إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 13للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت رضاعة النبي صلى الله عليه وسلم آية كما هو حاله في كل شئونه، فقد أرضعته حليمة السعدية حولين كاملين، وكان طيلة هذه العامين بركة على أهل بيت حليمة، فمنذ نزوله عندهم لمسوا البركة في أنفسهم وأنعامهم وأرزاقهم، وبعد أن مكث في بني سعد ما شاء الله أن يمكث عاد إلى أمه في مكة فكفلته حتى ماتت فكفله جده عبد المطلب، وبعد وفاة جده عبد المطلب انتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب، وما زال في كفالته حتى شب صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    تابع رضاع الحبيب ومراضعه صلى الله عليه وآله

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه المقطوعة [رضاع الحبيب ومراضعه صلى الله عليه وآله].

    قال المؤلف غفر الله لنا وله ورحمنا وإياه: [إن أول مرضع -تشرفت برضاعه صلى الله عليه وسلم- والدته الشريفة العفيفة الطيبةُ الأردان آمنة بنت وهب الزهرية ، التي رأت من آيات النبوة ما رأت، ثم ثويبة مولاة أبي لهب التي أرضعت عمه حمزة كذلك، فكان أخاً للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وهو عمه صنو أبيه. ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية من بني سعد بن بكر؛ رضع مع ابنتها الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى ، وقد رأت في إرضاعه صلى الله عليه وسلم آيات] علامات النبوة والتوحيد [فلنتركها رضي الله عنها تحدثنا بنفسها عما شاهدت من آيات نبوته صلى الله عليه وسلم] فلنترك هذه السعدية تحدثنا عن نفسها عما رأت من الآيات.

    [إنها قالت: خرجت من بلدي مع زوجي] والمراد من البلد البادية التي كانت تسكنها مع زوجها [وابنٍ صغير لنا نرضعه] كان معها ابن صغير لها ترضعه [في نسوة من بني سعد نلتمس الرضعاء] خرجوا من بلدهم وأتوا مكة يلتمسون الرضعاء؛ ليرضعوا بأجرة -على عادتهم-.

    قالت: [وذلك في سنة شهباء] أي: سنة قحط وجدب، لا عشب فيها ولا لبن [لم تبق لنا شيئاً] ماتت الماشية على اختلاف أنواعها [خرجنا على أتان لنا] تعني: حمارة، فأنثى الحمار يقال لها أتان [قمراء] أي: لونها كلون القمر، بيضاء [ومعنا شارف لنا] أي: ناقة كبيرة السن [والله ما تبض بقطرة] لا تسقط قطرة لبن من ضرعها للجدب والجوع وقلة الأكل [وما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا الذي معنا من الجوع] لا ينامون الليل؛ لأن الصبي الذي معهم يبكي طوال الليل، فكيف ينامون؟! قولوا: الحمد لله! فهل بيننا جائع؟ وهل نحن أفضل من هؤلاء؟ لا أبداً.. وإنما ابتلاء الخالق لخلقه، وامتحان لا أقل ولا أكثر؛ إذ قال عز من قائل: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ومن عوفي فليحمد الله، فالحمد لله على أن الطعام متوفر لنا والشراب أيضاً، وحتى الكساء، فليس بيننا عارٍ، فالحمد لله.

    قالت: [إذ ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج] الله أكبر! مشركون يرجون الله عز وجل وينتظرون الفرج منه، ليسوا ككفار اليوم، ولكن قلوبهم مع الله [خرجنا نلتمس رضعاء في مكة، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم] مجموعة النسوة الرضع اللائي جئن من بادية بني سعد أو بكر ما من امرأة يعرض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وتقول: لا، لا؛ يتيم ماذا نستفيد منه؟! يردن رضعاء من الأغنياء، حتى يستفيدوا منهم. إنه امتحان الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    [وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي] كانوا يرجون الخير من والد الصبي [فما بقيت امرأة قدمت معنا إلا أخذت رضيعاً غيري] هي الوحيدة التي بقيت بدون رضيع [فلما أجمعنا العودة] وعزمنا على أن نرجع [إلى بلدنا، قلت لزوجي: والله! إني لأكره أن أرجع ولم آخذ رضيعاً] أي: بعد هذه المسافة والسفر أرجع ولا رضيع معي [والله! لأذهبن إلى ذلك اليتيم فآخذه] حمرت عينيها في زوجها، وحلفت: والله! لأذهبن إلى ذلك اليتيم وآخذه، فكيف أرجع هكذا بلا رضيع [فقال لي: لا عليك أن تفعلي] عجيب هذا الرجل [ عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة] سبحان الله! وما عرفوا الإسلام بعد، ولا معنى لا إله إلا الله، رحم الله امرءاً قال: "كفار العرب أشراف الكفار بالنسبة إلى هذا النوع الهابط من الإلحاد" فانظر إلى هذه الكافرة كيف تقول هذا الكلام هي وزوجها!!

    [فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على ذلك إلا أنني لم أجد غيره] لم تعرف أنه سيكون رسول الله، ولا أن الآيات والكرامات ستتجلى بعد أخذه، وإنما كيف تعود بلا رضيع وقد مشت تلك المسافات، فأخذته -فقط- ولو لم يكن هناك معروف من أهله [فلما رجعت به إلى رحلي] حيث كانوا ينزلون [ووضعته في حجري: أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن] بمجرد أن وضعته في حجرها وألقمته ثديها أقبل عليه ثدياها باللبن. إنها آيات النبوة! [فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي] وأخوه من الرضاعة ابنها الذي جاءت به. قالت [ثم نام، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل] يكاد اللبن يخرج بلا حلب [فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة، فلما أصبحنا، قال لي زوجي: تعلمين، -والله!- يا حليمة ! لقد أخذت نسمة مباركة] والنسمة: الإنسان [قالت: والله! إني لأرجو ذلك.

    ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله! لقطعت بالركب: ما يقدر عليها شيء من حمرهم] انطلقت تلك الأتان، وسبقت كل الركائب التي كانت معها [حتى إن صواحبي] من النسوة [قلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب ! ويحكِ أربعي علينا] أي: لا تسرعي وتتركينا [أليست هذه أتانك] التي كنت تركبين؟! [التي كنت خرجت عليها؟ فقلت لهن: بلى والله! إنها لهي هي] ليست خيلاً أو دابة أخرى، وإنما هي هي [فقلن: والله! إن لها لشأناً. ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي -حين قدمنا به معنا-] حين قدمنا بالرضيع صلى الله عليه وسلم [شباعاً لبناً، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع] إلا هم [حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه (أي سنتا رضاعه) وفصلته] أي: من الرضاع؛ لأن الرضاع مدته عامان؛ قال الله تعالى: حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233].

    [وكان يَشِبُّ شباباً لا يشبه الغلمان] يكبر كبراً ليس كالأولاد الصغار، ولكن بسرعة عجيبة، هذه بركة الله!

    [فلم يبلغ سنتيه] أي: عامي الرضاع [حتى كان غلاماً خفراً (غليظاً شديداً) فقدمنا به على أمه] بمكة [ونحن أحرص شيء على مكثه فينا] تريد أن ترجع به مرة أخرى إلى البادية [لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه] آمنة بنت وهب [وقلت لها: لو تركت بُنيَّ عندي حتى يغلظ] ويشتد [فإني أخشى عليه وباء مكة] وهل في مكة وباء؟! على كل تحتال؛ لأن المدن فيها ما فيها بخلاف البادية [فلم نزل بها] أي: نراودها [حتى ردته معنا فرجعنا به، وبعد مقدمنا بأشهر، وإنه لفي بهمٍ لنا] أي في ماشية [مع أخيه خلف بيوتنا] مع أخيه في الرضاعة خلف البيوت في بهم من الماشية [إذ أتانا أخوه يشتد] يجري [فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان، عليهما ثيابٌ بيض، فأضجعاه] في الأرض [فشقا بطنه] هذا الغلام فزع.

    [قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائما منتقعاً (متغيراً) وجهه] متغير الوجه واللون [فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: جاء لي رجلان عليهما ثيابٌ بيض، فأضجعاني وشقا بطني، فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو، فرجعنا به إلى خبائنا] التمسا من بطن الرسول صلى الله عليه وسلم المركز الذي يحله الشيطان وينزل به؛ لأنه يُهيأ لئلا يقوى الشيطان على أن يوسوس له أو يزين له الباطل، بمعنى أنهم هدموا المحطة الشيطانية.

    [وقال لي أبوه: يا حليمة ! لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك له] خاف أن يصاب بمرض أو كذا.. فقال لزوجته: عجلي وألحقيه بأهله [ فاحتملناه، فقدمنا به على أمه] بمكة [فقالت: ما أقدمك به يا ظئر] والظئر: هي المرضع ذات العطف والحنان على من ترضع، ليست مرضعاً عادية تريد المال فقط، [وقد كنتِ حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟! فقلت لها: قد بلغ الند بابني، وقضيت الذي علي] أي: قضت ما عليها من دين، وما أصبحت في حاجة إلى المال، فلهذا رجعت به، وهي حيلة حتى لا تعلم أمه بما جرى لولدها من شق بطنه [وتخوفت الأحداث عليه، فأديته إليك كما تحبين] سليماً معافى.

    [قالت: ما هذا شأنك، فاصدقيني خبرك]. آمنة تفرست أن المرضعة تستر شيئاً عظيماً [فلم تدعني حتى أخبرتها] أي: لازمتها آمنة حتى أخبرتها [قالت: أفتخوفتِ عليه الشيطان؟] آمنة تقول للسعدية [قلت: نعم. قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبني لشأناً، أفلا أخبرك به؟ قلت: بلى] أي: أخبريني [قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بُصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله! ما رأيت من حمل قط] أي: من أوجاع وآلام وأتعاب الحمل [كان أخف عليّ ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة] أي: اتركيه وعودي إلى أهلك راشدة.

    قال المؤلف: [هكذا كان استرضاعه صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد، شأنه شأن أبناء سادات قريش، يرضعون أولادهم في البوادي ليصحوا أجساماً، ويفصحوا لساناً، ويقووا جناناً] فأغنياء مكة هم الذين يرسلون أولادهم للبادية من أجل أن يكبروا أصحاء في أبدانهم، وفصحاء في منطقهم [ولقد قال مرة صلى الله عليه وسلم معتزاً بشرف أصله واسترضاعه في البادية:] قال فداه أبي وأمي: [( أنا أعربكم، أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر )] اعتز بهذه الحال، وقال: (أنا أعربكم) أي: أمتنكم عراقة في العروبية، فأنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر.

    1.   

    نتائج وعبر من مقطوعة (رضاع الحبيب ومراضعه صلى الله عليه وآله)

    قال: [نتائج وعبر: لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبر نوجزها فيما يأتي:

    أولاً: بيان عدد مرضعاته صلى الله عليه وسلم وأنهن ثلاث: الأم السريّة آمنة ، وثويبة مولاة عمه أبي لهب ، وحليمة السعدية رضي الله عنها].

    إذاً: كم مرضعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثلاث مرضعات: آمنة وحليمة وثويبة . الأولى: أمه، والثانية: ثويبة . والثالثة: حليمة السعدية .

    [ثانياً: بيان مدة رضاعه، وأنها كانت حولين كاملين، وهي المدة التي قررها الإسلام] فيما بعد؛ إذ قال تعالى: حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233].

    [ثالثاً: بيان ما نال حليمة السعدية وأسرتها من خير وبركة، وما فازت من شرف -لا يقادر قدره- بإرضاعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبها له.

    رابعاً: حب النبي صلى الله عليه وسلم موجب للخير دافع للشر] وجرب تجد، فحب النبي صلى الله عليه وسلم موجب للخير دافع للشر [فإن حب أبي لهب له لما بشر بولادته نفعه] أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، لما بشر بأن عبد الله أخاه ولد له ولد فرح [فرؤي في المنام وأنه يعذب لموته على الشرك والكفر إلا أنه يمتص من أنملته ماء كل يوم إثنين، وهو يوم ولادته صلى الله عليه وسلم وتبشيره به] هو في النار للشرك والكفر، ولكن رؤي في المنام يمتص يوم الإثنين ماء من أنملته، مقابل ذلك الحب الذي أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، قبل أن يكون رسولاً.

    ومعنى هذا أن حب الرسول الصادق لن يعدم العبد جوازيه إذا كان حباً صادقاً.

    [خامساً: تقرير الإسلام لمشروعية الإرضاع حولين كاملين لمن أراد ذلك] أقر الإسلام هذه العادة وأصبحت ديناً وشرعاً وقانوناً.

    [سادساً: بيان إعداد الله تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي عنه بشق صدره، ونزع مغمز الشيطان منه حتى لا يبقى له محل ينزل به ليوسوس] خرب عز وجل تلك المحطة، أما محطاتنا فهي تعمل الليل والنهار.

    [سابعاً: بيان آيات نبوته التي رأتها آمنة والدته يوم حملها ويوم وضعها] خرج منها نوراً أضاء قصور بُصرى بالشام.

    [ثامناً: جواز الاعتزاز بالخير الذي يعطيه الرب تبارك وتعالى عبده، ويكرمه به. لكن مع شكر المنعم سبحانه وتعالى على ما أولى العبد من خير وفضل].

    هذه نتائج وعبر تلك المقطوعة، والآن إلى مقطوعة أخرى ..

    1.   

    كفلاء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وحاضنته

    قال: [كفلاء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وحاضنته] والكفلاء: جمع كفيل، والحاضنات: جمع حاضنة.

    قال: [لقد عاد بالحبيب صلى الله عليه وسلم مرضعته حليمة السعدية لتكفله أمه آمنة ، ويرعاه جده عبد المطلب ] إذ جده ما زال موجوداً لم يمت، أما والده فقد توفي قبل ولادته [والله تعالى كالئ الكل وحافظهم، وبهذا كانت آمنة الوالدة أول كافل للنبي صلى الله عليه وسلم في صباه، وشاء الله تعالى أن تخرج آمنة بغلامها الزكي النقي الطاهر إلى يثرب (المدينة النبوية)] من مكة إلى المدينة تحمل غلامها معها [لتُزِيره أخواله من بني عدي بن النجار] جاءت به حتى تزوره أخواله ويعرفهم ويعرفونه [إذ هم أخوال أبيه وخال الأب خال الابن؛ لأن أم عبد المطلب والد عبد الله هي سلمى بنت عمر النجارية ] من بني النجار.

    [ولما وصلت آمنة الأبواء] قرية موجودة الآن ما بين مكة والمدينة قريبة من رابغ [-عائدة من المدينة إلى مكة- أدركتها المنية فماتت بها] لما جاءت أم النبي صلى الله عليه وسلم تزوِّر ولدها أخوال أبيه -وهم أخواله- وعادت، في طريقها حضرها الأجل وماتت بقرية تسمى الأبواء، وقد عرفنا: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بها وقف على قبرها وبكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟! قال: لقد استأذنت ربي في أن أزور أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي )، ومن شك في الحديث فعليه بالقرآن، قال تعالى من سورة التوبة: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113]، فمن مات على الشرك وانقضى لا يستغفر له المؤمن أبداً؛ لأنه نقض لحكم الله عز وجل، والعوام والضلال يقولون: أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.

    وأنا أقول: إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم وأمه في النار كسائر المشركين اليوم؛ إذ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد وقال: ( أين أبي يا رسول الله؟! قال: في النار ). لأنه مات كافراً، فلما غضب الرجل وتحرك حركة غير عادية قال: ( أبي وأبوك في النار ) والحديث رواه مسلم .

    ونحن عندنا علم ليس عند الآخرين، فالنار لا يخرج منها شريف أو غني أو وضيع أو ابن نبي أو أبو رسول، ولكن من زكى نفسه وطيبها وطهرها من أوزار الذنوب والآثام بواسطة العبادات وأدائها على الوجه الذي شرع الله، فالذي لم يصلِّ لله ركعة ولم يصم ساعة .. على أي شيء تزكو نفسه؟ أنعكس سنن الله؟!

    إذاً: على ماذا تزكو نفوس المشركين؟ هل عبدوا الله بشيء شرعه لتزكو نفوسهم؟

    الجواب: لا. هذا الجزء الأول.

    والثاني: أنا أرجو، وراجٍ أن أبوا النبي صلى الله عليه وسلم سينجحون في الامتحان في عرصات القيامة ويدخلون الجنة. هذا رجائي الخاص؛ لأن أصحاب الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة ورفضوها، أو جاء نور وبعدوا عنه، فمن هنا يمتحنون يوم القيامة، وليسوا وحدهم، وإنما كذلك ومن ولد لا يتكلم ولا يسمع، ومن فقد عقله في صباه، وأولاد الكافرين -أربعة أصناف في عرصات القيامة يمتحنهم الله عز وجل- يصدر الله أمره إليهم أن ادخلوا النار، فمن كان منهم متهيئاً لطاعة الله ورسوله -لو أعطي العقل أو السمع والبصر أو حضر وقت النبوة- يقول: مرحباً بقضاء الله ويمشي، فيُخالف به إلى الجنة، ومن كان -لو صح عقله وبدنه، أو حضر النبوة- يقف موقف أبي جهل وغيره يسخر ويستهزئ ولا يعبد الله، يقول: لن ندخل النار، وكيف ندخل النار؟ يلزم ويقهر عليها.

    فهمتم رجائي إن شاء الله.. رجاء أنهم يمتحنون كغيرهم ويستجيبون؛ لأن مظاهر اللين والطيبوبة في آمنة تدل على أنه لو بعث الرسول صلى الله عليه وسلم وشاهدت النبوة لكانت وراءها تجري، ووالده كذلك كان خيراً طيباً، ولا أظن أنه يقف موقف أبي لهب أو أبي جهل ، وقد لا يقبلها منكم العلماء، فإن فهمت عني وطابت نفسك وتلاءمت مع ما أقول فبها ونعمت، وإلا أنت وما عليه.

    [وحضنت الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم الغلام اليافع مولاة أبيه أم أيمن ] أم أيمن كانت عبده مملوكة لـعبد الله فورثها ابنه، وقد كانت مع أمه، فلما ماتت أمه تولى حضانته أم أيمن ، واسمها: [بركة -باركها الله ورضي عنها-] لأنها حضرت الإسلام وأسلمت [إنها أم أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن حبه زيد بن حارثة مولاه -رضي الله عنه وأرضاه-] فـبركة هذه كانت مولاة لـعبد الله بن عبد المطلب ، فلما مات الوالد ورثها الابن (الرسول صلى الله عليه وسلم)، وكانت مع أمه، فلما ماتت أمه في الطريق حضنته بركة ، ثم بركة زوجها الرسول صلى الله عليه وسلم بمولاه زيد بن حارثة ، فولدت له أسامة ، هذا هو حب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عاشت حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم وزارها أبو بكر وعمر ، فما إن دخلا عليها وسلما حتى اندلعت بالبكاء، فبكيا معها بكاء مراً، فقالوا: ما يبكيك؟ فقالت: أبكي؛ لأن جبريل كان يتردد على ديارنا وانقطع عنها.

    [فوصلت به حاضنته أم أيمن مكة المكرمة، فسلمته إلى جده عبد المطلب فكفله] وكان شيخ مكة ورئيسها [فكان ثاني الكفلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد لقي محمد الغلام الطاهر من الحفاوة والتكريم والإجلال والتقدير من جده الكفيل ما لا يقادر قدره، ولا يُعرف مداه] يكاد يُدخله في جوفه. لقد ألقى الله حبه في قلبه!!

    [ومات الجد الرحيم والكافل الكريم، وسن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات] مات الجد الكفيل وسن النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنوات فقط [ليكفله -بوصية خصوصية من عبد المطلب - عمه أبو طالب ] الجد عبد المطلب وصى ولده أبا طالب من بين أولاده الأربعة أو الخمسة بأن يكفل محمداً. وهذا من تدبير ذي العرش لرسوله صلى الله عليه وسلم [وهو شقيق أبيه، فكان أبو طالب ثالث الكفلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صباه] قبل البلوغ [وما زال في كفالته حتى بلغ سن الرشد] الخامس عشرة [ثم لازمه أبو طالب العم الكفيل فلم يتركه ولم يسلمه لقريب ولا لبعيد؛ حتى قبضه الله في السنة الحادية عشرة من البعثة النبوية العظيمة] وقصة موته معروفة، فعندما زاره في مرضه رجال من قريش، أبو جهل وغيره .. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: ( يا عم! قل: لا إله إلا الله! كلمة أحاج لك بها عند الله )، فما زال يراوده حتى قال -والعياذ بالله-: ( هو على ملة عبد المطلب )؛ لأن الحاضرين قالوا له: (أترغب عن ملة عبد المطلب ؟!) أتترك دين آبائك وأجدادك؟! فقال: هو على ملة عبد المطلب ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه.

    [ومات أبو طالب -مع الأسف- على غير ملة الإسلام لما سبق في قضاء الله أنه يموت غير مسلم، ولا راد لما قضى الله].

    1.   

    نتائج وعبر من مقطوعة (كفلاء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وحاضنته)

    [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً هي كالتالي:

    أولاً: بيان يتم النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ مات والده وهو حمل لم يولد بعد، وماتت والدته وهو في السادسة من عمره، وفي القرآن الكريم: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6].

    ثانياً: بيان من شرفه الله تعالى بكفالة نبيه أيام طفولته صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: بيان شرف بركة أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أكرمها الله بحضانته بعد وفاة أمه صلى الله عليه وسلم.

    رابعاً: تقرير عقيدة القضاء والقدر، وأن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه كذلك؛ إذ رفعت الأقلام وجفت الصحف بما هو كائن.

    خامساً: بيان أن فعل الخير لا يعدم فاعله جوازيه، فإن أبا طالب أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه أنه في النار لموته على غير الإسلام، وأخبر أنه يُخفف عنه العذاب؛ لما قدَّم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عونٍ وحماية طيلة حياته معه في مكة].

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا وإياكم من محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسائرين في مسلكه الفائزين الناجين إن شاء الله.