إسلام ويب

تفسير سورة الكوثرللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكوثر هو الخير العظيم، وقد أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ومن أعطي خيراً أو بركة أو رزقاً فإن الشكران هو الذي يجب أن يقوم به، لا الكفر والإعراض والغفلة، وقد تمثل النبي وصحابته هذا الخير وقاموا بما أعطاهم الله من خير الدنيا خير قيام، وعلى رأس ذلك إخلاص التوحيد لله رب العالمين، وعدم صرف شيء من ذلك لغير الله لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً.

    1.   

    بين يدي سورة الكوثر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة لسورة ميمونة مباركة، إنها سورة الكوثر وتلاوة الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3].

    معشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سورة الكوثر آيها ثلاث آيات: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3].

    وهذه السورة مكية مدنية؛ لأنه من الجائز عند أهل العلم وأهل القرآن أن تنزل الآيات في مكة وتنزل في المدينة، وأن تنزل السورة في مكة وتنزل بالمدينة.

    ومن هنا كانت سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] نزلت مرتين، مرة ومعها بسم الله الرحمن الرحيم، فكانت آية، ومرة نزلت بدونها فكانت الآيات سبع بدون بسم الله الرحمن الرحيم.

    إذاً: الكوثر مكية؛ لأن السبب في نزولها: لما مات الابن الطاهر عبد الله بن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة تكلم المغرضون والحسدة والأعداء في مجالسهم، وقالوا: الآن أصبح محمد أبتر بانقطاع نسله، واصبروا على هذه الأيام وسوف تنتهي بوفاته، وقالوا أكثر من ذلك، كما تعرفون الحسدة والمغرضين إلى اليوم إذا أرادوا أن يعيبوا أو يسبوا أو ينتقصوا يقولون هذا.

    فهذا الطاغية قال في الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه أصبح أبتر، فعزى الله تعالى رسوله بهذه السورة، وحكم بأن الأذل الأقل الأبتر هو ذاك الذي قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسله إلى يوم القيامة، أبناء فاطمة الزهراء لن ينقرضوا إلا بانقراض الكون، وذاك المجرم انتهى وجوده بموته، ولم يعقب ولداً لا ابناً ولا بنتاً.

    وثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة أغفى غفوة بين أصحابه فاستيقظ يبتسم، فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي الآن سورة، وقرأ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1].. إلى نهايتها.

    وأخبرهم بمعنى الكوثر الذي تضمنته السورة، وأنه نهر في الجنة، ووصفه بصفات عجب، وفعلاً قد رآه وشاهده ووقف عليه وأدخل يده في تربته، فإذا هي أطيب من المسك الأذفر، حافتاه قباب الذهب، وكئوسه عدد نجوم السماء، وماؤه أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأبيض من اللبن. هذا هو الكوثر.

    إذاً: من هنا لا مانع أن تكون السورة نزلت بمكة ونزلت بالمدينة. مثاله: نحن الآن ندرس هذه السورة، ونستشهد بآيات من سورة البقرة، أو من آل عمران أو من النساء، فلما يأتي الحدث المقتضي للآية جبريل يرشد الرسول إلى أن يقرأ الآية الفلانية فيفهم أنها نزلت من جديد.

    وعلى كل حال؛ هذا إن شئتم قولوا: علم لا ينفع، وجهالة لا تضر، فلا نوسوس بمثل هذه الأشياء، فالعبرة بأن نستقيم على منهج الله.

    إذاً: نزل قول الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]. فهي تتضمن عزاء للرسول صلى الله عليه وسلم في موت ولده ورداً لمقولة المغرضين والحسدة والمبطلين والتشديد عليهم بأنهم هم الأذلاء الناقصون الأقلون، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر)

    قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] ومعنى ذلك: أن رب العزة والجلال والكمال أعطى رسوله الكوثر.

    لفظ الكوثر في اللغة: ما دل على الكثرة. إذا كثر خير العبد من إبل، بقر، غنم، أموال .. يقال: عنده كوثر، فلهذا لنا أن نفسر الكوثر بتفسيرين، أو نقول: له وجهان مشرقان حقيقيان:

    الأول: أنه النهر الذي خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة، وهذا النهر المسمى بالكوثر في الملكوت الأعلى.

    وفي عرصات القيامة -أي: في ساحة فصل القضاء حيث البشرية واقفة كلها.. الرسل وأتباعهم- هناك حوض هذا الحوض لا نستطيع أن نصفه، حوض يشخب فيه مرزابان من الكوثر إلى أرض المحشر.. وأرض المحشر ليست هي أرضكم هذه، فقد عرفنا أنها تبدلت في مكان غير هذا الكون.

    فيه مرزابان يصبان.. يخشبان -كما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم- في ذلك الحوض، وماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج، وأما عن كئوسه فلا تسأل.

    هذه خصوصية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، خصوصية لأمة الإسلام التي استجابت لدعوته صلى الله عليه وسلم، فآمنت ووحدت وعبدت الله تعالى وزكت أنفسها على تلك العبادة في ذلك اليوم العسير على الكافرين.

    ويرد المسلمون الحوض؛ لأن الموقف يقول: اليوم من حيث هو من بدايته إلى نهايته خمسون ألف سنة، ولكن يتفاوت الناس فيه، فمنهم من يكون أخف عليه من صلاة الفريضة!

    وأبشر الفقراء الصابرين الذين لا يملكون جداراً ولا داراً، لا بغلة ولا شاة، هؤلاء يقيلون في الجنة قبل أصحاب المال بخمسمائة عام، وهم قائلون في دار السلام، وجماعة المال في الحساب: من أين جاء هذا المال؟ يبدأ يكذب.. لا يوجد كذب. فيم أنفقته؟ على أمي وخالتي. لا تكذب. المهم يطول حسابه، فلهذا من استطاع ألا يكتنز مالاً فلا يكتنز.

    بشراكم أيها الفقراء إن كنتم صابرين! أما إن كان فقيراً وينشل! فقيراً ويدجل ويكذب فهذا عذابه مرتين، وأما الصابرون فهم أحسن حالاً من الأغنياء.

    وهذا الحوض يخبر صلى الله عليه وسلم بأن يرده أناس من أمته فيذادون عن الحوض كما تذاد الإبل عن الماء، يأتون فتستقبلهم ملائكة يردونهم وهم في ظمأ شديد وعطش فيكرهون على العودة ولا يسمح لهم بالشرب، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمتي أمتي ) فيجاب بهذا اللفظ ( إنك لا تدري يا رسول الله ما أحدثوا بعدك ). بعد أن التحقت بالرفيق الأعلى لا تدري ماذا فعلوا! أي: ارتكبوا ذنوباً عظاماً حرموا بمقتضاها من أن يكونوا من أمتك ومن أن يردوا حوضك فهم من أهل النار.

    إذاً: نعود إلى السلفية، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة يريد دار السلام ومواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ألا يكون سلفياً، وانشروا هذه وبلغوها، ومن أراد أن يجادلني فليتفضل.

    يجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون سلفياً، فمن لم يرض بالسلفية وجانبها وتكتل هنا وهناك تحت شعارات فقد أراد أن ينتحر من حيث لا يشعر.

    وإن قيل: لم يا شيخ تحصر النجاة أو دار السلام في السلفية فقط؟

    فالجواب: أيها الأبناء! أيها المستمعون العقلاء والمستمعات العاقلات! أما قرأتم في كتاب ربكم حكم الله فيكم؟!

    أنسيتم ذلك الحكم الإلهي الذي أقسم عليه بإقسامات ما عرفناها في غيره وهو: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] يزكيها.. يطيبها.

    هل يطهرها بالكولونيا؟ بالمسك؟ بالعود؟ بالماء والصابون؟! بم يزكيها؟ بم يطهرها؟

    لا يوجد إلا هذه العبادات التي شرعها الله وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا استعملتها موقناً مؤمناً كما وضعها الشارع زكت نفسك على ذلك وطابت وطهرت، وإن داخلها النقص والزيادة والخلط، فقد استعملتها على غير الوجه، فلم تزك نفسك ولن تؤثر فيها.

    واسمع الحد الفاصل: جلس صلى الله عليه وسلم -ومجلسه معروفة- مجلسه الذي وضعه الله فيه، يعلم الكتاب والحكمة ويزكي المستمعين وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129] أرواحاً وأخلاقاً.

    قال: ( لقد افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة ) ومن شك في هذا فليراجع علماء اليهود وأحبارهم، فإنهم يخبرونه بالواقع، ويقولون: إي والله! افترقنا إلى إحدى وسبعين فرقة.

    قال: ( وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة ) ومن أراد أن يتأكد يتصل بالكاثوليك وغيرهم يخبرونه.

    ثم قال: ( وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ) والأمة يومئذ حفنة بين يديه؛ لأن الإسلام حينئذ لم يصل إلى الروم ولا إلى الفرس.

    ( ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) لم يقل: كلها في الجنة إلا فرقة، وإنما قال: (كلها في النار إلا فرقة واحدة).

    وألهم الله رجلاً في الجلسة فقام وقال: من هي يا رسول الله؟ بتدبير الله قام فسأل: من هي الفرقة الناجية يا رسول الله؟ فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم، واحفظوا إن كنتم تريدون السماء والملكوت الأعلى، قال في الجواب: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ).

    إذاً: من أراد النجاة من أبيض أو أسود، أصفر أو أحمر، عربي أو عجمي فليكيف حياته الروحية لتكون كحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عقيدة.. قولاً.. عملاً.. حكماً وقضاءً.. سلوكاً وأدباً، ولكن في حدود طاقته، فنحن لا نستطيع أن نكون كـأبي بكر الصديق في كمالاته، ولا كـعلي في كمالاته، ولا ولا.. ولكن النية.. العزم.. التصميم على أن نكون مثلهم، ونعمل ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    قال: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) فيجب أن تكون عقيدتك يا عبد الله ويا أمة الله كما هي عقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيمان بالله ولقائه وكتبه ورسله والبعث وبكل ما فيه، لا تختلف عنها أدنى شيء.

    وكذا في أسماء الله وفي صفاته، وفي ذات الله، وأن تكون عقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هي عقيدتك.

    ثانياً: وضوءك، غسلك، صلاتك، صيامك، جهادك، كل عباداتك وفق ما كان عليه رسول الله وأصحابه، إن استطعت أن تكون هكذا نجوت ورب الكعبة، وإن لم تستطع فما أكثر الخاسرين!

    والنسبة معروفة عندنا: يقول الله: ( يا مالك! خذ بعث أهل النار ). من كم؟ ( فيأخذ من كل ألف من أهل الموقف تسعمائة وتسعة وتسعين نسمة إلى جهنم ) وواحد في الألف إلى دار السلام.

    لم؟ لأن الله كتب في كتاب المقادير أهل النار وهم أرواح .. عرض عليهم الإيمان والتوحيد وصالح الأعمال فرفضوا فكتب شقاءهم، فيخرجون إلى الدنيا مجوس.. كفار.. مشركين.. زناة.. شر الخلق، وبذلك يدخلون النار، فلا ظلم أبداً.

    إذاً: لا نذهب بعيداً فكل مؤمن ومؤمنة يجب أن يكون سلفياً، فلهذا لا تنتقدوا السلفيين، ولا تطعنوا فيهم، ولا تشيروا إليهم، ولا تضحكوا منهم، ولا تسخروا بهم؛ فإن كل مؤمن ومؤمنة يجب أن يكون سلفياً.

    فإن سألتم: كيف يكون سلفياً يا شيخ؟ قلنا: يقرأ الكتاب والسنة، ويسأل أهل العلم حتى يجعل عقيدته كعقيدة رسول الله وأصحابه، وحتى يصلي كما كان الرسول يصلي وأصحابه، وحتى يصوم كما كان الرسول يصوم وأصحابه، وحتى يتعامل مع الناس كما كان الرسول يتعامل .. يكون مثلهم.

    وقد نبهت إلى أن الكمال واسع الباب، لكن إرادتك.. نيتك.. عزمك.. تصميمك على أن تكون مثل رسول الله وأصحابه، وافعل ما تستطيع.

    ولهذا الذين يذادون عن الحوض ويدفعون إلى النار بدلوا .. بدلوا في العقيدة.. بدلوا في العبادة.. بدلوا في الأخلاق.. في الآداب، غيروا فأصبحت أرواحهم خبيثة منتنة عفنة ليسوا أهلاً لدار السلام.

    هذا قضاء الله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    إذاً: قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] الكوثر: الخير الكثير، وأعطى جل جلاله رسوله المصطفى الخير الكثير:

    أولاً: العلم فلا أعلم منك يا رسول الله.

    ثانياً: الكمالات الروحية التي ما فاز بها أحد .. أخلاقه .. آدابه.. يصلي عليه بلايين الخلق يومياً، وما من أحد يقوم بحسنة إلا ورسول الله له منها جزء.

    إذاً: أي خير أعظم من هذا الخير الكثير إلى جانب النهر والحوض؟

    إذاً: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] لا تحزن ولا تبك ولا تتألم لقولة السفهاء: محمد أبتر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر)

    قال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] هذه الفاء تعدل الدنيا.. هذه الفاء فاء السببية. أي: فبسبب هذا الخير الذي أعطيناك اشكر، صل لربك وانحر.

    يا عبد الله! يا أمة الله! كلما تتجدد نعمة من نعم الله عليك يجب أن تقول: الحمد لله، أو تقوم تصلي ركعتين، أو تستقبل القبلة وتسجد وتعفر وجهك في التراب وتبك وتحمد الله وتثني عليه.

    كلما تجددت نعمة.. شفيت من علة.. هدأ الألم وسكن.. جعت فشبعت.. ظمئت فرويت.. خفت فأمنت، كلما تتجدد النعمة يجب أن تشكر!

    هذا رسول الله يطالب بهذا، قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] إذاً: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، مقابل الإنعام إما أن يعيش الإنسان ليأكل ويضحك فإن هذا ميت.. أو إذا تجددت النعمة يغني.. تجددت النعمة يضرب الدفوف.. هذا ميت.

    إذا تجددت النعمة اتصل على الفور بذي العرش فاحمده.. اثن عليه واشكره؛ حتى يزيد في إنعامك أو يحفظه لك.

    فضل الصلاة

    قال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] الصلاة معروفة، وفرضت في مكة في السنة العاشرة.

    والصلاة يعبر عنها الفقهاء بأنها: صلة بين العبد وربه. فالمصلي يناجي ربه.

    لو تريد أن تتكلم مع الله سراً.

    بكم تحصل على هذا التلفون؟ في الشارع بريال، تكلم مع من شئت، أردت أن تتكلم مع الله، كم تعطي؟ والله ما تستطيع، من أين؟ لو تعطي ملء الأرض ذهباً ما استطعت، فالله ليس بحاجة إليها، كيف تتكلم مع ربك؟ فإذا أردت أن تتصل بربك فاشكر، وابك، توضأ أزل الحدث وأبعده عنك، واجلس في مكان طاهر واستقبل بيته وقل: الله أكبر وتكلم معه، والله لينصب وجهه إليك، وأنت بين يديه يسمع كلامك.

    قولوا لي: لو أراد أحدنا أن يظفر بهذه المكالمة، ينفق ماذا؟ كيف يتم هذا؟

    فلهذا يا عبد الله ويا أمة الله! اغتنموا هذه الفرصة العظيمة، وتلذذوا بمناجاة الله. أزيلوا عنكم الهموم والكروب والأحزان بالتكلم مع الله عز وجل، إلا أن الشيطان قد لا يسمح لنا، نبدأ نصلي وننصرف إلى المطبخ ماذا يطبخ فيه، وإلى الدكان ماذا فيه، وإلى النزاع بين فلان وفلان، والله ينظر إلينا ونحن غافلون، نعوذ بالله من حال كهذه، الشيطان يريد هذا.

    ما هناك عبادة تصلك بربك أعظم من الصلاة، وما هناك شكر لله أعظم من إقام الصلاة أبداً، الحج في العام مرة، في العمر مرة ماذا تفعل؟ الزكاة قد يوجد المال وقد لا يوجد، وإن وجد في حول، أما الصلاة هي التي تجعلك مع الله الليل والنهار، فلهذا أمر أن نشكر النعمة بالصلاة.

    الدعائم الأربع لقيام الدولة الإسلامية

    أجريت معي كلمة من (عكاظ) البارحة أو قبل البارحة بخصوص استقلال الأفغان فذكرتهم بأنه ما دام استقلوا وأصبحوا دولة بأنه يجب عليهم أن يقيموا دولتهم من الآن على الدعائم الأربع التي وضعها الله للدولة الإسلامية، ووالله لا عذر لهم؛ لأنها لا تكلفهم شيئاً، لا شراء صواريخ ولا صنع هيدروجين!

    فقط! أيها المواطنون نساءً ورجالاً! من الآن لا يسمح لفرد من أفراد الأمة أن يتخلف عن الصلاة في المسجد إلا من عذر، والذي لا يصلي يعدم، وقد لا يوجد من يقدم نفسه إلى الموت ولا يصلي.

    إذاً: من الآن تعلنوا عن إقام الصلاة إجبارياً، إلزاماً للمدني والعسكري على حد سواء، والرئيس والمرءوس سواء، الفقير والغني، المرأة والرجل، الحر والعبد، لا بد من إقام الصلاة.

    ثانياً: أن تجبوا الزكاة، وتعلموا المواطنين نساءً ورجالاً: أن الزكاة فريضة الله، قاعدة الإسلام، أخت الصلاة وشقيقتها، لا نسمح لمواطن كيفما كان -إلا أن يكون ذمياً يهودياً أو نصرانياً- ألا يقدم زكاته، وإياكم أن تشغلكم الضرائب اليهودية عن الزكاة.

    ثالثاً: أن تكونوا هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما نكتفي بالشرط والبوليس على نظام الغرب والغربيين، هيئات في كل قرية، وفي كل حي، جماعة من الصالحين أولي الإيمان والتقوى هم الذين يأمرون المواطنين بالمعروف إذا تركوه، وينهونهم عن المنكر إذا ارتكبوه، وبذلك يتم لكم الاستقلال.

    أما قطع اليد ورجم الزاني اسكتوا، ما تهولوا الدنيا على الناس، أولاً ابدءوا بهذه، ولن يبقى زانٍ ولا سارق.

    تلطفت معهم؛ لأن الغرب إذا سمع قطع اليد وقتل يرتعد، يخافون من الإسلام، نحن نسكت عن هذا الباب ونجري أحكام الله، لكن هذه المظاهر لا بد وأن تقام الصلاة، من لم يقمها يعدم، الزكاة لا بد وأن تجبى. هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورية، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

    وَلْتَكُنْ [آل عمران:104] فهذا أمر الله، ومن سألنا عن النتائج قلنا لهم: ثلاثة وأربعون دولة إسلامية من إندونيسيا إلى موريتانيا، ما أقيمت دولة على هذه المبادئ القرآنية الثلاثة، هل شاهدوا خيراً؟ هل رأوا نعيماً؟ هل مسهم طهر؟ أصابهم صبا؟ كيف حال المسلمين؟ بأحسن حال.

    وإن قلت: أعطنا مثالاً؟ قلنا: هذه الدولة، أقامها عبد العزيز على حالة من الفقر والضعف لا تذكر، وجبى الزكاة من صاع الشعير ورأس الغنم وجوباً، وأقيمت الصلاة بين كل مواطن ومواطنة، فتم طهر وصفاء لا ينكره إلا أحمق، وأنا أحلف والمغرضون والمفتونون يضحكون ويتكلمون في الخارج من أبناء البلاد، ما يفهمون، أبقار. وأقول: والله! لقد شاهدت هذه البلاد على هذه الدولة القرآنية من الطهر والصفاء ما لم يعرفه قطر قط في بلاد العالم الإسلامي بعد القرون الثلاثة.

    نحن لما نقول هذا نريد أن نلفت أنظار المؤمنين في الخارج؛ ليعرفوا ما هم عليه، ونريد أن نشجع هؤلاء أن يثبتوا حتى لا ينهزموا، والمساكين المفتونون يدأبون ويضحكون. نسكت لأنهم يغضبون، والله ما نسكت إلا بالرشاش، إذا وجه الرشاش نسكت خفت.

    فقلت لهم: يجب أن تقوم دولتكم على هذه الأركان الأربعة. وبلغوهم: إن لم تقم على هذه لن يكون فيها خير، ولن تخرج عن دائرة الهابطين، ولن يسعدوا في طهر ولا صفاء، ولو استعملوا السحر والتدليس، ونحن ننتظر، هل يعلن عن إقام الصلاة إجبارياً؟ وهل تجبى الزكاة؟ وهل وجدت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ننتظر، ندعو الله أن يوفقهم.

    فَصَلِّ لِرَبِّكَ [الكوثر:2] لا لسواه، والصلاة معروفة.

    معنى قوله تعالى: (وانحر)

    وقوله تعالى: وَانْحَرْ [الكوثر:2] له سبحانه ولا تنحر لسواه، والمشركون يصلون للأصنام، وينحرون لها، وأما الموحدون فيصلون لله وحده وينحرون له وحده، ثم النحر هنا فيه كلام ننبه إليه؛ لأنه خطأ.

    ومنهم من يقول: المراد من النحر هو أن يرفع يديه ويضعهما في نحره، وبعض الطلاب الواهمين يفعلون هذا، فإذا سألته: لم يديك في صدرك؟ قال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

    هذا فهمه، وهذا التفسير لا يصح.

    وهناك تفسير آخر يصح ولكنه غير مقصود: (انحر)؛ أي: ارفع يديك إلى نحرك، ورفع اليدين في الصلاة زينتها، فلو تتم الصفوف باعتدال ويلتزمون بالاتحاد! الله أكبر ترفع اليد كلها مع بعض؛ لرأيت منظراً عجباً، يرفعون من الركوع: الله أكبر، آلاف يدها مع بعضها البعض وأنت تشاهد لقلت عجباً، لكن بما أن واحداً يرفع وواحداً يحط وواحداً ينتظر، أما هي فقد أخبر أبو القاسم بأنها زينة الصلاة، رفع اليدين في الصلاة زينتها.

    إذاً: فهذا الوجه لا بأس له، لكنه ليس المقصود.

    فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] له، وقد نحر الرسول صلى الله عليه وسلم مائة بعير.

    إذاً: ولا بأس أن هذه الآية تفسر بتفسير آخر وهو: صل صلاة العيد وانحر الأضاحي يوم العيد، ولا بأس أن نقول: صل الصبح بمزدلفة، وانحر في الضحى بمنى. هذه كلها صالحة.

    الذبح لغير الله

    أصل الصلاة والذبح لله لا لسيدي عبد القادر ولا البدوي ولا ولا.. وكم وكم نحر الناس للأولياء والجن والصالحين و.. و.. وكأنهم لا يقرءون القرآن؟!

    قال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ [الكوثر:2] وحده وَانْحَرْ [الكوثر:2] له وحده، فلا يصح أن تريق قطرة دم لغير الله أبداً.

    وإن قلت: والضيف؟ قلنا: الضيف أنت أضفته باسم الله، وأنت مأمور بإكرامه.

    لكن أن تذبح هذا على روح سيدي عبد القادر ، وهذه على روح سيدي البدوي ، وهذه على كذا؛ فهذا هو الضياع، وما زال إخوانكم إلى الآن يقعون في هذا الباطل، وإذا قلت: هذا لا يجوز، يقولون: هذا وهابي.

    وهذا في الحقيقة هبوط ليس له حد! أنا أقول لك: قال الله وقال رسوله، وأطالبك بالوحي الإلهي وأنت تقول: وهابي؟

    المهم ألا تفعل؟! لا إله إلا الله! لو عرفنا هذا الطريق لن نختلف إلى كذا فرقة وجماعة وكذا مذهب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر)

    قال تعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3] وليس أنت. والأبتر: الأذل والأقل نسلاً .. المقطوع النسل. والأبتر: الحيوان مقطوع الذنب، فإذا كان الحمار ذنبه مقطوعاً فيقال فيه: أبتر. والشاة كذلك. إذاً: معنى الأبتر في الآية الكريمة: المقطوع الصلة.. مقطوع الولد.

    هذه سورة الكوثر، ثلاث آيات، الآية الواحدة تدل دلالة منطقية عقلية لا ترد على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، كل آية تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    وبيان ذلك: هذه الآية من أنزلها؟ الله. إذاً: الله موجود. وهذا كلامه، فاعلم أنه لا إله إلا هو. هل بقي من يشهد بالألوهية لغيره؟ لا.

    نزلت على من؟ على خديجة ؟ على عثمان ؟ لا. نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم. إذاً: محمد رسول الله. والله إنه لرسول الله.

    وهكذا.. ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، كل آية -أي: علامة- تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.