إسلام ويب

تفسير سورة الملك (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكافر الغافل لا يتدبر فيما حوله من الآيات والبينات، بل يمشي في الأرض تائهاً كالمكب على وجهه الذي لا يرى طريقه، أما المؤمن فهو يمشي مستوياً ينظر في كل ما حوله، وينتفع بكل إشارة أو عبارة، فيحمله ذلك على الإيمان بربه، واليقين في الانقلاب إليه والمثول بين يديه، بعكس الكافر الذي يستبعد الآخرة، حتى يفاجأ بها وقد قامت، وإذا بساعة الحساب والعقاب قد حانت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن مع سورة الملك المكية المباركة الميمونة، ومع هذه الآيات, والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ [الملك:20-27].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سبق أن علمنا أن السور المكية -أي: التي نزلت بمكة- تعالج العقيدة لتصححها، وأعظم أركانها: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق يستحق أن يعبد إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق، والجزاء فيه حتمي لابد منه.

    قال ربنا تعالى: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ [الملك:20]؟ وقد كانوا يتمنون بل يحاولون أن يقتلوا رسول الله، وأن يقتلوا أصحابه المؤمنين كـأبي بكر وبلال وفلان وفلان، ويودون أعظم مودة ألا يشاهدوا رسول الله، وألا يسمعوا كلامه, وكذلك أصحابه، ولكن الذي يقتل محمداً وأصحابه ليس غير الله. ولكن الحقيقة هي: أن الكافرين ما هم إلا في غرور، فالشياطين تعبث بقلوبهم، وتزين لهم الباطل، وتحسن لهم الخبث والشر، فلذلك يتمنون لو مات الرسول وانتهى, وانتهت الدعوة، كما قال تعالى عنهم: إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الملك:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور)

    قال موبخاً للكافرين أيضاً ومؤدباً لهم: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الملك:21]؟ وهذا هو الواقع. فلو منع الله المطر أن ينزل من السماء لما استطاعت البشرية أن تنزل قطرة واحدة، ولو أراد الله ألا تنبت الأرض نباتاً والله ما تنبت، ولو أراد أن الأشجار والنخيل ما تخرج ثماراً والله ما تخرج. ولذلك قال: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الملك:21]؟ فلا اللات ولا العزى، ولا الشياطين أو الهوى. بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الملك:21], أي: استمروا وتمادوا في العناد والمكابرة, والطغيان والإصرار على عبادة الأوثان، ومحاربة رسول الله والمؤمنين، فهم فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الملك:21] وطغيان, ولا يريدون أن يسمعوا كلمة لا إله إلا الله، ولا البعث الآخر والدار الآخرة.

    قال تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22]؟ فـأبو بكر رضي الله عنه يمشي مستقيماً, وأبو جهل يمشي مكباً على وجهه. فكل مؤمن صالح الإيمان صادق الإيمان هو مستقيم في هذه الحياة، وكل كافر فاجر فهو كالمكب على وجهه في الأرض, فبينهما فرق كبير في الدنيا, وفي الآخرة يبعثون ويكبون وجوههم في نار جهنم. ولا أحد يسوي بين هذا وهذا, ولا أحد يسوي بين أبي جهل وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان, وبين أبي بكر وعمر والمؤمنين.

    وقوله: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى [الملك:22] إلى طريقه وإلى حاجته وإلى غرضه؟ فهذا الذي يمشي سوياً مستقيماً على صراط واضح مستقيم، وكل كافر كأنما هو يمشي على وجهه مكباً، وما يعرف الطريق أبداً، ولا يصل إلى سعادة أبداً، وكل مؤمن صادق في إيمانه مستقيم على عبادة الله يمشي مستقيماً إلى الجنة، وإلى سعادة الدنيا والآخرة. هذا فضل الله وعطاء الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون)

    قال تعالى لرسوله أن يقول للمشركين: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [الملك:23]. فليس أحد غير الله خلقهم, وهم لا يقولون: خلقهم اللات أو العزى, وإنما يقولون الله, ولا يعرفون إلا الله فقط, فهو خالقهم. و هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ [الملك:23]، ولولا الله ما وهبنا أسماعنا ولا أبصارنا، وما كنا نسمع ولا نبصر. وها نحن نشاهد من سلبهم أبصارهم عمياناً، ما يعرفون كيف يمشون، ومن سلبهم سمعهم صم لا يسمعون أبداً. وقد وهبكم أنتم هذه النعمة, يجب أن تقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتعبدوا الله بما شرع؛ لتستقيموا في الحياة الدنيا, فتكملوا وتسعدوا فيها، ثم تنتقلون إلى دار السلام دار الخلد والبقاء في جنات النعيم.

    فهو الَّذِي أَنشَأَكُمْ [الملك:23], وليس آلهتكم الباطلة الكاذبة. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [الملك:23]. ومع هذا قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الملك:23]. وشكرهم هو كونهم يعرفون الله, ويؤمنون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض.

    والشكر معشر المستمعين والمستمعات! هو أن نعترف بالنعمة للمنعم، وأن نصرف تلك النعمة فيما يحبه ويرضاه، لا فيما هو يسخطه ويغضب عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون)

    قال تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الملك:24]. فقل لهم: يا من تجهلون الله وتتعامون عن الإيمان به ومعرفته، ومعرفة محابه ومكارهه الله هو الذي أنشأكم في الأرض، ولم ينشئكم سواه, وهم لا يقولون: أنشأنا فلان أو فلان، أو الأمة الفلانية، أو الجيل الفلاني أو القبيلة الفلانية. وَإِلَيْهِ [الملك:24] لا إلى غيره تُحْشَرُونَ [الملك:24]. فوالله لنحشرن جميعاً في ساعة واحدة في ساحة فصل القضاء, فيوم القيامة نحشر إلى الله، ثم نحاسب، ثم نجزى إما بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأبدي الأليم. هذا هو الله الذي يدعو محمد إلى أن يُؤمن به ويعبد, وأن يطاع ولا يعصى، وليس الأصنام والتماثيل, ولا الأحجار والشهوات, ولا الأهواء والأطماع.

    وقوله: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ [الملك:24], أي: خلقكم فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ [الملك:24] لا إلى غيره تُحْشَرُونَ [الملك:24] يوم القيامة، وتبعثون وتخرجون من قبوركم أحياء, وتحشرون إلى ساحة فصل القضاء للحساب والجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)

    قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الملك:25]؟ ويتبجحون بهذه الكلمة, فيقولون: متى هذا الوعد الذي تعدوننا أننا نبعث فيه أحياء, ونحاسب ونجزى؟ فهم يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الملك:25]؛ لأنهم منكرون للبعث والدار الآخرة. ومشركوا العرب قلّ من يؤمن منهم بالدار الآخرة، وكلهم لا يؤمنون بالبعث أبداً، ولا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، ويعبدون الأصنام والأحجار والتماثيل, ويتقربون بها في نظرهم إلى الله، فهم يشركون بالله, ويدعون أنهم يتقربون لله بهذه العبادات.

    وقال تعالى في الآية التي قبلها: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الملك:23]. وليس هناك من يقول: نحن أنشأنا فلان, أو خلقنا فلان, أو وهبنا أسماعنا وأبصارنا الصنم الفلاني, أو الرجل الفلاني.

    ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الملك:25]؟ فهم يقولون لرسول الله ولـأبي بكر وعمر والمؤمنين: متى يوم القيامة هذا؟ ومتى اليوم الذي نبعث فيه أحياء كما تزعمون إن كنتم صادقين في ذلك؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين)

    أمر تعالى رسوله أن يرد على الكافرين قائلاً: قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ [الملك:26]. فعلم الساعة عند الله، وليس عندي أنا ولا عند غيري. والساعة لا بد أن تدق, ولا بد من الموت والبعث والجزاء، ولكن هذا علمه إلى الله عز وجل، كما قال تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:63]. وهي والله إنها لقريبة وأقسم بالله، وبالأمس قلنا: نحن في آخر اليوم, فآدم يعتبر من الفجر, وهكذا توالت الأمم, ونحن الآن بعث نبينا بعد العصر، فنحن الآن قريبون من غروب الشمس.

    وقوله: قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ [الملك:26], أي: وليس عند غيره أبداً من عباده. وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ [الملك:26] لكم مُبِينٌ [الملك:26], أي: مبين لكم الطريق، فمن أجاب اهتدى وسعد، ومن أعرض وتكبر وتجبر ولج في الخصومات والباطل هلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون)

    قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً [الملك:27], أي: قريباً, أي: فلما رأوا يوم القيامة وساعة فصل القضاء ويوم يرون الحشر والجمع. فما إن يروه قريباً منهم حتى تزلف وجوههم وتسود, والعياذ بالله. قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً [الملك:27], أي: قريباً منهم, سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الملك:27] واسودت, والعياذ بالله. فسيئت وجوه الذين كفروا بالله عز وجل، والذين ألهوا غيره، وعبدوا سواه، وكذبوا برسالات رسله، وكذبوا بأنبيائه ورسله، وكذبوا بأعظم ذلك, وهو البعث والدار الآخرة. فنبرأ إلى الله من الكفر, ونعوذ بالله من الكفر. فقولوا: آمنا بالله وبرسوله, وبلقائه وبكتابه، ولنحيا على ذلك ونموت، ونبرأ إلى الله من الكفر والكافرين، والعياذ بالله. فهم ما إن يبعثوا إلا وتسود وجوههم، والعياذ بالله، وتزرق عيونهم, ويساقون إلى جهنم. وقد قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ [الملك:27], أي: قال لهم الرب تبارك وتعالى أو ملائكته: هذا اليوم الذي كنتم توعدون، وهذا الذي كنتم تكفرون به وتكذبون، وهذا الذي كنتم به تدعون, وتقولون: إنه لن يوجد ولن يقع, وأنه لا حشر ولا بعث ولا نشور، فقد كانوا يدعون هكذا. فهم قالوا: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الملك:25]؟ فيقول لهم موبخاً لهم: هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ [الملك:27], وتقولون: إنه لا يقع ولا يكون ولا يوجد، فقد وقع ووجد وكان, وها هم بين يدي ربهم, والله يوبخهم ويؤنبهم. فيقول لهم: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً [الملك:27], أي: قريباً, سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الملك:27], تغيرت وتبدلت, واسودت وجوه الذين كفروا، ولم يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا عبدوا الله، ولا زكوا أنفسهم, ولا طهروها ولا طيبوها بهذه العبادات التي شرعها الله؛ لأنهم كانوا منكرين للبعث، لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا بما يتم فيها من الجزاء. والعياذ بالله تعالى. والله تعالى أسأل أن يجعلنا مؤمنين صادقين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: تقرير حقيقة ثابتة: وهي أن الكافر يعيش في غرور كامل، ولذا يرفض دعوة الحق ] فهو يعيش في الظلام, سواء كان أبيض أو أسود، وهكذا كل من كفر بالله وبلقائه، وبرسوله وبكتابه, وما أنزل على رسوله. وهؤلاء الكفار في العالم بأسره يعيشون على الغرور والانخداع والباطل من يوم أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم وإلى يوم القيامة. فالكافرون في غرور وفي انخداع وفي باطل، والشياطين تعبث بقلوبهم، وتزين لهم الباطل، وتبعدهم عن الحق والإيمان واتباعه إلى اليوم.

    [ ثانياً: تقرير حقيقة ثابتة: وهي انحراف الكافر وضلاله ] وبطلان حياته [ واستقامة المؤمن وهدايته ] وصلاح حياته. والكافر في ضلال .. في عمى .. في جهل .. في باطل .. في ظلام, والعياذ بالله، وفي غرور وانخداع, بخلاف المؤمنين, فهم أحياء، المؤمن والله حي يسمع ويبصر، ويعطي ويأخذ، وينادي ويجيب، والكافر لا يسمع ولا يبصر ولا يجيب أبداً؛ لأنه ميت. وهذا الذي لا ننساه أبداً، فالإيمان بمثابة الروح، فمن آمن حيي، فأصبح يسمع ويبصر، ويعطي ويأخذ، ومن كفر -والعياذ بالله تعالى- مات. فإذا ناديت الكافر لم يستجب لك, ولن يقوم يصلي؛ لأنه ميت، مقدم على الشهوات وعلى المفاسد كلها, وعندما تنهاه ما يستجيب؛ لموته. وأما المؤمن فلو زلت قدمه وفعل ذنباً وقلت له: يا عبد الله! قال: أستغفر الله وأتوب إليه وبكى؛ لأنه حي، وأما الكافر فلا يسمع ولا يجيب أبداً. فلهذا ندعوهم إلى الإيمان -أي: إلى الحياة- إلى أن يحيوا، فإذا حيوا أمرناهم ففعلوا، ونهيناهم فتركوا، أما وهم كفار أموات فما يستجيبون.

    [ ثالثاً: وجوب الشكر لله تعالى على نعمة السمع والبصر, والقلب ] والهداية [ وذلك بالإيمان والطاعة ] فيا عباد الله! والله لو ضللنا طول النهار قائلين: الحمد لله، ما وفينا حق الله أبداً. فهو الذي وهبك سمعك, وأنت لا تقدر أن تشتري السمع, ولا أن تشتري البصر, ولا أن تشتري حياتك. بل الذي وهبك هذا وأعطاك إياه هو الله. وهو يقبل منك أن تقول: الحمد لله، وأن تطيعه ولا تعصيه، فإذا أمرك فعلت، وإذا نهاك تركت، وإذا رغبك رغبت، وإذا حببك إلى الشيء أحببته. فكن عبد الله ووليه أيها المؤمن!

    [ رابعاً ] وأخيراً من هداية الآيات: [ تقرير عقيدة البعث والجزاء ] وأعيد القول وأكرره: أن الذي لا يؤمن بالدار الآخرة وما يتم فيها من عذاب وشقاء أو نعيم وسعادة، ولا يؤمن بالدار الآخرة والله لا خير فيه، ولا يوثق فيه، ولا يعول عليه، ولا يصدق أبداً؛ لأنه شر المخلوقات. فالذي لا يؤمن بالبعث والدار الآخرة لا يعول عليه في شيء، ولا يوثق فيه أبداً.

    وشيء آخر, وهو: أن كل الجرائم والموبقات العظيمة التي ترتكب والله أصحابها ما آمنوا بالبعث والدار الآخرة وأقسم بالله, وكذلك سفك الدماء والفجور والباطل والكذب أصحابه ما آمنوا بالبعث والدار الآخرة، وإن آمنوا فهو إيمان صوري فقط, وليس في قلوبهم إيمان أنهم سيقفون بين يدي الله، وأنهم سيسألون وسوف يحاسبون، وسوف يجزون، ومن آمن هذا الإيمان ما يستطيع أن يستمر على المعصية, ووالله ما يقدر عليها.

    وبلغنا اليوم أن في الأمس سائق سيارة أخذ من مكة ستة أنفار على خمسين ريالاً للواحد، فلما وصل بهم إلى نصف الطريق قال لهم: ادخلوا المطعم تغدوا، فدخلوا المطعم, فهرب بسيارته. فهذا ما يؤمن بالله ولقائه, ووالله ما يؤمن بالبعث والدار الآخرة. وهو ما عرف الله ولا الدار الآخرة، وإلا لم يقدم على هذا الإجرام. وهكذا كل جريمة كبيرة صاحبها ما يؤمن بأنه سيقف بين يدي الله, وأنه سيسأله ويستنطقه, ثم يحاسبه ويجزيه. ولهذا أركان الإيمان ستة, وأعظمها بعد لا إله إلا الله محمد رسول الله: الإيمان بالبعث والدار الآخرة، وإذا ضعف هذا المعتقد في نفس العبد ما يستقيم أبداً. ونبرأ إلى الله من هؤلاء.