إسلام ويب

اجتهاد السلف في العبادةللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بلغ السلف الصالح في عبادتهم الثريا، وعلى رأسهم خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الدرس تكلم الشيخ عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن اجتهاد الصحابة من بعده في العبادة، ثم ذكر العديد من قصص التابعين وغيرهم ممن لنا بهم الأسوة والقدوة.

    1.   

    عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن العنوان كما استمعتم: (اجتهاد السلف في العبادة) ومن هم السلف؟ كل من سبقنا بخير فهو سلفنا -إن شاء الله تعالى- ونتكلم عن اجتهادهم في العبادة؛ لنعرف تقصيرنا، وكل واحد منا عندما يسمع هذه الكلمات يعرف كم هو مقصر، وكم هو كسولٌ في طاعة الله، وما الذي ينبغي علينا أن نصل إليه؟

    ثم بعده نرجو رحمة الله عز وجل.

    اسمع إليهم -يا عبد الله- وإياك إياك أن تيأس من روح الله، فإنه من اجتهد يسر الله له السبيل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    ثانياً: اعلم أن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، واعلم أن باب الرحمة مفتوح، وباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، واعلم يا عبد الله! أن رحمة الله وسعت كل شيء، وهو أشد رحمة من الأم بولدها لعباده، اسمع يا عبد الله وتدبر!

    تعبده في الليل

    إذا ذكرنا السلف كان في مقدمتهم خير الخلق محمد عليه الصلاة والسلام، اسمع إليه -يا عبد الله- كيف كان يتعبد ربه جل وعلا وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! يقول حذيفة: (في ليلة من الليالي صليت وراءه فاستفتح سورة البقرة، يقول: فقلت سوف يركع عند المائة فأكمل، قلت: عند المائة الثانية.. فأكمل، حتى ختم سور البقرة بركعة، يقول: ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه نحواً من ركوعه -وفي رواية-: أنه قرأ البقرة والنساء وآل عمران والمائدة والأنعام في أربع ركعات) إنه النبي صلى الله عليه وسلم.

    يدخل عليه بلال في ليلة من الليالي وقد قام حتى تفطرت قدماه، فقال: (يا رسول الله! تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد أنزلت عليَّ الليلة آيات، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191]).

    يقول علي بن أبي طالب: [ما منا فارسٌ يوم بدر غير المقداد -يتحدث عن معركة بدر - ثم يقول: ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم -أي: كلنا نمنا من شدة المعركة- يقول: غير رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه كان تحت شجرة يصلي ويبكي حتى الصباح].

    نام الصحابة كلهم إلا هو، قائمٌ تحت شجرة يقرأ القرآن ويصلي حتى أصبح الصباح، أرأيت؟ نعم غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ ولكن إنه العبد سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى [الإسراء:1] هل قال: برسوله؟ هل قال: بنبيه؟ لا. بل قال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء:1] هذا مقام تشريف، كيف شرف الله نبيه بهذا الاسم، بأنه عبد لله عز وجل وقد أمر الله بالعبودية فقال: وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:61].

    يقول ابن مسعود: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قمت الليل بآية واحدة إلى الصباح تبكي وترددها، لو فعلها واحدٌ منا لوجدنا عليه -أي: حزنا عليه، ليلة كلها تقوم بهذه الآية؟: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118] يرددها طوال الليل، حتى سجد وبكى وقال: اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي، فأوحى الله إلى جبريل: يا جبريل! أخبر محمداً أنا سنرضيك في أمتك) يبكي الليل كله ويقومه بآية.. إنها العبودية.

    إنه مقام عظيم لا يصله أي إنسان.. تتشقق الرجل وهو لا يشعر بها.. إنها حالٌ ترقى بالإنسان إلى درجة أنه يتلذذ بالعبادة ولا يشعر بالألم، لو تفطرت القدمان لا يشعر بهما؛ لأن قلبه متصلٌ بالخالق، إن الجسد على الأرض وإن الروح في السماء، يطير في الملكوت الأعلى، قلبه تحت العرش، كيف يتألم من هذا حاله؟!

    اسمع يا عبد الله! إلى من تحته ومن بعده.

    1.   

    عبادة الصحابة رضوان الله عليهم

    عمر وعبادته لله

    يقول الفاروق عمر رضي الله عنه: [لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا -ما هي الثلاث؟ دينار؟ درهم؟ قصور؟ أكل وشرب؟ لا يا عبد الله، يقول: لولا أن أحمل على الجهاد في سبيل الله] الأولى: الجهاد، يقول: هذا الذي يبقيني في الدنيا.. الجهاد في سبيل الله، أصوات الخيل، ونحن نقول الآن: سل المجاهد ما هي أحلى أيام حياتك؟ يقول: والله لو فكرت في الدنيا وتصفحت أيامها فإن أحلى أيامها تلك الليلة التي كنا نسمع فيها أصوات المدافع، وإطلاق الصواريخ، وعلى رءوسنا الطائرات، يقول: تلك كانت أحلى الليالي في الحياة، فهذا عمر كان يعيش في هذه الروح.

    والثانية: [مكابدة الليل] الليل مجاهدة، يا عبد الله! إن من الناس اليوم أول ما يأتيه الليل ينام وهو لا يشعر، أمام التلفاز، أو يجالس فلانة، أو في المباريات، أو عند الأفلام، أو يستمع للأغاني، من منا في الليل يجاهد نفسه ويتعب نفسه في قيام الليل؟!

    والثالثة: [مجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر].

    يقول هشام بن حسن: كان عمر يمر بالآية في ورده فتخنقه العبرة، يقرأ القرآن فيبكي حتى يختنق من شدة البكاء، فيسقط على الأرض، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضاً، هل به مرض؟ لا. إنه القرآن.. إنها العبادة.. إنه الخوف من الله جل وعلا.

    صلى يوماً بالناس فقرأ سورة يوسف فوصل إلى قول الله جل وعلا: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86] فتوقف، وأخذ يبكي، حتى سُمع نشيجه من وراء الصفوف، ولم يستطع أن يتم الصلاة، عمر يبكي من هذه الآية؟! عمر في يوم من الأيام وأد بنته وكان يسجد للصنم، أما اليوم فإنه يبكي من هذه الآية، ما السبب؟ إنها العبودية لله جل وعلا، إنه حب الله سبحانه وتعالى، إنه الخوف من عذابه تبارك وتعالى.

    وقفة مع عثمان وعبادته

    عثمان؛ إنه الخليفة الثالث الراشد رضي الله عنه، كان يقوم الليل كله فيختم القرآن.

    إياك أن تقول: خلاف السنة، ثم إن كان خلاف السنة، فأين نحن من السنة؟

    أين نحن من قيام الليل؟

    أين نحن من قراءة القرآن؟

    أين نحن من الخشوع؟

    أسألك بالله: متى قمت الليل؟

    بعضكم يجيب يقول: من رمضان إلى اليوم، واقترب رمضان الآخر.

    كم مرة قمت الليل؟

    هل تصلي الوتر؟

    كم مرة من المرات قمت آخر الليل ورفعت يديك لله عز وجل؟

    كان عثمان من شدة اللذة ينسى نفسه.. يختم القرآن في ليلة واحدة، إنه عثمان الذي قال ابن عباس في قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ [الزمر:9] ذاك عثمان، قانت ماذا يفعل؟

    سهران على التلفاز.. قانت في المجالس يشرب الشاي والقهوة؟ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    ثبات عباد بن بشر في صلاته

    اسمع يا عبد الله إلى عباد بن بشر! انظر إلى باقي الأصحاب، وبقية السلف! هذا عباد بن بشر رضي الله عنه أحد الصحابة، يقوم حارساً للنبي صلى الله عليه وسلم هو وعمار على ثغر المسلمين، فيأتيه أحد المشركين في الليل وهو يصلي، فيراه أحد المشركين فيرميه بسهم وهو يصلي، فنزع السهم ورماه وأكمل صلاته، فرماه السهم الآخر، فنزع السهم ثم أكمل صلاته، ورماه بالسهم الثالث، فأتم صلاته وخففها، فانتبه عمار فقال له: ويحك لِـمَ لَـمْ توقظني؟ قال: والله لقد كنت أقرأ سورة وخشيت أن أقطعها، والذي نفسي بيده لولا أني كنت على ثغرٍ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لكان خروج نفسي أحب إليَّ من أن أقطع هذه السورة: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] بعض الناس يطمئن قلبه بسماع أغنية فلان أو فلانة، أو بمجلس طرب، أو أمام التلفاز، أو في ملاعب الكرة، يقول: هنا يطمئن قلبي! بئس القلب الذي مات وقسا، وران عليه ما ران، أما قلوب المؤمنين إذا سمعت ذكر الله اطمأنت واستبشرت، وانشرح الصدر بذكر الله جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    عبادة عبد الله بن عمر بن الخطاب

    ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن أبيه كان إذا قام الليل صلى -كل يصلي الليل إلا قليلاً منه ينامه- كان يقوم الليل ثم يسأل نافع بعد الركعتين، فيقول له: يا نافع! -مولاه- أسحرنا؟ فيقول: لا بعد، فيصلي، وبعد الركعتين يسأله: يا نافع! أسحرنا؟ فيصلي.. وهكذا حتى الفجر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام قال له: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل).

    جرب قيام الليل يا عبد الله! أنصحك نصيحة هذه الليلة اعزم القيام وإياك أن تبدأ بقوة وحماس فتصلي نصف الليل ثم في اليوم الثاني لا تصلي شيئاً، ابدأ قليلاً قليلاً وعود النفس.. ابدأ هذه الليلة بثلاث ركعات.. ربع ساعة.. نصف ساعة، ابدأ شيئاً قليلاً، وفي اليوم الثاني زد، وفي الثالث زد، وعوِّد النفس حتى تقوم ثلث الليل، وخير القيام قيام داود.

    1.   

    التابعون وعبادتهم

    عبادة علي بن الفضيل بن عياض

    اسمع يا عبد الله إلى الفضيل بن عياض! وأنا أظن أن أكثركم قد سمع بـالفضيل بن عياض الذي يسمى بعابد الحرمين، هذا الرجل من عبادته أنه كان إذا ذكر عنده الله أو سمع القرآن ظهر عليه من الحزن والخوف ويبكي حتى يرحمه من بحضرته، له ولد اسمه علي كان إذا صلى علي خلفه س وهو إمام في الصلاة، كان لا يرتل القرآن، لأنه يخاف على ابنه، لأن ابنه لا يتحمل القرآن، فكان إذا رأى ابنه خلفه قرأ القرآن قراءة عادية، وفي يومٍ من الأيام دخل ابنه في الصلاة، ولم يكن الفضيل يعلم أن ولده خلفه، فرتل الآيات، ووصل إلى قول الله جل وعلا: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] سمع ابنه يبكي، فخفف الصلاة، وبعد الصلاة وجد ابنه على الأرض، فحملوه ولكن فاضت الروح إلى بارئها: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    نعم! إنهم صالحون يخافون من ذلك اليوم.. يخاف أن يبدو له شيء آخر، أين أولئك الغافلون؟ أين الذين لا يصلون الفجر حتى تطلع الشمس؟ أين الذين قطعوا الأرحام؟ أين الذين نظروا للنساء وتمتعوا بالنظر إليهن؟ أين سماع الأغاني والطرب؟ أين هم؟ إن الصالحين يخافون إذا لقوا الله جل وعلا: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    عبادة سفيان الثوري

    سفيان الثوري رحمه الله يقول عنه عطاء: ما لقيته إلا باكياً، فقلت له: لماذا تكثر من البكاء؟

    -واسمع للإجابة ثم ضعها في قلبك وتفكر فيها، واجلس دقائق معدودة فكر في هذه الكلمات- قال سفيان الثوري: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً، أخاف أن الله كتب أنني في النار، أخاف أن الله في اللوح المحفوظ حكم علي أنني من أهل جهنم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60].

    أكثر أحيانه يرى كأنه في سفينة يخشى الغرق، دائماً يقول: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم، تجده باكياً، ويدعو بهذا الدعاء.

    يقول ثابت البناني رحمه الله: كنا نتبع جنازة فلا نرى سفيان -أي: الثوري - إلا متقنعاً باكياً متفكراً، يقول: هذه حاله، كلما رأيناه يبكي، نراه يخفي وجهه في الجنازة، ويجلس على زاوية ثم يأخذ يبكي، يتفكر في أحوال الموتى، اسمع إلى قول الشاعر ماذا يقول، وتفكر يا عبد الله:

    يا غافلاً عن منايا ساقها القدرُ     ما الذي بعد شيب الرأس تنتظرُ

    عاين بقلبك إن العين غافلةٌ     عن الحقيقة واعلم أنها سقرُ

    سوداء تزفر من غيضٍ إذا سعرت     للظالمين فما تبقي ولا تذرُ

    لو لم يكن لك غير الموت موعظة     لكان فيه عن اللذات مزدجرُ

    عبادة ثابت البناني

    ثابت البناني: يقول عنه جعفر: بكى ثابت حتى كادت عينه أن تذهب -أي: يعمى- فجاءوا بالطبيب قالوا: أدرك هذا الرجل سوف يصاب بالعمى، سوف تذهب عيناه، فقال له الطبيب: أعالجه على أن يطيعني قال: وما هو؟ قال: إذا أردت بقاء عينيك فلا تبكِ، فقال ثابت رحمه الله: وما خيرهما إن لم تبكيا؟ إذا كانت العين لا تبكي من خشية الله فما فائدتها؟ عينٌ لا تبكي من خشية الله لا خير فيها.. عينٌ لا تتأثر لما تسمع من آيات النار وآيات جهنم وأهوال القيامة ولا تدمع فلا خير فيها، يقول الله عن الصالحين: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء:109].

    عبادة زياد بن جرير

    يقول حفص بن حميد: واسمع إليهم يا عبد الله ثم حاسب نفسك، وانظر إلى حالك وحالهم- قال لي زياد بن جرير: اقرأ، قال: فأخذت أقرأ القرآن حتى وصلت إلى قول الله جل وعلا: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح:1-3] قال: فإذا به يبكي كما يبكي الصبي، فقلت: مالك؟ قال: فعل هذا برسول الله: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح:2-3] يقول: كيف بنا نحن؟! وزر رسول الله الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عليه الصلاة والسلام أنقض ظهره، ماذا نعمل نحن يا عباد الله؟!

    عبادة الفضيل بن عياض

    وهذا الفضيل بن عياض، يقول عنه إسحاق بن إبراهيم: كانت صلاته بالليل أكثر ذلك قاعداً لا يتحمل القيام، كان يقعد في الليل فيصلي، تُلقى له حصيرة في المسجد -الآن تخيل حال هذا الرجل- فيصلي من أول الليل ساعة، حتى تغلبه عينه فيلقي نفسه على الحصيرة في المسجد، فينام قليلاً ثم يقوم: فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم فيصلي ثم ينام، ثم يقوم فيصلي، حتى يطلع الفجر، ثم يقول لمن حوله: أشد العبادة ما يكون هكذا: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17].

    تأتي بنت فتقول لأبيها: يا أبت! الناس ينامون وأنت لا تنام؟! لم لا تنام يا أبي فكل الناس ينامون في الليل إلا أنت؟ فيقول: يا بنية! حر النار أذهب عن أبيك حب النوم: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    يقول محمد بن واسع: [أدركت رجالاً -لعلهم تابعين أو صحابة- كان الرجل له وسادة واحدة مع امرأته: قد بل ما تحت خده من دموعه وزوجته لا تشعر به] يبكي على وسادة واحدة في الليل وزوجته لا تعرف ذلك، لا يأتيه النوم من البكاء، أتعرف لمَ؟ إن الجواب في قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] النوم لا يأتيهم.

    قال بعضهم: عجباً لمن كانت النار تسعر تحته، والجنة تزين فوقه كيف ينام؟! ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، كيف ينام هذا الرجل؟!

    النار يا عبد الله! تحتك تتسعر، والجنة تزين وقد أزلفت للمتقين، والحور العين تنتظرك! فكيف تنام الليل كله؟!: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16].

    عبادة داود الطائي

    تقول أم سعيد ابنة علقمة: كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، وكنت أسمع حنينه عامة الليل.

    تقول: أسمع بكاءه في الليل.

    ماذا تسمع الآن في بيوت المسلمين؟ مر بالقرب منها فماذا تسمع فيها؟ الأغاني، والطرب، والتلفاز، والبث المباشر.

    عباد الله! ما الذي تغير؟ إن حب الله تغير وقل في القلوب إلا من رحم الله.. محبة الله قلت في قلوب الناس، ذكر الله أصبح في الألسنة قليل حتى أن بعضهم يقوم للصلاة وهو كسلان: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] وكأنه إذا دخل بيت الله دخل في سجن! وكأنه إذا قرأ القرآن يمل حتى ينتهي من المصحف، وإن كان عليه ورد قال: متى أنتهي من هذا الورد؟ سبحان الله! أصبحت عبادة الله سجن لبعض الناس.

    قبل قليل ولا أكتمكم خبراً جئت من الطائرة إلى هذا المكان فرأيت أمراً عجباً، ركبت في الطائرة وفيها بعض المسلمين وأكثرهم لعلهم نصارى من أشكالهم وهيئاتهم، وأول ما ركبنا الطائرة وطارت كان هناك معنا بعض الخليجيين، والله الذي لا إله غيره فزعوا من مقاعدهم ورجعوا إلى الخلف -انظر ما الذي جرى- كل منهم يأتي بكأسٍ من خمر ليشربها، لم يصدق أن الطائرة تطير، كأنه في قيد محبوس، يتمنى أن يتخلص من هذا القيد ليشرب كأساً.. مسكين لا يعلم أن هذا هو الحبس الحقيقي.. هذا هو السجن.. الأسر أسر الشهوة، العبودية إما لله وإما للشيطان، والشهوة إما في حلال أو في حرام، أنت عبدٌ، إما أن يأسرك هواك، وإما أن تعبد الله جلَّ وعلا وهذه هي الحرية الحقيقية! أنك لا تعبد إلا الله، ولا تقدم قولاً على غير الله، ولا تتلذذ إلا بطاعة الله جلَّ وعلا.

    عبادة عامر بن عبد الله بن الزبير

    عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام يروى عنه أنه في حالة الاحتضار قبل الموت سمع الأذان لصلاة المغرب، فقال لأولاده: احملوني، قالوا: يا أبتِ! أنت معذور وتحتضر فاجلس وصلِّ في البيت، قال: لا إله إلا الله! أسمع الأذان ولا أجيب، احملوني إلى الصلاة، فحملوه إلى المسجد وهو في صلاة المغرب، وفي السجدة الأخيرة سلم الروح إلى خالقها.

    انظر للعبادة! انظر للذة! انظر كيف أكرمه الله جلَّ وعلا!

    عودة إلى عبادة ثابت البناني

    انظر إلى جعفر بن سليمان يروي عن ثابت البناني الذي كادت عيناه أن تذهبا، اسمع إليه حين قرأ قول الله جلَّ وعلا: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة:1-7] يقول: تأكله إلى فؤاده وهو حينئذٍ، هكذا يبلغ بهم العذاب ثم انفجر بالبكاء، وأبكى الذين حوله جميعاً، أخذ يتفكر بأنه لا يموت يصل النار إلى القلب، تأكل النار قلبه وهو حي يشعر بالنار ولا يموت: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56].

    ما طريق هذه النار يا عبد الله؟! بداية هذه النار: الشهوات.. نظر إلى امرأة.. استماع للأغاني.. نوم عن الصلاة.. أكل الربا.. ظلم الناس.. الغيبة والنميمة.. الاستهزاء على خلق الله جل وعلا.. أكل الحرام.. استماع الحرام، هذه هي بداية النار، هذه أبوابها.

    لا تقل: أنا -الحمد لله- أقول: لا إله إلا الله، اعلم أن ممن يقول: لا إله إلا الله تصيبه النار، ومنهم من يمكث في النار سنين طويلة، ينسى ثم يخرج من النار كل موحد.

    يا عبد الله! الأمر ليس بهين، يؤتى في النار إلى الرأس والأقدام ثم تلصقان فينكسر ظهره: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41] يؤخذ برأسه وقدمه فيكسر ظهره ثم يرمى في النار، هل تخيلت هذا يا عبد الله؟! يأكل طعاماً فيغص به فلا يستطيع بلعه ولا إخراجه.. يأكل الشوك من شدة الجوع!

    يقول بعض السلف: إن الجوع في النار مثل عذاب النار، إذا سال فروج الزواني تسابق أهل النار ليأكلوها من شدة الجوع: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17].

    عبد الله! هذه هي النار، يجوع أهل النار فيأكلون طعاماً ذا غصة لا يستطيع أن يخرجه ولا يبتلعه، فيستغيث بالماء فيأتيه ماء، قال تعالى عنهم: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29] يؤتى بماء كالمهل فعندما يقرب رأسه ليشرب تسقط فروة رأسه قبل أن يشرب، فإن شرب تقطعت الأمعاء، وخرج الماء من دبره: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29].

    ثم تأتي فتسألني: لمَ كل هذا القيام؟ ولم هذا الصيام؟ ولمَ كثرة قراءة القرآن؟ ولمَ كانوا يبكون؟ لعلك عرفت لمَ كل ذلك، إذا عرفت فانتبه، واستقم على طاعة الله.

    1.   

    خوف السلف من الله

    قال يوسف: قال لي سفيان: ناولني المطهرة -إناء فيه ماء- يقول: ونحن نتوضأ في المسجد فناولته في المسجد، فوضع يده اليمنى على خده الأيمن، ووضع يساره على خده الأيسر -تخيل منظره الآن- يقول: ثم نمت، بعد أن رأيته على هذه الحال قال: فاستيقظت وقد طلع الفجر، فقلت له: يرحمك الله! منذ أن تركتك وأنت على هذه الحال؟ قال: نعم.

    تعرف لمَ؟ يقول: ما زلت أتفكر في أمر الآخرة: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37].

    من يجلس في المسجد؟

    كل الناس يخرجون.. من يجلس بعد العصر إلى المغرب؟

    بل من يجلس بعد الفجر إلى طلوع الشمس؟

    كل الناس يخرجون.. يهربون من بيوت الله لمَ؟

    بيعٌ وشراء إلا من رحم الله: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37] تعرف لمَ هذا المكث في بيوت الله: يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37] ماكث على هذه الحال من أول الليل إلى طلوع الفجر يقول: أتفكر في أمر الآخرة: يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37].

    يروى عن عبد الله بن المبارك أنه كان إذا صلى العصر، أتى إلى مسجد في المدينة يذكر الله حتى غروب الشمس، هذه حالهم كل يوم، بعد العصر لا يكلم أحداً ولا يكلمه أحد: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق:39].

    هل سمعت برجل اسمه مسروق؟ هذا الرجل أحد العلماء.. العباد الزهاد، تقول زوجته: إنها تجلس خلفه، وما كان يصبح -أي: لا يطلع الفجر- إلا وساقاه منتفختان.. أمن اللعب؟ أم من المباريات؟ أم لكثرة النوم؟ لا. تقول: وساقاه منتفختان من القيام، فإذا أذن الفجر تجلس خلفه تبكي على حاله، فإذا طلع الفجر يزحف كما يزحف البعير من شدة قيام الليل.

    ثابت البناني يقول عن نفسه: أنه كان إذا أذن الفجر عصر رجليه حتى يستطيع أن يمشي عليهما.

    من قدوتهم؟

    إنه المصطفى عليه الصلاة والسلام.. إنه الذي كان إذا قام الليل تفطَّرت قدماه.

    1.   

    قصة استجابة الله لدعاء إسكافي

    محمد بن المنكدر له قصة عجيبة غريبة، يقول: في يومٍ من الأيام قحط أهل المدينة، فخرجوا يستسقون فما سقوا -أي: ما نزل المطر- كل أهل المدينة، ومن أهل المدينة؟ إنهم الصالحون العباد، يقول: وكنت في تلك الليلة في المسجد وكان المسجد مظلماً، وقد اتكأت على سارية فدخل رجل لا أعرفه، ولم ينظر إليَّ وكان متوشحاً ببردة، فتقدم إلى المسجد، وجلس في الصف الأول وأخذ يصلي، وبعد أن انتهى من صلاته رفع يديه وأخذ يدعو الله ويثني عليه، ثم قال: أقسمت عليك يا رب لما سقيتهم -يقسم على الله أن يسقيهم المطر- يقول محمد بن المنكدر: قلت في نفسي: هذا الرجل مجنون، كل أهل المدينة خرجوا إلى الله يستسقونه وما سقاهم، وأنت تقسم على ربك أن ينزل المطر، فوالله ما أنزل يديه إلا والسماء ترعد، والمطر ينزل، يقول: فعجبت من أمره يقول: فأخذ يبكي، وهو يقول: من أنا حتى تستجيب لي؟ من أنا حتى تستجيب لي؟ عذت بحولك وقوتك، ثم أخذ يثني على ربَّه جلَّ وعلا، وأخذ يصلي حتى الفجر، يقول: فتبعته بعد الفجر حتى علمت منزله، وجئته في الصباح، فدخلت ونظرت فإذا هو إسكافي -أي: يصلح الأحذية- فقلت له: يا فلان! أنا صاحب البارحة الأولى في المسجد -أي: نظرت إليك وعلمت ما الذي جرى- فقال: يا أبا عبد الله! ما شأني وشأنك؟ يقول: فخرجت وانتظرته في اليوم الثاني فما جاء المسجد، وكذا اليوم الثالث فما جاء، يقول: فذهبت إلى البيت لأسأل عنه فقالت عجوزٌ عند البيت: يا أبا عبد الله! ماذا فعلت معه، منذ أن فارقته جمع أمتعته وخرج من البيت ولم يرجع إلى هذه الساعة، يقول: بحثت عنه في المدينة كلها فلم أره ولم أسمع به.

    انظر إلى هذه العبادة وإلى هذا الإخلاص.. يتلذذ بعبادة الله، ولا يحب أن يراه أحداً، ولا يسمع به أحد: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [الزمر:11].

    1.   

    وقفة مع الإمام أحمد بن حنبل

    الإمام أحمد يقول عنه ابنه عبد الله: دخلت عليه يوماً من الأيام في غرفة مظلمة، فوجدته متربعاً يبكي، فقلت له: يا أبي! ما شأنك؟ لمَ تجلس هذه الجلسة وتبكي؟ قال: يا بني! أتفكر في القبر وأهواله.. أتفكر في اليوم الآخر. فقلت: يا أبي! هلا اتكأت؟ -أي: أنت رجل كبير في السن هلاَّ استندت على الحائط؟- قال: أستحي أن أناجي ربي وأنا متكئ.

    شدة خوف الإمام أحمد من الله

    يدخل على الإمام أحمد أديب في يوم من الأيام فيقول له الإمام أحمد: ما عندك؟ -أي: من شعر- اسمع ماذا يقول الرجل قال:

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل     خلوت ولكن قل علي رقيبُ

    ولا تحسبن الله يغفل ساعة     ولا أن ما يخفى عليه يغيب

    فلما سمع الإمام أحمد الشعر قام من الدرس، ودخل الغرفة وأخذ يبكي وهو يردد هذا البيت.

    زهد الإمام أحمد

    عبد الله! يقول الإمام أحمد هل كان في الدنيا مثلنا؟ يعني أنه في خير ونعمة، يقول ابنه: كان عنده حذاء مكثت معه ثمان عشرة سنة، يقول: وكلما خرم الحذاء خصفه بيده، كان يصلح حذاءه بيديه.

    عبادة الإمام أحمد وصبره في السجن

    دخل الإمام أحمد على المعتصم فقال له المعتصم: يا إمام! قل مثل أصحابك فإني مشفقٌ عليك -أي: قل: إن القرآن مخلوق- لكنه ثبات على المبدأ والعقيدة، قل: القرآن مخلوق وانج بنفسك، فما قالها لأن القرآن كلام الله، فجاءوا إليه بأحد أصحابه، فقال له: يا إمام! قلها وانجُ بنفسك، فقال: يا فلان! انظر فنظر فإذا التلاميذ ألوفٌ مؤلفة بيدهم المحابر ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد؛ لينقلوا عنه للأمة؛ ليحفظ لها دينها.

    فإذا بـالمعتصم يأمر الجلادين ثم يعلق ويضرب مائة وستين سوطاً، لو ضرب بها البعير لمات، وهو يقول كلما يفيق: لا إله إلا الله حسبي الله ونعم الوكيل، ثم بعد أن ضرب رمي بالسجن ثمانية وعشرين شهراً، ولما رمي في السجن وكان السجن مظلماً، والجو بارداً يقول: تحسست بيدي فوجدت ماءً بارداً فتوضأت، فأخذت أصلي حتى الفجر، انظر إلى العبادة! إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.. ثمانية وعشرين شهراً سرد فيها الصوم كلها حتى ينجيه الله عزَّ وجلَّ مما هو فيه.

    يأتيه الملك -الخليفة- ويتعجب من أمره، فيأتيه بالطعام اللذيذ -الطعام الطيب- ويقول الإمام أحمد: والله لا أذوق له طعاماً، فكان يأكل من السويق؛ أردأ أنواع الطعام، يأكله ليسد به جوعه حتى حمل بعد أن خرج من السجن على فرس كاد أن يموت، ورمي في البيت طريحاً وكاد أن يموت رحمه الله.

    أرأيت العبادة؟! في أحلك الظروف وأضيقها صلاة وصياماً: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    1.   

    وقفة مع عمر بن عبد العزيز

    الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز تقول عنه زوجته فاطمة: أمسى مساءً -ليلة من الليالي- وقد فرغ من حوائج يومه -انتهى من حاجياته وجاء الليل، والأمر فيه عبرة فاستمع وتخيل- فدعا بسراجه الذي كان يوقد له من ماله ثم قام فصلى ركعتين، تقول زوجته فاطمة: ثم وضع رأسه بين يديه، تخيل شكله وهو جالس والرأس بين يديه، تقول: تسيل دموعه على خده يشهق شهقة أقول: قد خرجت روحه، أو انصدعت كبده، ثم لم يزل كذلك حتى برق الصبح ثم أصبح صائماً، تقول: في ليلة قرأ قول الله جلَّ وعلا: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:4] تقول: فصاح حتى سقط على الأرض فخفت وظننت أنه قد مات وقد خرجت نفسه. ثم هدأ فسمعت صوته، ثم أفاق إفاقة، ثم وثب فجعل يدور في الدار يتحرك وهو يقول: ويلي ليومٍ يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، تقول: ثم سقط كأنه ميت، فلم يفق إلا على نداء الصلاة، فكلما تذكرت تلك الليلة، بكيت على حاله.

    صلى بالناس ليلة -انظروا الآن يا أخوة- عندما نصلي هل نتدبر؟ هل نخشع؟ تدخل المسجد فلا تكاد ترى خاشعاً، تسأل الناس بعد الصلاة ماذا قرأ الإمام -إلا من رحم الله- فلا يمكن أن يجيبك إلا القليل أما البقية فلا. والذين تذكروا هل خشعوا؟ هل دمعت عيونهم؟ فقرأ قول الله: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى [الليل:14] فسكت، فظن الناس أنه نسي، فأعاد الآية: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى [الليل:14] فسكت، فظن أنه سوف يعيد ويكمل وهو يكرر الآية ولا يستطيع أن يكملها.. هل تعرف ما بعدها؟ إنها هذه الآية: لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى [الليل:15] فما استطاع أن يقولها، ماذا فعل؟ بكى ثم ترك هذه السورة وقرأ سورة غيرها.

    كان أبو حنيفة -رحمه الله- يقوم الليل كله بآية، تعرف ما هي هذه الآية؟ إنها قوله تعالى: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27] كل الليل في هذه الآية يقومها يا عبد الله.

    1.   

    شاب يصرع لسماع آية

    اسمع -يا عبد الله- إلى هذا الشاب وهذه الكلمات التي خرجت من قلبه وهو يرددها، يقول منصور بن عمار: نزلت سكة من سكك الكوفة ، فخرجت في ليلة مظلمة مستحلكة، فإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي وهو يقول: كن كحال هذا الشاب، وتفكر في هذه الكلمات واجعلها تخرج من قلبك الآن يا عبد الله: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك بجاهل، ولا بعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي فأعانتني عليها شقوتي، وغرني سترك المرخي علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهلي، فإلى من أحتمي؟ ومن من عذابك يستنقذني؟ ومن من أيدي زبانيتك يخلصني؟ وبحبل من أتصل إذا أنت قطعت حبلك عني؟ فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولم أستحِ من ربي.. واشباباه! واشباباه! يقول منصور: فلما سمعته أخذت أقرأ قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] يقول: وبعد أن ختمت الآية سمعت اضطراباً شديداً، ثم سكت، ثم هدأ الصوت، وجئت في اليوم الثاني أريد أن أعرف خبره، فوجدت جنازة، وعندها عجوزٌ تبكي، فقلت: ما هذه الجنازة يرحمك الله؟ قالت: هذا ولدي، زل عن كبدي، ومن كنت أظن أنه سيدعو لي من بعدي، كان يبكي في الليل على ذنوبه ويتكسب، فجعل كسبه أثلاثاً، ثلثاً يطعمني، وثلثاً للمساكين وثلثاً يفطر عليه، تقول: فمر علينا البارحة رجل لا جزاه الله خيراً قرأ عليه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] فجعل ابني يبكي ويبكي حتى فاضت روحه إلى بارئها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    1.   

    الحث على الطاعات والتحذير من السيئات

    يا عبد الله: إذا كان القلب لا يزال عليه ران فاستعن بالله جل وعلا، واعلم أنها دقائق وتمضي، وأيام وتذهب، اذهب وزر المقابر يوماً من الأيام، وانظر إلى أهلها.. هل قضوا أشغالهم وأمتعتهم؟ هل انتهوا من أحلامهم؟

    هذا رجل كان يظن أنه سوف يسافر في العطلة، وهذا آخر كان يبني البيت ولم يسكن فيه، وذاك كان يريد الزواج ويخطط له، وهذا كان يدرس ويتمنى أن يحصل على شهادة، وهذا خرج من البيت ليشتري أمتعة أهله ويرجع إليهم، ولكن المنية والأجل كان أقرب منهم.

    اسمع وتفكر في ذلك اليوم:

    إذا النبيون والأشهاد قائمة     والجن والإنس والأملاك قد خشعوا

    وطارت الصحف في الأيدي منشرة     بها السرائر والأخبار تطلع

    فكيف سهوك والأسباب واقعة     عما قليلٍ ولا تدري بما يقعُ

    أفي الجنان وفوز لا انقطاع له      أم الجحيم فلا تُبقي ولا تذرُ

    تهوي بساكنها طوراً وترفعهم     إذا رجو مخرجاً من غمها قمعوا

    طال البقاء فلم ينفع تضرعهم      هيهات لا رقة تغني ولا جزعُ

    لا ينفع العلم قبل الموت عالمه      قد سال قومٌ بها الرجعى فما رجعوا

    عباد الله! لنكن قوماً إذا استمعوا إلى هذا الحديث اتبعوا أحسنه.. قوماً نتعلم العلم ونستمعه ونعقله ثم نعمل به، فإن هذا الكلام إما حجة لنا وإما حجة علينا.

    عبد الله! ارجع إلى البيت وليكن الحماس منضبطاً: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) قليلٌ دائم خيرٌ من كثير منقطع، عاهد النفس.. جزء من الليل للقيام.. بعض أيام الشهر للصيام.. اجعل لك ورداً لقراءة القرآن، لا بد وأن تختم القرآن -أضعف الإيمان- في الشهر مرة.

    كان الصحابة يجادلون يقول أحدهم: أقوى أكثر من هذا ، قال: اقرأه في السبع، قال: أقدر أكثر من هذا، قال: أقرأه في ثلاث، قال: أقدر أكثر من هذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث).

    رويدك رويدك!! هوِّن على نفسك لا أقول لك: اختم القرآن في ثلاثة أيام، بل أقول لك: في الشهر مرة، صم ولو في الشهر ثلاثة أيام، هذا صيام الدهر.

    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم، وأُصلي الليل، فإِما أرسل إليَّ، وإِما لقيتُه، فقال: ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي؟ -وفي رواية: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت العين، ونقهت النفس- فصم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً. قال: إني لأقوى لذلك. قال: فصم صيام داود عليه السلام. قال: وكيف؟ قال: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى، قال: من لي بهذه يا نبي الله؟ -قال عطاء: لا أدري كيف ذكر صيام الأبد- قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا صام من صام الأبد).

    عباد الله: هؤلاء هم سلفنا، وقدوتنا، فهلا كنا لهم متبعين، وعلى خطاهم متمسكين، وبآثارهم سائرين؟

    عباد الله! لنشمر ساعد الجد، فإن الجنة تحتاج إلى جد واجتهاد، وبذل وعزم، قال: (من خاف أدلج، ومن أدلج -أي: من رأى الليل- بلغ المنزلة، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) اترك كل ما يلهيك من تلفاز وأغانٍ وطرب.

    نعم يا عبد الله! تقول لي: لا أخشع عندما أقرأ القرآن، ولا أتلذذ بالقيام، أقول لك: أتسمع الغناء؟ تقول لي على استحياء: نعم أحياناً، أقول لك: لن تتلذذ بالقرآن أبداً.

    حب الكتاب وحب ألحان الغنا     في قلب عبد ليس يجتمعان

    اعتزل الغناء.. اهجر الطرب والمعازف.. قاطع التلفاز.. اترك مجالس السوء، ثم تدبر كلام الله جل وعلا تجده كالماء يطفأ به النار، تجده -يا عبد الله- لذة حتى أنك تنادى فيقال لك: يا فلان! عمل، يا فلان طعام.. شراب، فتقول لهم: ولوا عني واتركوني، أنا متلذذٌ بقراءة القرآن.

    طعن عثمان تسع طعنات وهو يقرأ القرآن، حتى سال دمه على المصحف، تقول زوجته: قتلتموه وإنه ليحيي الليل بالقرآن.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة للنساء في العبادة

    السؤال: حبذا لو توجه كلمة تنصح بها النساء وخاصة في العبادة، ولعل السائل أيضاً يشير إلى أن أكثر الذين ذكرتهم من الرجال فهل هناك من النساء من كان لهن في ذلك نصيب؟

    الجواب: أما بالنسبة للنساء: فهذه عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين، يقول عروة: [دخلت عليها يوماً من الأيام في الصباح، وكانت عادتي أن أسلم عليها في الغداة، فوجدتها تصلي وتقرأ آية، وهي قوله تعالى: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27] قال: فرددت الآية وهي تبكي، فقلت في نفسي: لعلها تطيل فأذهب إلى السوق وأقضي حاجتي ثم آتيها، فذهبت إلى السوق وقضيت حاجتي ثم رجعت بعد مدة طويلة، فدخلت عليها في البيت فوجدتها تردد الآية نفسها وتبكي] إنها عائشة أم المؤمنين.

    أما نصيحتي للنساء في العبادة، فهو تنبيه: إن المرأة تمر عليها بعض الأيام تسمى أيام حيض، تنقطع فيها عن الصلاة، ويحرم عليها الصيام، فماذا تفعل؟ إن كان الصيام عليها محرم، والصلاة عنها محرمة، وقراءة القرآن عند بعض أهل العلم لا يجوز لها، فإن الذكر لا يجوز أن ينقطع عن لسانها، فإنها تعوض الصلاة والصيام وقراءة القرآن بذكر الله، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] يأتي رجل فيقول: (يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فدلني على أمرٍ أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله).

    أمَةَ الله: أنصحكِ في تلك الأيام وهذه الليالي أن تكثري من الذكر، عوضاً عن الصلاة والصيام والقرآن على بعض قول أهل العلم، لم شرعت الصلاة والصيام والحج؟

    يقول ابن القيم: كل العبادات إنما شرعت لغاية وهي ذكر الله جل وعلا، قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] وانظر الحج، كله شعائر وتهليل وتكبير وذكر لله جل وعلا، بل حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله).

    إذاً المرأة لا تعذر في أيام الحيض عن ذكر الله جل وعلا.

    أيتها النساء! أنتن دوركن عظيم لبناء هذه الأمة وهذا الجيل، من يربي الأولاد غيركن؟ ومن يخرج لنا جيلاً صالحاً إسلامياً غيركن؟ إن الرجال في هذا الزمن -إلا من رحم الله- غافلون عن تربية أولادهن، لا يعلمون عنهم إلا قليلاً.

    إن فتنة النساء على الرجال هي أعظم فتنة على وجه الأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) تقول فاطمة رضي الله عنها: [خير للنساء ألا يراهن الرجال، ولا يرين الرجال] تقول: خير للمرأة ليس فقط ألا يراها رجل، لكن أيضاً ألا ترى هي أيضاً رجلاً، انظروا إلى الحياء، فلما سمعها النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فاطمة مني وأنا منها) نعم! إنها حكيمة وعاقلة.

    أمة الله! (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) ولم يستثنِ النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث لا وجهاً ولا كفاً ولا ساعداً ولا ساقاً ولا شعراً ولا غيره، فإياكِ إياكِ أن تتشبثي بحديثٍ ضعيف، أو بعض أقوال لأهل العلم أخطئوا فيها، أو لبعض العقول التي تصرفك عن سبيل الهدى.

    اعلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة عورة) وهل يعقل -يا عباد الله!- أن الله جل وعلا يحرم صوت خلخال في رجل المرأة مخفي ووجه المرأة حلال؟! لا يعقل هذا في شرع الله.

    واعلموا يا عباد الله! أن النساء شقائق الرجال، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وصانا قبل ألفٍ وأربعمائة سنة بهن، فقال: (استوصوا بالنساء خيراً، استوصوا بالنساء خيراً، استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلعٍ أعوج) وأنا أوصيك يا عبد الله! فكم من الرجال من ضيع حقوق النساء.. كم وكم؟ قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) كان يقوم في حاجة أهله، حتى يروى أنه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويخدم أهله في البيت، من منا يفعلها؟! فإذا أذن المؤذن كأنه لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد.

    هذه وصية للرجال وللنساء والله أعلم.

    حكم العمل في مكان يؤمر فيه بحلق اللحى

    السؤال: هذا شابٌ يشتكي، ويقول: أنا أعمل في دائرة حكومية منذ اثني عشر عاماً، وعملي رزقٌ حلال طيب إن شاء الله تعالى، ولكن القائمين عليه لا يسمحون لنا بإرخاء اللحية، فماذا نفعل، علماً أننا نبكي عندما نحلق لحانا أفتونا مأجورين وماذا نفعل؟

    الجواب: قال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] رزقك مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولن تموت نفسك ولن تخرج من جسدك حتى تستكمل رزقك، اضمن الرزق من الله جل وعلا: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22].

    أما طاعة المخلوق في معصية الخالق فحرام، فابحث لك من الآن عن فرصة أخرى للعمل، وعن مجالٍ آخر؛ لأن هذا المكان يحرم عليك أن تبقى فيه، لا تقل لي: ليس هناك، ابحث: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15] ابحث لك عن فرصة أخرى للعمل، وإن كان المعاش أقلَّ، وإن كان العمل متعباً أكثر، فإن طاعة الله عزَّ وجلَّ أغلى وأثمن.

    الحفاظ على قيام الليل وصلاة الفجر

    السؤال: عبادة الله عز وجل أمرٌ عظيم، ولكن يشتكي البعض من أنهم يرجعون من العمل في وقت صلاة المغرب متعبين، وهذا يعيقهم عن صلاة الفجر، ويقومون بصعوبة، وربما قد يقول هذا الأخ أيضاً: لقد هجرنا قيام الليل وقراءة القرآن ولا حول ولا قوة إلا بالله؟

    الجواب: الذي يقول: نعمل إلى المغرب ولا نستطيع أن نقوم الليل، فقد علم الله عز وجل عنهم، وأنزل فيهم آية، تتعجب وتقول: ما هي هذه الآية؟ أقول لك: إنه قول الله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل:20] أي: عندهم أعمال، يبتغون من فضل الله: أي: الرزق: وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المزمل:20] ماذا يفعلون هؤلاء يا رب؟ قال: فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20] أي: حتى أولئك: اقرءوا ما تيسر منه ليسوا معذورين، هذا في صلاة الليل، ما تيسر ولو كانت عشر دقائق، يقول عليه الصلاة والسلام: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين).

    ألا تستطيع يا عبد الله؟! لا أحد يقول لي: لا أستطيع، أقول لك: تستطيع ولو بعشر آيات، وإياك إياك أن تفرط بالوتر، ولو كان قبل النوم كما قال أبو هريرة عن وصية النبي صلى الله عليه وسلم: (وأن أوتر قبل أن أنام) أفضله آخر الليل، فإن كنت لا تستطيع فأوتر أول الليل، ولا تقل: لا أستطيع القيام لصلاة الفجر فإنه لا عذر لك، لا عذر بالتخلي عن صلاة الفجر، لا عمل ولا غيره، هذه خمس صلوات، كانت خمسين فجعلها الله خمساً، فهي خمسون في الأجر وخمسٌ في العمل، وبعد هذا تتكاسل لا يا عبد الله! ليصدقن فيك قول الله جل وعلا: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ [مريم:59-60] تب إلى الله جل وعلا، واعلم أن صلاة الفجر لا عذر لك فيها، أما قيام الليل فخففها واجعلها ركعات بسيطة ولو كانت بعشر آيات. والله أعلم.

    أسباب عدم التأثر بالقرآن

    السؤال: ما هي الأسباب التي جعلتنا لا نتأثر بآيات الله عز وجل، حتى عند ذكر الجنة والنار؟

    الجواب: أول سبب هو المعاصي والذنوب، قال الله جل وعلا: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] تقول لي: أنا الحمد لله لا أشرب الخمر، أنا الحمد لله لا أزني، أقول لك يا عبد الله: من الصغائر ما تصل إلى درجة الكبائر، تقول لي: وكيف؟ أقول لك: كم ترى في اليوم والليلة من امرأة؟ تلفت النظرة الأولى بل أكثر، هل تستمع إلى أغاني أو موسيقا بحجة أخبار، بحجة فيلم أو مسلسل؟ بل من أباح لك النظر إلى هذه المسلسلات أليست فيها عورات؟ أليس فيها ما يلهي عن ذكر الله جل وعلا؟ هل يزل اللسان فتغتاب أحداً؟ تتكلم في عرض أخيك.. تنم بين اثنين.. تكذب.. تسخر؟ هل تفعل هذا يا عبد الله؟ هذه الصغائر.

    لا تحقرن صغيرة     إن الجبال من الحصى

    صغيرة على صغيرة على صغيرة، كما قال الله جل وعلا: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49] أول سبب الصغائر.

    ثاني سبب: التفريط في الطاعات والواجبات.. التفريط في الصلوات إلا من رحم الله.. تفريطٌ في النوافل.

    ثالث الأسباب يقول ابن القيم: من أسباب قسوة القلوب: الإفراط في المباحات.

    وهي من خطوات الشيطان، يأتيك فيقول لك: يا فلان! هل هذا حرام؟ الحمد لله هذا ليس بحرام، اجلس في المجلس بعد العشاء ساعتين أو ثلاث ساعات وأنت تشرب الشاي والقهوة.. هل تتحدثون بذكر الله؟ لا. إنما تتحدثون في الأسواق، وفي أسعار العملات، وفي الدول الثانية، وأخبار المباريات، وفلان فعل وفلان ترك.. ساعتين وثلاث ساعات كل ليلة على هذه الحال، ثم يقول: لا أتأثر إذا ذكرت الله؟ أقول لك: كل هذا المباح .. وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72] قد يجلس ساعة وساعة، ولكن لا يكثرون منها.

    دخل عليه الصلاة والسلام يوماً على الصحابة وقد أكثروا في الضحك مع أن الضحك حلال، ولكن إذا زاد عن الحد الذي حده الله قسى قلبي؟ قال عليه الصلاة والسلام: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم ولهم خنين من البكاء).

    نعم يا عبد الله! المباحات إياك.. إياك والإكثار منها؛ فإنها سببٌ لقسوة القلب.. كثرة الأكل والشرب، كثرة النوم، كثرة حديثٍ لا معنى له ولا فائدة منه، كثرة التجول في الأسواق بغير داعٍ ولا معنى، فكثرة المباحات تقسي القلوب، واعتكف على طاعة الله، جرب يومين ثلاثة أيام قيام الليل، واترك المعاصي والذنوب، واعتكف على قراءة القرآن يوماً ويومين وثلاثة ثم انظر إلى القلب كيف يتأثر.

    هذا هو علاج القلب يا عبد الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    أسباب عدم استجابة الدعاء

    السؤال: نحن نقوم الليل وندعو فلا يُستجاب، فما هو السبب؟ وما هو أفضل وقتٍ للقيام؟ وكذلك هنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى العشاء في جماعة أو التزم في الجماعة فكأنما قام الليل كله) فما رأيك: هل هذا يغني عن القيام أم لا؟

    الجواب: لو كان يغني عن القيام لأغنى محمداً عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين بلغوا المنازل العليا وبعضهم بشر بالجنة، وما أغناه هذا عن القيام، هذا كأنما قام الليل كله في الأجر فقط، فالذي يصلي العشاء والفجر في جماعة ليس كالذي قام الليل معهما.

    ثانياً:يا عبد الله!بالنسبة للدعاء، لماذا ندعو ولا يستجاب لنا؟ أسباب كثيرة:

    منها: فتش مطعمك ومشربك وملبسك.. هل يدخله حرام.. ربا، رشوة، غش، خداع، سهم من شركات ربوية، أخذ أموالٍ بالكذب والخداع والتزوير، والظلم وقهر الناس؟ سل نفسك! هل هناك شيء من الحرام؟

    إن كان هناك شيء من الحرام يحول الله بينك وبين الإجابة، وذكر: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر قال: يرفع يديه) تخيل مسافر والمسافر يستجاب له، أشعث أغبر، حاله رثة أحرى أن يستجيب له، يقول: يا رب! وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] ويرفع يديه -وهذا أدب من آداب الدعاء- ويقول: (يا رب! يا رب! -فيقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم-: ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له؟) كيف يستجيب الله لهذا؟ قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186] إجابة بإجابة، تريد أن يستجيب الله لك استجب لله جل وعلا، بعض الناس أمواله كلها في البنوك الربوية، ثم يقول: أنا أدعو ولا يستجيب الله لي، وكيف يستجيب الله لك؟! وقد يستجيب الله لك فتنةً واستدراجاً من الله جل وعلا.

    سبب آخر لعدم إجابة الدعاء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم).

    ثالثاً: من أسباب عدم إجابة الدعاء: الاستعجال (يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل، قالوا: وما يستعجل يا رسول الله؟ قال: يقول دعوت فلم يستجب لي) دعا أسبوعين أو ثلاثة قال: ما استجاب الله لي، ما يدريك يا عبد الله! الله يحبك .. ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء.

    ومن الأدعية المستجابة: دعاء المظلوم.. واسمع إلى هذه المرأة كما ذكر هذه القصة الذهبي في الكبائر قال: كان عندها كوخ بقرب قصرٍ لملك، وكانت العجوز ليس عندها أحد إلا الله، تخرج كل صباح تبحث عن لقمة عيشها، فتأتي آخر النهار إلى الكوخ لتجلس إلى اليوم الثاني وتذهب تطلب لقمة العيش.. عجوز مسكينة في كوخٍ صغير بجانب قصرٍ شاهقٍ عظيم لملك، وفي يوم من الأيام خرج هذا الملك يتجول في فناء القصر مع الحرس والجنود، فنظر إلى فخامة القصر -متمتع الآن بجمال هذا القصر- ثم نظر إلى كوخٍ بالقرب من قصره، فقال للجنود: ما هذا؟ قالوا: كوخٌ لامرأة عجوز، قال: لقد شوه منظر القصر أزيلوه.. اهدموه، فذهب الجنود وذهب العسكر إلى ذلك الكوخ، ورجعت العجوز إلى بيتها آخر النهار فرأت ما حل به، ليس عندها أحدٌ إلا الله، فرفعت يديها وهي تبكي وتقول: اللهم إن كنت غائبة فأين أنت؟! فرفع الله القصر وقلبه على أهله، في لحظات خسف الله به الأرض وبداره، فانظر خطورة دعاء المظلوم.

    إياك أن تظلم أحداً وإن كان كافراً، فإن رفع يديه فليس بين دعائه وبين الله حجاب، يستجيب الله له، وفي بعض الروايات قال: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).

    تحرى -يا عبد الله- أوقات الدعاء المستجاب، ومنه: آخر الليل، (وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد).

    الفراغ وخطره

    السؤال: كثير من الشباب في أيامنا هذه نجدهم يجلسون ويسمرون على معصية الله ورسوله بين شرب الدخان والشيشة، وكذلك يسألون عن حكم الدخان والشيشة والقات، فنرجو توجيه نصيحة لهؤلاء الناس وربما تكون شبهتهم أنه ليس عندهم ما يفعلونه وإنما وقت فراغ؟

    الجواب: أرجو المعذرة، أنا أرد على الإخوة الذين يسمونهم الناس غير ملتزمين مثلاً، أو يسمي نفسه أنه إنسان عادي لا مطوع ولا فاسد.. الحمد لله! أصلي وأجلس في هذه المقاهي بعض الأحيان، والمباريات، وأطالع التلفاز مرة وأترك مرة، وبعض هؤلاء الصنف من الناس ينظرون إلي الآن، ويقول: هل يقصدني الشيخ؟ نعم أقصدك، أقصدك أنت.

    أسألك بالله يا عبد الله! أنت الآن رجل -إن شاء الله مسلم- وتقول: لا إله إلا الله، ولم تأتِ إلى هذا المسجد إلا لأنك غير الشباب الآخرين، وفيك إيمان، وفيك حب لطاعة الله، وإلا لما جئت إلى هذا المسجد أحدثك وأوجه إليك هذه الكلمات:

    هل تعلم ما الذي يجري الآن للمسلمين في العالم؟ أسألك بالله! هل تدري أن أخوات لك -يا عبد الله- تنتهك أعراضهن ولا نصير لهن في الدنيا إلا الله جل وعلا؟

    هل تعلم ما الذي فُعل بأخواتنا قبل سنوات في سراييفو أو الشيشان أو الصومال أو جنوب أفريقيا أو شرق آسيا أو الفلبين أو كشمير .. هل سمعت بأخواتنا ما الذي حدث لهن؟

    هل سمعت يوماً من الأيام أن بعض أخواتنا كانت تحمل في بطنها رضيعها فبقر بطنها ثم أخرج ولدها وهي حية ورمي به في أكياس القمامة وهي تنظر إليه يموت؟ هل سمعت بهذا يا عبد الله؟

    أسألك بالله: هل هذه الحالة التي نحن فيها في الشيشة ساعتين وثلاث ندخن.. نتحدث في أمور الدنيا، هل يرضيك هذه الحال؟ المسلمون في ذل وقهر واستعباد، حتى شئوننا الداخلية يتحكم فيها البيت الأبيض والكونجرس، أليس هذا بصحيح؟ حتى إن إسرائيل خمسة ملايين ما تعدو بصاقاً لعربي في هذه البلاد، تعيش بين ألف مليون مسلم، الخمسة تعادل ألفاً، ولا يستطيع الألف مليون أن يجابهوها.. هل رأيت الذل الذي نحن فيه يا عبد الله؟ ألا تأخذك الغيرة على هذا الدين؟ ألا يدخل في قلبك الحماس.. أين المسلمون؟ لماذا هذا الذل الذي نحن فيه؟ أين الرجال؟

    هذا أحد السلف وقف على المحيط الأطلنطي -وكان عمره لا يجاوز خمسة وعشرين سنة- وبيده السيف، وهو يركب الفرس، فتح شمال أفريقيا كلها حتى وصل إلى الأطلسي ودخل بقوائمه على البحر، ثم قال: والله لو أعلم أن خلف هذا البحر قوماً لخضته بفرسي هذا. ما كان يعلم أن هناك أقواماً.

    جعفر الطيار يحمل الراية بيده اليمنى ثم تُقطع فيحملها بيده اليسرى فتقطع، هل هرب وقال: قطعت يداي لا. فمسك الراية بعضديه، ثم تكسرت الرماح على ظهره وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة، ويقول:

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وباردٌ شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها     كافرة بعيدة أنسابها

    وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، يقول للنصارى -نسميهم اليوم الأوروبيين المتحضرين والمسيحيين أو إخواننا في الإنسانية كما يقولها بعض المتأقلمين-:

    والروم روم قد دنا عذابها     كافرة بعيدة أنسابها

    أسمعت بابني عفراء؟ شابان صغيران يأتيان إلى عبد الرحمن بن عوف في معركة بدر؛ أول معركة للمسلمين، يغمزه عن يمينه فيلتفت عبد الرحمن بن عوف -.. أيها الشباب! يا من ضاع وقته في الشيشة والدخان، وبين الأغاني والطرب، هل استفدت شيئاً؟ لا أظن، أظن أن بعضكم فيه من الغيرة على الإسلام أكثر ممن هو معتكفٌ في بيوت الله، نحتاج إلى هذه الغيرة.. نحتاج إلى حماسك يا عبد الله.. نحتاج منك إلى كلمة.. نحتاج منك إلى مال.. إلى دينارٍ واحد، لربما -ما يدريك- ينصر الله الإسلام على يديك، لم لا تقولها في نفسك؟ لماذا لا تقول: لم لا أكون أنا الذي يفتح الله على المسلمين بي؟ لم لا تقل هذه الكلمات.. ما الذي يردك؟ وسوف يأتيك بأخبار في هذه العصور- هذا الشاب غمز عبد الرحمن بن عوف فالتفت عبد الرحمن بن عوف فقال له هذا الشاب: أين أبو جهل؟ أي: مثلما يقول الآن واحد منا اليوم في معركة ما: أين نتنياهو؟ أين زعيم الكفر؟ فقال له هذا الرجل: وما شأنك وشأنه يا بني؟ طفل صغير، قال: سمعت أنه يسب رسول الله، فوالله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.

    هل رأيت هذا الحب لرسول الله؟ هل رأيت مثل هذا الحب الآن عند المسلمين؟ اليهود الآن يدنسون المسجد الأقصى أولى القبلتين، صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء يدنسوه ويحرقونه ويحفرون تحته ليهدموه، والمسلمون في المباريات ساعتين وثلاث ساعات يصفقون ويزمجرون.. هل رأيت يا عبد الله؟ يريدون أن يدخلوا في قلوبنا الغيرة، أصبح العداء لإخواننا في الإسلام لأجل المباراة، يعادي هذا الشعب كله لأجل مباراة حقيرة تافهة، الحكم فيها لعله التحريم إذا وصل إلى هذا الأمر.

    يقول عبد الرحمن بن عوف: تعجبت! فإذا بشابٍ آخر يغمزني عن شمالي فقلت له: ماذا تريد يا بن أخي؟ قال: يا عم! أين أبو جهل؟ قال: وما شأنك وشأنه يا بني؟ قال: سمعت أنه يسب رسول الله فوالله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: وبعد أن حمي الوطيس وحميت المعركة قلت لهما: هذا صاحبكما، يقول: فوالله لقد انقضا عليه كما ينقض الصقر على الفريسة -أبو جهل صنديد من صناديد العرب، رجل لا يجابهه الرجال- يقول: انقضا عليه كالصقر .. إيمان جعلهما كالرجال، يقول: فلا زالا يضربانه حتى قتلاه، أردوه صريعاً، ثم ذهبا إلى رسول الله، كل واحد منهما يقول: يا رسول الله أنا قتلته، وهذا يقول: لا. أنا قتلته، يفتخران عند رسول الله أن كل واحد منهما قتل صنديد الكفر.

    وأنت جالس ساعتين وثلاث في مقهى.. يا عبد الله! الإسلام يحتاجك.. يا عبد الله! الإسلام يناديك.. يا عبد الله! شعوب المسلمين تُذل من يحكمها؟ من يدير أمرها وشئونها؟ ألف مليون غثاء كغثاء السيل قد أوهن قلوبهم حب الدنيا وكراهية الموت.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010759477

    عدد مرات الحفظ

    722013693