إسلام ويب

تفسير سورة الانفطارللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الانفطار سورة مكية، ذكر الله تعالى فيها أهوال يوم القيامة، وما يكون فيها من انفطار السماء وتناثر الكواكب، وتفجير البحار، وتبعثر القبور وخروج من فيها، وغير ذلك من الأهوال العظام التي تكون في يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تعلم كل نفس وترى فيه كل ما عملت في الدنيا من خير أو شر، وتجازى عليه، ثم بعد ذلك ترى سبيلها إما إلى الجنة وإما إلى النار والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    بين يدي سورة الانفطار

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا اليوم هي سورة الانفطار، والسورة مكية، وتلاوة آياتها المباركة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَومَئِذٍ لِلهِ [الانفطار:1-19].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه السورة مكية، وعهدكم بالمكيات: أنهن يعالجن العقيدة في أعظم أركانها: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر.

    والسورة آيها: تسع عشرة آية، وقد سبق لنا في سورة التكوير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سره أن يرى يوم القيامة بعينيه فليقرأ: التكوير، والانفطار، والانشقاق ).

    من قرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1] و إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1] و إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1]، كأنه يرى القيامة بعينيه.

    وهذه السورة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في حديث آخر، وهو: أن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه الأنصاري، الصاحب الجليل، صلى بقومه فأطال بهم في الصلاة، أي: أطال في القراءة، فشكوه للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم تألموا؛ لأنهم أصحاب أعمال، أكثرهم فلاحون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( أفتان أنت يا معاذ ؟ أين كنت عن سورة الأعلى والضحى وإذا السماء انفطرت؟ ) فأرشده إلى هذه السور، وإلى مثلها من قصار المفصل، الأعلى والضحى، وإذا السماء انفطرت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انفطرت)

    قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1] يريد إذا انشقت السماء، وفي الحديث: ( قام النبي صلى الله عليه وسلم الليل حتى تفطرت قدماه ).

    ما معنى (تفطرت)؟ تشققت، فالانشقاق والانفطار بمعنى واحد.

    إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1] أي: انشقت، فتناثرت كواكبها، واختل نظامها؛ لتعود دخاناً كما كانت.

    هذه بداية نهاية هذه الحياة إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا الكواكب انتثرت)

    قال تعالى: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار:2]، أنت تنثر التمر، والبذر والحب، هذه الملايين البلايين من الكواكب تنتثر، إذ الأنظمة التي كانت تتماسك بها تحللت، إيذاناً بخراب الكون ونهاية الحياة الدنيا وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار:2].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا البحار فجرت)

    قال تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:3]، هذا هو عالمنا الأرضي، السماء والكواكب والأرض والبحار!

    السماء تشققت، أصبحت كالدهان! ذابت!

    الكواكب تناثرت! البحار اختلط ماؤها الملح الأجاج بالعذب الفرات! امتلأت وفاضت!

    وقد سبق لنا أنها تحترق أيضاً، انتهت الحياة الدنيا!وهذا يتم بالنفخة الأولى، نفخة إسرافيل عليه السلام، وتسمى: نفخة الفناء، واحفظوها، هذه نفخة الفناء التي يفنى فيها هذا الوجود، وتأتي نفخة أخرى هي نفخة البعث والحياة من جديد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا القبور بعثرت)

    قال تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:4]، متى تتبعثر القبور؟ وما معنى البعثرة؟

    بعثر الشيء: إذا قلبه، فالقبور الآن ساكنة في الأرض ثم تفنى هذه الأرض وتوجد أرض أخرى ليس فيها عوج ولا أمت، لا سهل ولا جبل، وتنبت الخليقة فيها كما ينبت البقل.. الثوم.. والبصل.. والخردل.. وما إلى ذلك!

    ننبت ولا عجب! لا تعجب فتقول: كيف ننبت؟ أنت نبت وأنت قطر مني حيوان لا يرى بالبصر، وأصبحت أنت الإنسان، فكونك تنبت في تربة جديداً وماء جديداً ما عرفته الدنيا، بسرعة وإذا بك في طول ستين ذراعاً، هذه النفخة الثانية هي التي تبعثر فيها القبور وتنقلب ويخرج الناس منها، وما كان أسفل أصبح فوق. هذه هي البعثرة.

    متى تتم هذه البعثرة للقبور؟ بالنفخة الثانية. الأولى يهلك فيها كل شيء وهي نفخة الفناء.

    ونفخة جديدة بعدما تستوي الأرض وتستقر، وهي تحمل النواة التي منها يتخلق الإنسان، النواة هي عظم صغير، ولهذا يصغر ويقال فيه: عُظيم، ما هو عظم، عُظيم صغير يوجد في آخر خرزات الظهر، ويسمى بعجب الذنب، إذ للإنسان فقرات سلسلة في ظهره وهو نهايتها، لو كان بقرة نبت له ذيل أو ذنب، لو كان شاة ينبت في ذلك المكان الذنب، الإنسان ليس له ذنب، لكن المحل موجود، عُظيم وهو النواة التي يركب الله تعالى منه الخلق يوم القيامة.

    من أخبر بهذا؟ رسول الله.

    وينزل ماء من السماء كمني الرجال أيضاً، ليس هذا المطر ولا من تكوين هذا المطر، فننبت وابشروا والله لتنبتن كما ينبت البقل في الربيع، إذا اكتملت الأجساد طولها وعرضها وتمت لم يبق إلا أن تدخلها الأرواح فتحيا، هياكل وجدت تدخل الروح، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    إذاً: ذكر تعالى في هذه السورة ثلاثة أحداث دنيوية:

    أولاً: انفطار السماء.

    ثانياً: انتثار الكواكب.

    ثالثاً: تفجير المياه.

    وذكر حادثاً واحداً من أحداث يوم القيامة: وهو بعثرة القبور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (علمت نفس ما قدمت وأخرت)

    إذا خرج الناس من قبورهم ماذا يحدث؟

    قال تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5].

    عَلِمَتْ نَفْسٌ : أي نفس تعلم حينها ما قدمته من صالح الأعمال وطالحها، وما أخرته من صالح الأعمال وطالحها.

    إذاً: ثم يتم الندم، من كان فاعلاً للخيرات ندم أن لو عمل أكثر مما عمل، ومن كان عمل سيئات ندم على فعلها وعلى الإكثار منها، علمت نفس ما قدمته من أعمال أثيبت عليها وجوزيت بها، وأخرت كذلك.

    وهناك مسألة إضافية، ويدل عليها اللفظ أيضاً ولا يتنافى معها: وهو أن من سن سنةً حسنة وعمل الناس بها بعد موته يعلمها في ذلك اليوم؛ لأنه أخرها.

    ومن سن سنة سيئة وعمل بها الناس بعد موته دهراً طويلاً أو قصيراً كذلك يجزى بها ويعلمها.

    علمت نفس ما قدمته من الأعمال وما أخرته بسبب ما سنته وشرعته للغير، وعمل به الغير، ويشهد لهذا آية (يس)، إذ قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، وهي صريحة الدلالة في أن من عمل سيئة وورثها في الناس فعملوا بها، ولو مليون سنة يثاب عليها ويعطى بحسبها، إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، أي: التي تركوا فعمل الناس بها بعدهم، فلهذا على العاقل ألا يسن في الناس سنة سيئة، فإنه والله ليجزى بها حتى ينقطع من يعمل بها، ومن استطاع أن يسن سنة حسنة يورثها في أناس في أهل قريته.. في جماعة.. في أمة، فإنه يثاب عليها وهو ميت، وفي الحديث الصحيح: ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء إلى يوم القيامة ).

    وفي الحديث: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، صدقة جارية يثاب عليها، أو علم ينتفع به )، فمن ورث علماً ينتفع به ولو علم صناعة، إذا ورثه في الناس يثاب عليه، ومعنى هذا: أن المرء يموت ويبقى حسابه جارياً، يضاف إليه ويؤخذ منه.

    إذاً: ودلت على هذه الحقيقة هذه الكلمة الإلهية وهي قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5]، والوجه الأول مشرق ما قدمته من الصالحات، والوجه الثاني: ما أخرته من الصالحات، تفرح بهذا وتندم على هذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ [الانفطار:6]، وهذا اللفظ يشمل كل إنسان، ولكن بما يأتي يدل على أنه الكافر الفاجر يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6].

    ما الذي جعلك تكفر به وتفجر عن طاعته، وتخرج عن عبادته؟

    ما الذي غرك؟ الجواب: الشيطان، والله للشيطان هو الذي غر الإنسان بربه.

    وقد يقول قائل: غره كرم الله وحلمه، فرد الله هذا بقوله: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار:9].

    يروى أن الفضيل بن عياض رحمه الله قيل له: أرأيتك إذا وقفت بين يدي الله يوم القيامة وسألك ماذا تقول؟ وقال لك: يا فضيل ما غرك بي؟ قال: أقول له: الستور المرخاة. أو قال: ستورك المرخاة علي، لو فضحتني ما عصيتك، أنت سترتني.

    والحقيقة: أن الذي غر الإنسان هو الجهل بالله، والكفر به، والشيطان، والدنيا أيضاً تغر صاحبها فيظن أنه خالد باق لا يمرض ولا يموت يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي خلقك فسواك فعدلك)

    قال تعالى: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:7]، (فَعَدّلَكَ) قراءة نافع.

    (خَلَقَكَ): من يقول: لا ما خلقتني؟ سواك هذه التسوية. من يقول: ما سواني؟

    فيك انحراف؟ فيك اعوجاج؟ تسوية كاملة.

    فَعَدَلَكَ ، (فَعَدّلَكَ)، انظروا هل يدك طويلة وأخرى قصيرة؟

    هل هناك أصبع بطول متر وأصبع بطول عشرة سنتيمتر؟

    رجلاك معتدلتان أو واحدة قصيرة واحدة طويلة؟

    عيناك.. شفتاك.. منخراك؟

    كل ما فيك معدل، أي تعديل أعظم من هذا؟ فَعَدَلَكَ [الانفطار:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في أي صورة ما شاء ركبك)

    قال تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:8]، لو أراد الله أن يخلق إنساناً قرداً يخلقه قرداً، قطاً تتمخض أمه وتلد قطاً، ويعي ويفهم وهو ممسوخ، في أي صورة يشاء الله أن يركبنا يركبنا!!

    ولكن فضلنا بهذه الصورة على سائر مخلوقاته الأرضية، مهما كانت الحيوانات وتنوعت ألوانها وأنواعها وبدا فيها جمالها وحسنها فالإنسان أفضل مخلوق على سطح الأرض.

    لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، ويدلكم أن الحيوانات جلها كلها تتناول أطعمتها بأفواهها إلا الآدمي يتناوله بيده، كل الحيوانات مطأطئة رأسها وتمشي إلى الأرض إلا أنت فإنك مستقيم القامة معتدل.

    أنت تملك هذا؟ لولا أن الله خلقنا على هذا النوع فهل نملك أن نغير أو نبدل؟ ما نملك.

    يذكر الله تعالى الإنسان بإنعامه عليه وإفضاله إليه وإحسانه؛ عله يخجل ويستحي فيعبد الله. فقال: لا؛ لأنه مغرور مخدوع، يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:6-7].

    قال تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:8]، هذا أسود.. هذا أبيض.. هذا أصفر.. هذا طويل.. هذا قصير.. هذا يشبه أمه.. هذا يشبه جدته.. هذا يشبه عمه.. هذه الصور أيضاً مختلفة وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22]، هل الرجل أو الطبيب أو الحاكم يملك أن يكون الولد يشبه أمه أو أخاه ببطن أمه؟ أو أسود أو أبيض؟ لا.

    إذاً: الفاعل الحق هو الله جل جلاله، هذا هو الكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا بل تكذبون بالدين)

    ما حمل الإنسان على الكفر والفجور؟

    من ادعى أنه حمله على هذا كرم الله وحلمه فالله قد أبطل هذه النظرية وقال: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار:9]، هذه اللفظة كما علمتموها وتكررت، (كَلَّا): تكون بمعنى حقاً، وهنا (كلا) بمعنى: الردع وإبطال ما سبق، أي: الزعم الذي زعمه من قال: أنا غرني حلمه، غرني كرمه، لهذا ما أطعته، هذه باطلة بقول الله تعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار:9]، وضع أيدينا على العلة، فعلة الفجار والفساق والكفار هي أنهم ما آمنوا بأنهم سيقفون بين يدي ربهم في ساحة القضاء، ويسألهم ويجيبون أو يعجزون.

    العلة في الاستمرار على الباطل والشر والفساد واحدة وهي الجهل بالله، وعدم الإيمان بلقائه، وهو الذي قرر هذا سبحانه.

    بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار:9]. ما المراد بالدين؟

    يصح أن تقول: الإسلام، كذبوا بالإسلام، ويراد بالدين الجزاء يوم القيامة، وهو المقصود، ومنه: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، من هو المالك ليوم الدين يوم القيامة؟ الله، فالدين الجزاء بحسب الكسب الدنيوي.

    إذاً: تكذيب الكافر الفاجر بيوم القيامة وما يجري فيه من جزاء على العمل هو الذي غرر به، وجعله يواصل الفجور عن طاعة ربه، أو يواصل الكفور والجحود لآلاء ربه، التعليل سليم: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار:9] لا كما تزعمون أن حلم الله هو الذي غركم أو كرم الله، لا، فالذي عرف حلم الله يذوب حياءً من الله!

    الذي عرف كرم الله لا يواجه الكريم بالقبح والسوء أبداً، وإنما العلة أنهم يكذبون بيوم الدين، بل تكذبون بيوم الجزاء وهو يوم القيامة وما يجري فيه ويتم من حساب وجزاء، إما بالنعيم المقيم، وإما بالعذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن عليكم لحافظين)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار:10]، وإن عليكم رقباء يرقبون أعمالكم، ويحصونها عليكم ويدونونها، وسوف تجدونها أيضاً في كتاب واحد، تجمع كل الحصيلة حصيلة خمسين ستين سنة في كتاب في صفحة.

    وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار:10]، جمع حافظ وليس محافظ البلد بل حافظ بأعمالك، لا يضيع منها كلمة واحدة بل ولا حرفاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كراماً كاتبين)

    قال تعالى: كِرَامًا [الانفطار:11]، والحمد لله ما هم شحاح بخلاء نخشى أن يسجلوا علينا ما لم نقل كما يفعل إخوانك، أو يقولونك ما لا تقل، لا. بل كرام، كَاتِبِينَ [الانفطار:11]: يعرفون الكتابة بالآلة التي تعجز عنها آلات الدنيا كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلمون ما تفعلون)

    قال تعالى: يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:12]، لا يخفى عليهم من عملكم شيء!

    لو أغلقت بابك وعملت ما عملت يعلمون عملك!

    لو دخلت في غرفة وأغلقت الباب حتى سبعين غرفة فهم معك؛ لا تستطيع أن تغلق الباب عليهم.

    إذاً: يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:12]، من خير أو شر. ‏

    تعاقب الكرام الكاتبين بالليل والنهار وفضل صلاتي الفجر والعصر

    هنا معاشر المستمعين مسألة فقهية هذا وقتها: اعلموا يرحكم الله! أن الكرام الكاتبين هؤلاء أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ).

    هذه على لغة أكلوني البراغيث، لغة الحارث: ( يتعاقبون فيكم )، اللغة القرشية: (يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ينطق بلهجات العرب كاملة ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ).

    (ملائكة النهار): الذين يعملون طول النهار ينزلون في صلاة الصبح، نحن نصلي وهم قد نزلوا، وعرج ملائكة الليل، فيظل ملائكة النهار معنا إلى أن نصلي العصر فيعرجون إلى الله ويكون ملائكة الليل قد نزلوا، هذا معنى التعاقب، ومن هنا يسألهم ربهم عن أحدنا: (كيف وجدتم فلاناً أو فلاناً؟ يقولون: وجدناه في الصلاة وتركناه في الصلاة )، فيا لها من فائدة عظيمة، وكسب كبير يزن الدنيا وما عليها.

    لا تتأخر يا عبد الله عن صلاة الصبح وصلاة العصر، والله لأن تفقد أولادك وزوجتك ومالك ووظيفتك، أهون من أن تفوتك صلاة العصر!

    ما أنا الذي قلت هذا، هذا رسول الله على مرمى حجر منكم كان يقول: ( من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله ).

    إذاً: صلاة العصر وصلاة الصبح لا يفرطن فيهما إلا هالك، لما سمعتم يسألهم: ( كيف وجدتم عبادي؟ وجدناهم في الصلاة وتركناهم في الصلاة )، وهو كذلك، ينزلون في صلاة الصبح ويعرجون في صلاة العصر.

    إذاً: وجدونا في الصلاة وتركونا في الصلاة. معناه: ما عصيناك يا ألله.

    ومن هنا يقول صلى الله عليه وسلم واحفظوا: ( من صلى البردين دخل الجنة ).

    ما المراد بالبردين؟ صلاة الصبح وصلاة العصر، إذ كلاهما يقع في البرد، برد الصبح وبرد العصر، لو تشاهد حرارة الصيف في الظهر تعرف برد العصر ما هو.

    ( من صلى البردين دخل الجنة )، فمن هنا إن شاء الله نموت ولا نرضى بأن نتأخر عن صلاة الصبح وصلاة العصر، إلا مريض، أو في حالة شبه المرض من الخوف أو غيره.

    الكرام الكاتبون يتأذون من الرائحة الكريهة

    إذاً: هذان الملكان -اسمعوا- يتأذيان بالرائحة الكريهة، اسمعوا يا عباد الله، الملكان الموكلان بك يا ابن الإسلام والله ليتأذيان بالرائحة الكريهة، فاحذر أن تكون رائحتك كريهة فإنك تؤذي الملائكة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصح عن هذه الحقيقة ويعلن، ويقول اسمعوا! في المعسكر: ( من أكل منكم ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا ).

    كتيبة من الجيش أكبوا على مزرعة فأكلوا الثوم والبصلة نيئين، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا ).

    قد يقول الكسول: أنا آكل الثوم والبصل فأنا ممنوع من المسجد. أهذا عاقل؟ يمنع من رحمة الله ويفرح.

    قال: أنا الآن آكل الثوم والبصل ولا أدخل المسجد.

    ( من أكل ثوماً أو بصلاً ) نيئين، أما إذا طبخ فقد زالت رائحته ( فلا يقربن مساجدنا )، ليس المسجد النبوي فقط، بل مساجد المسلمين عامة.

    ثم يعلل لهذا النهي فيقول: ( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )، يحصل لها الأذى وتتأذى مما يتأذى منه بنو آدم من الروائح الكريهة.

    وهنا! يا ويل المدخنين.. يا ويحهم! كيف بك يا عبد الله تنفخ النار والدخان الرائحة الكريهة في وجه ملك موكل فيك يحصي أعمالك؟!

    لو كان إلى جنبك جاسوس الحكومة وأنت تعرف ذلك لا تنفخ في وجهه،

    تخاف، تهاب، ترتعد. فكيف إذاً ما تخاف من الله وتنفخ هذه الرائحة الكريهة في وجه ملك كريم؟!

    قد يقول لكم قائل: من أين هذا للشيخ؟

    هل أقول أنا: هذا من رأيي؟ ما عندنا رأي، ما هو إلا الوحي الإلهي قال الله، قال رسوله.

    اسمعوا! يقول صلى الله عليه وسلم: ( إذا أراد أحدكم أن يبصق فلا يبصق عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، ولا عن شماله فإن عن شماله ملكاً، ولكن بين يديه وتحت قدميه ).

    إذاً: يا ويح المدخنين، والحمد لله عاد المسلمون، قبل خمس وثلاثين سنة أو أربعين سنة حلقة كهذه والله نصفها يدخن، والآن لا وجود لمدخن، أو يوجد عدد بسيط.

    هل الدخان يزيد في القوة البدنية؟ يزيد في الطاقة؟ يزيد في طاقة العقل؟ يكسبك شرفاً؟ ذكاءً؟ مالاً؟

    ما الذي يكسبك؟ لا شيء، فقط حكمنا الشرق والغرب وساسونا؛ لأننا هبطنا وورثنا عنهم هذه الباطلة المنكرة، والمفروض من يوم ما استقل العرب والمسلمون عن الغرب مزقوا الدخان.

    هل كان علي بن أبي طالب يدخن؟

    إذاً: الدخان عيوبه وآثاره السيئة تجعله حراماً، والله لحرام، وإنما الذي نقوله الآن: لا يصح يا عبد الله! أن تنفخ الرائحة الكريهة في وجه ملك يحميك ويحرسك.

    كيف يصح هذا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يتأذون مما نتأذى منه نحن؟!

    ثم أيضاً ينبغي أن نستحي من هؤلاء الملائكة الكرام، فإنهم لا يفارقونك إلا في ثلاثة مواطن: في الجماع، والغسل، والتغوط عند التبرز يبعدون عنك.

    إذاً: فاستحي منهم، فإنهم معك الليل والنهار.

    نعم اثنان يبيتان واثنان يظلان، فإذا أردت أن تبصق فإياك أن تبصق أو تتفل عن يمينك أو عن يسارك، بل أمامك تحت قدميك!

    لا تتكشف وتبدي عورتك، فإنهم معك ينظرون إليك!

    استحي منهم أن تقول كلمة سوء وهما يسمعان بها، استحي منهم فهم كِرَامًا : ما هم لئام ولا شرار كالشياطين تتقول عليهم بل هؤلاء ملائكة وكرام.

    إذاً: فاذكروا هذا معاشر المؤمنين والمؤمنات، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم ...)

    ثم قال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار:13]، الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً يقول: وبعد؟ نريد أن نرى النتيجة. فيأتي الجواب: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [الانفطار:13-16].

    من هم الأبرار؟ الذين بروا بآبائهم وأبنائهم. نعم.

    ولكن البار: هو المطيع لله ورسوله، الصادق في طاعته لله ورسوله، والجمع أبرار، بر وبار بمعنى المطيع الصادق، ويقابل الأبرار الفجار.. الكفار ذوو الفجور والخروج عن طاعة الله ورسوله. هذا هو حكم الله.

    اسمع! هذا الحكم يعلنه رب الأرض والسماء: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]، وأنت حر يا بني إن شئت أن تكون برراً باراً فتفضل، وإذا بك في النعيم المقيم في الملكوت الأعلى في دار السلام وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25]، أجب!

    وإن شئت الأخرى: الكفر والفسوق والعصيان والفجور ففي جحيم.

    هذه الآية أعلنت عن حكم الله في الخلق: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]. وأما حالة أخرى فلا وجود لها.

    نظيرها حكمه في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    من يعقب على أحكام الله؟

    هل هناك محكمة استئناف؟!

    أما قال الله في سورة الرعد: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، ما حكم به هو الذي ينفذ ويتم بحذافيره.

    حكمان اعلموهما فهما خير لكم من مليون ريال:

    الأول: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14] .

    أتشك في هذا يا أبا عبد العزيز ؟ لا أبداً. هذا حكم الله.

    الثاني: قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    فمن هنا عرفنا علة هذا الحكم.. الأبرار في نعيم، والفجار في الجحيم.

    ما السر؟ غضبة الله فقط؟ لا. السر أن الأبرار المطيعين الصادقين زكوا أنفسهم بالصالحات، أبعدوا عنها المدسيات والمخبثات، فإذا بها مشرقة طاهرة كأرواح الملائكة.

    والفجار فجروا عن الطاعة، أشركوا بالله، خرجوا عن طاعته، أجرموا الجرائم كلها، فخبثت أرواحهم، تدست، أصبحوا ليسوا أهلاً للسماء، ولكن لسجين في الملكوت السفلي.

    تعليل منطقي: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14].

    لم؟ قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، فالأبرار يزكوا أنفسهم بهذه العبادات وهذه الوظائف، أبعدوها عما يخبثها من الشرك والمعاصي، والفجار فجروا عن طاعة الله ورسوله، وخرجوا عن النظام فتخبثت أرواحهم.. تلوثت دسوها بأطنان الذنوب والآثام.

    إذاً: هم في جحيم، آمنا بالله!

    هاتان الآيتان في سورة الانفطار والشمس وضحاها حكمان إلهيان حكم بهما على كل مخلوق.

    كيف؟ الأبرار في نعيم، والفجار في جحيم، أفلح من زكى نفسه، وخاب وخسر من دساها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يصلونها يوم الدين...)

    ثم قال تعالى: يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ [الانفطار:15]، يصلون النار الجحيم، يحترقون بها. متى؟ يَوْمَ الدِّينِ [الانفطار:15] .

    وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [الانفطار:16]. هل ترون أن من دخل النار يعطى فسحة ساعة أو ساعتين يتجول خارجها؟

    هل يعطى إجازة يوماً أو يومين؟

    والله ما يخرج منها أبداً إن كان من أهل الشرك، أما أهل التوحيد فإنهم يخرجون منها بعد نهاية ما تحملوه، وأما من مات كافراً أو مشركاً فالخلود دائم لا يخرجون منها لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ [الزخرف: 75] العذاب وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:75].

    يطالبون: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، فيأتي الجواب بعد ألف عام، قال: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77].

    مرة قالوا: فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12]، فيأتي الجواب: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، حالهم: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:75].

    إما جنات الفردوس في العلو، أو جحيم في الأسفل، لا وسط أبداً، إما في جهنم وإما في الجنة، ولهذا قال تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

    وهكذا يقول تعالى: وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار:16-17]؛ لأنه ذكر فقال: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا [الانفطار:14-15] متى؟ يَوْمَ الدِّينِ [الانفطار:15] . يعني: يوم القيامة، يوم الجزاء والحساب، يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [الانفطار:15-16].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين...)

    قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار:17]، تهويل لشأن هذا اليوم.

    نعم. لولا أن الله أعلمنا به ما كنا نعرف ما يوم الدين، ولكن الصيغة هذه تدل على تهويل هذا اليوم، وهو يوم عظيم.

    كيف يوم عظيم؟ أما قال تعالى: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل:17]، و السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ [المزمل:18] متمزق بِهِ [المزمل:18].

    إذاً: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار:17-18].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً)

    بين سبحانه وتعالى هول وعظمة يوم الدين فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار:19] هذا هو اليوم، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار:19]، لا تملك أية نفس لأية نفس أخرى شيئاً، إلا أن يشاء الله، فلا شفاعة لأحد حتى يأذن الله.

    يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار:19]، وإن قلـ لا شفاعة، ولا وساطة، ولا رشوة، ولا محسوبية، ولا نسب، ولا ولا، إذ القضية مفروغ منها سواء كانت النفس مشرقة الروح أو منتنة عفنة.

    قال تعالى: وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:19]، هو الذي يحكم، الأمر له، لا ينازعه أحد، الأمر لله دائماً.

    ولكن أنتم ما تأدبتم معه ونازعتموه، الحق لإبراهيم وأعطيتموه لعثمان بالرشوة مثلاً، لكن يوم القيامة الأمر له وحده، لا ينازعه أحد.

    ومعنى هذا: توبوا إلى ربكم، أنيبوا إلى ربكم، أحبوه، تعرفوا إليه، اعملوا على طاعته، إذ لا مجال أبداً لكم إلا أن تقفوا بين يديه، فلم هذا العداء والجفاء والبعد الذي لا معنى له؟ بعد لا معنى له؛ لأننا بين يدي الله، فكيف نطلب البعد بالمعاصي والذنوب والآثام؟

    1.   

    حقائق اشتملت عليها سورة الانفطار

    هذه سورة الانفطار، وقد اشتملت على حقائق:

    أولاً: أنه لا بد من نهاية هذه الحياة.

    ثانياً: لا بد من حياة أخرى، وتذكر فيها حياتك الأولى بكاملها.

    ثالثاً: إياكم والاغترار، لا تقبلوا غرور الدنيا ولا الشيطان، ربكم وإن كان أكرم كريم وأحلم حليم ولكن من واجهه بمعاصيه فكفره وجحد إنعامه فمصيره معروف عند الله.

    رابعاً: اعلموا أن عليكم ملائكة موكلون بكم يحصون أعمالكم، فتعاملوا معهم بالحسنى. ومن المعاملة بالحسنى أريحوهم، كانت عائشة تقول: يا نساء النبي أرحنا الملائكة، تسمعهن يتحدثن بعد صلاة العشاء. لم هذا الحديث؟ صليت العشاء نم وأرح الملائكة، فهم يكتبون كل شيء، استحي منهم، لا تتبجح وتكشف عن عورتك أمامهم!

    احذر أن تبصق عليهم أو تنفخ فيهم رائحة كريهة!

    احذر أن يكتبوا عليك باطلاً أو سوءاً!

    ليكن قولك وعملك كله صالحاً؛ ليكتب لك ذلك الصالح.

    وأخيراً: عرفتم حكم الله الأعلى؟ الناس محكوم عليهم إما أبرار في نعيم وإما فجار في جحيم.

    متى يتم هذا؟ يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار:18]، أي: يوم الجزاء يوم القيامة.

    هل هناك من يشفع أو يمنع؟ الجواب: لا، الأمر كله لله.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.