إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 15للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت مظاهر الكمال واضحة في محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته لكل من خالطه وعاشره، حتى إن من الناس من علم بأن له شأناً عظيماً لمجرد رؤيته، كما حصل مع بحيرا الراهب الذي رآه مرة واحدة وهو غلام، فعلم من علاماته أنه نبي آخر الزمان، ومن مظاهر كماله اشتراكه في حلف الفضول وهو لا يزال ابن عشرين عاماً، وآخر ذلك رغبة خديجة بنت خويلد في الزواج به، وهي من هي في قريش وجاهة ومالاً ورزانة وعقلاً.

    1.   

    تابع مظاهر الكمال المحمدي قبل النبوة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    قد انتهى بنا الدرس إلى خامس مظاهر الكمال المحمدي، فمظاهر الكمال قسمناها إلى عدة أقسام، وها نحن مع خامس تلك المظاهر؛ لنرى من خلالها كمال نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فيزداد حبنا له وفيه، كما يزداد يقيننا برسالته ووجوب متابعته صلى الله عليه وسلم.

    المظهر الخامس: اعتراف بحيرا الراهب بكماله وبنبوته صلى الله عليه وسلم

    قال: [وخامس مظاهر الكمال المحمدي: اعتراف بحيرا الراهب بكماله وبنبوته، ووصيته عمه أبا طالب به] وبحيرا راهب مسيحي بأرض الشام، وسنقف كيف أوصى بحيرا عمه أبا طالب به، والنبي يومها غلام، بل ناهز الاحتلام [وذلك أنه لما بلغ صلى الله عليه وسلم الثانية عشرة من عمره -أو ما يقاربها-] ناهز الاحتلام ولم يحتلم، ولا يحتلم صلى الله عليه وسلم [وأراد أبو طالب -وهو عمه وكافله- السفر إلى الشام صحبة قافلة تجارية، عز على أبي طالب أن يخلف محمداً وقد امتلأ قلبه بحبه صلى الله عليه وسلم] كيف يسافر في قافلة تجارية إلى الشام ويترك الغلام محمد صلى الله عليه وسلم وحده؟ ما استطاع.

    [وعز على محمد صلى الله عليه وسلم أن يفارقه عمه كذلك] حتى الرسول بدوره ما استطاع أن يفارق عمه أيضاً ويبقى بدونه [فتعينت الصحبة، فصحبه أبو طالب معه إلى الشام مجتازين ديار ثمود وبلاد مدين إلى الشام] إذ هذا هو الطريق [وانتهوا إلى بُصرى من ديار الشام] وهي مدينة معروفة [فنزلوا منزلاً قريباً من صومعة راهب هو بحيرا ] القافلة نزلت ولكن كانت قريبة من الصومعة التي كان يتعبد فيها الراهب بحيرا [وكان بحيرا ذا علم بالمسيحية والكتب الأولى] كان بحيرا متعبداً ناسكاً وعالم بالديانة المسيحية بأجزائها وتفصيلاتها، وبالكتب السابقة: كالتوراة والإنجيل والزبور [وكان رأساً في المنطقة] المنطقة التي بها صومعته هو الرئيس، إليه يُسلَّم ويرد كل شيء، وهو من أهل الدين [لعلمه وفضله] أضاف إلى العلم الفضل، فلا يكون العالم شحيحاً بخيلاً ذا خلق سيئ -أستغفر الله- والله لا يكون هذا! أننقض أنفسنا وكلامنا؟ فإذا كان العالم سيئ الخلق شحيحاً فما فائدة تحصيل العلم الذي ينتج النتيجة العظمى في القلب وهي حب الله والخوف منه؟! هيهات هيهات أن يكون العالم صعلوكاً كصعاليك البشر!! والشاهد عندنا: في مدحهم للراهب قالوا: كان عالماً وكان ذا فضل.

    [وشاء الله تعالى أن يطل من أعلى صومعته] والصومعة كالمنارة، يعبد الراهبُ الله فيها منقطعاً عن الناس، فهذا شأن الرهبان في بلاد النصارى [فيرى قافلة قريش] ذات الإبل العشرات أو المئات [وهي مقدمة نحوه، وأن بينها] أي: بين تلك القافلة [غلاماً تظلله غمامة من الشمس] شاهد بحيرا بين أفراد القافلة غلاماً تظلله غمامة من الشمس [ولما وقفت القافلة للنزول ونزلت رأى الغمامة تقف فوق الغلام لا تتعداه؛ تحفظه من حر الشمس] لما كانت القافلة ماشية كانت الغمامة تمشي، ولكن فقط على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو غلام في الثاني عشرة من عمره، ولما نزلت القافلة ووضعت رحالها وقفت الغمامة أيضاً.

    [فعلم] أي: بحيرا [أن لهذا الغلام شأناً] عظيماً [وكيف يصل إليه ويجري الحديث معه ليعرف شأنه؟ فما كان من الراهب إلا أن دعا القافلة إلى طعام عشاء عنده] ولهذا قيل: ذو علم وفضل. تخيل قافلة فيها عشرات الرجال يقول لهم: العشاء عندنا الليلة!! [بعنوان ضيافة] مطلق ضيافة، وللضيف -كما تعرفون- حقه، ثلاثة أيام [وقبلت القافلة ذلك بعد تردد واستفسار عن مثل هذه الضيافة التي لم تحصل لقوافلهم المتعددة قط] لأنهم هاشميون -فحول الدنيا- لا ينقادون رأساً للطعام، فترددوا وتساءلوا: لِم؟ ما سر هذه الضيافة؟ فلعله إذاً يكيد لنا، أو يمكر بنا [وطمأنهم بحيرا ؛ لأنه لا غرض له إلا إكرامهم، والتعرف على أحوالهم] يعني قال: لا تتهيبوا ولا .. فوالله ليس عندي غرض إلا أن أكرمكم.

    [ولما حضر الطعام وتقدم الأكلة] جمع آكل [لم يرَ بحيرا الغلام الذي رأى الغمامة تظلله فتعجب] أين الغلام؟ [وقال للقوم: هل تخلف من قافلتكم أحد؟ فقالوا: لا] أي: كل رجال القافلة حاضرون بين يديك [فقال: بلى، أين الغلام الذي كان معكم؟ فجاءوا به] وهذا من حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدبه، أنه كيف يجلس مع المشايخ ويأكل معهم وهو حدث السن؟ فرضي أن يبقى في القافلة ولا يأتي ليأكل، أما أولادنا فإنهم يسابقون الضيوف ويدخلون بين أجنحتهم.

    [وقد تخلف لصغره وحيائه أن يطعم مع رجالات قريش، فبقي في رحل عمه] وهذا من مظاهر الكمال وهو في الصبى [فلما جاء وجلس أخذ بحيرا يلحظه ويتأمله] ليشاهد النعوت والصفات في جسمه؛ لأنه منعوت عندهم [ولما انصرف القوم قام بحيرا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال له: يا غلام! أسألك بحق اللات والعزى -جرياً على حلف العرب بهما-] فـبحيرا يعرف أن العرب يحلفون باللات والعزى، وأن هذان إلهان جليلان عند قريش، فحلف للرسول بهما ليصدقه، فقال: أسألك يا غلام بحق اللات والعزى [إلا أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغض شيئاً قط بُغضهما] هذا وهو في الثاني عشرة من عمره [فقال له: أسألك بالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له صلى الله عليه وسلم: سل عما بدا لك] وكأنه بحر العلم؛ لأنه يستمد المعارف من السماء، من فوق العرش.

    [فجعل بحيرا يسأله عن أشياء، عن حاله في نومه وهيئته، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من نعوت الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته التي عرفها من الكتب السابقة، ثم نظر إلى ظهره] فليس عليه قمصان ولا حلة [فرأى خاتم النبوة بين كتفيه وكان] هذا الخاتم [مثل أثر المحجم] لأن الحجام عندما يحجم يبقى أثر في القفا أو في أي مكان يحجم منه، يتجمد فيه الدم [ثم التفت الراهب بحيرا إلى أبي طالب ، فسأله عن الغلام فأخبره فعلم أنه النبي المنتظر] من الذي ينتظره؟ العالم كله، فالبشرية كلها تحتاجه، وإن كان الذين ينتظرونه علماء أهل الكتاب فقط الذين عرفوه في التوراة والإنجيل.

    [وأمره أن يعود به إلى دياره] أي قال له: عجل! وارجع بابن أخيك قبل فوات الفرصة [مخافة أن يغتاله يهود] لأنه حجر عثرة في طريق عودة مجدهم ومملكتهم، وهم يعرفون هذا [إذا رأوه وعلموا به، فقضى أبو طالب حاجته من تجارته بسرعة، وعاد بابن أخيه مسرعاً إلى مكة].

    [نتائج هذا المظهر:

    إن لهذا المظهر من الكمال المحمدي نتائج نجملها فيما يلي:

    أولاً: بيان مدى حب أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم] ما استطاع أن يسافر ويتركه وراءه وهو غلام.

    [ثانياً: آية تظليل الغمامة للنبي صلى الله عليه وسلم] من سخر الغمام؟ إنه الله. من قادها -بحبال القدرة- حتى تماشي رسول الله وإذا وقف تقف معه؟ أي آية أعظم من هذه على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ثالثاً: تقرير النبوة المحمدية بشهادة بحيرا الراهب] أو لا يؤخذ بأقوال العلماء، بمن نأخذ إذاً؟

    [رابعاً: عصمة النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته من الشرك لبغضه الحلف باللات والعزى أشد بغض] إذ حلف أن ليس عنده شيء قط يبغضه أكثر مما يبغض اللات والعزى، لِم؟ لأنهما عُبدا مع الله، وإلِّها كما يؤلّه الله عز وجل.

    [خامساً: حرمة الحلف بغير الله تعالى، وأن الحلف بغير الله شرك] وهذه لكم يا معاشر المستمعين والمستمعات! فمن كان يحلف بغير الله فمن الآن يدخل في رحمة الله، ويستغفر الله ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، ولا يحلف بعد اليوم بغيره عز وجل، فقد أخرج الترمذي في جامعه: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، وفي لفظ: ( فقد كفر )، وشرحنا هذا المعنى كثيراً. وقد يقول الغافل: كيف أشرك؟

    تعال أبين لك: إن أصل الحلف معناه: التعظيم للمحلوف، والبشرية منذ أن كانت لا تعظم إلا أهل العظمة فيها، فلما جاء الإسلام وأبطل الشرك وقصر العظمة على العظيم الأجل الرب سبحانه وتعالى، كان من حلف بغير الله قد عظَّم ذلك المحلوف كتعظيم الله، ومعناه: أنه أشرك هذا المخلوق في العظمة الخاصة بالله وأعطاه منها شيئاً، وهذه هي الشركة، كاثنان يشتركان في دكان أو سيارة أو في شاة -مثلاً- فهذا يحلبها صباحاً وهذا في المساء، أليست هذه الشركة؟

    إذاً: الذي يحلف بغير الله أعطى هذه العظمة التي هي حق لله لغيره، فأشرك مع الله.

    ولِم (كفر)؟

    كفر لأنه غطى عظمة الله تماماً ونسيها وأعطاها لمخلوق، وأي كفر أعظم من هذا؟ وأية تغطية أظهر من هذه التغطية؟ ثم ما الذي يحملنا على أن نحلف بغير الله؟ ما هو الداعي؟ إلا العادات والجري وراء أهل الجهالات.

    وإذا كان بيننا أبناء مصريون فسأعطيهم علاجاً؛ لأن بعضهم يقول -دائماً- حالفاً: والنبي!! فأقول له: من فضلك يا بني! لا تحلف بغير الله. فيقول: والنبي! لا أزيد. وتلك هي!! والعلاج الذي يعطاه من يجري على لسانه الحلف بغير الله وهو لا يقصد علاج من الروضة الشريفة، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شاهد بعض المؤمنين وهم حديثوا عهد بإسلام لا يلبث أحدهم حتى يقول: واللات، أو: والعزى، فقال صلى الله عليه وسلم: ( من حلف باللات أو العزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لأخيه: تعال أقامرك فليتصدق )، لأن الذين ألفوا القمار -وتعرفون مكة رجالها تجار- إذا حطوا الرحال عاشوا على القمار، فإذا أسلم أحدهم لا ينسى تلك المجالس والسهرات، فلا يشعر بنفسه حتى يقول: تعال ألعب معك -بدون قصد- فوضع الحكيم هذا الدواء لهذا الجرح الدامي، فقال: ( من حلف بغير الله ) باللات أو العزى أو غيرها ( فليقل: لا إله إلا الله، فإنها تمحها )؛ لأن حسنة لا إله إلا الله تفتت الجبال لو كانت آثاماً، فهي ذات مفعول قوي، كما أن كلمة الكفر كذلك؛ تبطل كل عمل عمله الإنسان، فهي ذات مفعول أيضاً، وكلمة التوحيد ضدها.

    إذاً: من يجري على لسانه: وحق سيدي فلان! أو ورأس فلان! أو والمصحف! أو والكعبة! وغير ذلك .. فالعلاج عندما يشعر أنه حلف بغير الله أن يقول: لا إله إلا الله، أو يقول أخوه له: قل لا إله إلا الله، فإن تكبر وقال: لا -والعياذ بالله- خرج من الإسلام، ولكن في الغالب أنه يقول: لا إله إلا الله.

    إذاً: نتائج هذه المقطوعة ازداد بها حبنا لرسولنا وإيماننا ويقيننا فيه.

    ثم استفدنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم عصم وحفظ وهو صغير، فمن ولادته ما قارف ذنباً، فعندما سمع بحيرا الراهب يقول: واللات والعزى، قال له: لا تحلف باللات والعزى، فإني لا أبغض شيئاً قط أكثر منهما.

    المظهر السادس: حضوره صلى الله عليه وسلم حلف الفضول

    قال: [وسادس المظاهر للكمال المحمدي: حضوره صلى الله عليه وسلم حلف الفضول. وإن حلف الفضول كان بعد حرب الفجار] وهي حرب دارت بين قريش ومعها كنانة وبين قيس ومن معها، وكانت هذه الحرب في الأشهر الحرم، فاعترفوا بأنهم فجروا وخرجوا عن الأدب، فكيف يقاتلون في الأشهر الحرم وقد حرم الله القتال فيها؟ هذا كان في الجاهلية! فسميت هذه الحرب بحرب الفجار، بمعنى: الفجور؛ لأنهم فجروا عن طاعة الله فقاتل بعضهم بعضاً في الأشهر الحرم. وسموا هذا الحلف بحلف الفضول؛ لأنهم تابوا ورجعوا وأرادوا أن ينهوا هذه الجريمة من أساسها.

    قال: [التي كانت حرباً فجر فيها أهلها بانتهاكهم حرمة الشهر الحرام، وقد دارت تلك الحرب بين كنانة وقريش من جهة وبين قيس من جهة أخرى، وكان سببها تافهاً لم يعدُ قتل رجل من قيس] رجل من قيس قتله قرشي [فتداعى بعده الأحلاف للقتال] كل جماعة دعت الثانية [ولما انتهت تلك الحرب الفاجرة الخاسرة؛ إذ هي من عمل الجاهلية دعت قريش إلى حلف الفضول] هذا حلف الفضول دعت قريش له فحضره النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يبلغ ولم ينبأ ولم يرسل بعد ..

    [وسببه: أن رجلاً من زبيد جاء مكة ببضاعة] يتجر فيها [فاشتراها منه العاص بن وائل ] شر أهل مكة [وكان ذا قدر وشرف في مكة] العاص بن وائل معروف في شرفه وقدرته وسيطرته في مكة [فمنعه حقه] سواء جاء يبيع الزبدة أو العسل أو الكتان أو أي شيء آخر .. المهم تجارة اشتراها منه العاص بن وائل ثم تمرد ومنعه حقه، أو لعله أعطاه شيئاً قليلاً واستهانه واحتقره، وهذا شأن الطغاة والمتكبرين [فاستعدى الزبيدي الأحلاف على العاص ] نادى ودعا أحلافه وأحلاف بلاده وقومه على أن يضربوا على يد العاص ويستردوا حقه منه، [وهم عبد الدار ومخزوم وجمح وسهم وعدي، فأبوا أن يعينوه على العاص بن وائل ] خذلوه؛ لأنهم خافوا من العاص ، أو احترموه، أو لأمر ما لم يستجيبوا [فما كان منه إلا أن علا جبال أبي قبيس] طلع إلى قمة جبل ووقف عليها [وصاح بشعر يصف فيه ظُلامته] يبكي لأنه مظلوم في ديار الكرم والشرف [وعندها مشى الزبير بن عبد المطلب ] عم نبينا صلى الله عليه وسلم [وقال: ما لهذا مترك، فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم من مرة في دار عبد الله بن جدعان ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمره إذ ذاك عشرين سنة، فصنع لهم عبد الله بن جدعان طعاماً وتحالفوا وهم في شهر ذي القعدة] الشهر الحرام [أي: حلف بعضهم لبعض متعاهدين متعاقدين بالله ليكونُن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة] وهذا قول يفيد التأبيد (ما بل بحر صوفة)، مثل: لا أكلمك ما طلع نجم، أي: إلى الأبد، وهل هناك يوم لا يطلع فيه نجم؟! وكذلك لا يعجز البحر عن بل الصوفة، مستحيل! ولو وضعت فيه قنطار صوف أو مليون قنطار، ولكن هذا من باب المبالغة في التأبيد.

    [فسمت قريش ذلك الحلف (حلف الفضول) وقالوا قد دخل هؤلاء في فضل من الأمر] وقد حضره النبي صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة في العشرين من عمره [ثم مشوا إلى العاص بن وائل وانتزعوا منه حق الزبيدي، وفي هذا قال الزبير بن عبد المطلب وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم] قال شعراً منه هذان البيتان:

    [إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ألا يقيم ببطن مكة ظالم

    أمر عليهم توافقوا وتعاقـدوا فالجار والمعتر فيهم سالم

    [وفي هذا الحلف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسلام] لما دخل في نور الله وأصبح رسوله [( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم )] فرحاً بذلك الحلف؛ لأنه اجتماع على إقامة العدل والحق وضرب يد الظالمين وتحطيمهم [( ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت )] لو دعي في الإسلام إلى حلف ضد الظلم والشر والباطل لأجاب وحضر صلى الله عليه وسلم.

    عبد الله بن جدعان هذا، هو الذي كان يكسو ألف حلة] كل حج يوزع ألف بدلة على الحجاج، والبدلة هي الحلة، ثوبان من نوع واحد [وينحر ألف بعير في كل موسم] أين تجدوا هذا الكرم؟ في إيطاليا؟ أين أهله؟ ألف حلة يكسوها وألف بعير يذبحها للفقراء وللحجاج [وقالت فيه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها] وعائشة من لم يعرفها بعد عليه أن يجدد إسلامه [( إن عبد الله بن جدعان -يا رسول الله- كان يُطعم الطعام ويَقري الضيف، فهل ينفعه ذلك يوم الدين؟ )] يوم الجزاء يوم القيامة [( فقال: لا )] لا ينفعه [( لأنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )].

    وهذا معلوم عندنا أنه من مات على غير التوحيد كافراً مشركاً لو صام ألف عام وحج ألف حجة فلا قيمة لعمله؛ لأن الله قال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، والله يقول في خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [الزمر:65] بماذا؟ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]؛ فلهذا من مات وهو يصرخ: لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة وإن فعل ما فعل؛ لعظم هذه الحسنة، ومن مات على غير لا إله إلا الله -والعياذ بالله- لو فعل ما فعل لا يدخل الجنة؛ ولهذا العبرة بالخواتيم.

    وإني أخشى في هذه الأيام ظاهرة الصحن الهوائي، وأن يموت أهل هذا البيت على سوء الخاتمة؛ لأنهم تحدوا الله ورسوله، وخرجوا عن جماعة المسلمين، وبلغتهم فتيا عالم أعلم أهل الأرض اليوم، وأن هذا لا يصح أبداً في بيت مؤمن، ورغم ذلك يجلس هو وامرأته وبناته أمام العهر وارتكاب الجريمة والجنس، راضين بذلك يوماً بعد يوم؛ حتى يطبع على قلوبهم، فيموتوا على سوء الخاتمة والعياذ بالله، والذين بلغهم هذا الكلام وأصروا فكأن القدر يسوقهم إلى هذه المحنة، وإلا دلوني على مؤمن يسمع هذا الكلام ويبقى في بيته هذا الشيء؟ لا يمكن أن يكون مؤمناً.

    إذاً: نتائج هذه المقطوعة.

    [نتائج هذا المظهر

    إن لهذا المظهر من الكمال المحمدي نتائج وعبراً نلخصها فيما يلي:

    أولاً: شعور أهل الجاهلية بالخطيئة وكراهيتهم لها؛ ولذا سموا الحرب التي انتهكوا فيها حرمة الحرم بحرب الفجار، وهو فعال من الفجور، إذ تبادلوا فيه الفجور فصار فعالاً من باب (فاعَلَ) كقاتل قتالاً] شعور أهل الجاهلية بالخطيئة وكراهيتهم لها، وما زالوا لم يسلموا ولم يعرفوا الإسلام، ولكن عرفوا أن الظلم ليس فيه خير، فمن هنا تحالفوا على أن يردوا حق المظلوم وينصروا المظلوم وهم في جاهلية.

    والآن المسلمون لا يعرفون هذا، فلما هاجم العراق المملكة كان المسلمون يصفقون ويقولون: نحن مع صدام !! قلنا: يا جماعة! تكفرون وأنتم لا تشعرون، إن الله عز وجل يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9] فإن أبوا الصلح وبغوا قال الله: فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [الحجرات:9] قالوا: لا. سنقاتل مع التي تبغي. وفيهم من يقرأ القرآن!

    فانظر إلى فرح الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحلف قال: ( ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت )؛ لأنه لرفع الظلم عن المظلوم، فكيف ننتكس نحن ونقف إلى جنب الظالم؟! إنه هبوط ليس له حد أبداً، وهذا يكشف عن حال المسلمين وأنهم ملتصقون بالأرض، ولا يرفعهم إلا الذي رفعهم أول مرة، وبِم يرفعون؟ -هذا هو كلامنا طوال العام- بالرجوع إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف كوَّن تلك الأمة النورانية؟ هل كوَّنها بالجامعات والكليات والشطحات؟ لا. كونها في هذا المسجد، بتعليم الكتاب والحكمة والتزكية.

    لقد هجرنا بيوت الله وانتقلنا إلى أسوء الظروف والأحوال والاجتماعات، فكيف نصبح علماء ومؤمنين وربانيين؟ مستحيل! ومن أين سيأتي هذا؟! أن هذا علم يتلقى ويدخل في القلب ويسخر طاقات الإنسان: السمع والبصر واليد والرجل والفرج والبطن، فالكل مسخر لعلم الله عز وجل، فإذا كانت أمة من قرون لم تعرف هذا فكيف تظن بها؟

    [ثانياً: بيان ظلم وطغيان العاص بن وائل ، وهو الذي وقف في وجه الدعوة الإسلامية يحاربها حتى مات إلى جهنم] عليه لعائن الله.

    [ثالثاً: بيان مروءة الزبير بن عبد المطلب] في الجاهلية قبل الإسلام، فقد تجلت مروءته وصاح قائلاً: كيف نسكت على الظلم ولا نضرب على يدي الظالم؟ [إذ هو الذي كان السبب في تكوين حلف الفضول، وإعادة حق الزبيدي إليه بعد انتزاعه من العاص بن وائل .

    رابعاً: بيان فضل بني هاشم على غيرهم، وحسبهم شرفاً مفاخرهم الجمة، وكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم] نعم. بنو هاشم هم سادات العرب وأشرافهم.

    [خامساً: تقرير الكمال المحمدي وتأكيده] بماذا؟ [بحضوره صلى الله عليه وسلم هذا الحلف] حلف الفضول [ومفاخرته به في قوله الثابت الصحيح: ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم )] والمراد من حمر النعم الإبل الحمراء، فهي ذات قيمة على السوداء والبيضاء؛ إذ كانت هي أموالهم فليس ثمة بنوك ولا مستودعات للمال، ولكن الإبل هي رأس مالهم، فبقدر ما يملك الرجل من الإبل فهو في غناه، ثم الجزيرة ليس فيها إلا الإبل، لا مصانع ولا مزارع، قال: [( ولو أدعى به في الإسلام لأجبت )] فلو تقاتلت -مثلاً- إيطاليا مع فرنسا وتحاربتا، وعرفنا أن إيطاليا مظلومة، وقال بعض الدول: نتعاون على ضرب هذا الظالم وتأديبه فهل يجوز الدخول معهم؟ والله يجوز. وأينما وُجد حلف لضرب الظالم وتأديبه وصرفه عن ظلمه جاز الدخول فيه، وأعيد لكم كلمة نبيكم صلى الله عليه وسلم إذ قال: ( ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ).

    [سادساً: عدم انتفاع العبد بما يعمله من الخيرات والصالحات إذا مات مشركاً] مهما عمل المرء ومات مشركاً لا ينتفع بذلك [لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لـعائشة وقد سألته عن عبد الله بن جدعان : ( إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )] فكيف ينفعه ما أنفقه من مال ومتاع؟ [أي: لا ينفعه عمله الصالح لموته على الشرك والكفر] والعياذ بالله.

    المظهر السابع: رغبة خديجة فيه وزواجها به صلى الله عليه وسلم

    قال: [وسابع الكاملات المحمدية هو: رغبة خديجة فيه وزواجها به صلى الله عليه وسلم] ووالله لو جمعتم نساء العالم الآن ما كن كـخديجة ، ولا وصلن إلى مستواها في كمالها، ولو جمعتم الجامعيات كلهن -أما الجاهلات مثل أمي فاتركوهن- ما كن كـخديجة ، إنها هبات الله وعطاياه [إنه صلى الله عليه وسلم لما تجاوز العشرين من عمره، وحضر حلف الفضول، وَقَبلَه تحكيم قريش له في وضع الحجر الأسود] استطاع صلى الله عليه وسلم أن يحل مشكلة -والله- لا تحلها الأمم المتحدة ولا تقدر عليها، فقد كادت قبائل قريش أن تتقاتل فجاء صلى الله عليه وسلم وحل المشكلة بابتسامة، وطأطئوا رءوسهم وقالوا: هذا محمد الأمين! [واشتهاره بالصدق والوفاء والأمانة والعفة والنزاهة] كل هذا حاصل؛ فقد اشتهر بالصدق في حديثه، والوفاء في وعوده، والأمانة فيما يؤتمن عليه، وبالعفة والنزاهة عن كل ما من شأنه أن ترغب فيه الأهواء والشياطين [زيادة على شرف الأصل، وطيب المحتد، وكان بمكة امرأة سرية ثرية] سيدة وغنية أيضاً [ذات كمالات نفسية من خلق فاضل، وأدب رفيع، تلك هي خديجة بنت خويلد الأسدية القرشية رضي الله تعالى عنها، وقد بلغها من مظاهر الكمال المحمدي ما جعلها تعرض عليه الاتجار بمالها] فقد بلغها عن صدقه ووفائه وأمانته وشجاعته، فعرضت عليه أن يتجر لها في مالها [ليوفر لها دخلاً مادياً يستغني به عن كفالة عمه أبي طالب ] إذاً: ليوفر له هو ليس لها هي فقط، دخلاً مادياً يستغني به -أي: الرسول- عن كفالة عمه أبي طالب [ورفادته].

    [ورضي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بالعرض وقبل الطلب وخرج في قافلة تجارية إلى الشام، ويصحبه لخدمته غلام خديجة المسمى بـميسرة ] هذا غلام لـخديجة قالت له: اخرج مع محمد في التجارة لتخدمه [وهذه] هي [المرة الثانية التي يسافر فيها صلى الله عليه وسلم إلى الشام؛ إذ الأولى كانت مع عمه وفي صباه، وقد تقدم الحديث عنها في رابع الكمالات المحمدية.

    ومن الآيات التي شاهدها ميسرة ] خادم خديجة [في سفره مع الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه رأى ملكين يظللانه من حر الشمس إذا اشتدت الهاجرة، كما أنه صلى الله عليه وسلم نزل يوماً تحت ظل شجرة قريبة من صومعة راهب فرآه الراهب، فسأل ميسرة عنه، فقال له: هو رجل من أهل الحرم قرشي، فقال له الراهب: إنه ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، وذلك لما شاهد من آيات النبوة التي تلوح لكل ذي بصيرة وتأمل.

    كما قال الأعرابي الذي نظر لأول مرة إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما هو بوجه كذاب!!] هذا أعرابي بدوي عندما نظر إلى وجه الرسول صلى الله عليه وسلم تفرّس وقال: والله ما هو بوجه كذاب!

    [وعاد الحبيب صلى الله عليه وسلم بتجارة رابحة وسرت خديجة ، وزادها سروراً ما أنبأها به غلامها ميسرة من خبر الراهب وأمر الملكين اللذين يظللانه من حر الشمس، فرغبت لذلك -ولغيره- في الزواج به صلى الله عليه وسلم وعمره يومئذ خمسة وعشرون عاماً، وعمرها ما بين الخامسة والثلاثين والأربعين من السنين] فهي أكبر منه عمراً [وقد تزوجت قبله صلى الله عليه وسلم أبا هالة زرارة التميمي ، وتزوجت قبل هذا بـعتيق بن عائذ المخزومي ، وولدت له ابناً يدعى هنداً ، وبهذا كان كل من هند وهالة ربيباً للنبي صلى الله عليه وسلم] والربيب هو ابن الزوجة.

    قال: [خطبة الزواج الميمون:

    وكانت الخطبة كالتالي: بعثت خديجة إليه صلى الله عليه وسلم تقول: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسِطتك] بين الناس [في قومك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها ليتزوجها، وكانت رضي الله عنها يومئذ من أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً ، وكل واحد من قومها كان حريصاً على الزواج بها لو يقدر على ذلك.

    فذكر صلى الله عليه وسلم لأعمامه] الموجودون [فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب حتى دخلا على والدها خويلد بن أسد فخطباها إليه فزوجها] وافق [وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بَكرة] البكرة من الإبل؛ إذ هذا هو المال [وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج غيرها حتى توفاها الله، وانتقلت إلى جواره] هذه كلمة طيبة للسيدات!. إذاً لم يزعجها بضرة تضارها حتى ماتت [وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها إلا ما كان من إبراهيم فإنه ابن مارية القبطية المصرية] وباقي الأولاد كلهم من خديجة .

    إذاً: [نتائج وعبر هذا المظهر: إن لهذا المظهر من مظاهر الكمال المحمدي نتائج وعبراً نجملها إزاء النقاط التالية:

    أولاً: تقرير النبوة المحمدية برؤية الملكين يظللانه من حر الشمس.

    ثانياً: شهادة الله له بالنبوة، وهي شهادة عالم وكفى بها شهادة.

    ثالثاً: بيان ما حبا الله تعالى به نبيه من الكمالات النفسية التي رغبت خديجة في الزواج به.

    رابعاً: مشروعية إبداء المرأة رغبتها في الرجل تريد الزواج به] وننبه إلى فتنة دائرة بين العوام والضلال: وهي أنه لا يحل لك يا ابن الإسلام! أن تتصل بالبنت وتخطبها عن طريق التلفون أو المراسلة وأبوها معها وأمها؛ لأنها بكر، لكن لو كانت ثيباً فلك أن تتصل بها، أما البكر فلا يحق لك أبداً أن تتكلم معها، ولكن اطلبها من أبيها أو أخيها أو وليها، وهذه فتنة موجودة سببها الجهل والضلال، أرأيت لو سمع بك الفحل أنك تتصل بابنته؟! لو كنا في عصر الجاهلية يلوي رأسك ويدق عظمك.

    خامساً: مشروعية الخطبة للزواج، وتولي ذلك قريب الزوج، كما تولى حمزة وأبو طالب خطبة خديجة من والدها خويلد بن أسد.

    سادساً: بيان شرف خديجة أم المؤمنين، وهي حقاً سيدة نساء أهل قريش، وقد جاء جبريل عليه السلام ببشارة لها من أعظم البشريات، جاء بها من الله عز وجل وهي: إن الله يقول لك -يريد رسول الله- أقرئ خديجة مني السلام، وبشرها بقصر في الجنة من قصب.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.