إسلام ويب

تفسير سورة الممتحنة (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أمر الله المؤمنين بعدم موالاة المشركين ومحبتهم، ذكر مثلاً لذلك ما كان عليه حال إبراهيم عليه السلام مع قومه، فقد تبرأ منهم أجمعين، لما رأى ما هم عليه من الإصرار على الشرك، أما أبوه فإنه وعده بأن يستغفر له أول الأمر، فلما تبين له عداءه الشديد لله ولدينه ولأوليائه تبرأ منه كذلك، فاستحق أن يكون عليه السلام صاحب الحنيفية وإمام الأنبياء، وخليل رب السماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ...)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    ها نحن مع سورة الممتحنة المدنية، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة:4-6].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة:4]. لقد تقدم في أول السورة أن الله تعالى حرم على المؤمنين موالاة الكافرين، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحب كافراً وأن ينصره على مؤمن, ولما كان حاطب بن أبي بلتعة قد حدثت منه فلتة ووجد لنفسه رخصة في كتابته إليهم بذلك الكتاب الذي أفشى فيه سر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن له أولاداً وأقارب في مكة وليس لهم ناصر من المشركين ولا حليف ولا ولي يتولاهم؛ ضرب الله تعالى للمؤمنين هذا المثل في إبراهيم عليه السلام، فقال: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة:4] أي: قدوة صالحة، وإبراهيم هو أبو الأنبياء، وقد واجه المشركين مواجهة لا نظير لها، حتى أنه واجه أباه، وهو مع كل هذا ثابت صابر فائتسوا به واقتدوا, والمؤمنون الذين كانوا مع إبراهيم هم: سارة زوجته, ولوط ابن أخيه وهؤلاء هم الذين آمنوا معه، وإن فرضنا وجود غيرهم فلا حرج، لكن المعروف والمشهور هو أن سارة زوجته وكانت بنت عمه، وأن لوطاً ابن أخيه هما الذين اتبعوه وهاجروا معه من أرض بابل بالعراق إلى القدس.

    ثم بين تعالى ماهية الأسوة الحسنة التي أمرنا أن نتابع عليها إبراهيم والذين آمنوا معه فقال: إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ [الممتحنة:4], أي: متبرئون منكم، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة:4], أي: من الأصنام, وغيرها. كَفَرْنَا بِكُمْ [الممتحنة:4], أي: فلن نعترف بوجودكم, وليس لكم قيمة عندنا.

    وقوله تعالى: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ [الممتحنة:4], أي: وظهر ولاح في الآفاق العداوة بيننا وبينكم، فلا مودة ولا محبة بيننا وبينكم أبداً؛ لأنكم مشركون كافرون ونحن مؤمنون موحدون، فلا علاقة بيننا وبينكم.

    والعداوة هي: ضد الموالاة، والبغضاء ضد الحب، فلا حب ولا ولاء لكم أيها المشركون عندنا، بل نبغضكم ونكرهكم، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4], أي: فحين تقولون: لا إله إلا الله، آمنا بالله رباً ولا رب غيره ولا إله سواه يومئذ تنتهي هذه العداوة والبغضاء, ونتوالى ونتحاب ونتواد، أما وأنتم مصرون على عبادة الأشجار والأصنام فإن العداوة بيننا وبينكم قائمة ولن تنتهي إلا بانتهاء كفركم وشرككم, فقولوها أنتم أيضاً أيها المسلمون للمشركين في مكة وفي غيرها، وهذا كلام واضح ومعقول قاله إبراهيم وسارة ومن معهما لقومهم الكافرين.

    والله تعالى وحده هو: المعبود الحق وعبادة غيره باطلة، سواء كانت لملك أو لنبي أو لحجر أو لغيرها من المخلوقات.

    ثم قال تعالى وقوله الحق: إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة:4] وهذا استثناء فإن إبراهيم قد حاول أن يهدي أباه إلى الحق، وواعده بأن يستغفر له، فلما أصر على الشرك والكفر تبرأ منه، وكذلك فليتبرأ حاطب بن أبي بلتعة من أولاده وأمه وامرأته ومن معهم، كما فعل إبراهيم. والآية تشير إلى أن إبراهيم ربما قال لوالده: والله لأطلبن لك المغفرة من الله إن تبت ورجعت إلى الله.

    ثم قال تعالى: وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الممتحنة:4], أي: وما أملك شيئاً أبداً، ولو كنت أملك شيئاً لهديتك وأصلحتك، ولو كنت أملك شيئاً لأنزلت العذاب بالمكذبين، وبهذا كان ينصح والده ويرقق قلبه ولكن والده كان مصراً، وقد قال الله في سورة مريم عن ترفق إبراهيم بوالده: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:47]. وفي هذه الآيات تأديب وتربية ورفق بـحاطب بن أبي بلتعة ، فإن إبراهيم قد قال لأبيه: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الممتحنة:4].

    ثم قال تعالى: رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة:4]. ويصح أن يكون هذا من قول إبراهيم ومن معه، ويصح أن يكون خطاباً لنا نحن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم: فقد علمنا الله أن نقول: رَبَّنَا [الممتحنة:4], أي: يا ربنا! ويا خالقنا! ويا رازقنا! ويا معبودنا الحق! عَلَيْكَ , أي: لا على غيرك, تَوَكَّلْنَا , أي: اعتمدنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا , أي: رجعنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، هكذا يأمر الله المؤمنين بأن يتبرءوا من المشركين ومن الشرك, وبأن يفزعوا إلى الله ويطرحوا بين يديه .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ...)

    قال تعالى: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة:5]، أي: ربنا لا تجعلنا فتنة يفتن بها الذين كفروا, وتكون بأمرين: إما أن تنصرهم علينا فيفتتنون بكفرهم ويظنون أنهم على الحق، أو تنصرهم علينا فيفتنوننا عن إسلامنا.

    وقوله: وَاغْفِرْ لَنَا [الممتحنة:5], أي: ذنوبنا السابقة والآتية. رَبَّنَا [الممتحنة:5], أي: يا ربنا.

    ثم قال تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة:5]. والعزيز هو: الغالب القاهر الذي لا يحول بين مراده شيء، والحكيم أي: في تصرفاته وقضائه وحكمه وإعطائه ومنعه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ...)

    قال تعالى لمحمد وأصحابه ومنهم حاطب بن أبي بلتعة: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الممتحنة:6], أي: لقد كان لكم في إبراهيم ومن معه وفي قومهم الملاحدة المشركين قدوة صالحة.

    وقوله تعالى: لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الممتحنة:6]. أي: لمن كان يرجو لقاء ربه, والوقوف بين يديه في ساحة فصل القضاء يوم القيامة، ويطمع في الله ولا يطمع في سواه، ويرهب الله ولا يرهب غيره.

    ثم قال تعالى: وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة:6], أي: ومن يعرض عن هذه الدعوة, ويصر على الشرك وموالاة المشركين, والتعامل معهم ومودتهم فالله عز وجل غني عنه، وليس بحاجة إلى عبادته وطاعته، والحميد هو: المحمود في السماوات والأرض، وكل شيء يحمد الله ويدل على جلاله وكماله.

    مرة ثانية: قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة:4]. وقد عرفنا أن من معه كانوا سارة زوجته ولوطاً ابن أخيه. إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ [الممتحنة:4]. المشركين الكافرين: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ [الممتحنة:4]. وكذلك قولوها أنتم للمشركين من إخوانكم وأعمامكم وأقربائكم: وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4], أي: حتى ترجعوا إلى الصواب والحق وتقولوا: لا إله إلا الله.

    إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة:4]. ولكنه بعد أن رأى والده مصراً على الكفر بالله رفض ذلك وتبرأ منه ولم يستغفر له. وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة:4-5], أي: فنفتنهم عن ديننا ويأبون دخول الإسلام، أو يفتنوننا ويخرجوننا من ديننا.

    وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا [الممتحنة:5], أي: ما سبق من ذنوبنا وما قد يأتي منها؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة:5]. العزيز هو الغالب, والحكيم في قضائه وحكمه وعدله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] ولآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: وجوب الاقتداء بالصالحين في الائتساء بهم في الصالحات ] وإذا وجد بيننا عبد صالح يجب أن نقتدي به، في ما يقول وفي ما يعمل من الصالحات.

    [ ثانياً: حرمة موالاة الكافرين، ووجوب معاداتهم ولو كانوا أقرب قريب ] كالأب والأم والابن والأخ والأخت ما داموا مصرين على الكفر والعياذ بالله.

    [ ثالثاً: كل عداوة وبغضاء تنتهي برجوع العبد إلى الإيمان والتوحيد بعد الكفر والشرك ] فما من عبد يتوب إلا وتاب الله عليه ولو عصى الله مائة سنة, ولو عبد الأصنام والأحجار ألف سنة، فإذا تاب ورجع إلى الله تاب الله عليه.

    [ رابعاً: لا يجوز الاقتداء في غير الحق والمعروف، فإذا أخطأ العبد الصالح فلا يتابع على الخطأ ] فلا تأتسوا بـحاطب بن أبي بلتعة حين والى المشركين وكتب إليهم ذلك الكتاب، لكن تأتسوا بالعبد الصالح في ما هو معروف وخير وحق وفضيلة، أما الائتساء بالإنسان في الباطل والخبث والشر فلا يجوز.

    [ خامساً: وجوب تقوية المؤمنين بكل أسباب القوة لأمرين، الأول: خشية أن يغلبهم الكافرون فيفتنوهم في دينهم ويردوهم إلى الكفر.

    والثاني: حتى لا يظن الكافرون الغالبون أنهم على حق بسبب ظهورهم على المسلمين فيزدادوا كفراً، فيكون المسلمون سبباً في ذلك، فيأثمون للسببية في ذلك ] وهذه لطيفة من أبدع اللطائف: فيجب تقوية المؤمنين، وعدم تركهم ضعفة؛ حتى يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته، فالضعف حرام على المسلمين؛ لأنه يشجع المشركين عليهم وعلى فسادهم.