إسلام ويب

تفسير سورة المزمل (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء امتلأ قلبه لذلك خوفاً وفزعاً، فانقلب إلى أهله وقال لزوجه خديجة: زملوني زملوني، ثم بعد ذلك أنزل الله عليه سورة المزمل يأمره فيها بقيام الليل وتسبيح الله عز وجل فيه، وذلك لأسباب: منها أن نهاره سيكون مشغولاً بالجهاد والدعوة وشئون الحياة، ومنها الاستعانة بذلك على تحمل ثقل الدعوة والرسالة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها المزمل)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن مع سورة المزمل، والسورة أولها مكي وآخرها مدني، وهي عشرون آية، وأولها مكي نزل بمكة، وآخرها مدني نزل بالمدينة النبوية، ومع هذه الآيات التسع, فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، والله تعالى أسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:1-9].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1]! من هو المزمل هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقد لقب بالمزمل لأنه يوم ابتدأه الوحي في غار حراء وجلس بين يديه جبريل عليه السلام عاد ترتعد فرائصه, وهو يقول لـخديجة زوجته: ( زملوني دثروني، زملوني دثروني ), أي: غطوني بغطاء؛ حتى يخف عني هذا البرد.

    فالمزمل: المتدثر المتلفف في ثيابه، والتزمل هو: التدثر والتلفف في الثياب. فناداه ربه بهذا النداء: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1]!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً)

    نادى الله تعالى نبيه في هذه السورة ليأمره بقوله: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:2], أي: قم صل في الليل، واركع واسجد واتل كتاب الله, إلا قليلاً منه لا تقم فيه، أي: حتى تنام فيه.

    ثم بين تعالى ذلك بقوله: نِصْفَهُ [المزمل:3], أي: نصف الليل، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [المزمل:3], أي: أو انقص من النصف شيئاً يسيراً, أو حتى يصبح ثلثاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل:4] حتى يصبح ثلثين. فأنقص من النصف حتى يصير ثلثاً، أو زد على النصف حتى يصبح ثلثين. وهكذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يقوم، فقد كان أحياناً يقوم نصف الليل، وأحياناً ثلثي الليل، وأحياناً ثلث الليل، وقد كان يقوم هذه الأوقات للتهجد، ولتلاوة كتاب الله وذكر الله, والعبادة التي هي الصلاة.

    وقوله: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2], هذا الأمر للوجوب. وقد استمر صلى الله عليه وسلم يؤدي هذا الواجب, حتى خفف الله عنه في آيات المدينة في قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل:20]. فخفف عنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً)

    قال تعالى: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4]. ترتيل القرآن: التمهل والترسل فيه, فلا تسرع بالقراءة، بل ترتيل القرآن: الترسل فيه آية آية, أو حرفاً حرفاً؛ حتى يسمع الصوت ويفهم القلب, فيتفق السمع والقلب معاً؛ لأن السرعة في القراءة ما تفيد، فلذلك لا بد من الترتيل، كما قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4]. وهذا لكل الأمة. فالذين يسرعون في التلاوة ما يستفيدون منها، وما يتدبرون وما يفهمون، ولكن الذين يرتلونه ويترسلون فيه هم الذين يستفيدون من تلاوته. والترسل: أن يقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] بتمهل, ويقف هنا, ثم يواصل الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]. وهكذا, ويتفكر ويفهم ويتدبر، وأما أن يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3], ويصلها بسرعة, فهذا ما يجزئ، ولا يحصل قارئه هذا الهدى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)

    قال تعالى لرسوله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]. ألا وهو القرآن العظيم، فهو ثقيل, فيه الأوامر والنواهي، وفيه الرباط والجهاد، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو ثقيل، وليس خفيفاً أبداً. ومع هذا فقد كان ثقيلاً لما يتلى عليه، فإذا كان عليه الصلاة والسلام على راحلته وناقته وقرأ ونزل عليه الوحي بالقرآن تسقط الناقة وتخر على صدرها, ولا تقوم أبداً، وكانت عائشة تقول: إذا أوحي إليه وفرغ منه جبريل في الشتاء يتفصد جبينه بالعرق من قوة الوحي. فلهذا قال تعالى: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]. وقد فعل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً)

    قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6]. وهذا بيان إلهي للرسول الكريم. وناشئة الليل: الساعة الأولى من الليل، وناشئة نشأت: ظهرت، فالناشئة: الساعة الأولى من الليل, فبعد أن تنام تستيقظ.

    وقوله: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا [المزمل:6], أي: توافقاً بين القلب وبين السمع والبصر. فعندما يقرأ القرآن هذا الوقت يتواطأ القلب مع السمع الذي يسمع الآيات. وسماع الآيات مع وعي القلب لها يحصل بينهما تواطؤ في القراءة في الليل؛ لأن في النهار تعلو أصوات الناس, وما يتأثر الإنسان بالقراءة هنا، ولكن في الليل يكون الصمت عاماً، ولا صوت فيه أبداً ولا حركة، فإذا قرأت القرآن في هذا الوقت فإنك تسمعه بأذنيك, ولا تسمع غيره، وينتقل إلى قلبك, فتعيه وتفهمه, وتتدبره وتبكي. ولذلك قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا [المزمل:6], أي: تواطؤاً بين القلب وبين السمع، فيحدث السمع والإيمان في القلب, والاعتقاد بالقلب, والفهم بالقلب.

    ثم قال تعالى: وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6]. والقيل: القول، أي: القراءة في الليل في هذه الساعة من أشد ما تكون قائمة، وليس فيها خفاء ولا سرعة, بل بتأنٍ وبصوتٍ عالٍ.

    وهكذا يقرأ المؤمنون القرآن في الليل, متهجدين به. وهذه سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، وقد علمه ربه هذا, وأرشده إليه، ووفقه له، فقال له: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ [المزمل:6], أي: الساعة الأولى من الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا [المزمل:6], لتواطؤ القلب مع السمع، فالسمع يسمع, والقلب يوقن ويؤمن ويستجيب. وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6], أي: وأحسن قولاً، فيكون القيل أو القول مستقيماً تمام الاستقامة، ليس فيه تقديم وتأخير وعجلة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن لك في النهار سبحاً طويلاً)

    قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل:7]. فقد أمره بقيام الليل والتهجد في الليل لعلة, وهي: إن لك يا رسولنا! في النهار عملاً واسعاً، فأعمالك في النهار كثيرة من الدعوة والجهاد, والعمل والبيت والأسرة. وهذه الأعمال لا يستطيع فعلها في الليل والنهار, إذاً: فليقم في الليل, ويترك النهار لعمله النهاري. ولذلك قال تعالى: إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل:7] في أمور دنياك ودينك معاً، فتسبح فيه من الصباح إلى الليل، إذاً: فلن تقوم وتتهجد وتتلو كتاب الله وتتدبره وتتأمله وتعي ما فيه إلا في الليل، وفي ساعة الليل.

    ففي النهار له أعمال وله أسرة، وله دعوة وجهاد وغير ذلك, وفي الليل هو متفرغ, وليس هناك عمل. ونحن الآن سلبتنا هذا هذه الكهرباء والعياذ بالله. فمن يوم ما ظهرت انقلب الليل نهاراً، فأصبح الناس يهرفون ويعبثون في الليل أكثر من النهار. ولو أنا إذا دقت الساعة السادسة أطفأنا الكهرباء لتاب الناس, ورجعوا إلى بيوتهم, وعبدوا الله، ولا يخرجون إلا إلى صلاة العشاء فقط، فإذا انتهت صلاة العشاء أطفأناها نهائياً، ووالله إن هذا خير وأبرك من هذا الذي يحدث الآن، فالآن العبث كله في الليل من النساء والرجال والأطفال، وسبب هذا الكهرباء، فقد أصبح الليل كالنهار.

    وقد قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل:7]. إذاً: فقم الليل، إما نصفه، وإما ثلثيه، وإما ثلثه، في حدود ما تستطيع؛ لأنك في النهار مشغول بأعمال الدنيا ودعوتك وكل أعمالك الصالحة, فأنت مشغول بكل هذا، وما تستطيع أن تتهجد في النهار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً)

    قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]. فاذكر اسم ربك، وقد كان الذكر لا يفارق لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاذكر ربك في كل الأحايين وكل الأوقات، فقد كان لا يفتر لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر الله، وهذا واجبنا نحن. فعلينا دائماً أن نذكر الله، ولا نترك ذكر الله أبداً، بل نذكره ونذكر عظمته، وجلاله وكماله، وإنعامه وإحسانه إلينا، ونذكر جلاله وكماله عز وجل, فنقول: سبحان الله, والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير.

    وقد وردت عشرات الأذكار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلا تفارق هذه الأذكار ألسنة المؤمنين والمؤمنات، وهذا رسول الله يؤمر بذلك, فيقول له تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8], أي: انقطع إلى ربك انقطاعاً كاملاً، ولا تلتفت إلى غير الله، ولا تنظر إلى غير الله، بل انقطع إلى الله, وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً)

    سبب أمر الله رسوله بذكر ربه وأن يتبتل إليه تبتيلاً لأنه رب المشرق والمغرب، ورب المشرقين والمغربين، ورب المشارق والمغارب، بل كل الكون هو مالكه، فلا تطلب إلا منه، فهو الذي يملك كل شيء, وهو الذي تمد يديك إليه وتسأله، والذي لا يملك شيئاً فلا تطلبه؛ لأنه لن يعطيك.

    ثم قال تعالى: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [المزمل:9]. فاسمعوا هذا البيان، فلا إله إلا الله، ولا يوجد إله يستحق أن يؤله -أي: أن يعبد بدعائه والاستغاثة به, أو الذبح والنذر له، أو الخوف منه أو الحب فيه- والله إلا الله، إذ كل هذه المخلوقات مخلوقة مربوبة, والله خالقها ومالكها، وهي تموت وتفنى, ثم يبعثها مرة أخرى؛ ليحاسبها ويجزيها على عملها في دار العمل هذه. إذاً: فلا يوجد إله مع الله, وهم مع هذا يعبدون عيسى، ويعبدون أمه، ويعبدون العزير. وقد كان المشركون من العرب يعبدون اللات والعزى، ومناة وهبل، وغيرها. وجهالنا لما هبطنا من سماء العلى عبدوا الأولياء والقبور، وحلفوا بهم، وذبحوا لهم، ونذروا لهم. وهكذا صرفوا العبادة لغير الله. وسبب ذلك: الجهل.

    وما زال الجهل في المسلمين إلى اليوم، وقد خف بعض الشيء بهذه الوسائط العجيبة كالإذاعة والصحف والمدارس, وما إلى ذلك. ولكن ما زال إخوانكم في الشرق والغرب يعبدون أصحاب القبور أولياء الله، ويحلفون بهم، ويذبحون لهم، وينذرون النذور لهم، ويعكفون على قبورهم، ويرحلون من بلد إلى بلد للوقوف على قبورهم وزيارتهم، والرسول يقول: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ). وهذا يرحل من المدينة إلى بغداد لـعبد القادر الجيلاني ، والعياذ بالله.

    إذاً: قال تعالى هنا: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ [المزمل:8]. فلنذكر اسم ربنا يا عباد الله! فلنقل: سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم .. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ولا ننس ذكر الله، فقد قال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]، أي: انقطع إلى ربك انقطاعاً كاملاً، ولا تخف غيره، ولا تحب غيره، ولا توال غيره، ولا تعبد غيره، ولا إله إلا هو. فهو رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل:9], أي: مطلع الشمس ومغربها، فالله هو المالك لهذا الكون, وليس هناك أحد يملك هذا مع الله والله. فلا إله إلا هو، ولا إله يستحق أن يعبد إلا الله، فلا تعبدوا عباد الله! إلا الله، فإنه لا يوجد إله يعبد معه أبداً.

    ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9], أي: فوض أمرك إلى الله، ووكله في كل حياتك وشئونك, وهو يتولاك، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]. هكذا يقول تعالى. ففوض أمرك إلى الله, واعتمد عليه, وتوكل عليه, ووالله ليحمينك ويحفظنك, ويقيمنك وينصرنك. فالله يرشد رسوله إلى هذا، فهو يقول له: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9], أي: اتخذ ربك وكيلاً، وكل أمرك إليه، وليس إلى وكيل جاهل من العمال أو العلماء، بل كله إلى الله عز وجل.

    وفي هذا إرشاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته تابعة له. وهذا الذي سمعناه ينبغي أن نأخذ منه ما نستطيع؛ ائتساءً برسولنا، واقتداءً بنبينا صلى الله عليه وسلم, وهو أن نقوم ما شاء الله من الليل, ولو نصف ساعة، ولو ساعة، نرتل القرآن ونتلوه، ونقوم الساعة والساعتين من الليل ناشئة الليل، ونسبح الله في الليل والنهار، ونذكره دائماً وأبداً؛ اقتداءً برسولنا صلى الله عليه وسلم. وسيأتي بقية أمر الله لنا في الآيات بعد هذه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات ] التي تدارسناها:

    [ أولاً: الندب ] والترغيب [ إلى قيام الليل، وأنه دأب الصالحين وطريق المتقربين ] وهو شعار الصالحين إلى يوم الدين، ولو ساعة يا عباد الله! ولو بين المغرب والعشاء، فإذا لم تستطع أن تقوم في الليل فقم الساعة الأولى بين المغرب والعشاء، وصل عشر ركعات أو إحدى عشرة ركعة.

    [ ثانياً: الندب ] والترغيب [ إلى ترتيل القرآن, وترك العجلة ] والسرعة [ في تلاوته ] فتقرأ مثلاً: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:1-3], بخلاف الاستعجال كما يعمل الناس. فالترتيل أولى، وقد أمر الله به رسوله وفرضه عليه, فقال: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4].

    [ ثالثاً: صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ لتواطؤ السمع والقلب فيها على فهم القرآن ] ففي الليل ما تسمع أحداً إلا صوتك فقط، والقلب يعي ويفهم، فيتقابل القلب والسمع, فتكون قراءتك كلها خير وهدى لك, وعلم ومعرفة.

    [ رابعاً ] وأخيراً: [ الندب ] والدعوة [ إلى ذكر الله تعالى ] بالقلب واللسان [ بأي وجه من صلاة وتسبيح وطلب علم ودعاء وغير ذلك ] وذكر الله له صور عديدة واردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعظمها أربع كلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويقول صلى الله عليه وسلم: ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ). وكذلك: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير. وكذلك: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها: تلاوة كتاب الله. هذه كلها أذكار واردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الله عز وجل، فلا ننس ذكر الله, ولا نتركه أبداً ولو ساعة, إلا إذا كنا نائمين, وألا تمر ساعة بعبد الله لا يذكر الله فيها.