إسلام ويب

تفسير سورة الشرحللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نزلت سورة الشرح في مكة المكرمة أيام المحنة والبلاء ليطمئن الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم ذاكراً له ما امتن به عليه من نعم عظيمة، فقد شرح له صدره ووضع عنه وزره وذنبه، ورفع له ذكره، فلا يذكر إلا ويذكر معه، ثم ذكَّره بأن العسر والبلاء لا يدوم فإن مع كل عسر يسرين بفضل الله ورحمته، ثم أمره في آخر السورة أن يشكره على هذه النعم بأن يعبده وحده لا شريك له، وكلما فرغ من عمل الدنيا رجع ونصب وتعب في عمل الآخرة.

    1.   

    بين يدي سورة الشرح

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة الشرح أو الانشراح، وتلاوة هذه السورة المباركة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:1-8].

    وهذه السورة مكية، وآيها ثمان آيات، وكل آية هي علامة على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    كل آية دالة على أنه لا يوجد إله يعبد بحق إلا الله، وعلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، وعلى أن الإسلام دين الله، ولا دين يقبله الله سواه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك)

    هذه السورة مفتتحة بهذا الاستفهام التقريري: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] فتفهم أن هناك من يخاطب غيره.

    فمن هو المخاطب الذي يقول: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]؟ الجواب: إنه الله، ولن يكون إلا الله.

    وهذا المخاطب الذي يخاطبه الله بهذا الكلام من هو؟ الجواب: لن يكون إلا رسول الله فقط، ولو يجتمع أهل الدنيا على نقض حقيقة من هاتين الحقيقتين والله ما قدروا ولا استطاعوا.

    إذاً: الذي يقول: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] هو الله رب السماوات والأرض، ومليك كل شيء، ورب كل شيء، به وجدنا.. وبه نعيش.. وإليه نصير، وهذا كتاب الله.. وهذه سورة من سوره، وهذا نبيه.. هذا مسجده وذلك قبره، فعجباً كيف يكفر الكافرون؟!

    وبالمناسبة عندنا آية من سورة آل عمران لا ننساها حيث يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]

    فهل لنا أن نقول:لا.. لا؟ أعوذ بالله. نحن أعلم أم الله؟! الله أعلم وأعلى وأجل.

    وقد أطاع من أطاع فريقاً من أهل الكتاب فردوه عن دينه وأصبح كافراً، وليس واحداً ولا ألفاً، بل ملايين، وصدق الله العظيم: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا [آل عمران:100] خاصة، وبخصوص الأساتذة والمعلمين والفنانين والمستشارين .. من هنا تفهم أنها طائفة معينة، وليس كل اليهود والنصارى فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]. ثم يقول تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] عجباً لكم! كيف تكفرون وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] المناعة.. الحصانة.. الحفظ.. الوقاية في أن نجلس لكتاب الله نتلوه ونتدبره ونعمل بما فيه، وأن نفسره بتفسير رسول الله له، فنعمل بما وجهنا إليه رسوله.

    أعيد القول: طاعة فئات معينة .. جماعات خاصة من اليهود والنصارى طاعتهم تقود العبد إلى الردة وتصل به إلى أن يكفر.

    نعم. هم كفار وأمروك وأطعتهم وانتهينا لكن إذا كان لديك مناعة.. حصانة.. وقاية؛ فلن يستطيعوا أن يكفروك معها أبداً، وهي: أن تعيش على تلاوة كتاب الله ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذا بعثت إلى أمريكا.. إلى الإتحاد السوفيتي.. إلى اليابان.. إلى أوروبا لتدرس السياسة.. الاقتصاد.. الحرب.. ما شئت فسوف تجلس بين يدي أساتذة وينبغي أن تحبهم، فإذا لم تحبهم ما تعلمت إذ من شرط الانتفاع بالتعليم أن يحب المعلم تلميذه وأن يحب التلميذ المعلم وعندنا لهذا أدلة.

    إذاً: فإن أنت تتلمذت ودخلت الكلية وتنقلت في أقسام الدراسة والطلب، فإن كانت لك مناعة والله لن يستطيعوا أن يردوك بعد إيمانك كافراً، حتى لو استعملوا السحر؛ لأن المناعة موجودة، فإن لم تكن تلك المناعة معك فاعلم أنك تتهاوى وتسقط، إلا أن يشاء الله.

    ما هذه المناعة والحصانة؟ كتاب الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله حملنا على أن نتعجب فقال: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] والحال وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101].

    هل أهل قرية أو مدينة أو حي يعيشون طول العام على هذا المجلس الرباني العلمي يتلقون الهدى والمعرفة فيستطيع جني أو إنسي أن يكفر أحدهم؟ والله ما يقدر، ما يستطيع ولن يستطيع، لكن إذا فصلوه وانطفأ النور وانقطع ووقع بين أيديهم رسموا فيه ما شاءوا، فلهذا المناعة في كتاب الله وسنة رسوله، فإذا عشنا مع الله ومع رسوله حياتنا كلها مرسومة لنا من وحي الله، أكلنا.. شربنا.. لباسنا.. نكاحنا.. ركوبنا.. كل حياتنا صورتها واضحة، فما يستطيع الشيطان ولا الكافر أن يصيبنا بالزيغ والإلحاد والكفر والعياذ بالله. إذاً: خذوا هذه الفائدة. ‏

    امتنان الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمه عليه

    وعوداً على بدء يقول تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]؟ استفهام تقريري كما سبق في سورة الضحى في قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6]. فالاستفهام تقريري، فهذه ثلاثة استفهامات تضاف إلى الثلاثة السابقة من سورة الضحى فتكتمل ست نعم أنعم الله بها على رسوله، وها هو ذا يمنها عليه، والرسول إذا من الله عليه يذوب من الحياء لجوده ورقة طبعه، لا يطيق المن، بخلاف قساة القلوب وغلاظ الطباع كما تقول العامة: يأكل الغلة ويسب الملة.

    أما أولوا البصائر، أولوا النهى، أولوا القلوب الطيبة والنفوس الزكية إذا مننت عليه ذاب، فلهذا حرم الله علينا أن نمن على مؤمن نعمة أنعمنا بها عليه.

    من كبائر الذنوب أن تعطي لأخيك ثوباً أو منديلاً أو دجاجة أو رغيف عيش أو مائة ريال ثم تقول: آه! نسيت ما أعطيناك؟

    هذا حرام ولا يحل؛ لأنه يذوب الشخصية، واقرءوا قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263]. فالمن لله وحده، أما غير الله فلا يحل لأحدنا أن يمن على أخيه، فإن هذا فيه ضغط على شخصيته، لكن إذا من الله على عبده تم الاتصال، فها هو تعالى يمن على رسوله: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:3-5].

    وتبدأ المنن: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6]؟ بلى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]؟ بلى.

    وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8]؟ بلى. إذاً: اشكر، اشكر نعم الله عليك فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:9-11]. بذلك تكون قد شكرت، أُعطيت فأَعطيت، أما أن تعطى فتمنع فأعوذ بالله منك، والذي يعطى ثم يمنع لا خير فيه.

    معنى انشراح الصدر

    قال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]. فما معنى انشراح الصدر؟

    الكيس الصغير إذا وسعته ووسعته يتسع لقنطار.

    إذاً الصدر صدر، فإن وسعه الله وشرحه يتحمل ما لا تتحمل صدور الملايين، وقد شرح الله صدر نبيه صلى الله عليه وسلم بأمرين:

    أولاً: شرحه بالإيمان.

    ثانياً: شرحه بعملية جراحية. تذكرون لما كان في بادية بني سعد إذ كان أشراف قريش يبعثون بأولادهم إلى البادية ليتربوا على القوة والصبر والتحمل ولا يميعون كما يميع الحضريون، فبعث برسول الله من قبل جده أن يعيش في البادية أربع سنوات، ثم له أخ من الرضاع يمشي معه في البر، وإذا بالملائكة يأخذون محمداً صلى الله عليه وسلم، ويطرحونه على الأرض ويشقون صدره ويستخرجون منه محطة الشيطان، المركز الذي إذا احتله الشيطان كمركز اللاسلكي يرسل ويتلقى، ونحن ما أجريت لنا هذه العملية، فلهذا الشيطان يفعل بنا العجب .. يدخل المحطة ويبدأ يراسل، ونحن لولا الله لتمزقنا، قال تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ [الناس:5].

    أين في رءوس الناس أم في صدورهم؟ في صدورهم.

    أين توجد المحطة التي يتلقى بها ويرسل؟ في الصدر.

    فأجريت له أول عملية وأخذت تلك العلقة أو القطعة من اللحم التي هي مركز الإرسال والتلقي وانتزعت، فقام ووجهه مصفر، فذهب أخوه يبكي لأمه: أخي.. أخي! فعل به كذا وكذا.. وهذا هو انشراح الصدر.

    ومرة ثانية أخذ من بيت أم هانئ .. كان نائماً وجاء إلى المسجد وجيء به إلى بئر زمزم وأجريت له عملية شق صدر أيضاً، والله العظيم، وغسل صدره باطنه بماء زمزم وما اندمل الجرح ولا حصل شيء؛ لأن ماء زمزم شفاء، فإياك أن يسمع هذا الكلام الملاحدة فيتخبطون.

    نعم. اذهب إلى النيل.. إلى الفرات.. إلى دجلة.. إلى أنهار باريس.. إلى أنهار أمريكا وأت بجريح جراحه تثعب بالدم واغسله بالماء مرتين أو ثلاث مرات وانظر حاله كيف هي.

    وأبو ذر رضي الله عنه كان يضرب، يحطم، يرفس، ودماؤه تسيل فيمشي ويزحف إلى زمزم فيغسل جسمه بالماء ويشرب فتتلاءم جراحاته، ويعود اليوم الثاني ليذوق العذاب في الله ثلاث مرات.

    إذاً: ( ماء زمزم لما شرب له ) وهذا ليس خاصاً بل عام، وهذا تم بركضة جبريل للأرض بقدمه فثار زمزم، فمضت أكثر من خمسة آلاف سنة وهو يجري.

    إذاً: شق صدره وغسل وحشي إيماناً .. طاقات جديدة وحكمة، ومن ثم تهيأ لأن يجلس في الملكوت الأعلى ساعة، وأما أنت الآن فلن تستطيع أن تجالس الملائكة ولو يخرج لك فقط جني تتمزق من الخوف.

    إذاً: ملئ صدره صلى الله عليه وسلم بالحكمة والعلم والإيمان فأصبح قادراً على أن يرتقي السبع الطباق، وأن ينزل منازل وقف والله دونها الملائكة وما استطاعوا.

    وهنا أنبه إلى هذا الذي تزندق وقلت لكم: كتب كتابين في جملة كفره بالسنة النبوية، يقول: عملية شق الصدر خرافة وكذب، فما شق صدر الرسول ولا حصل شيء.

    يكذب كما يشاء؟! أتكذب أنت؟ هذه أمة ذات الآلاف بل مئات الآلاف تتناقل أخباراً حدثت بينها لا تستطيع أنت أن تكذبها.

    إذاً: نكذبك أنت، لا وجود لك، أنت خرافة في الدنيا، وما أصبح في الحياة شيء، ما يصدق شيء.

    قال: ولا نصدق إلا القرآن.

    يا ابن البلهاء! والقرآن من نقله إليك؟ هل نزل عليك وحياً أو نقله إليك رجالاً ونساءً؟ فكيف ترد السنة إذاً؟ ولكن إذا عميت القلوب عميت الأبصار.

    ونحن الآن مع قول ربنا: أَلَمْ نَشْرَحْ [الشرح:1] والشرح هو التوسيع، تم هذا وحشي بالإيمان والحكمة، وأصبح صدر النبي يتحمل ما لا يتحمله جيل من الناس.

    نستطيع أن نحلف بالله! لو أن أحدنا قيل فيه ما قيل في رسول الله ووجه بما وجه به رسول الله ما استطاع أن يبقى على إسلامه أو إيمانه.

    كم وكم تحمل صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بسبب انشراح صدره فتحمل، فقد قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مجنون.. ساحر.. مفتر، وهو رسول الله، ولكن انشراح الصدر جعله يتحمل.

    وهذا موسى عليه السلام لما أعد ليذهب إلى فرعون وهيأه الله وأعطاه السلاح اللازم قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:25-28]، فطلب شرح الصدر حتى يطيق، وإلا إذا سبه وزير وشتمه آخر.. ضحكت منه امرأة.. سخر منه طفل يمل ويهرب؛ لأنه بشر.

    إذاً: فمن الله على رسوله بأنه شرح صدره، وهو يقرره فيقول: بلى نعم شرحت صدري.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك)

    ثم قال تعالى: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح:2-3].

    وضعنا: أي: أبعدناه عنك. كما تضع الزنبيل من على ظهر الدابة.

    والوزر: الحمل الثقيل.

    وأنقض الظهر: أعياه وأتعبه .. كاد يقطعه من الثقل.

    ما هذا الوزر الذي كاد أو بالفعل نقض ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .. أثقله وما أطاقه؟

    هذا نحن نتحمل منه قناطير وليست زنابيل بل أطنان ولكن لم نشعر؛ لأن الميت انغزه بإبره، انغزه بفتيل من النار فإنه لا يتألم ولا يشعر، أما الحي فإنه مرهف الحس يتألم.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألم كيف مرت أربعين سنة وما عرفت فيها ربي، ولا صليت له ولا صمت، ولا ذكرته ولا شكرته؟!

    كان يألم ويتألم! كيف تمضي أربعين سنة ما صام فيها ولا صلى.. لا توضأ ولا ذكر.. لا رفع يديه ولا دعا.

    وهو لا يعرف، فكان هذا يحز في نفسه كما قال تعالى، حمل كاد ينقض ظهره.

    وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح:2-3]، أربعين سنة قضاها كما يقضيها أهل مكة شبيبتها ورجالها إلا أنه معصوم بعصمة إلهية فوالله ما سجد لصنم ولا تمسح به، ولا حلف به، ولا ذبح له، ولا شرب خمراً، ولا لعب قماراً، ولا فجر أبداً، هذه عصمة إلهية.

    أما أنتم فالملايين منكم ما ارتكبوا شيئاً من هذا .. من عصمهم؟ الله.

    إذاً: فما الذي كان يثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: أنه أمضى عمراً كاملاً ما عبد فيه الله، والصالحون منكم لو يقضي يوماً واحداً ما يعبد فيه الله تضيق به الأرض!

    لو يشغل أو يلهى عن عبادة الله يوماً أو أسبوعاً يشعر كأنه يحمل أطناناً من الذنوب والآثام.

    إذاً: هذه المنة الثانية هنا: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح:2-3].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك)

    ثم قال تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4] رفعه إلى قمة السمو، وإلى أعلى درجات الكمال، ولم يرفع ذكر أحد كما رفع ذكر محمد صلى الله عليه وسلم قط.

    ما معنى رفع ذكره؟

    حسبك أن تعلم أنه ما ذكر الله في الشهادتين وفي الأذان والإقامة إلا ومعه رسول الله: ( أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن محمداً رسول الله) في كل أذان .. في كل إقامة .. إلى يوم القيامة.

    هل هناك زعيم بلغ هذا؟ جورباتشوف؟ ماركس؟ لينين ؟ صاحب البندير؟ فلان؟ انتهوا، فلم يرفع ذكر اسم مخلوق كما رفع ذكر اسم محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأبد .. إلى نهاية الحياة.

    وفيه يقول حسان بن ثابت :

    أغر عليه للنبوة خاتم من الله نور يلوح ويشهد

    (أغر). أي: مشرق اللون.

    وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد

    (وضم الإله اسم النبي إلى اسمه): في الشهادتين والأذان، ضم اسمه إلى اسم نبيه صلى الله عليه وسلم.

    (إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد). أي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

    وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

    هذه كلمات حسان شاعر الدعوة أعيدها لكم:

    (أغر عليه للنبوة خاتم) من هو؟ رسول الله (من الله مشهود يلوح ويشهد)، وفي بعض الألفاظ: (من الله نور يلوح ويشهد).

    وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد

    (وشق له من اسمه ليجله)، ويكبره (فذو العرش محمود) وهو الله.

    إذاً: فهمتم معنى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]. أي: رفعها على المنارات.. في السماوات.. في الكون كله.

    قال تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4] هذه ثلاث منن.. ثلاث نعم .. كيف يفعل الرسول معها؟

    تريد أن تعرف؟

    تقول الصديقة أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، تقول: افتقدت ليلة رسول الله في الفراش.

    أي: في تلك الحجرات، ويومها ما عندهم فوانيس .. ما عندهم مصابيح، يعيشون على الظلام في الليل.

    قالت: فالتمسته فلم أجده، فثارت نفسها وحميت غيرتها، أين يذهب رسول الله في ليلتي؟ قالت: فطلبته فوجدته قد اغتسل بالماء البارد، وتعرفون الماء البارد في المدينة في الشتاء، وإذا هو يصلي وإذا بدموعه تسيل على الحصير، تبلل الحصير من الدموع. قالت: فقلت له: ( يا رسول الله! أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال لها: يا عائشة ! أفلا أكون عبداً شكوراً ).

    وعندي هنا خاصية وإن كنا نحرمها وهي والله لأفضل من شيك بمليون ريال، لكن عند العالمين: متى تريد أن تبكي؟ كيف تكون خالياً ما معك أحد وإذا بعينيك تذرفان الدموع وأنت ترتعد؟ كيف تحصل على هذا؟ خذ ألف ريال الآن وافعلها. ما تستطيع.

    طأطئ رأسك، واذكر نعم الله عليك، تذكر ما أنعم الله به عليك في حياتك يوم مرضت، يوم تعبت، يوم تزوجت، يوم صمت.

    ولا تزال تستذكر تلك النعم حتى تندلع بالبكاء وتصبح كالسعفة المحترقة .. هذا هو سبيل الحصول على هذه الرقة في القلب، وهو ذكر النعم.

    لم يغتسل صلى الله عليه وسلم في الليالي الباردة وهو المغفور له؟ ليقض ليله يبكي.

    يبكي على ماذا؟ يبكي فقط شوقاً وحنيناً إلى ربه، يبكي شعوراً بإنعام ربه عليه، ما أطاق تلك النعم فيبكي، وجربوا، وقد جربنا وصحت.

    تفرغ في حالة تكون لا ترى الكون حولك، وأحياناً والله يحدث في الصلاة، ووالله ما تشعر بكائن عن جنبك لا يمين ولا شمال ثم يقشعر جلدك وترتعد وتذرف الدمع نتيجة أنك ذكرت النعم، ودليل هذه القضية: قوله صلى الله عليه وآله سلم: ( أحبوا الله الله لما يغذوكم به من النعم )، الذي كل يوم يضع في يدك ريالاً أو عشرة .. كل أسبوع يغير ثوبك، كل أسبوع يأتيك بكذا ما تحبه؟ إذاً أنت ممسوخ، ما أنت بشر.

    ( أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم، وأحبوني بحبه )، والشاهد في قوله: أحبوا الله من أجل ما يغذوكم به من النعم، فمن ذكر تلك النعم أحب الله، وإذا أحبه طارت نفسه واشتاقت إليه ونسي هذه الحياة.

    ( وأحبوني أنا بحبه )؛ لأن الله يحبني، فأحبوني بحب ربي، وإذا علمت شيئاً يحبه الله فأحببه بحب الله؛ لأنك تحب ما يحب محبوبك.

    إذاً: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4] ماذا أدى الرسول من شكر لهذه النعم؟

    حياته كلها شكر، ليله كنهاره، زهد في هذه الدنيا زهداً لا نظير له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً)

    ثم قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6].

    أي: بشرى لك يا رسول الله! لأن الآية نزلت في أيام الضيق.. أيام الحصار.. أيام الشدة.. أيام تكالب المشركين، فبشره وقال له: أبشر، ولا تقل: فعلت بي هذا فأنا الآن في حصار و.. و..

    يقول له: لا تحزن! إنها أيام معدودة فقط.

    فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5] هذا العسر الذي أنت فيه الآن يعقبه يسر لا محالة إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:6] ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام في حديث: ( لن يغلب عسر يسرين ). وأهل اللغة يا راضي ! يقولون: النكرة إذا تكررت تعددت، والمعرفة إذا تكررت توحدت، فقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ [الشرح:5] المعروف؛ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ [الشرح:5-6] السابق؛ يُسْرًا [الشرح:6] آخر. هذه لغوية. المعرفة إذا تكررت هي عين الأولى، والنكرة إذا تكررت ليست الأولى، لوحدها ثانية، تقول: جاء إبراهيم مع فلان، وذهب إبراهيم مع فلان، هل فلان واحد؟ اثنان، وإبراهيم هو نفسه، إبراهيم الأول هو الثاني.

    إذاً: ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: ( فلن يغلب عسر يسرين )، وبناءً على هذا اشكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب)

    قال تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7] إذا فرغت مما فرض عليك من الصلاة فسل الله وارغب إليه وانصب له.

    وأما الآن فسيقولون لكم: اخرجوا من المسجد، لا تستطيعوا أن تعيشوا الآن هكذا .. هذا نظام لا تطيقونه، فهيا غنوا.. فرفشوا.. الهوا.. العبوا.. نفسوا على أنفسكم.

    وأنا أقول: يا جماعة! يا عباد الله! الذين يفزعون إلى الملاهي والمقاهي والمسابح والمسارح ليخففوا عن أنفسهم هؤلاء أهل النار .. أهل السجن العظيم .. أهل سجين .. ما لهم إلا هذه الساعة.

    كيف يقضي ثمان ساعات في الشغل؟

    المرأة الأوروبية رجليها في الماء ست ساعات وهي تجني الفقع .. تمشي وتهرول من الساعة السابعة حتى تدخل العمل فيشتغلون، ثم إذا جاء المساء ماذا يصنعون؟ هل يصلون؟ هل يذكرون الله؟ لا.

    ما يفعلون؟ يبحثون كيف يخففون عن أنفسهم، فيذهبون إلى المسارح، الملاهي، الملاعب، المآكل حتى ينعموا.

    أتريدون أن يكون سكان السماء كسكان الجحيم؟

    آه! لو الوقت واسع نطلب منكم من يجادلني، لكن الوقت ضيق وما يتناسب مع الجدال.

    يا جماعة! يا عباد الله! شتان! فرق عظيم بين من يعمل ليخترق سبع سماوات وينزل في الجنة فوق السماء السابعة وبين أهل الجحيم! فرق بينه وبين شخص يهوي إلى تخوم الأرض السابعة .. هابط.

    هذا الهابط لا يحتاج إلى عمل يهبط بسهولة، لكن كيف يطلع؟ يحتاج إلى طاقات أخرى، وهنا وقع الغلط، يقيسون المسلمين بالكافرين، حتى في أولادكم، أولاد المسلمين الواجب ما دمنا ندرس دراسة مادية لنتعلم الصناعة، وكيف نعد أنفسنا للحياة المادية، لكن إذا فرغنا من المدرسة لا تفتح لنا ملاهي وملاعب وكرة وعبث، هذا نعم لأبناء اليهود والنصارى يروحون على أنفسهم، أما أبناؤنا لو عرفنا الطريق إلى السماء لخرجوا من المدرسة المادية فنجمعهم في بيوت الرحمن يتروضون على ذكر الله ودعائه .. على حفظ كتاب الله وفهمه .. على التمسك بأنوار السنة وهدايتها، حتى يأتي النوم فينامون.

    ولكن للأسف نحن نظرنا إليهم كما نظر اليهود والنصارى إلى أبنائهم .. يخرج من المدرسة ويبدأ يلعب ويفرفش ويغني ويصيح، لا صلاة ولا ذكر لله، حتى ما يتكدر أو يصاب بغم أو هم.

    هل فهمتم عني هذه اللغة؟ والله إني لعلى علم، فانزعوا من آذانكم كلمة: هذه موعظة .. فإني والله على علم وبصيرة وأبناؤنا لو أردنا أن نكمل ويكملوا معنا لا بد عندما يدرسون الدراسة المادية -واسمحوا لي إذ أبناء المسلمين الابتدائي والثانوي يدرسون دراسة مادية- ولا بأس أن يتعلموا مهنة.. صناعة كذا.. لا بأس، لكن لما يخرجون من المدارس ينبغي أن يؤتى بهم إلى بيوت الرب ليقضوا ساعات مع الله ورسول الله، وبذلك تصفو نفوسهم وتطيب وتطهر، وبذلك يحسنون العمل إذا عملوا بعد أن درسوا وتخرجوا.

    وهكذا أنا ما قلت من عندي شيئاً، اسمع لله تعالى إذ يقول: فَإِذَا فَرَغْتَ [الشرح:7] يا رسولنا المنعم عليه فَانصَبْ [الشرح:7] فليس هناك راحة إذاً.

    إذا فرغت فانصب نفسك للعمل!

    إذا فرغت من الصلاة انصب نفسك للذكر والدعاء!

    فرغت من حرث الفدان انصب نفسك للصلاة والدعاء.

    أما أهل الأرض والهابطون فلا تكلفه، دعه يغني ويفرفش في مقاهي.. مراقص.. ملاعب.. سينما.. أفلام.. كذا.. مسابح.

    وهذا ليس عندنا في الإسلام؟ لم؟ لأن رجالنا ونساءنا يريدون أن يسكنوا العالم العلوي، فلا بد من توفر طاقة من النور تحملهم إلى السماء.

    ثم تحديناكم: هل انتفعتم بالتلفاز أيها المسلمون في بيوتكم؟

    من يتحداني؟

    هل ارتقت مشاعركم؟

    هل أصبحتم ذوي حساسية عظيمة؟

    هل نمى الخلق فيكم والأدب؟

    هل ظهر ذلك في الكرم.. في الطهر والصفاء.. في الشجاعة والبطولة.. في العفو والكرم؟

    هل ظهر شيء؟ لا.

    أين النتائج؟ من يرد علي؟

    لكن على علم أقول: غنيتم وغنت نساؤكم وأطفالكم ورقصتم.

    ما هي النتائج؟ لا شيء. ضياع، والله لو يزاح الستار ونعرف واقعنا عند الله لأغمي علينا، لكنها مستورة، فنعيش على الآمال مسلمون.. والمسلم في خير.. والحمد لله فنحن لسنا مشركين.. لسنا كافرين.

    يا عبد الله! الرسول يغتسل بالماء البارد في الليلة الباردة ويتمرغ على التراب يبكي والدموع تملأ الحصير ونحن نضحك ونريد أن ندخل الجنة مع الرسول؟ أين نحن؟

    فَإِذَا فَرَغْتَ [الشرح:7] يا ناصر، يا منصور، يا عبد الله! انصب نفسك، ما في راحة، ما في كسل، ما في بطالة، ما في إلا العمل المتواصل حتى تلفظ أنفاسك، وإن تعب الجسم استرح ساعة، وإذا غلبك النوم فاسترح لله حتى تواصل العمل، أما تخصيص وقت تقضيه في الضحك واللهو والباطل فلا يوجد هذا في شريعة الإسلام.

    قد يقول قائل: أما أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم اللهو في كذا وكذا.

    فأقول لك: يجوز في طيارتك النفاثة تعمل بها كل يوم دورة في البلاد!

    كانوا في رماحهم وسيوفهم يمرنونها .. في فرسه يجودها على السير .. في بعيره .. هذا فقط، إن كان اللهو ففي هذه الثلاثة، أما في الأغاني والملاهي والأباطيل فوالله ما هذا في الإسلام، والذين التزموا الطريق .. طريق محمد صلى الله عليه وسلم ما عندهم وقت يلهون فيه.

    يا راضي ! أسألك بالله وأنت شاب! هل عندك وقت للهو واللعب؟ ما عنده. لو كان عندنا كان يقوم نصف الليل، لكان يقرأ القرآن في ثلاثة أيام، ما عنده، فكيف إذاً نلهو ونلعب لتموت القلوب وتنطفئ أنوار الإيمان ونصبح كما يعلم الله؟!

    إذاً: فَإِذَا فَرَغْتَ [الشرح:7] يا عبد الله فَانصَبْ [الشرح:7] نفسك للعمل.

    إن كنت تعمل في العمل الدنيوي وفرغت منه فانصب للعبادة!

    كنت تعمل في العبادة وفرغت منها فانصب للعمل الدنيوي، فلا شيء اسمه لهو عندنا، ولا تقل: في هذا كرب، حزن، هم. لا. إذا انشرح الصدر.. ووضع الوزر.. وذكرت في الملكوت الأعلى.. وعرفت أنك ولي الله والله لا كرب ولا حزن، ولا شعور بألم ولا بتبعة.

    أما سمعتم بيان الله لكم؟ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم؟ الذي يفرفشون؟ لا. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] يتقون دائماً بالليل والنهار.

    إذاً: عرفتم هذه السورة المباركة واستفدتم منها شيئاً فاحفظوها ورددوها ولا تنسوا معنى قوله تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإلى ربك فارغب)

    ثم قال تعالى: وَإِلَى رَبِّكَ [الشرح:8] لا إلى سواه فَارْغَبْ [الشرح:8] أي: طمعك في الله.

    يا صاحب المحراث.. يا صاحب الآلة! باسم الله ضربت الأرض، اسمع! رغبتك في الله، لولا الله ما تنبت أرضك، ولا تباع تجارتك، ولا ينجح دخلك، ولا تربح في عملك، فانتبه! لا تجعل من العمل معبوداً كنظام الشيوعيين، كل شيء للطاقة .. للعمل؛ لأنهم لا يؤمنون بأن العمل إذا لم يرد الله إنتاجه ما أنتج.

    وأما نحن فمأمورون بأن نعمل وقلوبنا مع الله، إن شاء أربح التجارة وإن شاء أخسرها، إن شاء أنجح الفلاحة وإن شاء لم ينجحها، أي: اعمل وقلبك مع الله، فلا تلتفت إلى جهدك وطاقتك ونشاطك وبذرك وبذلك، لا.. لا.

    وقد بينا أن الذي يقول: جهودنا.. طاقاتنا الخلاقة.. أعمالنا يعتقد أن العمل هو الذي ينتج؛ هذا أشرك بالله، والذي يترك السبب ويهمله ويقول: إن الله هو الرزاق ولا يعمل؛ هذا فسق عن أمر الله، فلا يفوز إلا عبد يعمل ويبذل طاقته وقلبه مع الله، فإن شاء أقسم له وأعطاه، وإن شاء لم يعطه.

    وَإِلَى رَبِّكَ [الشرح:8] خاصة فَارْغَبْ [الشرح:8] ولا تطمع في غيره.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.