه، وكل صاحب عمل، وكل صاحب قرية، فمن ظلم فسوق تجري عليه أحكام الله إما بالسجن أو الضرب أو القتل، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:88].

    وذو القرنين اختلف الناس فيه اختلافاً واسعاً، وأقرب شيء أن له شعر من هنا وشعر من هنا كالقرنين، أي: قرنين من الشعر.

    مداخلة: يقول: ما حكم قول: اللهم أكرمنا إن شاء الله.

    الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سألتم الله عز وجل شيئاً فاجزموا المسألة ) يعني لا تقول: اللهم اغفر لي إن شئت، ( فإن الله ليس بمستكره )، فلا ينبغي أن تقول: اللهم اغفر لأبي إن شئت، أو اللهم ارزقني ولداً إن شئت.. لا تقل هذا فإن الله ليس فوقه سلطة، ولكن اجزم المسألة وقل: اللهم اغفر لي وارحمني.

    والعوام عندما يقال له: يا فلان صمت اليوم؟ يقول: إن شاء الله. وقد شاء الله ذلك؛ لأنه صام، أو إذا قلت له: يا فلان! سافرت؟ يقول: إن شاء الله. كيف إن شاء الله؟! وقد شاء الله وسافرت وجئت!!

    والعوام لا يتنبهون لهذا، ونقبلها منهم؛ لأنهم ذكروا اسم ربنا تبركاً، وإلا واقعاً فقد شاء الله، فإذا قلت لك: ما اسمك؟ وقلت: إبراهيم إن شاء الله، فقد شاء الله وسماك أبوك إبراهيم.

    مداخلة: ولو قال أحد لآخر: أنت إن شاء الله في الجنة؟

    الشيخ: نعم. إذا قال لك أخوك: أنت إن شاء الله من أهل الجنة، فهذا هو الصحيح؛ لأنه لا يجوز له أن يقول: أنت من أهل الجنة جازماً بذلك، فمن أعلمه؟ فلابد وأن يقول: إن شاء الله! ولو كنت ذاهباً لتتوضأ فإنك تقول: إن شاء الله، لأنك قد لا تصل.

    قال: [ونزل في شأن الروح قوله تعالى في السورة التي قبل سورة الكهف (الإسراء): وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] رداً على اليهود. كان هذا عرضاً].

    كان هذا العرض الرابع، وها نحن مع العرض الخامس والأخير، من العروض السياسية التي عرضتها قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلها تزلزله.

    1.   

    المحاولة الخامسة من محاولات المشركين لثني النبي عن الاستمرار في دعوته

    قال: [وعرض خامس:

    ولما فشلت قريش في محاولتها الأخيرة بإرسالها وفداً إلى أحبار اليهود: لجّت في الخصومة وأعلنت حرباً كلامية على سول الله صلى الله عليه وسلم؛ محاولة بذلك إطفاء نور الله بأفواهها، وها هو ذا أبو جهل يقول هازئاً ساخراً برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الهدى ودين الحق: يا معشر قريش! يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عدداً وكثرة، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم؟] هذه دعوة أبو جهل ، يخطب في قريش يقول لهم: يا معشر قريش! يزعم محمد صلى الله عليه وسلم -وهذه نحن نقولها أما هو فلا يقول صلى الله عليه وسلم- أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار -يعني الزبانية- ويحبسونكم فيها تسعة عشر ملكاً، وأنتم أكثر الناس عدداً وكثرة، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم؟

    [وفي هذا نزل قول الله تعالى من سورة المدثر: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر:31]] وهم الزبانية لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [المدثر:31] لأنهم يعرفون هذا في التوراة وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [المدثر:31]، كان الناس أصناف ثلاثة: أهل التوحيد والإيمان، وأهل الكتاب، وأهل الشرك والكفران.

    [ويكشف أبو جهل عن وجه حسده وكبريائه، فيأتيه الأخنس بن شريق ] هذا أيضاً من شياطينهم [فيقول له: يا أبا الحكم ! ما رأيك فيما سمعت من محمد؟] يكنيه بـأبي الحكم ويقول له: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ [يريد من قراءته القرآن، فقال: ماذا سمعت؟] أي: ما سمعت أي شيء له قيمة [تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف] وهو مخزومي [أطعموا فأطعمنا] يعني الفقراء والمساكين والحجاج [وحملوا فحملنا] أي: حملوا من عي وتعب وانحصر فحملنا أيضاً [وأعطوا] أي المال [فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه] هنا الأخنس بن شريق يختبر أبا جهل فيقول له: ما هو رأيك فيما سمعت من قرآن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقال له أبو جهل : وماذا سمعت؟ بمعنى لا شيء، فقد تنازعنا نحن وبنو عبد مناف -وبنو عبد مناف بنو هاشم من قريش- أطعموا فأطعمنا يعني الضيوف والفقراء والمساكين طلباً للشرف، وحملوا العجزة والضعفة فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تساوينا في الشرف والكمال قالوا: منا نبي، إذاً متى ندرك نحن مثل هذه؟ ولهذا قال: والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه.

    أرأيتم كيف ظهر الحسد هنا في هذا الموقف؟ فقد حسد أبو جهل بني هاشم.

    [ويحملهم البغض والخوف على أن يمنعوا سماع القرآن، فيتخذوا في ناديهم قراراً بمنع سماع قراءة القرآن] صدر قرار رسمي من رئيس مكة: أنه لا يحل لمواطن أن يسمع قراءة القرآن، كأيام الحرب العالمية الأخيرة عندما كان ممنوع سماع الإذاعة حتى لا ينهزم الشعب. وهنا منعوا سماع قراءة القرآن، ومن ضبط وهو يسمع فإنه يُعذب أو يبعد من مكة.

    إذاً: هذا -كما يقولون- إجراء وقائي، حتى لا تفسد عقيدة الشعب ويفتن.

    [وأنزل الله تعالى في ذلك قرآناً؛ وهو قوله تعالى من سورة فصلت: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]] ومعنى وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت:26] أي: لما يأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر في القراءة صيحوا أنتم وقولوا الكلام الباطل حتى لا يسمع الناس قراءتهم. وهذا قد رأيناه أيام الأحزاب، فإذا قام الزعيم ليخطب الحزب، قام الحزب المضاد مشوشاً بالأصوات؛ حتى لا ينتشر الكلام، فالبشر هم هم مرت عليهم ألف سنة أو ألفين ولا فرق؛ والعلة أن الشيطان واحد، فأبو مرة ما تبدل ولا تغير من عهد آدم، فكل الذي وقع في عهد موسى، وفي عهد إبراهيم، وفي عهد نوح، يقع اليوم؛ لأن الشيطان هو الذي يدعو إليه ويزينه ويحسنه، ويلقيه في قلوب أوليائه، فليس هناك فرق أبداً، وهذه السياسة التي عند قريش موجودة الآن.

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بيان رسمي لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ لِم؟ حتى لا يشوش عليكم، ويفسد قلوبكم، ويقبح إليكم سلوككم وسلوك آبائكم وأجدادكم، فهي ليست كلمة موجزة، وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] يغلبون من؟ يغلبوا محمداً على دينه.

    [وعز عليهم ألا يسمعوه] الرؤساء كـأبي سفيان وأبي جهل والأخنس ما استطاعوا أن يصبروا على عدم سماعه، وقد استطاعوا أن يمنعوا الأمة عن ذلك بالتهديد والوعيد، ولكن والرؤساء كيف يفعلون؟ ما قدروا على ألا يسمعوا، لا سيما وأنه بلغتهم وفصاحتهم.

    [-وقد أصدروا قراراً بمنع سماعه- فخرج أبو سفيان وأبو جهل والأخنس بن شريق خرجوا ثلاثتهم ليلاً ليستمعوا قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في صلاته في بيته] والبيوت لم تكن كهذه العمارات، ولكن من طابق واحد والباب من خشب أو ليس فيها باب [واتخذوا مجالس لهم يجتمعون فيها في الظلام] وكان الظلام -قطعاً- لأنه ليس ثمة مصابيح ولا كهرباء [ولا يدري أحدهم عن الآخر] الغريبة أن كل واحد منهم كان يظن أنه ما اطلع عليه أحد، فيجلس في مكان ما ليسمع، والآخر كذلك يظن أنه وحده، والثالث كذلك.

    [حتى إذا طلع الفجر] وانفجر الضوء [تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا وتعاهدوا ألا يعودوا لمثلها] يعني كيف تحرمون على الناس هذا وأنتم تفعلونه؟ فقالوا: مِن هذا اليوم لا يمكن لأحدنا أن يجيء مرة ثانية [ولكنهم لم يصبروا] أيضاً [فخرجوا في ليلة أخرى ولا يدري أحدهم عن الآخر، واستمعوا إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق فتلاوموا، وتكرر هذا منهم ثلاث مرات، وفي الرابعة تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها أبداً].

    وتذكرون أن أبا بكر الصديق صدر قرار من قريش بنفيه، قالوا له: إما أن تقرأ في بيتك ولا يُسمع لك صوت وإلا أن تخرج من مكة؛ لأنه كان يقرأ حول الكعبة، فنفوه ورجع في كفالة أو في جوار ابن الدغنة ، ثم ابن الدغنة أيضاً هددته قريش وقالت: إما أن يقرأ صاحبك في بيته وإلا نخفر عهدك. وهو أمر عظيم عندهم!!

    [وهكذا تجلت الحقيقة واضحة لا غموض فيها ولا لبس ولا خفاء، وهي: أن المشركين عشت أبصارهم عن النور المحمدي، فلم يروا فيما جاء به هدىً ولا خيراً؛ فناصبوه العداء وأصبحوا خصوماً ألداء يحاربونه صلى الله عليه وسلم، ويحاربون دعوته وأتباعه بكل ما لديهم من قوة، كما هي حال الكافرين إلى اليوم] هل اختلف الناس في هذا الزمان؟ لا والله.

    [فهم حرب على الإسلام والمسلمين دائماً وأبداً، ولولا أن الله تعالى ناصر دينه وأوليائه لغلبوا على الإسلام والمسلمين، ولم يبق إسلام ولا مسلمون] ولكن الله حامي هذا الدين وحارسه، حتى لا يقول الناس يوم القيامة: ما عرفناك، وما بلغتنا دعوتك، أو مات الرسول ومات العلماء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق منصورين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون ) هذا هو السر؛ لتقوم الحجة على البشرية يوم القيامة، فلو انقطع الإسلام وفسد كما فسدت الأديان الأخرى لقالت الشعوب الآتية: ما عرفناك يا رب، وكان على الله أن يجدد عهد النبوة والرسالة، لكن عرف عز وجل أنه لا حاجة إلى التجديد؛ لأن العالم سيصبح كأمة واحدة، وقد أصبح، إذاً ختم النبوات بمحمد صلى الله عليه وسلم.

    لقد كان الله يبعث في كل أمة رسولاً؛ لأن الأمم متباعدة متقاطعة، يركبون البغال والحمير، فكيف يصل الدين إلى الشرق والغرب؟ لكن لما علم الله أنه سيأتي يوم تصبح فيه البشرية كلها تتلقى الكلمة في ساعة واحدة -وهو الآن- لم يعدد النبوات والرسالات، وقد بلغ القرآن وصوت محمد العالم بأسره، فلا يوجد بلد يقول أهله: لم نعرف الإسلام، بل عرفوا وحاربوه، ولعلي أراهن فمن يرد؟ فتل أبيب ألا يتلى فيها القرآن؟ قد كان يتلى القرآن في روسيا.

    1.   

    نتائج وعبر من محاولات المشركين لثني النبي عن الاستمرار في دعوته

    قال: [نتائج وعبر:

    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها في الآتي:

    أولاً: إثبات حيرة المشركين إزاء الدعوة المحمدية وإلى اليوم] إثبات حيرة المشركين من الإسلام والمسلمين وإلى اليوم أيضاً وهم في حيرتهم، وكل يوم يُقننون ويُسنون لإفساد هذه الملة؛ لأن الشيطان واحد.

    [ثانياً: بيان استعمال المشركين أسلوب المساومات لإحباط الدعوة وإطفاء نورها] وهذا كان نظام البشرية حتى جاءت روسيا البلشفية التي لا تقبل مساومة ولا مطاولة. فإبراهيم عليه السلام في بابل قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:61] وحاكموه، وهكذا سنة الله في الخلق حتى جاء البلاشفة الحمر من ثمانين سنة لا يفهمون مفاوضات، فإذا لم تعجبهم حالك، أو لم يعجبهم سلوكك فإنهم لا يساوموك أو يطالبوك، ولكن يضربوك أو يقتلوك. فأيما زعيم يظهر عندهم وعند الذين يعيشون على منهجهم لا يفاوضونه، أو يرقونه، أو يعطونه مالاً، أو يزوجونه كما كانت قريش تقول..! لا، ولكن يتعاملون معه بالحديد والنار.

    [ثالثاً: ثبات النبي صلى الله عليه وسلم ووقوفه كأنه جبل أشم أمام المساومات والتحديات] فقد ساوموه بالزواج والمرأة والمال والمنصب والملك، وهددوه بالقتل والتمزيق.

    [رابعاً: شهادة عتبة بن ربيعة بصحة الدعوة المحمدية وسلامتها وأحقيتها وهو من خصومها] هذه الشهادة [لها قيمتها المعنوية كما قيل: (والحق ما شهدت به الأعداء)] فقد بعثوا عتبة يفاوض ويساوم ولما رجع قالوا له: سحرك يا فلان! ولكنه قال كلمته الخالدة، ولهذا قالوا: (والحق ما شهدت به الأعداء)، فشهادة عتبة هذه كانت لها قيمتها.

    [خامساً: بيان تعنت المشركين وصلفهم وكبريائهم برفضهم دعوة الحق بعد ثبوتها، ومطالبتهم بأمور ليس تحقيقها من لازم النبوة ولا شرطاً في قبول دعوة الحق] وتذكرون ماذا قالوا في سورة بني إسرائيل: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [الإسراء:90-93] من ذهب أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:93]. هذا العروض كلها سُجلت في كتاب الله، وقد عرضوها على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قلت: بيان تعنت المشركين وصلفهم وكبريائهم برفضهم دعوة الحق بعد ثبوتها، ومطالبتهم بأمور ليس تحقيقها من لازم النبوة، ولا شرطاً في قبول دعوة الحق.

    [سادساً: بيان خبث أبي جهل وشدة عدائه للنبي صلى الله عليه وسلم، ومحاربته لدعوته] فقد سبه وشتمه عند الصفا، ثم جاء حمزة فضربه حتى فلق رأسه، وعندما قرر أن يضربه وجاء ليفعل ذلك واجه الجمل الأعظم فهرب خائفاً. إنه فرعون هذه الأمة.

    [سابعاً: استحباب قول العبد: (إن شاء الله) فيما يستقبل من قول أو عمل] يستحب لأي متكلم من المؤمنين إذا قال: أفعل كذا، أن يقول: إن شاء الله، أما إذا فعل فلا يقول: فعلت إن شاء الله، وإنما يقول: فعلت والحمد لله. فإذا قيل له: أصمت اليوم، وقد صام، فإنه يقول: صمت والحمد لله، ولا يقول: صمت إن شاء الله، ولكن ما كان مستقبلاً فإنه يقول فيه: إن شاء الله، وقد عرفتم كيف عاتب الله رسولين عظيمين في هذا الأمر!

    [ثامناً: بيان تأثير القرآن في نفس من يسمعه متدبراً له متفكراً فيه] فالقرآن يفعل العجب كما فعل في عتبة .

    1.   

    خيبة المشركين تتحول إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين

    والآن مع [خيبة المشركين تتحول إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين] لما خابت قريش مع الرسول صلى الله عليه وسلم وانهزمت محاولاتها كلها، انتقمت من أصحابه، أما هو فمنعه الله.

    [إنه بعد أن بذلت قريش كل ما في وسعها من قوة وحيلة في إطفاء أنوار الدعوة المحمدية، وباءت بخيبة مريرة، حولت ذلك إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين كـبلال وعمار ووالده ياسر وأمه سمية ، وصهيب الرومي ، وخباب بن الأرت وعامر بن فهيرة، وأبي فكيهة ، ومن النساء زنيرة والنهدية وأم عبيس ] ما تركوا الرجال ولا النساء.

    [أما بلال فكان مملوكاً لـأمية بن خلف الجمحي ، وكان يعذبه بإلقائه في الرمضاء] أي الأرض الحارة [على وجهه وظهره، ويضع الصخرة العظيمة على صدره، وذلك إذا حميت الشمس وقت الظهيرة، ويقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، وبلال صابر يردد كلمة: أحدٌ أحدٌ، وأخيراً استبدله أبو بكر الصديق بعبد مشرك] عنده [وأعتقه رضي الله عنهما] كان عند أبي بكر عبد مشرك، فاحتال وقال لـأمية بن خلف خذ هذا العبد، يساعدك ويناسبك وعلى عقيدتك واترك هذا البهلول، وأعتقه أبو بكر رضي الله عنه.

    [وأما عمار وأمه ووالده ياسر ، فقد كانوا يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحرّ الرمضاء، فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فقال: ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة )] فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك طاقة أبداً، ولكنه يقول لأصحابه: اصبروا، والزموا الصبر! [فمات ياسر تحت العذاب -رحمه الله رحمة واسعة- وأما سمية] امرأته أم عمار [فقد أغلظت القول لـأبي جهل ] أي: كلمته بكلمات قاسية رضي الله عنها [فطعنها بحربة في قبلها] أي فرجها [فماتت شهيدة، وكانت أول شهيدة في الإسلام] كانت أول شهيدة في الإسلام سمية رضي الله عنها.

    [وشدد أعداء الله العذاب على عمار ونوعوا العذاب عليه، فمرة بالجرّ، ومرة بوضع الصخرة على صدره، وأخرى بالغمس في الماء إلى حد الاختناق ويقولون له: لا نتركك حتى تسب محمداً، وتقول في اللات والعزى خيراً. وفعل ما طلبوه منه فتركوه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال: ( ما وراءك؟ فقال: شرٌ يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا، فقال: كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئناً بالإيمان، فقال: إن عادوا يا عمار

    فعد )] أي: أعطهم ما أرادوا، وهم يقولون له: سب محمداً واشكر آلهتنا اللات والعزى.

    [وأنزل الله تعالى في قوله من سورة النحل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]] إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ [النحل:106] هذا مستثنى، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ [النحل:106] أما أن يُكره ثم يقعد يغني معهم ويفرح وينسى الله وذكر الدار الآخرة فلا! ولكن وقلبه مطمئن بالإيمان [ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106]] هذا الذي يؤاخذ.

    [وأما خباب فقد أسلم سادس ستة، فقد عذبه المشركون عذاباً شديداً؛ إذ كانوا يلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالحجارة المحماة بالنار ويلوون رأسه.

    وأما عامر بن فهيرة ، فقد أسلم قديماً قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم ، وكان من المستضعفين فعُذب عذاباً شديداً، ولم يرده ذلك عن دينه، وكان يرعى غنماً لـأبي بكر ، وكان يروح بها على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر -وهما في الغار، طوال المدة التي كانا فيها في الغار-] لما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجراً مع الصديق اضطرتهم الحال إلى أن دخلوا في غار جبل ثور، فكان أبو فهيرة يروح في الليل بالغنم ويحلب لهم ويعطيم، وقريش لا تدري.

    [وأما أبو فكيهة واسمه أفلح أو يسار فقد كان عبداً لـصفوان بن أمية بن خلف الجمحي أسلم مع بلال ، فأخذه أمية بن خلف عليه لعائن الله وربط في رجليه حبلاً وأمر به فجر ثم ألقاه في الرمضاء، ومر به جعل -حشرة معروفة- فقال له أمية : أليس هذا ربك؟ فقال: الله ربي وربك ورب هذا] عندما مرت به هذه الحشرة وهو مغلل مكتف قال له أمية : أليس هذا ربك؟ فقال: الله ربي وربك ورب هذا [فخنقه خنقاً شديداً، وكان معه أخوه أبي بن خلف فيقول: زده عذاباً حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره. ولم يزالوا يعذبونه كذلك حتى أغمي عليه فظنوه مات، ثم أفاق، فاشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه.

    وأما النساء -زنيرة وأم عبيس ولبيبة والنهدية - فقد عُذبن كذلك أشد العذاب من قبل مواليهن ولم يرجعن عن دينهن، فرضي الله عنهن وأرضاهن].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.