إسلام ويب

تفسير سورة النصرللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نزلت سورة النصر تنعى النبي صلى الله عليه وسلم إليه نفسه، وفيها بشارة بتحقيق نصر الله تعالى لعباده المؤمنين وأن الناس سيدخلون في دين الله أفواجاً وستصل رسالة الله إلى العالمين، وما بقي إلا أن يتوجه العبد إلى ربه مسبحاً وذاكراً وتائباً وشاكراً أن حقق النصر وأتم النعمة، ورضي الإسلام للناس وأكمل الدين.

    1.   

    بين يدي سورة النصر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة النصر.

    وتلاوة الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه سورة النصر، وما النصر إلا من عند الله، وكم كان الرسول والمؤمنون يتطلعون إلى النصر؛ لأنهم خاضوا معارك دامية، حامية، واستمرت قرابة عشر سنين.

    إذاً: هذه السورة تسمى سورة النصر؛ لذكر لفظ النصر فيها، وهي من آخر ما نزل من السور في القرآن الكريم. نعم! نزلت آيات في المائدة، وآية في البقرة، لكن سورة بكاملها فإن آخر ما نزل هي هذه السورة، ولا تشك، لم تنزل سورة كاملة من أولها إلى آخرها بعد هذه السورة، فهي من آخر ما نزل.

    ولما نزلت أعلم الرسول بعض أهله وأصحابها أنها تنعى إليه نفسه ..

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح)

    هذه السورة تنعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؛ إذ قال تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] وقد توالى النصر من غزوة الخندق، إذ أعلن صلى الله عليه وسلم أننا من الآن نغزوهم ولا يغزونا، وأخذ يسجل الانتصارات إلى أن جاء الفتح عام ثمانية من الهجرة.

    والمراد من الفتح هنا: فتح مكة عاصمة الكفر، لتصبح دار إسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً)

    قال تعالى: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:2] فقد كان الرجل يسلم وهو خائف، ويأتي الرجل والرجلان يسلمان وهم خائفان، لكن بعد الفتح أصبحت الوفود تفد من هنا وهناك، من اليمن، ومن الشمال، ومن الشرق.. وفود.

    وسنة تسع يقال فيها: عام الوفود؛ لأن الشرك انهزم، والكفر اضمحل، والنور قد تلألأ وغشى الجزيرة، فلم يبق إلا أن يدخلوا في دين الله أفواجاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً)

    قال تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ [النصر:1] هذه (إذا) شرطية وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:1-2] فماذا بعد هذا؟

    قال تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [النصر:3] لقد آن أوان رحيلك، لقد أديت رسالتك، وبلغت أمانتك، ووفيت لربك، ومن هنا الملكوت الأعلى خير لك.

    نعم. الجنة دار سلام، دار الأبرار خير من هذه الدار، فما دمت قد أنهيت مسئوليتك ومأموريتك إذاً فالتحق بالرفيق الأعلى.

    فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3] ومن هنا ما إن نزلت هذه السورة إلا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل، فكأن يأتي من العبادات ما لم يكن يأتيه قبلها؛ لأنه أنذر بأنه سيرحل.

    وتسبيح الله يكون بتنزيهه وتقديسه، فيكون بالقول وبالفعل والاعتقاد، ولكن ما إن نزلت هذه السورة حتى أكثر من التسبيح، فلا يرى إلا مسبحاً، وإذا ركع وسجد يتأول هذه الآية، فيقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. حتى قبض.

    يقول في ركوعه وسجوده: ( سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي ). قالت أم المؤمنين عائشة : كان يتأول القرآن. أي: يفسر هذه الآية بهذا التسبيح.

    فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3]، اجمع بين التسبيح بحمده وبين الاستغفار، فجمع بينهما بقوله: ( سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي ). وقولوها، ولا تنسوها، ولا تفوتكم هذه الفرصة، ومن تركها في ما مضى فلا ينبغي أن يتركها في ما يأتي؛ لأنكم راحلون، تهيئوا، والله إنكم لراحلون، لا خلد ولا بقاء، فاغتنموا الفرصة.

    فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3] وقد يسأل السائل: رسول الله يطلب مغفرة الله فهل له من ذنب حتى يستغفر الله؟!

    وقد علمتم مما سبق تلك الحكمة، وهي: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

    حسنات الأبرار تعتبر عند المقربين كأنها سيئات، فما أولاه مولاه من هذا الإنعام أن فضله على سائر خلقه، أن أعطاه خصائص ما أعطاها لسواه. كيف يشكر؟ ما يقوى.

    إذاً: فليستغفر. فقد قام الليل حتى تورمت قدماه، ومع هذا هو مأمور بالاستغفار، وسبق أن قلت لكم: إن لم يكن لكم ذنب يا أهل الإيمان، لا كذب ولا سرقة ولا خيانة ولا غيبة ولا نميمة ولا ولا.. أبداً، لم نغش ذنباً، إلا أن هذا النعيم الذي نعيش فيه يتطلب منا شكراً، فهل نقدر على الشكر؟ لا. إذاً: فعلينا بالاستغفار.

    والغافلون لا يشعرون، لو ذكروا أن نبيهم كان يشد الحجر على بطنه لاستحوا من الله، ولو ذكروا أنهم ما كانوا يجدون مصباحاً، ولا يجدون ماءً بارداً، ونحن كأننا في الجنة نطير في السماء لاستحوا من الله.

    لو لم يكن لنا ذنب إلا غفلتنا عن شكر هذه النعمة وتمكث طول النهار: الحمد لله، الحمد لله في كل أحوالنا فنحن نعتبر مقصرين، فمن هنا أمر الله تعالى رسوله ومصطفاه أن يستغفره فقال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3].

    وقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3] لكل من تاب، لكل من آب، لكل من أناب.. هذه صفاته الكمالية، فما من عبد يذنب ذنباً ويستغفر الله بصدق إلا غفر له، وما من عبد يقرع باب الله ويريد أن يتوب ليتوب عليه إلا تاب الله عليه، ولكن ويل للمعرضين.. ويل للمصرين الذين يصرون على الذنب ولا يحاولون أن يتخلوا عنه أو يفارقوه، أما المقبلون على الله التائبون إليه الراجعون إليه فليهنأهم مثل قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3].فاللهم تب علينا وعلى سائر المؤمنين والمؤمنات.

    إذاً: هذه سورة النصر، وآيها ثلاث آيات كسورة الكوثر.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.